الفيروس الذي كشف الأقنعة
بقلم: الأديبة عبير النحاس


عندما أفكر في كورونا أو كوفيد 19 أتخيله كشبح عملاق طائر، بلباس أسود، وشعر طويل، يحمل بيده عصاه الضخمة، ويجوب المدن والقرى والمزارع ليتركها من بعده سوداء جرداء محترقة.
ومع هذه الصورة القاتمة أستطيع أن ألمح في وجه هذا العملاق المخيف شيئا من الشهامة والكثير من الصفات الجيدة التي تخفيها ملامحه المخيفة، أو ربما تمنعنا ملامحه القاسية تلك من اكتشاف حقيقته كاملة، وأنه يمتلك صفات جيدة يجب أن نعترف بها أيضا.
فما الذي سنجده لو قمنا بتحليل شخصية هذا الكائن المتمرد على البشرية، والذي يستمتع بجولاته بكل حرية:
أولا سنجده مستهزئا بالحدود التي تفننت الدول في وضعها وحمايتها، وبالحراسة المشددة والحرس الشخصي لكبار الشخصيات، والحواجز البشرية والالكترونية، ومستهزئا أخيرا بغرور الإنسان وتكبره وشعوره بالتفوق والتقدم والأمان.
وسنجده أيضا عادلا لا يفرق بين فقير وغني، قوي وضعيف، أبيض أو أسود أو أحمر أو أصفر، ولا يفرق بين أنثى أو ذكر، بين متعلم وجاهل، وبين إنسان عادي بسيط وآخر ذي شهرة وأهمية ومنصب.
وهو كائن ذو كبرياء كما قال أحدهم لا يدخل بيتك وحده بل ينتظرك حتى تخرج إليه وتدعوه بنفسك وتدخله معك.
وربما أهم صفة فيه أنه لا يحب الأقنعة ويظهر الوجوه الحقيقية للبشر، وللدول، وللأنظمة، وللمجتمعات، وحتى للإنسان نفسه، ولنتحدث بالتفصيل هنا:
- لقد بدا ترامب سيد البيت الأبيض ضعيفا جدا وهو يدعو الأمريكيين الاستعداد لأسبوعين "عصيبين للغاية"، تزداد فيهما أعداد الموتى بشكل غير مسبوق وقد بدأت تصلنا صور المقطورات المبردة التي تتوزع في شوارع نيويورك لحفظ الجثامين الكثيرة لأن المشافي لم تعد تحتمل هذه الاعداد من الموتى، والذين سيصل عددهم الأسبوع القادم إلى ما بين 100000 أو 200000.
وهنا أتخيل ذلك الشبح العملاق كوفيد بملابسه السوداء المهيبة يبتسم بسخرية لأنه استطاع أن يظهر صورة ذلك القابع في البيت الأبيض على حقيقتها بدلا من صورته التي كانت مرسومة في أذهاننا ونحن نراه يحكم العالم ويديره بأصابعه (القصيرة والسمينة) التي يوقع بها قراراته ويكتب بها تغريداته على تويتر.
- بوتين أيضا والذي تعب من حوله في تصويره كأحد الأبطال الخارقين، يركض مع الدببة والحيوانات المتوحشة، ويمارس الرياضات العنيفة، ويراقب جيوشه بنظراته الباردة، ليقدم للعالم صورة أقوى من صورة ترامب، ولا يمكنني أن أتخيل حاله بعد أن أعلن الطبيب الذي رافقه الأسبوع الماضي في جولاته الميدانية في المستشفيات عن إصابته بكورونا والتي من المؤكد أنه كان مصابا بها قبل أسبوع وهو يصافح بوتين ويتحدث معه في المصعد الصغير جدا قبل أن تظهر عليه الأعراض.
- الأمير تشارلز وجونسون ورؤساء ووزراء دول كبرى وغيرهم ممن يتمتعون بحماية كبيرة جدا لقد هزمهم كوفيد19، وكشف ضعف تلك الحماية، وأنها مجرد وهم.
- كوفيد 19 أيضا أزال الأقنعة عن أولئك التافهين الذين صنعت مواقع التواصل الاجتماعي وأجهزة الإعلام شهرتهم، وجعلتهم رموزا لتخريب الأجيال، وقدمت لهم الأجور الباهظة، في الوقت الذي همشت دور العلماء والمبدعين الحقيقيين في كل المجالات.
- جعلتنا أزمة إيطاليا نرى الاتحاد الاوروبي على حقيقته عندما تخلى عن إيطاليا واغلق حدوده من جديد، ولم يقدم لها المساعدة، لقد اثبت هذا الفايروس أن الحدود بين الدول الأوروبية ما زالت كما هي، وأن المصالح القومية هي الأهم، وأن القارة الأوروبية قد أصبحت عجوزا بالفعل، وانهيار النظام الصحي في إيطاليا واسبانيا وحتى ألمانيا نموذج واضح لضعفها.
