المحاماة مهنة النبلاء، وفيها عون للقضاء لتسهيل المرافعة والمدافعة وإيصال الحق للخلق، ويتعامل الكبار من المسؤولين والأثرياء ورجال الأعمال مع المحامين لترفعهم عن لجج الخصومة في المحاكم، ولأن أوقاتهم أغلى من الأتعاب التي يحصل عليها المحامي، كما كان علي رضي الله عنه يفعل ، فقد روى البيهقي في السنن الكبرى (6/81) وابن أبي شيبة (3228) عن عبدالله بن جعفر أنه كان يحدث أن عليا – رضي الله عنه – كان لا يحضر الخصومة، وكان يقول: إن لها قُحَماّ يحضرها الشيطان، فجعل خصومته إلى عقيل، فلما كبُرَ ورقَّ حولها إليَّ، فكان علي يقول: ما قُضِي لوكيلي فلي، وما قضي على وكيلي فعليَّ". إلا أن هذه المهنة تحتاج إلى ضبط وتذكير وتأكيد بمراعاة الأخلاقيات التي قررتها الشريعة وأكدتها الأنظمة، وجرت عليها أعراف المحامين في كل زمان ومكان، وهذا منصوص عليه في نظام المحاماة السعودي؛ المادة الحادية عشرة، حيث ألزمت المحامي بالامتناع عما يخل بكرامة المحاماة، ومزاولة المهنة وفقا للشرع الحنيف، ولما تقرره الأنظمة، دون تفصيل لأخلاقيات مهنة المحاماة، فقد تركت للمهتمين والمختصين من الشراح. وبسبب ندرة الكتابة في أخلاقيات المحاماة، أحببت المساهمة بهذه المقالة، وهي نواة للتوسيع والتطوير، وكلي أمل أن يلزم كل محامٍ قبل حصوله على رخصة المحاماة الجديدة أو المجددة أن يوقع على التزامه بأخلاقيات المهنة، وأن يتم التذكير بها، وإقامة الدورات فيها، كما هي أخلاقيات الأطباء والمهندسين وغيرهم. ومن أهم هذه الأخلاقيات ما يأتي:




1) لا تحامِ عن الباطل



لا يليق بالمحامي طبعا ولا يجوز شرعا أن يدافع عن المبطلين، قال تعالى: "ولا تكن للخائنين خصيما" (النساء: 105) قال الشيخ السعدي – رحمه الله – في تفسيره للآية: " أي: لا تخاصم عن مَن عرفت خيانته، من مدع ما ليس له، أو منكرٍ حقا عليه، سواء علم ذلك أو ظنه. ففي هذا دليل على تحريم الخصومة في باطل، والنيابة عن المبطل في الخصومات الدينية والحقوق الدنيوية. ويدل مفهوم الآية على جواز الدخول في نيابة الخصومة لمن لم يعرف منه ظلم "([1]).



وقال الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله:" لا أعلم حرجاً في المحاماة ، لأنها وكالة في الدعوى والإجابة إذا تحرى المحامي الحق ، ولم يتعمد الكذب كسائر الوكلاء ."([2]).



وفي فتوى للجنة الدائمة للإفتاء:" إذا كان في الاشتغال بالمحاماة أو القضاء إحقاق للحق وإبطال للباطل شرعا ورد الحقوق إلى أربابها ونصر للمظلوم – فهو مشروع؛ لما في ذلك من التعاون على البر والتقوى، وإلا فلا يجوز؛ لما فيه من التعاون على الإثم والعدوان، قال الله تعالى: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } (سورة المائدة : 2)([3]).

وقال الشيخ العثيمين – رحمه الله - :" إذا كان المحامي يريد إيصال الحق إلى أهله؛ فلا بأس أن يمارس هذه المهنة، وإن كان يريد أن يغلب الناس في قوله ومحاماته بالحق أو بالباطل؛ فهذا حرام."([4]).

وقال في فتوى أخرى:" المحاماة في الإسلام إذا كان الإنسان يريد إحقاق الحق وإبطال الباطل فهي خير ومأمور بها، لما فيها من إزالة الظلم عن المظلوم، ومعاونة صاحب الحق على حقه. وأما إذا كان الإنسان يحامي بالباطل بأن يكون كلامه هو المنتصِر فهذا حرام، فهي ترجع إلى نية المحامي"([5]).

