السؤال

شهِدت في أمرٍ تسبَّب في فضيحة إنسان، نصحتُه أكثر من مرَّة، فهو يعطي ما لا يمْلِكه، ويتحكَّم بالسوء في الأمور الموْكولة إليه، ويتستَّر على الخطأ؛ بل يشجِّعه، وشهادتي سوْف تؤْذيه أذًى بالغًا وشديدًا، فماذا أصنع؟




الجواب
الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فإن كان الحال كما ذكرتَ: أنَّك قُمْت بواجب النُّصح للشَّخص المذْكور، فلم يستجِب ولم يرْعوِ؛ بل ظلَّ سادِرًا في غيِّه، مضيِّعًا لِحقوق ربِّه، ومفرِّطًا فيما وكل إليْه، متستِّرًا على الخطأ، مشجِّعًا له - فلا عليْك بعد ذلك أن شهِدت على خطئِه؛ بل هو واجب متعيِّن عليْك إن طُلب منك الشَّهادة، أو كانت الشَّهادة متعلِّقة بحقٍّ لآدمي، وبأدائِها يثبت هذا الحقُّ؛ كما قال تعالى: وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ; [البَقَرَة: 282]، وقال: وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [البقرة: 283]، وقال: وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق: 2].

وقد نصَّ الأئمَّة المتَّبعون على أنَّه يجوز في الحدود الشَّهادة والستر؛ لكنَّ الستر أفضل فيما كان حقًّا لله - عزَّ وجلَّ - واستدلُّوا بقول النَّبيِّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((مَن ستَر مسلمًا ستَره الله يوم القيامة))؛ متفق عليه من حديث ابن عمر.



وبقولِه - عليْه الصَّلاة والسَّلام -: ((لو ستَرْتَه بثوْبِك كان خيرًا لك))؛ رواه أحمد وأبو داود، واستَثْنَوا من ذلك المُجاهِر، أو المتهتِّك الَّذي لا يُبالي بإتْيان المحظورات، ولا يتألَّم لذِكْرِه بالمعاصي.

وكذلك تجِب الشَّهادة إن تعلَّق بمنعها ضررٌ لأحد.

قال أبو محمَّد بن حزم - رحِمه الله - في "المحلى": "مَن اطَّلع على حدٍّ، أهُو في حرجٍ إن كتم الشَّهادة أم في سَعة من ذلك؟ فنقول: قال الله تعالى: وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ [الطلاق: 2]، وقال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ [البقرة: 140]، وقال تعالى: وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة: 283]، وقال تعالى: وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا [البقرة: 282].



ووجدْنا ما روينا من طريق مسلم، عن عبدالله بن عمر: أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليْه وآله وسلَّم - قال: ((المسلِم أخو المسلم، لا يظلِمُه ولا يُسْلِمه، ومَن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجتِه، ومَن فرَّج عن مسلمٍ كُرْبةً، فرَّج الله بها عنه كُربةً من كُرَب يوم القيامة، ومَن ستَر مسلمًا ستَره الله يوم القيامة)).



قال أبو محمد - رحمه الله -: فوجب استِعْمال هذه النصوص كلِّها، فنظرنا في ذلك: فوجدنا العمل في جَمْعِها - الَّذي لا يحلُّ لأحدٍ غيرُه - لا يخلو من أحد وجْهين: إمَّا أن يخصَّ عموم الآيات المذكورة بالخبر المذكور، وإمَّا أن يخص عموم الخبر المذْكور بالآيات المذكورات؛ إذْ لا يمكن البتة غير هذا، ولا بدَّ من أحد العملين، فإن خصصْنا عموم الآيات بالخبر، كان القوْل في ذلك: أنَّ القيام بالشِّهادات كلها والإعلان بها فرضٌ؛ إلاَّ ما كان منها ستر المسلم في حدٍّ من الحدود، فالأفضل الستْر، وإن خصصْنا عموم الخبر بالآيات، كان القول في ذلك: أنَّ الستر على المسلم حسن؛ إلاَّ ما كان من أداء الشَّهادات؛ فإنَّه واجب.



فنظرْنا: أيُّ هذيْن العملين هو الَّذي يقوم البرهان على صحَّته فيؤخذ به؛ إذْ لا يحلُّ أخذ أحدِهِما مطارفة دون الآخر، ولا يجوز أن يكونا جمعًا جميعًا؛ بل الحق في أحدِهِما بلا شكٍّ؟


فنظرنا في ذلك - بعوْن الله تعالى - فوجدْنا الستْر على المسلِم الَّذي ندبنا إليه في الحديث لا يَخلو من أحد وجهين، لا ثالث لهما: إمَّا يستره ويستر عليه في ظلْم يطلب به المسلم، فهذا فرض واجب، وليْس هذا مندوبًا إليه؛ بل هو كالصَّلاة والزَّكاة، وإمَّا أن يكون في الذَّنب يصيبه المسلم ما بيْنه وبين ربِّه تعالى.

