حقيقة الإنسان والمادَّة في عِلم الكِتاب

بناءاً على ما تقدم من حَقائِق بادرت في هذا الجزء من كتاب (حقائق في علم الكتاب – دراسة في علوم الكتب السماوية) بإعادة النظر في مسائل جوهرية عِدَّة :
أولها حول الإنسان :
من هو؟
وما هي مصدر مشاعره وأحاسيسه تلك؟
وكيف تمت عملية خلقه ولماذا ؟
وكذلك ما سبب انفرادهِ في الحكم على الأرض ؟
وإلى أين يتجه بعلمهِ ومعرفتهِ هذهِ؟
وهل هُناك حُدود يجب أن لا يتخطَّاها في حياتهِ ؟
وما مَدى القُدرات والإمكانيات التي يمتلِكُها ؟
وهل هو لوحدهِ المُتحكم الفعلي في هذا الكون الشاسِع حقاً، أم أنَّ هُناك مَن يُنافِسَهُ على ذلك؟
أمَّا المسألة الثانية فهي حول المادة والكون:
محاولاً الإجابة بذلك هُناعلى الأسئلة التي تطرح عادة حول كيفية نشأتهما، وكذلك عن الهدف من وجودهما، متخذاً مِن الآيات القرآنية والسُنة النَبوية مرجِعاً رئيسياً أعتمد عليه في فَرض هذا الرأي أو ذاك على جمهور القراء .
هذه الأسئلة وكثيرٌ غيرُها حاولنا بقدر المستطاع هُنا إستنباط الأجوبة عليها من مفهومنا لعلم الكتاب بشكل خاص، والذي سوف تتم مناقشتهُ بشكل مستفيض وبشرح وافِ من خلال الاستعانة ببعض أساليب المَعرفة الحَالية في علوم الفيزياء والرياضيات وغيرِها، وذلك كي يتم توصيل المعلومة كامِلة للقارئ وبشكل عَملي ومُبسَّط حتى يتم دحض أي محاولة للتشكيك بالأجوبة المطروحة في هذا الجزء من الكتاب، الذي وإن حدث هذا النوع من الشك قد يسبب عدم الوضوح في الرؤية وبالتالي صعوبة في فهم محتوی ومغزى هذا الكتاب .
فتِلك الأسئِلة التي طَرحناها قَبل قَليل ما هيَّ إلا إستفسارات مُتكررة لمسائل مَصيرية بالنسبة لنا نحن بني البشر حتى وإن لم يبدو ذلك بالنسبة للعديد من الناس، فتأثيرُها علينا مُباشر وبالتالي تفاعُلنا معها ضَروري ، خصوصاً عند مواجهتنا للأقدار بما يخص الموت والحياة، الفقر والغِنى، السعادة والشقاء، ومحاولتنا الدائمة في السعي لكسب ما يمكن كسبه بما يخص الحياة كالغِني والسعادة، وسعينا الدائم في محاربة الموت والفقر والشقاء، فهذا النوع من السعي يشمل جميع بني البشر دون استثناء .
لهذا السبب كانت الرغبة الملحِّة من قِبل الناس لمعرفة حقيقة الإنسان كوجود وحقيقة الكون كمستقر أي كمحيط واسع يعيش فيه العديد من الكائنات، لعلهم بتلك المعرفة يتمكنون من قهر الموت وتحقيق الغِنى الدائِم والوصول إلى السعادة المطلقة (وكلهُ ممكن بأمر الله وحده).
من هنا إذاً اكتسبت تلك المعرفة أهمية كبيرة في حياتنا كبشر وفي ممارسة فعالياتنا اليومية على كوكب الأرض، فتلك الأسئلة نطرحها باستمرار ويتردد ذكرها كل يوم تقريباً، وقد أحسَّ الناس بِضرورة إيجاد الأجوبة المُناسِبة لها مُنذ زَمنٍ طويل ، إذ نراهُم يلجؤون تارة إلى تصور آلهة وتماثيل ليعبدوها كآلهة، وتارة إلى تخیل قوى خفية وقاهرة ليخافوا منها، محاولين بذلك الهروب من الجواب قدر الإمكان عن طريق نسب تلك الحقائق لتلك الأوهام.
فعلى الرغم من وجود العديد من النظريات والمفاهيم الفكرية والإنسانية والتي سعت في الماضي ومازالت تسعى في الحاضر للرد على تلك الأسئلة المطروحة والتي تخص الإنسان في محيطه الأرضي ومن مناظير عِدَّة، لكنها أخفقت في النهاية ولغاية هذه اللحظة من أن توجِد مفهوماً عاماً وشمولياً يجيب على تلك التساؤلات ويوضِّح حقيقة تلك المواضيع.
أما السبب في ذلك الإخفاق يرجع لعدم إعتماد هذهِ المَفاهيم الإنسانية على أسس متينة وقویه مستنبطة من الدين والعقيدة السماوية لتتمكن من الرد على تلك التساؤلات بإسلوب منطقي مدعوم بحقائق وبراهين قوية وثابتة .