- لقد أثبت كوفيد 19 أن التقدم العلمي الذي تتفاخر به البشرية ما زال ناقصا جدا، ومحدودا جدا، وكاذبا جدا، يفتقر للإنسانية، بل إنه لا يهتم بالإنسان بالأساس، وأنه يحتاج إلى جهد طويل ومتواصل ليقدم للإنسانية ما تحتاجه حقا من رعاية وحماية بدلا من السباق المجنون للمنافسة والربح والكسب المادي.
- أظهر هذا الفايروس بوضوح شديد الأزمة البيئية أو ( الأيكولوجية) التي صنعها الإنسان عندما دمر موارده البيئية وساهم بشكل قاس في تدمير الحياة الحقيقية على هذا الكوكب، فبالرغم من كل المشاهد السوداء حولنا فنحن نرى أن البيئة والطبيعة قد انتعشت وحتى الحيوانات البرية والأسماك والطيور بدت سعيدة لهذا وربما كانت صورة الأسماك والبجعات تعود إلى مياه مدينة البندقية التي بدت صافية ونقية مع غياب الإنسان عنها وتوقف معامله ومصانعه واستهلاكه المدمر.
- أثبت كورونا أن الطبيعة البشرية تختلف، فالإنسان يمكن أن يكون الكائن الأكثر توحشا في هذا العالم وظهر هذا عندما صرحت بعض الدول الأوروبية بأن أولوية العلاج للشباب، وأن كبار السن لا مكان لهم في المشافي وتركوهم لمصيرهم، وفي حين ظهرت بالفعل إنسانية الكثير من البشر وربما هنا في تركيا رأينا الكثير من هذه النماذج كأولئك الذين يتركون الأغذية في الشوارع للمحتاجين دون أن يعلنوا عن أسمائهم، أو تلك السيدة التركية التي دخلت إلى محل بائع سوري وسددت ديون جميع السوريين الفقراء عنده ثم قامت بإتلاف الدفتر.
- وأخيرا جعلنا كورونا ندرك أننا كنا مقصرين جدا تجاه انفسنا وعائلاتنا وأن حياة السرعة والعمل المضني قد سرقتنا طويلا منهم، وهذا ما كشفه الحجر الصحي في المنازل، فالكثير من الناس في هذا العالم بدأت تظهر لديهم متاعب نفسية كبيرة، وبدأت كذلك الكثير من المشكلات الأسرية تخرج للعلن، لتعبر عن سوء وضعف العلاقات بين الآباء والأمهات من جهة، وبين الأهل والأبناء من جهة أخرى، الأمر الذي من الواجب حله بسرعة.
- ما زلت لا أتخيل أن كورونا يمكن أن يغير النظام العالمي بشكله الحالي دون أن يكون هناك حرب عالمية تترافق معه، وإن كنت أتأمل ذلك، لكن لا يبدو أن الأطراف الكبرى الثلاثة في هذا العالم (أمريكا، روسيا والصين) تريد الحرب، ولسنا نعلم الغيب بالتأكيد، فربما تشعل تلك الحرب شرارة ما، كما أشعلت الحرب العالمية قبلها.
وكمسلمين لا يهمنا ولا يخيفنا أن ينهار هذا النظام العالمي لأننا أكثر الشعوب المتضررة من نهبه لثرواتنا، وسرقتنا، وتجهيلنا، وإشعال الحروب في مناطقنا، وبالتالي فانهياره لن يكون أسوأ من بقائه بالتأكيد.
وما زلنا نتوقع ان الدول الأوروبية وأمريكا ستحل مشكلاتها الاقتصادية عبر زيادة سرقتها لنفط بلادنا، ولثروات الشعوب التي تحتلها وتتحكم فيها بشكل مباشر، أو عبر حكام يعملون لديها كموظفين فقط.
أما أنا ككاتبة فلا أخفي عليكم أنني أستمتع بالعزلة، وأعتبرها أساسا للإلهام والكتابة، ويعرف الكثير من أصدقائي على مواقع التواصل الاجتماعي أنني أقوم من حين لأخر بإغلاق صفحاتي وعزل نفسي لأستعد للكتابة وأستعيد نفسي من جديد.
لقد أدرك الجميع اليوم أهمية أن يمتلك الإنسان موهبة أو مهارة ما يمكن أن يمارسها وحده لأنها في الحقيقة أساس التوازن النفسي والعقلي، إضافة إلى العبادات الكثيرة التي هي أساس للتوازن الروحي.