بدت بشائره لو تعلمون
بقلم الأديبة: جهاد الرجبي


(تلك الأيام نداولها بين الناس) وما نراكم أيها الظالمون إلّا استوفيتم منها كيلكم! فتآكلتم فرادى مِن داخلكم، وما بقي من صلفكم سوى قشرة تستر عن عُمي القلوب ضعفكم! كان الله قد أسقط أقنعة النفاق عن وجوهٍ ما سجدت لله وإنْ تعفّر منها الجبين، هي على نعال عدوها سقطت، وبوحل الغدر تمرّغت، ولمّا أرادت أنْ تنتصب ثقلت منها الروح.. صارت قبضة من طين، تلتصق بنعال الغزاة المارقين!

الكيان الهش كم بشَّرتْ آياتُ بطشه بتكسّره! فالخوف يسكنه وإنْ أبدى ثباتا، والشقاق يأكله وإنْ أظهر لنا وفاقا.. تتصدّع قشرته والبركان يفور من تحته، ولنثْر حممه في وجه الطغاة قد اشتاقَ.. يا أُمة أحمد هو دورك فلملمي مِن ثقةٍ بالله شعثك، نصر الله لا تلزمه الكثرة، فاطمئنّي للقلّة فيك وتقدّمي بخيلٍ يُسرجها الله بأيديهم! وتحمحم مِن غضبٍ للقاء عدو الله وعدوّهم، (تلك الأيام نداولها بين الناس) وهذا يومهم! آيات الله تُثبّت المؤمنين، وتهزّ عروش الطغاة المتكبّرين.. يميز الله بها الخبيث مِن الطيب، ويركم الخبيث ليأكل بعضه بعضا، ويُطهّر الله بالبلاء المؤمنين، فترقُّ قلوبهم لبعضهم، وتشتدُّ بأساً منهمُ اليمين! فيا أُمّة أحمد ماذا تنتظرين؟!

نشروا الفساد في البقاع الطاهرة، سفكوا الدماء وقطّعوا عروق الأرض والأرحام، واستحكمت سكاكينهم وهم الرعاع مِن أعناق الكرام، حاصروا الآذان واعتقلوا التكبير في الأفواه.. نبشوا قبور الصالحين ليزرعوا نبتا خبيثا يظلّلهم، لاحقوا الأنفاس والحروف وذبابات الأقلام، تتبّعوا نبض القلوب، وارتعاش البوح حين عزّ الكلام.. ظنّوا أيامهم تطول! ظنّوا الفجر منا بعيد، ونسوا أنّ الضوء يعثر على القلوب المشرعة للنهار ويسكنها.

(تلك الأيام نداولها بين الناس) فارشفوا برفقة الغادرين ما بقي مِن كأسكم، فليس غير ظمأٍ مِن بعدها سيسكنكم، وأنتم تشاهدون الأيدي المتوضئة تُتبّرُ ما علوتم وتطردكم، لتنثر غبار الذل على جباهكم، بينما تغادرون الأرض التي ما انفكت تلعنكم! أيها العابرون.. هذه الأرض ليست لكم، هي تنكركم وترفض على صفحتها ظلالكم، وما حضنت يوما زرعكم، وبقيتم نبتا على السطح يسهل اجتثاثه، وما أثمرت فيه يدكم، وهي البشرى! قد آن آوان اجتثاثكم.. فارتقبوا إنا معكم مرتقبون، فسيف الحق حدُّه اليقين!

مرّت أعوام مِن الذلّ على جلودنا.. بكينا خريطة تشبّثت بخطواتنا وما استطعنا أنْ نحميها، وقد كثرت منّا الجراح حين عزّ السلاح.. بثمن بخس باع الأخوة بعض دمهم، ليأسروا خرائطهم بأغلال عدوّهم! نزفت فلسطين فإذا بدمها يتدفّق مِن كل الخرائط بالجراح، وأُكلت ثيران حكايتنا، وتشرّد أبناء أمّتنا في كل البطاح! ما عاد العراق عراقا، وما عادت الشآم شآما، ما عاد اليمن سعيدا، ومكبّلة ليبيا بين يدي جزّاريها، ومصر ما رفعت رأسها وقد أحنى منها الظهر جلّادوها، وخليجنا يهتز بين غناء وبكاء! بين خمر مسكوب ودم مسفوك ظلُّه الخوف وعباءتُه الرياء، ضاعت منّا أندلس أخرى، وضاعت على حد الصمت هيبتُنا، وغادر القانطين الرجاء! غير أنّ الأيدي المتوضئة ما انفكّت تشير للسماء! سنة الله لا تبديل لها.. يفلق الله الظُلمة فينبثق الضياء!