وفي فتوى مفصلة قال – رحمه الله - :" المحاماة مفاعلة من الحماية ، والحماية إن كانت حماية الشر ودفاع عنه فلا شك أنها محرمة ، لأنه وقوع فيما نهى الله عنه في قوله " ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " . وإن كانت المحاماة لحماية الخير عنه فإنها حماية محمودة مأمور بها في قوله - تعالى- " وتعاونوا على البر والتقوى " . وعلى هذا فإن من أعد نفسه لذلك يجب عليه قبل أن يدخل في القضية ويدرسها فإن كان الحق مع طالب المحاماة دخل في المحاماة وانتصر للحق ونصر صاحبه ، وإن كان الحق في غير جانب من طلب المحاماة فإنه يدخل في المحاماة أيضا لكن المحاماة هنا تكون عكس ما يريد الطالب ، بمعنى أنه يحامي عن هذا الطالب حتى لا يدخل فيما حرم الله عليه ، وفي دعوى ما ليس له أو إنكار ما هو عليه ، وذلك لأن النبي ، ، قال " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ، قالوا يا رسول الله هذا المظلوم فكيف ننصره إذا كان ظالماً ؟ قال تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه " . فإذا علم أن طالب المحاماة ليس له حق في دعواه فإن الواجب أن ينصحه وأن يحذره وأن يخوفه من الدخول في هذه القضية، وأن يبين له وجه بطلان دعواه حتى يدعها مقتنعاً بها"([6]).

وقال ابن فرحون المالكي – رحمه الله - في التبصرة: مسألة : ولا تجوز الوكالة من المتهم بدعوى الباطل ولا المجادلة عنه ، قال ابن العربي في أحكام القرآن : في قوله تعالى: "ولا تكن للخائنين خصيما" إن النيابة عن المبطل المتهم في الخصومة لا تجوز ، بدليل قوله تعالى لرسوله عليه السلام: "واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما".




2) أن يكون شريكا في العدالة لا مضللا لها



وقد كان هذا الملحظ مثار اهتمام الفقهاء، قال ابن بسام في نهاية الرتبة في طلب الحسبة ص 137عن الوكلاء في الخصومة (الوظيفة التي يمثلها المحامون حالياًّ):" ينبغي أن يعرفَ عليهم عريفاً وأن يكون الوكلاء المناظرون بأبواب الحكام أمناء غير خونة ولا فسقة، فقد يمسك أحدهم عن إقامة الحجة لموكله من أجل الرشوة على ذلك، ولا يسعى الوكيل في فراق زوجين، ولا يعلِّم مُقِراًّ إنكارا، فمن انكشف بذلك أو بعضه أُدِّب أو أشهر وأُصرِفَ ... ويجب على جماعتهم إذا شكوا في شيء رجعوا إلى رأي من نصب إلى هذا الأمر". وقد ورد في لائحة نظام المحاماة ما نصه: : 11/1 على المحامي ألا يتوكل عن غيره في دعوى أو نفيها وهو يعلم أن صاحبها ظالم ومبطل، ولا أن يستمر فيها، إذا ظهر له ذلك أثناء التقاضي.




3) احترام الخصم في مجلس القضاء وخارجه



فقد قرر الفقهاء أن أي طرف في الدعوى يلزمه احترام الطرف الآخر، وألا يقاطعه ولا يقاطع الشهود، ولا ينال منهم، ولا من القاضي أو معاونيه، وإلا لزم إسكاته واتخاذ ما يردعه. المغني 11/386. وقد نصت المادة الثانية عشرة من نظام المحاماة على الآتي :" لا يجوز للمحامي أن يتعرض للأمور الشخصية الخاصة بخصم موكله أو محاميه، وعليه أن يمتنع عن السب أو الاتهام بما يمس الشرف والكرامة". وفي لائحة نظام المحاماة ما نصه :" 11/4 على المحامي أن يلتزم بالأدب أثناء الترافع، فلا يظهر لدداً أو شغباً ، أو إيذاءً لخصمه أو غيره في مجلس الترافع ".




4) عدم مجاوزة العمل المحدد من موكليه



ويشمل ذلك ما في صيغة الوكالة، وما في العقد المبرم المكتوب، كما يشمل ما تم الاتفاق عليه ولو شفهياًّ، كما إذا منعه من الصلح والإقرار، ونحو ذلك.




5) حفظ ما يطلع عليه من أسرار



قال السمناني – رحمه الله – في صفات وكيل الخصومة (المحامي سابقا) :" يكون مأمونا على الخصومة، وعلى دقيق ما يجري فيها "روضة القضاة 1/122. وهذا منصوص عليه في نظام المحاماة، المادة الثالثة والعشرين، ونص المراد منها: " لا يجوز للمحامي أن يفشي سراً أؤتمن عليه أو عرفه عن طريق مهنته ولو بعد انتهاء وكالته، ما لم يخالف ذلك مقتضى شرعياً، ".

