تنوعت عبارات السلف فيه، فقيل في الإخلاص:

- أن يكون العمل لله تعالى، لا نصيب لغير الله فيه.

- إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة.
- تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين.

- تصفية العمل من كل شائبة.

المخلص هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الناس من أجل صلاح قلبه مع الله عزوجل، ولا يحب أن يطلع الناس على مثاقيل الذر من عمله. قال تعالى: ((وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء)) وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : ((قل الله أعبد مخلصاً له ديني)).


متى يكون إظهار العمل مشروعاً؟


قال ابن قدامة: {فصل في بيان الرخصة في قصد إظهار الطاعات} قال: وفي الإظهار فائدة الإقتداء، ومن الأعمال ما لا يمكن الإسرار به كالحج والجهاد، والمظهر للعمل ينبغي أن يراقب قلبه حتى لا يكون فيه حب الرياء الخفي بل ينوي الإقتداء به {إذاً ينبغي أن نحسن نياتنا في الأعمال المظهرة لندفع الرياء وننوي الإقتداء لنأخذ الأجر}، قال ولا ينبغي للضعيف أن يخدع نفسه بذلك، ومثل الذي يظهره وهو ضعيف كمثل إنسان سباحته ضعيفة فنظر إلى جماعة من الغرقى فرحمهم فأقبل إليهم فتشبثوا به وغرقوا جميعاً.


المسألة فيها تفصيل:


- الأعمال التي من السنة أن يكون عملها سرّاً يسرّ.

- الأعمال التي من السنة أن يظهرها يظهرها.

- الأعمال التي من الممكن أن يسرها أو يظهرها، فإن كان قوياً يتحمل مدح الناس وذمهم فإنه يظهرها وإن كان لا يقوى فيخفي، فإذا قويت نفسه فلا بأس في الإظهار لأن الترغيب في الإظهار خير.

ورد عن بعض السلف أنهم كانوا يظهرون بعض أعمالهم الشريفة ليقتدى بهم كما قال بعضهم لأهله حين الاحتضار (( لا تبكوا علي فإني ما لفظت سيئة منذ أسلمت)).

قال أبو بكر بن عياش لولده (( يا بني إياك أن تعصي الله في هذه الغرفة فإني ختمت القرآن فيها اثنتا عشرة ألف ختمة)) من أجل موعظة الولد، فمن الممكن أن يظهر المرء أشياء لأناس معينين مع بقاء الإخلاص في عمله لقصد صالح.


ترك العمل خوف الرياء،


وهذا منزلق كشفه الفضيل بن عياض: ترك العمل لأجل الناس رياء والعمل من أجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما. قال النووي: من عزم على عبادة وتركها مخافة أن يراه الناس فهو مرائي" لأنه ترك لأجل الناس" لكن لو ترك العمل ليفعله في الخفاء. فمن ترك العمل بالكلية وقع في الرياء، وكذلك من كان يستحب في حقه إظهار العمل فليظهره كأن يكون عاملاً يقتدى به أو أن العمل الذي يعمله المشروع فيه الإظهار.


ينبغي أن نفرق بين الرياء ومطلق التشريك في العمل، فمتى يبطل العمل ؟ إ


اذا حصل تشريك فيه ، ومتى يأثم ؟ ومتى لا يأثم؟

1- أن يعمل لله ولا يلتفت إلى شيء آخر ( أعلى المراتب).

2- أن يعمل لله ويلتفت إلى أمر يجوز الالتفات إليه ، مثل رجل صام مع نية الصيام لله أراد حفظ صحته، ورجل نوى الحج والتجارة، ورجل جاهد ونظر إلى مغانم، ورجل مشى إلى المسجد وقصد الرياضة، ورجل حضر الجماعة لإثبات عدالته وأن لا يتهم، فهذا لا يبطل الأعمال ولكن ينقص من أجرهاـ والأفضل أن لا تكون موجودة ولا مشركة في العمل ولا داخلة فيه أصلاً.

3- أن يلتفت إلى أمر لا يجوز الالتفات إليه من الرياء والسمعة وحمد الناس طلباً للثناء ونحو ذلك:

أ‌- إذا كان في أصل العمل فإنه يبطله كأن يصلي الرجل لأجل الناس.

ب‌- أن يعرض له خاطر الرياء أثناء العمل فيدافعه ويجاهده، فعمله صحيح وله أجر على جهاده.

جـ - أن يطرأ عليه الرياء أثناء العمل ولا يدافعه و يستمر معه وهذا يبطل العمل.