ولَم يقُل أحد من أهل الإسلام بإباحة الستر على مُسلِمٍ في ظلمٍ ظَلَم به مسلمًا، كمَن أخذ مال مسلم بِحرابة، واطَّلع عليه إنسان، أو غصبه امرأته، أو سرق حرًّا، وما أشْبَهَه؛ فهذا فرض على كل مسلم أن يقوم به، حتَّى يردَّ الظلامات إلى أهلها، فنظرْنا في الحديث المذْكور، فوجدْناه ندبًا لا حتمًا، وفضيلةً لا فرْضًا، فكان الظَّاهر منه: أنَّ للإنسان أن يستُر على المسلم يراه على حدٍّ بهذا الخبر، ما لم يُسأل عن تلك الشَّهادة نفسِها، فإن سُئِل عنْها، ففرض عليه إقامتُها، وألاَّ يكتمها، فإن كتمها حينئذٍ، فهو عاصٍ لله تعالى، وصحَّ بهذا اتِّفاق الخبر مع الآيات، وأنَّ إقامة الشَّهادة لله تعالى، وتحريم كتمانها، وكوْن المرء ظالِمًا بذلك، فإنَّما هو إذا دُعِي فقط، لا إذا لم يُدْع؛ كما قال تعالى: وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا [البقرة: 282]، ثمَّ نظرنا في الخبر المذْكور عن رسول الله - صلَّى الله عليْه وآله وسلَّم - قال: ((ألا أُخْبِركم بخير الشُّهداء؟ الَّذي يأتي بالشَّهادة قبل أن يُسْأَلها، أو يخبر بشهادته قبل أن يُسْأَلها)).


قال أبو محمَّد - رحمه الله -: فكان هذا عمومًا في كلِّ شهادةٍ، في حدٍّ أو غير حدٍّ، ووجدنا قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [النساء: 135]، فسوَّى الله - تعالى - بين وجوب أداء المرْء الشَّهادة على نفسه، وعلى والديْه، وأقاربه، والأباعد، فوجَبَ من هذه النُّصوص أنَّ الشَّهادة لا حرج على المرْء في ترك أدائِها ما لم يُسْأَلها - حدًّا كان أو غيره - فإذا سُئِلَها ففرض عليه أداؤُها - حدًّا أو غيره - وأنَّ مَن كان لإنسان عنده شهادة، والمشهود له لا يَدْرِي بها، ففرضٌ عليْه إعلامه بها؛ لقول رسولِ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((الدِّين النَّصيحة)) قيل: لِمن يا رسول الله؟ قال: ((لله ولكتابِه، ولأئمَّة المسْلِمين، وعامَّتهم))، فإن سأله المشهود أداءها لزِمَه ذلك فرضًا؛ لما ذكرنا قبلُ من قول الله - تعالى -: وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا [البقرة: 282]، وإن لم يُسْأَل لم يلزمه أن يؤدِّيها، وبالله تعالى التوفيق".

الشيخ خالد بن عبدالمنعم الرفاعي


موقع الالوكة

,,,,,,,,,,,,,,,,,,

حكم الإدلاء بشهادة تضر بالطرف الآخر



إن الشهادة على أمر معين، أمرها عظيم، فقد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة، وقد تكون محرمة وكبيرة من كبائر الذنوب.
فإن كانت شهادتك على أمر عن علم برؤية وسماع، ولم يوجد غيرك يقوم بهذه الشهادة، ودعيت إليها،
وجب عليك الإدلاء بهذه الشهادة، حتى ولو أضرت بالطرف الآخر،
قال تعالى: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة: 283].
قال ابن عباس وغيره: كتمان الشهادة من الكبائر كشهادة الزور.
وقال تعالى:وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا [البقرة: 282]. أي للإدلاء، فإذا دعي لأدائها، فعليه الإجابة إذا تعينت.
ولكنه ينبغي أن يكون القصد من شهادته التقرب إلى الله عز وجل، وليس مراعاة المصلحة الشخصية، لقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ [الطلاق: 2].
قال في "فيض القدير": هذا أمر للشهود بأن يأتوا بما شهدوا به تقربا إلى الله اهـ.

وأما إن كانت شهادتك شهادة زور، وكذب، فلا يجوز الإقدام على ذلك، لأن شهادة الزور من أكبر الذنوب، كما قال صلى الله عليه وسلم: أكبر الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، وشهادة الزور، وشهادة الزور. رواه البخاري من حديث أبي بكرة رضي الله عنه، فعلى من شهد شهادة الزور أن يتوب إلى الله عز وجل ويكثر من الاستغفار، وإذا ترتب على هذه الشهادة ضياعُ حق من الحقوق، وجب ردُّ ذلك الحق بإبلاغ القاضي أو من شهد عنده بأن هذه الشهادة شهادة زور.

اسلام ويب