مع كورونا.. لنتعلم فن التسليم
بقلم الأديبة: عبير النحاس


سألتني إحداهن يوما بسذاجة:
"كيف يمكن أن تكوني قوية وهادئة ومنتجة بعد أن فقدت والدك وزوجك وابنك وبيتك وبلدك وحملت وحدك كل المسؤوليات؟"
لم أكن قد سألت نفسي هذا السؤال من قبل، وقد جعلني سؤالها أفكر بالفعل، كيف بقيت أكتب واعمل وأحلم.
وكان الجواب طبعا هو أنني "استسلمت لله فقط ".
لقد كانت هذه هي الوصفة التي انقذتني من الموت حزنا وألما وشوقا.
لقد استسلمت لقدر الله ورضيت به، فتجاوزت أكبر الآلام في حياتي.
اليوم أتعامل مع فيروس كورونا بنفس الأسلوب، فأنا حريصة وأتخذ الاحتياطات اللازمة طبعا، لكنني مستسلمة لله تعالى وراضية بقدره، فالإصابة قدر من الله، والنجاة والشفاء قدر أيضا.

_ "لا عدوى ولا طيرة"
ربما يقف الكثيرون منا أمام هذا الحديث النبوي الشريف عاجزين عن فهمه، ولكن مع وجود فيروس كورونا يصبح معنى الحديث سهلا وواضحا، فليس وصول الفيروس إلى أجسادنا معناه أننا أصبنا بالمرض.
لقد فوجئت وأنا أتناول الأشياء التي اشتريتها من البائع أنه ومهما اتخذنا التدابير الوقائية لحماية أنفسنا من فيروس كورونا لن نستطيع فعل هذا تماما بل هو أمر مستحيل، فما أدراني أن البائع لا يحمل هذا الفايروس.
تكرر هذا الشعور أيضا عندما كنت أتناول الأشياء التي أوصلتها لنا شركة النقل إلى المنزل.
أدركت وقتها تماما أن وصول الفايروس إلى الجميع أمر سهل جدا، ولا يمكن منعه، وأن المهمة الأصعب بالنسبة إلينا كأفراد هي أن نمتلك جهازا مناعيا قويا داخل أجسادنا، إضافة لحماية أنفسنا وعائلاتنا قدر الإمكان، وأن نلجأ إلى الله تعالى بالدعاء والصدقات التي تدفع البلاء.

_ "وما يعلم جنود ربك إلا هو"
صدق الله العظيم
إن هذا الفايروس الصغير الذي استطاع اختراق كل الحدود التي وضعها البشر وفتك بالأجساد والأرواح رغم كل التقدم التكنولوجي والأسلحة المتطورة التي صنعها الإنسان، أثبت لنا وبالدليل القاطع ضعف الإنسان وعجزه أمام كائن صغير جدا من مخلوقات الله عز وجل.
لقد ابتسمت طويلا وأنا أستمع إلى ترامب وهو يدعوا مواطنيه ليوم وطني للصلاة، ورغم يقيني بأن ترامب دائما يحاول إرضاء الجماعات الدينية التي تدعمه وتدعم الحزب الجمهوري إلا ان ذلك كان لطيفا جدا وهو إعلان صريح وواضح عن ضعف أكبر دولة في العالم أمام فايروس صغير هو جندي من جنود الله تعالى.
ندرك هنا مدى غرور الإنسان وتجبره، وأيضا مدى ضعفه وغبائه، فهو يسارع إلى صنع الأسلحة وإنفاق الأموال عليها لقتل البشر، ولا يهتم بالبحث العلمي والطب بالقدر الكافي للمحافظة على حياة البشر.

_ ثقافة الاستهلاك.. لنراجع أنفسنا
أحيانا تكون هناك بعض الفوائد للأشياء الضارة، فقد أظهرت المراصد أن كوكب الأرض استفاد من أزمة انتشار كورونا بشكل جيد، ففي الصين وعندما حصل الحظر وتوقفت السيارات والمعامل ظهر أن التلوث قل بنسبة كبيرة في تلك المنطقة.
أيضا نحن كأفراد عاديين ربما تكون فرصة مناسبة لنستفيد فنراجع قائمة مشترياتنا الدائمة التي نعتبرها ضرورية والتي أقنعتنا الرأسمالية العالمية أنها أشياء ضرورية، ففي كل الدول التي ظهرت فيها الإصابات بفايروس كورونا اختفت المواد الأساسية من متاجرها فقط ، أما المواد الأخرى التي كنا نشتريها واستطعنا التخلي عنها فيجب ان نراجع أنفسنا بشأنها بعد انتهاء الأزمة فنحافظ على نقودنا ونعيش براحة أكبر.

_ معادلة السعادة
عندما تصل إلى سن معينة وبعد أن تمر بتجارب كثيرة في الحياة منها أن تفقد عملك وتخسر أموالك وتصيبك الأمراض عندها تدرك تماما أن الله تعالى هو وحده من يدبر لك شؤونك وأمورك ويشفيك وييسر لك أقدارك، وعندها فقط تستطيع أن تكون هادئا ومرتاحا حتى وأنت في وسط الأزمة والمشكلة، وحتى وأنت لا تعرف ما هو مستقبلك ومصيرك.
كلاجئين لا نعرف ما هو مصيرنا وأين سنكون بعد أيام أو أشهر وما الذي يمكن أن يحصل معنا تعلمنا ألا نؤجل لحظات السعادة أبدا، وأن نتوكل على الله تماما ونفكر فقط في يومنا الذي نعيشه دون أن نشغل أنفسنا بالتفكير بهموم المستقبل لأن أغلب ما نخاف منه لن يحصل عندما نكون في عناية الله تعالى ورعايته التي لا تفارقنا جميعا.
إن معادلة السعادة بسيطة جدا لكن تحقيقها ليس سهلا بالتأكيد، وهي تقول:
إن علينا أن نكون سعداء هادئين راضين نعيش ليومنا فقط حتى وإن كنا نجهل ما سيحصل في المستقبل. لأننا مؤمنون ونثق بربنا.

- أما بشأن كورونا:
قد لا يتطلب الأمر بذل الكثير من الجهد عندما:
- تلتزم بيتك، وتقلل مشترياتك، وتقوم بتعقيم كل ما يدخل إليك.
- تقوي جهازك المناعي وتتوقف عن كل ما يدمر صحتك.
- لا تتوقف عن الدعاء
- تدفع البلاء بالصدقات.
- تحافظ على هدوئك ولا تتوتر وتستسلم لقدر الله تعالى.
- وأن تحقق معادلة السعادة وهي أن تستمتع بلحظاتك الحالية ويومك حتى وإن كنت تجهل مستقبلك.
- وتدرك أخيرا أن هذه الدنيا مجرد مرحلة قصيرة وأننا يجب أن نعتني بشكل أكبر بحياتنا الثانية في الأخرة لأنها الأهم ولأنها حياة الخالدة التي لن تنتهي.