وفسرتها اللائحة بما نصه:

23/1 يعد من إفشاء السر الممنوع في هذه المادة ما يلي:-

أ - التبليغ بمعلومات، أو نشر مستندات، أو وثائق، أو رسائل، في القضايا الجنائية.

ب – نشر المعلومات، والوثائق، والأحكام، مما له صفة السرية في الصحف، ونحوها.

23/2 لا يعد من إفشاء السر ما يلي:

أ - الشهادة على موكله، أو مستشيره.

ب – الإدلاء بالوقائع والمعلومات بقصد الدفاع عن مصالح موكله إذا طلبه منه، أو أذن له في ذلك، أو اقتضاه الترافع.

جـ - إذا كان يترتب على الإفشاء منع وقوع جناية، كان قد ذكرها له موكله، أو مستشيره.

د - إذا استفسرت منه الجهات عن معلومات، ووقائع معينة.

هـ - إذا كان السر يتعلق بنزاع بين المحامي وموكله، وكان الإفشاء ضروريا لإنهاء هذا النزاع.




6) الرفق بالعملاء والابتعاد عن الطمع



قرر الفقهاء أهمية نصح الوكلاء في الخصومة (المحامين) بالرفق بمن يتعاقد معهم، ففي مطالب أولى النهى6/482 :" ويوصي القاضي نفسه وجوباً ثم الوكلاء والأعوان ببابه:بالرفق بالخصوم، وقلة الطمع؛ لئلا يضر الناس" ووما يدخل في ذلك، الامتناع عن شراء الحقوق المتنازع فيها، لما في ذلك غالبا من غبن للبائع، الذي لا يعلم عن نسبة نجاح القضية المتنازع فيها، وهذا منصوص عليه في نظام المحاماة السعودي؛ المادة الخامسة والعشرين، ونصها :" لا يجوز للمحامي أن يشترى كل الحقوق المتنازع عليها أو بعضها التي يكون وكيلاً عليها." وفسرتها اللائحة بما نصه:

25/1 يلحق بالحالة الواردة في هذه المادة ما يلي:- أ - شراء المحامي تلك الحقوق، أو بعضها ، باسم غيره. ب - نقل ملكية السندات باسمه من أجل الادعاء بها مباشرة دون وكالة.

25/2 لا يسري المنع الوارد في هذه المادة على المحامي بعد انتهاء علاقته بالدعوى ..




7) الوفاء بالعقد الوفاء بالعقد من سمات المؤمنين،



قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ..." (المائدة: 1)، ولا يحق للمحامي التنصل عن العقد، دون سبب مشروع، إذ مما يكثر أن المحامي إذا رأى توجه القضية ضد موكله فسخ الوكالة، حتى لا يسجل اسمه في قضية خاسرة، ولأنه أيس من الأتعاب إن كانت نسبة من المحكوم به، وهذا ليس من أخلاق الكرام مع من اختارك من بين المحامين، وهو من التخلي عنه في وقت الكربة، وهذا منصوص عليه في نظام المحاماة السعودي؛ المادة الثالثة والعشرين، ونص المراد منها ما يأتي : " لا يجوز له بدون سبب مشروع أن يتخلى عما وكل عليه قبل انتهاء الدعوى." وفسرتها اللائحة بما نصه:

23/3 يقصد بانتهاء الدعوى في هذه المادة صدور حكم مكتسب للقطعية في القضية أياًّ كان نوعها، ما لم يتفقا على خلاف ذلك .

23/4 يرجع في تحديد السبب الوارد في هذه المادة بكونه مشروعا، أو غير مشروع إلى المحكمة المختصة بنظر تلك الدعوى.

23/5 على المحامي إذا تخلى عما وكل عليه قبل انتهاء القضية لسبب مشروع أن يبلغ موكله بخطاب مسجل مصحوب بعلم الوصول أو يبلغ الجهة ناظرة القضية بطلب يقدم منه لها، ويتم قيده لديها.

23/6 على المحامي إذا تخلى عما وكل فيه قبل انتهاء الدعوى أن يرد لموكله سند التوكيل، والمستندات، والأوراق الأصلية، ومسودات الأوراق، والمراسلات المتعلقة بالدعوى. ---------------------------------------------




([1]) تفسير السعدي – طبعة الرسالة ص 199.

([2]) فتاوى إسلامية

([3]) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 1/793.

([4]) الباب المفتوح – اللقاء 33.

([5]) الباب المفتوح – اللقاء 134.

([6]) فتاوى إسلامية




د.عبد العزيز سعد الدغيثر

طريق الاسلام