عددتم السنين على ترابنا حتى تجاوزتم السبعين، وكانت مآذننا تعدُّ لكم مِن خلف قضبانها وتئن بالتكبير، والقدس كانت تخيط ثوب عزّها مِن أكفان المجاهدين، لتستر عري عروبة باعت مع الأكفان تاريخ شهدائها، ونسيَت أنّ أجسادهم تصير في التراب ذاكرة تحيي التراب وتزرعه باليقين! فلسطين التي طردت الصليبيين، وأوقفت المغول، وقهرت نابليون عصيّة على الكسر! ولا يعمِّر فيها ظالم مهما امتدّت سطوته، فالبركة في عروق الأرض والرجال! فلسطين الخصب في ترابها وأرحامها، وهي البشارة وقد رُسمت على صفحة السماء! لا تتركوا العتمة تخيفُكم إنْ ضللتم الطريق، فوعدها مع قرآن الفجر كان مشهودا.

اقترب وعد الله فأنصتوا للكلمات، أنصتوا للحوادث والابتلاءات، سيُمطر الله بوعده الأرض والأرواح، وسيُنبت الفجر في عروق الباحثين عن الصباح.. إسرائيل الكذبة خاب مَن صدّقها كل تلك السنين، وخاب مَن ردد على أسماع الناس الفاجر مِن الكلام.. آيات الله تُتلى على أسماعهم، ما تلقّفتها قلوبهم، وأنكروها! ومقطوع بسيف الْحق مَن ربط خيله في مضارب العدو وأُتخم من قدوره! وعلى أشلاء قومه استلقى ونام، ها هو عدوّكم يأكل بعضه بعضا، ويفوح نتنه مِن أرجائه، وها هو يتآكل حبل ممدود له من الناس، فلا يغرّنك امتداده على الخرائط المذبوحة، فهذا زمن يقوده السفهاء، ويتحكّم في رقاب الناس فيه العتاة البلهاء.. هو زمن الصمت فيه موتٌ كما الكلام! وهو زمن يتسيّد لوحة العمر فيه الأسود والأبيض، فتتزاحم الجموع طلبا للظلام!

هو زمن إمّا أنْ تصحو فيه أو تموت! إمّا أنْ تقول كلمة الحق أو يبتلع لسانك السكوت! إمّا أنْ تصدّق بعودة المهجّرين لأرضٍ يغادرها العابرون، أو تدورُ في حلقات الشك منفيّا عن نفسك، وعن ترابك، فأعدّوا يا مَن صدّقتم بالوعد الحنّاء للمنتظرات فرسان الزنازين.. وهاتوا لطهر الأقصى ماء ورد مختوم بأيدي الصابرين، وقولوا للواقفين قبالة القدس: (لا تتوقّفوا عن طلب السماء، فقاب قوسين أو أدنى النصر المبين!) عدوّكم بوجهه المزرق يكاد يلفظ أنفاسه لو تعلمون، وزبانيتُه مِن حوله تضعف ريحهم ويتخاصمون، بينما يردّد البحر أصوات المحاصرين في غزة قرآنا، ودعاء، ودما تجود به أرواح تتوق للسماء! أما البقاع التي سقطت أوراق الستر عن سوءاتها، فباتت تجاهر بغيِّها بلا حياء! فالله قادر على إسكاتها، ويوم يأت وعد الله لا ناصر لها ولا ملاذ.

للمؤمنين المقبل مِن الأيام، فالْحق بركب المؤمنين وتعجّل، فريح القصاص ستعصف بقوافل الضلال، وستُقام الصلاة قريبا في بيت المقدس، ليتردد صدى تكبيراتها نصرا في البيت الحرام، هو النصر بدت بشائره لو تعلمون! فأصغوا بقلوبكم، وشرّعوا لتكبيراته نوافذكم.. كنّا لصغارنا نقول: (ستنفضح الكذبة المسمّاة بإسرائيل، والكيان الهش بوعد من الله سيزول.) واليوم لصغارنا وقد صاروا رجالا نقول: (إنْ كانت يد الظلم قد رسمت في سماء صبرنا عدوّنا، فاليوم هو في أفول.. اليوم هو في أفول..) ولنا في القدس لقاء.


المصدر: مدونات الجزيرة