وباء الكورونا بين الحقائق والمبالغات




بقلم: ياسين عز الدين

لاحظت الكثير من المفاهيم الخاطئة عند الناس بخصوص وباء الكورونا، والناجمة عن حجم التهويل والتخويف في الإعلام، ودون التقليل من خطورته وحجم المشكلة أو الاستهانة بإجراءات الوقاية سأحاول توضيح بعض الأمور بشكل مبسط.

لمحة عامة:

الكورونا هو فايروس معروف منذ عشرات السنوات يتسبب بالمرض في الجهاز التنفسي، والفايروسات تتغير أشكالها بين الفترة والأخرى مما يصعب عملية علاجها، والمرض المنتشر حاليًا "كوفيد – 19" هو نتيجة تغير شكل الكورونا.

أعراض الكورونا شبيهة جدًا بالأنفلونزا لذا يصعب على غير المختصين التفريق بين المرضين.

نسبة الوفيات بين المصابين بالسلالة المستجدة من فايروس الكورونا بين 3% و5% وقد تصل إلى 7%، وهي نسبة منخفضة نسبيًا فمثلًا الوفيات بين مرضى السارس هي 10%، وفي فايروس الإيبولا تتجاوز نسبة الوفيات الـ 50%.


ومعظم المصابين بالمرض (80%) لا يشعرون بالأعراض أو يشعرون بأعراض خفيفة، وقسم آخر تظهر عليه الأعراض ويحتاج لرعاية طبية دون مستشفى وقسم ثالث يحتاج للعناية المكثفة في المستشفى.

عكس ما يعتقده الكثير من عامة الناس المرض قابل للشفاء، حيث أن جهاز المناعة في جسم الإنسان يفرز أجسامًا مضادة تقضي على الفايروس بعد عدة أيام، والمشكلة عند من تتدهور صحتهم (أو يتوفون) لأن أجسادهم ضعيفة لا تتحمل أعراض المرض وأخطرها ضيق التنفس، لهذا يحتاج بعضهم لأجهزة تنفس والعناية المكثفة إلى أن يستطيع جسمهم انتاج الأجسام المضادة والقضاء على المرض، وهنالك البعض لديهم جهاز مناعة ضعيف لأسباب مختلفة مما يصعب عملية شفائهم.

ولهذا أغلب الوفيات أعمارهم فوق الستين وخاصةً من يعاني من أمراض مزمنة لأن أجسادهم لا تحتمل المزيد من الأمراض.

كما وجد الأطباء أن الأطفال (تحت سن 16 عامًا) نادرًا ما تظهر عليهم أعراض المرض، أي يصابون بالفايروس ويشفون دون أن يعانوا من شيء، لكن الخطورة تكمن في أنهم ينقلون العدوى لغيرهم.

أين المشكلة إذًا؟

ما دام المرض ليس خطيرًا على أغلب الناس، وما دام بالإمكان العناية بالحالات الصعبة دون توفر الدواء اللازم للقضاء على الفايروس، أين المشكلة؟

1- كما قلنا قسم من الناس يحتاجون للعناية المكثفة وأجهزة التنفس وحياتهم مهددة بالخطر.

2- الفايروس سريع الانتشار، وهنا مربط الفرس، فإن كان المصاب بالأنفلونزا قادرًا على عدوى 1.3 شخص، فالمصاب بالفايروس المسبب لمرض (كوفيد – 19) قادر على عدوى 4 أشخاص.

فالزيادة الكبيرة في أعداد المرضى تجعل أعداد الذين يحتاجون لعناية مكثفة ومستشفيات تتزايد بشكل كبير، فلو ترك ينتشر كما تنتشر الأنفلونزا سيزيد أعداد المرضى عن قدرة المستشفيات على علاجهم بشكل كبير، وسيموت عشرات الآلاف وربما مئات الآلاف من المرضى فقط لأنهم لم يجدوا لهم مكانًا في المستشفيات.

تصوروا مريضًا غير قادر على التنفس يقولون له انتظر دورك على جهاز التنفس أمامك 10 مرضى.

3- انهيار النظام الصحي بأكمله ليس فقط لعدم قدرة المستشفيات على علاج مرضى الكورونا، أو غيرهم من المرضى، بل أيضًا نتيجة النقص في الأطباء والممرضين بسبب إصابتهم بالمرض سريع الانتشار.

فكل الاستنفار العالمي يهدف إلى التقليل من سرعة انتشار المرض حتى تستطيع المستشفيات معالجة الحالات المرضية، فبدلًا من الانتشار السريع بشكل تعجز المستشفيات عن استيعابه، يكون الانتشار بطيئًا وتستطيع المستشفيات ملاحقة الحالات.
هنالك جهود لايجاد علاج للمرض، وأخرى لإيجاد لقاح للمرض (لإعطائه بشكل استباقي ومنع الإصابة بالمرض)، لكن هذه الجهود تحتاج لشهور طويلة قبل أن تكلل بالنجاح.