4- أن يكون عمله الصالح للدنيا فقط، فيصوم لأجل الحمية والرجيم ولا يطلب الأجر، ويحج للتجارة فقط، ويخرج زكاة أموال لتنمو، ويخرج للجهاد للغنيمة ، فهؤلاء أعمالهم باطلة (( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما يشاء لمن يريد ثم جعلنا له جهنم))، (( أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها)).

5- أن يكون عمله رياءً محضاً، وبالرياء يحبط العمل بل ويأثم به الإنسان، لأن هناك أشياء تبطل العمل ولا يأثم صاحبها كخروج ريح أثناء الصلاة، ومن الناس من يرائي في الفتوى للأغنياء والوجهاء وقد يكون لضعفه أمامهم ، فقال بعض السلف: (( إذا رأيت العالم على أبواب الغنى والسلطان فاعلم أنه لص)) ، أما الذي يذهب لقصد الإنكار والخير فلهو ما نوى.


هناك أشياء تظن من الرياء وليست منه :


- إذا حمدك الناس على الخير بدون قصد فهذا عاجل بشرى المؤمنين.

- رجل رأى العابدين فنشط للعبادة لرؤيته من هو أنشط منه.

- تحسين وتجميل الثياب والنعل وطيب المظهر والرائحة.
- كتم الذنوب وعدم التحدث بها ، فبعض الناس يظن أنك حتى تكون مخلصاً لابد من الإخبار بالذنوب، نحن مطالبون شرعاً بالستر، وكتم الذنوب ليس رياءً بل هو مما يحبّه الله، بل إن ظن غير ذلك تلبيس من الشيطان وإشاعة للفاحشة وفضح للنفس.

- اكتساب شهرة بغير طلبها، كعالم اشتهر وقصده منفعة الناس و بيان الحق ومحاربة الباطل والرد على الشبهات ونشر دين الله، فإن كانت هذه الأعمال وجاءت الشهرة تبعاً لها وليست مقصداً أصلياً فليس من الرياء.

- ليس من الرياء أن يشتهر المرء ولكن الشهرة يمكن أن توقع في الرياء!!
أعمال القلوب



الاخلاص



الكلم الطيب

.................................................. ................


" الإخلاص لله طريق السعادة "
غنى العبد بطاعة ربه والإقبال عليه، وإخلاص الأعمال لله أصل الدين وتاج العمل، وهو عنوان الوقار، وسمو الهمة، ورجحان العقل، وطريق السعادة، ولا يتم أمر ولا تحصل بركة إلا بصلاح القصد والنية، وقد أمر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالإخلاص في أكثر من آية، فقال له : " فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ " [الزمر: 2] وقال له : " قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ " [الزمر: 11] وقال : " قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي " [الزمر: 14] فصلاح العمل من صلاح النية، وصلاح النية من صلاح القلب .
وأصل قبول الأعمال عند الله الإخلاص مع المتابعة يقول ابن مسعود رضى الله عنه : " لا ينفع قول وعمل إلا بنية، ولا ينفع قول وعمل ونية إلا بما وافق السنة " .

والإخلاص عزيز في جانب العبادات يقول ابن الجوزي
(صيد الخاطر): " ما أقل من يعمل لله تعالى خالصاً؛ لأن أكثر الناس يحبون ظهور عباداتهم " .


ويقول ابن رجب (جامع العلوم والحكم) : " الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة أو الحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة " .


وقد افتتح بعض العلماء كالإمام البخاري في صحيحه، والمقدسي في " عمدة الأحكام " والبغوي في "شرح السنة " و" مصابيح السنة" والنووي في " الأربعين النووية " ـ مصنفاتهم بحديث : « إنما الأعمال بالنيات » إشارة منهم إلى أهمية الإخلاص في الأعمال، وسفيان الثوري يقول : " ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي، لأنها تتقلب علي " والعمل من غير نية خالصة لوجه الله طاقة مهدرة، وجهد مبعثر، وهو مردود على صاحبه، والله تعالى غني حميد لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً له سبحانه، يقول أبو أمامة الباهلي رضى الله عنه : " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله، أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ما له ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شيء له، فأعادها عليه ثلاث مرات ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له : لا شيء له، ثم قال : إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغى به وجه الله " (رواه أبو داود والنسائي) .


ويقول عليه الصلاة والسلام قال الله عز وجل : « أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه » (رواه مسلم) .


