يقول الشيوخ أنه لا يجوز الترحم على موتى كورونا

ودليلهم قوله تعالى " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم" [التوبة : 113]

والجواب في عشرة نقاط متصلة:

أولا: سورة التوبة كلها نزلت في من غدروا بالمسلمين عهد لم يذكره النص، أي نزلت في قومٍ بعينهم يحمل النص على الخصوص لا العموم، وبالتالي هي مقيدة في الزمان والمكان ليست مطلقة..ولولا فتوى أهل الحديث بكفر المعتزلة وإطلاقية آي القرآن لحُلّت المشكلة

ثانيا: الآية تقول " من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم" فهل علم الشيوخ أن موتى كورونا من غير المسلمين هم من أصحاب الجحيم؟..هل علموا أي ميت بالعموم أنه في النار كي يفتوا بعدم الترحّم عليه؟

ثالثا: الآية التي بعدها تقول " وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم" [التوبة : 114]
والسؤال: كيف عرف إبراهيم أن أباه من أصحاب الجحيم؟
الجواب: الوحي
فالنبي وحده هو من يعلم بالوحي المتصل ما يلزمه في الاستغفار والترحّم ، لمشروطية ذلك بمعرفة المصير..وهو أمر لا يمكن معرفته سوى بالوحي، وعليه كل من هو غير الأنبياء يجوز له الاستغفار لجهله بمصير هؤلاء..

رابعا: قوله تعالى " ما كان للنبي والذين آمنوا" يطرح إشكالية، فإذا كان العلم بمصير غير المسلم هذا وحيا من الله للنبي..فكيف عرف هذا المصير الذين آمنوا؟
والجواب: بالبلاغ
أي أبلغ الرسول المؤمنين أن فلانا من الناس في حياته من أصحاب الجحيم

خامسا: أبو لهب هو الشخصية الوحيدة التي عرفت قرآنيا أنها من أصحاب الجحيم، وعرف مصيره في بداية الدعوة بسورة المسد التي هي من أولى السور نزولا في مكة، بينما هذه الآية في سورة التوبة (آخر ما نزل من القرآن) وعليه عرفنا أن النبي كان يستغفر لأقاربه ومنهم أبو لهب فنزلت هذه الآية، يدعم ذلك قوله تعالى "ولو كانوا أولي قربي" بإشارة أن هناك قريبا للنبي كان يستغفر الله له بعد نزول النص بمصيره..وهذه الشخصية بكل وضوح هي أبو لهب عمه..

سادسا: الشيوخ قالوا أن هذه الشخصية هو "أبو طالب" عم النبي ووضعوا فيه أحاديث لكن بمراجعة تلك الأحاديث يثبت أنها ضعيفة ورد عليها السيوطي بكتاب "بغية الطالب في إيمان أبي طالب" و الشيخ "زيني دحلان" بكتاب "أسنى المطالب في نجاة أبي طالب" وللشيخين "البرزنجي الشافعي" و "حسن السقاف" رسالة بنفس العنوان..مما يدل على أن استبدال أبي لهب بأبي طالب حدث بنزعة سياسية في العصر الأموي الذي كان فيه شتم آل البيت وذرية الإمام علي وتكفيرهم شائعا.

سابعا: قال تعالى "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين" [الممتحنة : 8] وطلب الرحمة لغير المسلمين هو من البر والقسط...

ثامنا: قال تعالى " ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون " [الأعراف : 156] أي أن رحمة الله وسعت كل شئ حتى مصير غير المسلمين، وصيغة (كل ) دالة على التعميم
أما قوله "فسأكتبها للذين يتقون" فهل نعلم المتقي من غير المتقي؟
هل علم الشيوخ من الذي يتقي الله ومن لا يتقيه؟..أليست التقوى (عمل قلبي) وأخلاق ونوايا صالحة تصدق هذا الفعل الحسن؟..ألم نكن حينها قد خرجنا من باب الاعتقاد إلى باب الفعل والسلوك؟..ألا تنطبق هذه التقوى على كل من عمل صالحا سواء مسلم أو غير مسلم؟
أما قوله " والذين هم بآياتنا يؤمنون " هل علم الشيوخ من الذي آمن ومن الذي كفر؟
أليس الكفر هو الإنكار بعلم مضمور في النفس عن استعلاء وتكبر؟..فكيف علم الشيوخ ما يضمره من مات بكورونا كي يقولوا أنه في النار؟

تاسعا: قال تعالى " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" [الأنبياء : 107] فالرحمة هنا لكل العالمين بمن فيهم الكفار التي خصت بهم الدعوة خطابا وما لم تخص

عاشرا: قال تعالى " ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم" [غافر : 7] وهي كالآية السابقة تؤكد رحمة الله (للكل) بالشمول والعموم، أما الدعاء اللاحق فهو للخصوص ، وبالتالي فسياق الآية يؤكد أن رحمة الله بالكفار وغير المسلمين مفتوحة لا تغلق..لكن المسلمين وقتها كانوا يدعون للذين آمنوا وتابو بحكم الجوار والمصير المشترك، وفعل الإنسان ليس دليلا شرعيا بل الدليل الشرعي هو ما جاء النص بوجوبه قطعا بالثبوت والدلالة.

إعلم أن الترحّم من عدمه هو (عمل أخلاقي) قبل أن يكون شرعيا

ومن حُسن الخلق تمني الخير للناس، لأن الرحمة في مضمونها هي (إرادة الخير) فلو أردت الخير لفلان من الناس أو جماعة فهو معبر عن حسن أخلاقك، والعكس صحيح، أي أن تحريم الترحم هو (إرادة الشر) بالناس، والمؤمن الصحيح الذي يفهم دينه أنه جاء لمنفعة الكون يتمنى الخير للجميع ويريد أن يعيش الكل بسلام..

كذلك : فلو دخل مريض كورونا النار لن تستفيد شيئا، لكن ترحمك عليه واستغفارك له يزيد من محبتك في قلبه، ومن يمنع الترحم هو مرتكب لكبيرة عظيمة هي (الكراهية) وما ينتج عنها من البغض والشقاق..فكن خير مثال لمعتقدك مثلما تريد للآخرين أن يحترموك فلابد أن تحترمهم، ومثلما تريد من الآخر أن يؤمن بوجودك ورحمتك لابد أن تؤمن بوجودهم وتتطلب لهم الرحمة..