كما أن المجتمع مع مرور الوقت (ربما سنوات) سيكتسب مناعة تجاه المرض لكن مشكلة الفايروسات دائمًا أن أشكالها تتغير وسيظهر مرض جديد، وليس شرطًا أن يكون بخطورة الكورونا الحالي (كوفيد – 19).

إلى متى الإجراءات الاحترازية؟

هذا السؤال الذي لا يملك أحد الإجابة عليه فلا يمكن الهروب من المرض للأبد، كما لا يمكن انتظار عام أو حتى نصف عام للانتهاء من تطوير لقاح أو علاج للمرض، فالناس لا يستطيعون الجلوس طوال الوقت في بيوتهم.

والأطباء يقولون أن الهدف هو إبطاء انتشاره واحتوائه لكن متى نصل هذه المرحلة؟ هذا ما لا نجد له إجابة شافية عند أحد، لكن أتصور أن الدول الفقيرة ستبدأ بعد أسابيع بالتخفيف من إجراءاتها الاحترازية مضطرة حتى لا يتضور الناس جوعًا.

كورونا ليس طاعون العصر:

الكثير يردد وصف الفايروس بأنه طاعون العصر، وهذا وصف بعيد عن الواقع، وكورونا هو مزحة مقارنة بالطاعون والأوبئة التي كانت تنتشر قبل مئات السنين.
مرض الطاعون كان يقضي على مجتمعات بأكملها، ففي احدى موجاته قبل 700 عام قضى على ثلث سكان أوروبا، وطاعون عمواس الشهير توفي فيه 25 ألف شخص وبالنسبة لتعداد السكان في ذلك الزمن فهو رقم مخيف، وهنالك موجات كبيرة أخرى يمكن البحث عنها في المصادر التاريخية.

مرض الجدري الأسود (على سبيل المثال) ساهم بشكل كبير بإبادة السكان الأصليين للأمريكيتين (الهنود الحمر)، فقتل منهم مئات أضعاف ما قتله المستوطنون الأوروبيين بسلاحهم، وهو مرض نقله الأوروبيين معهم للأمريكتيين دون قصد، فكان سلاحًا بيولوجيًا فتاكًا لأن الهنود الحمر لم تكن لديهم المناعة تجاهه، وحسب التقديرات أباد مرض الجدري الأسود 90% من الهنود الحمر في وسط المكسيك قبل 500 عام تقريبًا.

رغم خطورته إلا أن الكورونا ليس قريبًا من تلك الأوبئة التي هددت الوجود البشري، والفرق الجوهري بين ذلك الزمن واليوم، أنه في زمننا حياة كل إنسان مهمة ولا يكفي أن يكون 80% من المجتمع بخير بل نريد الـ 100%.

الأنفلونزا الإسبانية حصدت قبل مئة عام عشرات ملايين الوفيات، وأنفلونزا هونغ كونغ قتلت مليون إنسان في الستينات، والفرق بين ذلك الوقت واليوم ليس خطورة الأنفلونزا بقدر ما هو توفر الرعاية الصحية، فالناس كانوا يموتون بالملايين لأنه لا توجد رعاية صحية كافية.

تطورت الرعاية الصحية بشكل كبير خلال المئة عامٍ الأخيرة، مما زاد من معدل أعمار البشر وقلل بشكل كبير جدًا عدد الوفيات، وللمفارقة أدى ذلك إلى مشكلة أخرى وهي الانفجار السكاني الذي نراه اليوم بشكل يهدد موارد الكرة الأرضية المحدودة.

وهنا نقطة مهمة يجب الانتباه إليها لأن البعض يروج لنظرية مؤامرة أن شركات الأدوية تخترع الفايروسات وتتسبب بالأوبئة حتى تبيع الأدوية، هذه الأوبئة موجودة منذ أن وجد الإنسان، وشركات الأدوية والمستشفيات وكل منظومة الرعاية الصحية ساهمت بالتخفيف من حدة هذه الأوبئة بشكل كبير وما زال أمامها الكثير.

التحدي الذي يفرضه كورونا على البشرية اليوم هو أنه ينتشر بسرعة تهدد قدرة المؤسسات الصحية على معالجة آثاره، وكما يقال هنالك طموح لمنع وقوع المصيبة وليس التخفيف من آثارها، كما كان مع كل الأوبئة التي واجهتها البشرية منذ وجدت على هذه الأرض.