أمَّا بخصوص جهدنا في إعادة النظر بتلك المسائل المطروحة سابقة، فسوف يتم إن شاء الله بإسلوب معين يُعبِّر عن حِرصِنا في تَوصيل المَعلومة بِأمان، وذلِك مِن خِلال صَفحات هذا الكتاب، على أن نشرح ونُبسط الموضوعات المُدرجة فيهِ بأكبر صورة ممكِنة ليَتمكَّن المُتلقي من فِهم المَسائل كما هي دون اللجوء إلى مراجِع أو كُتب لِمساعدتهِ والتي قد لا تكون بحوزته .
فطرحُنا هُنا قد حُدِدَ بفرضیاتٍ و نظریاتٍ مستجدَّة ، حيث جاءت هنا كلمة مستجدَّة للدلالة على إحتمال ورودها في أماكن أخرى غير هذا الكتاب ( كتاب : حقائق في علم الكتاب – دراسة في علوم الكتب السماوية) ولكن بمعنی مختلف کي تخدم أفكاراً مُعيَّنة قَد لا نَجِدُها مَطروحة هُنا، فهذهِ الفرضيات المعتمدة هنا تختلف بشكل كُلي عن تلك الموجودة حالياً في الكُتب الأُخرى، أما السبب في ذلك فيعود لحرصِنا على أن تَكون مُحاطة بإطارٍ مِن الشَرعية الإسلامية المَبنية على فِهمِنا للمنطِق ولتفسيرِنا لآيات الله البينات المدعمة بمصادر محدَّدة وموثوق بِها مِن قِبل جُموع المُسلمين أو ما قد تم ذكرَهُ أو التَنويه عنهُ في التفاسير المُعتمدة للقرآن وفي شروح الأحاديث الخاصَّة بالسُنَّة النَبوية المُطهرة .
فالهدف الذي ننشده من خلال طرحنا الحالي لمواضيع الإنسان والكون ، هو تهيئة الناس فكرية وعقلية عن طريق فتح مجالات فكرية وتأملية متعددة ، وذلك كي يتمكنوا من مواجهة المرحلة الحالية والقادمة من الزمن والتي من المنتظر أن تكثُر فيها الفِتن بشكل ملحوظ ، ليشيع الظُلم والطُغيان ، وتزداد الفاحِشة بينَ الناس، وهذا ما نَلمسه حالياً وبالفعل في مجتمعاتنا الإنسانية إسلامية كانت أم غير ذلك، ولعل ذلك يعود إلى بروز بِدَع وظواهِر مُستحدثة كثيرة لم نَعهَدُها من قَبل، غَريبة وغير مفهومة بالنسبة لكثير من الناس بسبب عدم قُدرتهم على استيعابها فکرياً نتيجة للتسارع الهائل الحاصل في تغييُر الأحداث، حيث نُلاحِظ عِند مُتابعة الأحداث الحاصلة في القرن الماضي بل في العقد المنصرم وربما في السنة الأخيرة أن هناك تغيير سريع في جميع المجالات.
فالأزياء تتغييَّر من فَصلٍ إلى آخر، والطَعام يَتغییَّر لِنجد كُل يومٍ منتجات جديدة، ووسائِل النقل تتغييَّر لِنجد كل سَنة نوعاً جديداً مِن السياراتِ أو مِن غيرِها، حتى في مجال العَمل حيث نَجد بين فَترةٍ وأُخرى آلةً جديدة ذات إنتاجيه أكبر من سابقتِها وهكذا ، فنحن إذاً مُحاصَرون بالتقلُباتِ المُستمرَّة والمُتسارِعة في كل يوم ومُلزَمونَ أيضاً بمجاراتِها لما تُمثِلَهُ مِن تدخُّل سَافِر في حياتِنا الخَاصَّة المُهدَّدة بالسَيطرة عليها. ومثالنا على ذلك ما تمثله الأجهزة البصرية والسمعية المُختلِفة المَوجودَة في داخِل بيوتِنا من خطرٍ مُباشر علينا وعلى أطفالنا، مما يقودهُم أحياناً إلى الإفتِتانِ بِها لِدَرجةٍ كبيرة فتصرِفَهُم عن الصَلاة والعِبادة والتي هي عِماد حياةِ المؤمِن ، بل يُمكن الذهابِ إلى أبعدِ من ذَلِك فنَجِدُها تقودَهُم إلى الكُفرِ باللهِ الواحِد القهَّار.
ولا نحتاج هنا إلى دلائل وبراهين خصوصاَ وان هذا الكلام ينطبِق تماماً على عصرِنا الحَالي ولا يُستثنى مِنهُ أي مكانٍ أو أي مجتمعٍ كان . .