* الواجب في الإسلام الإخلاص مع كثرة العمل :

العبرة في الإسلام ليست بكثرة العمل فحسب، إنما الواجب صحة الإخلاص لله وكثرة العمل الموافق لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وقد جمع ربنا ذلك في قوله تعالى : " وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ " [البينة: 5] فجمعت هذه الآية الإخلاص وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
والعمل ـ وإن كان كثيراً ـ مع فقد صحة المعتقد يورد صاحبه النار قال سبحانه : " وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا " [الفرقان: 23] .

وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى : " الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ ا
الْعَزِيزُ الْغَفُورُ
" [الملك: 2] قال : " أخلصه وأصوبه قالوا : يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه ؟ فقال : إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة " .

* ما هي الأعمال التي أخلص فيها الله ؟

بعض الناس يظن أن الإخلاص إنما هو فقط في الصلاة وقراءة القرآن وأعمال العبادات الظاهرة كالدعوة إلى الله والإنفاق، وهذا غير صحيح، فالإخلاص واجب في جميع العبادات حتى زيارة الجار وصلة الرحم وبر الوالدين، فهذه مطلوب فيها الإخلاص، وهي من أجل العبادات، وكل فعل يحبه الله ويرضاه واجب فيه إخلاص النية مهما كان العمل، حتى في جانب المعاملات كالصدق في البيع والشراء وحسن معاملة الزوجة والاحتساب في إصلاح الأولاد وغيرها، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : « ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى اللقمة تضعها في في امرأتك » (متفق عليه) .


فكل أمر يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة فهو عبادة، وواجب فيها الإخلاص وإن دق العمل .


* ما هو الإخلاص ؟


ضابط الإخلاص : أن تكون نيتك في هذا العمل لله لا تريد بها غير الله لا رياء ولا سمعة ولا رفعة ولا تزلُّفاً عند أحد ولا تترقب من الناس مدحاً ولا تخشى منهم قدحاً فإذا كانت نيتك لله وحده ولم تزين عملك من أجل البشر فأنت مخلص يقول الفضيل بن عياض : " العمل لأجل الناس شرك وترك العمل لأجل الناس رياء والإخلاص أن يعافيك الله منهما " .


فأخلص جميع أعمالك له سبحانه ولا تتطلع لأحد، وأدخل نفسك في قوله تعالى : " قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ " [الأنعام: 162-163] .


*أثر الإخلاص :


إذا قوي الإخلاص لله وحده في الأعمال ارتفع صاحبه إلى أعالي الدرجات، يقول أبو بكر بن عياش : " ما سبقنا أبو بكر بكثير صلاة ولا صيام، ولكنه الإيمان وقر في قلبه والنصح لخلقه " .


وفي هذا يقول عبد الله بن المبارك : " رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية " وبالعمل القليل مع الإخلاص يتضاعف الثواب، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: « من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه (الفلو: المهر: وهو ولد الفرس) حتى تكون مثل الجبل العظيم » (متفق عليه) .


قال ابن كثير (تفسير ابن كثير) : في قوله تعالى : " وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " [البقرة: 261] قال أي بحسب إخلاصه في عمله .


وإذا قوي الإخلاص وعظمت النية وأخفي العمل الصالح مما يشرع فيه الإخفاء، قَرُب العبد من ربه، وأظله تحت ظل عرشه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : « سبعة يظلهم الله في ظله... وذكر منهم : ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه » (متفق عليه) .


* بركة العمل في الإخلاص وإن قل العمل :


إذا أخلص العبد النية وعمل عملاً صالحاً ولو يسيراً فإن الله يتقبله ويضاعفه .


يقول النبي صلى الله عليه وسلم : « لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين» (رواه مسلم) وفي رواية : « مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق، فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخل الجنة» .

فبإخلاصه مع يسر العمل أدخله الله الجنة برحمته .

وتأمل في المرأة البَغيَّ التي عملت أعمالاً قبيحة، ثم عملت عملاً يسيراً في أعين البشر، وهو سقاية كلب، وليس إنساناً، فغفر الله لها بذلك العمل اليسير مع سوء عملها من البغي، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : « بينما كلب يطيف (يطيف: يدور) بركية (الركية: البئر
) قد كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها (الموق: الخف) فاستقت له به فسقته، فغفر الله لها به » (متفق عليه) .


* بالنية الصادقة تنال ثواب العمل وإن لم تعمل :


الكرم من صفات رب العالمين، والعبد إذا أحسن القصد ولم تتهيأ له أسباب عمل الصالحات، فإنه يؤجر على ذلك الفعل وإن لم يعمله كرماً من الله وفضلاً، يقول جابر بن عبد الله رضى الله عنه : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال : « إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم حسبهم المرض » وفي رواية : « إلا شركوكم في الأجر » رواه مسلم، ورواه البخاري عن أنس قال : رجعنا من غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « إن أقواماً خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعباً ولا وادياً إلا وهم معنا حبسهم العذر » .


ويقول النبي عليه الصلاة والسلام عن الرجل الذي لا مال عنده وينوي الصدقة ويقول : لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم : « فهو بنيته فأجرهما سواء » (رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح).


وفي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عباس رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال : « إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة » .


فالمسلم يجعل نيته في كل خير قائمة، يقول عمر بن الخطاب رضى الله عنه : " أفضل الأعمال صدق النية فيما عند الله " ومن سره أن يكمل له عمله فليحسن نيته، فإن الله يأجر العبد إذا حسنت نيته حتى باللقمة ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : « ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجر عليها حتى اللقمة تضعها في فيّ امرأتك» (متفق عليه) .


يقول زبيد اليامي : " انو في كل شيء تريد الخير حتى خروجك إلى الكناسة " ويقول داود الطائي : " رأيت الخير كله إنما يجمعه حسن النية " وكان السلف الصالح يحثون على حسن النية في كل أمر صالح، يقول يحيى بن كثير : " تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل " .


* ثمرات الإخلاص :


العمل الصالح لا يقبل إلا بالإخلاص، وبدون إخلاص يرد العمل ولو كثر، والإخلاص مانع بإذن الله من تسلط الشيطان على العبد قال سبحانه عن إبليس : " قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ " [ص: 82-83] .


والمخلص محفوظ بحفظ الله من العصيان والمكاره، قال سبحانه عن يوسف عليه السلام : " كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ " [يوسف: 24] وبالإخلاص رفعة الدرجات وطرق أبواب الخيرات، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : « إنك لن تختلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله ازددت به درجة ورفعة» (متفق عليه) .

في الإخلاص طمأنينة القلب وشعور بالسعادة وراحة من ذل الخلق، يقول الفضيل بن عياض : " من عرف الناس استراح " إذا عرف أنهم لا ينفعونه ولا يضرونه استراح من الناس .

* كيف أكون مخلصاً لله في جميع أعمالي ؟


الشيطان يتعرض للإنسان ليفسد عليه أعماله الصالحة، ولا يزال المؤمن في جهاد مع عدوه إبليس حتى يلقى ربه على الإيمان بربه وإخلاص جميع أعماله له وحده، ومن أهم عوامل الإخلاص :

1- الدعاء :
الهداية بيد الله والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فالجأ إلى من بيده الهداية وأظهر إليه حاجتك وفقرك، واسأله دوماً الإخلاص وقد كان أكثر دعاء عمر بن الخطاب رضى الله عنه : " اللهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً " .
2- إخفاء العمل :
كلما استتر العمل مما يشرع فيه الإخفاء كان أرجى للقبول وأعز في الإخلاص، والمخلص الصادق يحب إخفاء حسناته كما يحب أن يخفي سيئاته، لقوله عليه الصلاة والسلام : « سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلَّق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذا منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه» (متفق عليه) .
يقول بشر بن الحارث : " لا تعمل لتذكر، اكتم الحسنة كما تكتم السيئة " وقد فضلت نافلة صلاة الليل على نافلة النهار واستغفار السحر على غيره، لأن ذلك أبلغ في الإسرار وأقرب إلى الإخلاص .
3- النظر إلى أعمال الصالحين ممن هم فوقك :
في أعمالك الصالحة لا تنظر إلى أعمال رجال زمانك ممن هم دونك في المسابقة إلى الخيرات، وتطلع دائماً إلى الاقتداء بالأنبياء والصالحين يقول سبحانه : " أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ " [الأنعام: 90] واقرأ سير الصالحين من العلماء والعباد والنبلاء والزهاد، فهو أرجى لزيادة الإيمان في القلب .
4- احتقار العمل :
آفة العبد رضاه عن نفسه، ومن نظر إلى نفسه بعين الرضا فقد أهلكها، ومن نظر إلى عمله بعين العجب قلَّ معه الإخلاص، أو نزع منه أو حبط العمل الصالح بعد العمل، يقول سعيد بن جبير : " دخل رجل الجنة بمعصية، دخل رجل النار بحسنة، فقيل له : وكيف ذلك ؟ قال : عمل رجل معصية فما زال خائفاً من عقاب الله من تلك الخطيئة فلقي الله فغفر له من خوفه منه تعالى، وعمل رجل حسنة فما زال معجباً بها ولقي الله بها فأدخله النار " .
5- الخوف من عدم قبول العمل :
كل عمل صالح تفعله احتقره وإذا عملته كن خائفاً من عدم قبوله، ولقد كان من دعاء السلف : " اللهم إنا نسألك العمل الصالح وحفظه " ومن حفظه عدم العجب والفخر به، بل يبقى الخوف من عدم قبوله معلقاً، يقول سبحانه : " وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ " [النحل: 92] .
وروى الإمام أحمد والترمذي أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : يا رسول الله " وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ " [المؤمنون: 60] هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله عز وجل ؟ قال : « لا يا بنت أبي بكر الصديق، ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون وهم خائفون ألا يتقبل منهم .
قال ابن كثير في تفسير (تفسير ابن كثير) قوله تعالى : " وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا... " [المؤمنون: 60] : " أي يعطون العطاء وهم خائفون وجلون أن لا يتقبل منهم، لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشرط الإعطاء " .
والإخلاص يحتاج إلى مجاهدة قبل العمل وأثناءه وبعده .
6- عدم التأثر بكلام الناس :
الرجل الموفق هو الذي لا يتأثر بمدح الناس فإذا أثنوا عليه خيراً إن فعل طاعة لم يزده ذلك إلى تواضعاً وخشية من الله، وأيقن بأن مدح الناس له فتنة، فدعا ربه أن ينجيه من هذه الفتنة، فليس أحد ينفع مدحه ويضر ذمه إلا الله، وأنزل الناس منزلة أصحاب القبور في عدم جلب النفع لك ودفع الضر عنك، يقول ابن الجوزي (صيد الخاطر) : " ترك النظر إلى الخلق ومحو الجاه من قلوبهم بالعمل وإخلاص القصد وستر الحال هو الذي رفع من رفع " .
7- استصحاب أن الناس لا يملكون جنة ولا ناراً :
إذا شعر العبد بأن الذين يرائي لهم سوف يقفون معه في المحشر خائفين عارين أدرك أن صرف النية لهم في غير محله حيث لم يخففوا عنه وطأة المحشر، بل هم معه في ذلك الضنك، فإذا عملت ذلك علمت أن إخلاص العمل حقه أن لا يصرف إلا لمن يملك جنة وناراً .
فعلى المؤمن أن يوقن بأن البشر لا يملكون جنة يقدمونك إليها، ولا قدرة لهم على إخراجك من النار لو طلبت منهم إخراجك منها، بل لو اجتمعت البشر كلهم من آدم إلى آخرهم، ووقفوا خلفك، لما استطاعوا أن يقدموك إلى الجنة ولو بخطوة واحدة، إذاً لماذا ترائي البشر وهم لا يملكون لك شيئاً ؟ قال ابن رجب (جامع العلوم والحكم) : " من صام وصلى وذكر الله، ويقصد بذلك عرض الدنيا، فإنه لا خير له فيه بالكلية، لأنه لا نفع في ذلك لصاحبه، لما يترتب عليه من الإثم فيه ولا لغيره ". أي ولا نفع فيه أيضاً لغيره .
ثم إن الذين تُزين عملك لهم من أجل أن يمدحوك لن تحصل مرادك منهم، بل إنهم سوف يذمونك، وتفضح عندهم، ويلقى في قلوبهم بغضك، يقول عليه الصلاة والسلام : « ومَن يرائِي يرائِي اللهُ به » [رواه مسلم] أما إذا أخلصت لله أحبك الله الخلق، قال سبحانه : " إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا " [مريم: 96] أي محبة .
8- تذكر أنك في القبر بمفردك :
النفوس تصل بتذكر مصيرها، وإذا أيقن العبد أنه يوسَّد اللحد منفرداً بلا أنيس، وأنه لا ينفعه سوى العمل الصالح، وأن جميع البشر لن يرفعوا عنه شيئاً من عذاب القبر، وأن الأمر كله بيد الله، حين ذاك يوقن العبد أنه لا ينجيه إلا إخلاص العمل لخالقه وحده جل وعلا ، يقول ابن القيم (طريق الهجرتين ) : " صدق التأهب للقاء الله من أنفع ما للعبد وأبلغه في حصول استقامته، فإن من استعد للقاء الله انقطع قلبه عن الدنيا وما فيها ومطالبها " .

الكلم الطيب