فهذهِ الأمورِ كانت متوقَّعةِ الحدوثِ نتيجةً لِما تمَّ التنبؤُ بهِ مِن قِبَلِ السَلف الصَالِح، ولِما تمَّ فهمهُ مِن تفسيرنا لآيات القرآن الحكيم، ولما جاء في الكتب السماوية السابقة، ولما نوَّهَت إليهِ أيضاً الأحاديث النبوية الشريفة، فكُلُها حذَّرت من هَذا الزمانِ وما سوف يأتِ بعدَ ذلِكَ حيثُ يُتَوقَّع أن تَتعاظم الفِتن بشكلٍ كبيرٍ لِتُتَوَّج بِظهورِ الأعور الدجَّال أو المَسيح الدجال إن صح التعبير، وبحَسبِ ما تتناقل عنه الأحاديث فهو إنسانٍ غريبِ الأطوارِ أعورُ العَينِ أي بعينٍ واحِدة، يتمَّيز عن الآخَرينَ بقُدراتٍ غريبة وعَجيبة خَارجة عَن نِطاقِ المَألوف لِدَرجة أنَّ هُناك مَن يَتحدَّث عن مَقدِرتِهِ على خلق الإنسان أو إحياء الموتى ، وكذلِك بِمقدِرتِهِ على السِحرِ وسعيِهِ إلى فِتنِةِ النَّاسِ بالصورَة التي تَجعل الكَثير مِنهُم يَعتَقِدونَ بأنَّهُ رب فيُطيعوه ، وهذا ما سوف يدفعه إلى تَنصِيبِ نفسهِ رباً فيعبُدوه، وغير ذلك من أُمورٍ غَريبة وعَجيبة كقومِ يأجوج ومأجوج وخُروج الدابَّة مِن الأرضِ لتَتَكلم حيث نَجِدُ ذِكرُها في القرآنِ الكريمِ وفي مصادر دينية مختلفة ومتعددة مَوثوقٌ بِها ولا تَقبل الشَّك، وهذا كلُّه يُعتَبر مُقدماتٍ تُنذر بِقرُب السَّاعَة وتؤكِدُ أشراطِها .
فمما يُلاحَظ هُنا أنَّ الرِسالاتِ السَماوية كَكُل قد إهتمَّت بِهذا الحَدث على وجهِ الخُصوصِ وسَعت على الدوامِ إلى تَحذيرِ المُؤمنينَ مِن أهوالِ ومَخاطر تِلكَ السَّاعة، لِما يُمثِلَهُ هذا الحَدث مِن شأنٍ عظيمِ وكبيرٍ في حياةِ البَشريةِ على وجهِ الخُصوصِ وعلى الوجُود كلَّهُ بشكلٍ عَام ، لِتَتِم بِذلكَ إرادة الله ومشيئتهُ في نَقلِ عَبيدِهِ مِن مَرحلةِ الامتِحانِ و الإختبارِ إلى مَرحَلةِ الأمان والإستقرارِ.
وبِسبب إقتِرابِ وقتِها نُلاحظ تِكرارِ التَحذيراتِ بِهذا الشأنِ للناس أجمَعِين وذلِكَ عَن طريقِ الدُعاةِ الصَّالِحينَ وبِشكلٍ دائِم ومُستَمِر ليأخُذوا حَذرَهُم مِن هَذهِ المَرحَلَةِ الزَمنية بِالذاتِ .
قَد يُمثل ما تَقدَّم مِن كَلامٍ نَوعٌ مِن الوَهَمِ أو الخيَّالِ يَصعَبُ تَصديقَهُ مِن قِبلِ بَعضِ النَّاسِ ورُبَما هذهِ النُقطَةُ بالذاتِ هي سَببِ الخِلافِ القَائِم بَينَ الإنسانِ المُؤمِن والإنسانِ الكَافِر، لأنًّ الخِلاف القائِم بينَهُمَا ما كانَ لولا وجود هذهِ النُقطة بِالذات ، والذي نَعنيهِ هُنا بِتلكَ النُقطَة هو يومُ القِيَّامَة شَاملة الأحداث التي تَأتي من قبلِها ومِن بعدِها ، فاعتِرافِ الإنسانَ بوجودِ خَالقٍ للكونِ لَم يَكُن صَعِباً لأنَّ هَذا التوجُّه يَكادُ أن يَكونَ مَوجودٌ في ذاتهِ ودَليلُنا على ذلك نجدهُ في سَعي الإنسانَ الدائِم والمُتواصِل لإيجادِ رَمزٍ لوجودهِ کې يَكونَ بِإستطاعَتهِ نَسَبَ مالا يَقدِر على صُنعِهِ أو تصورهِ لجهةٍ مَجهولة، ثُمَّ عَمِل بَعد ذلِك جَاهِداً على تَصويرها بِعدَّة صُور وسمَّاها عِدة أسمَاء ، هذا الكلام ينطبِق على وضعِ الإنسانِ في جَميع مَراحِلِهِ التَاريخية ومِن ضِمنِها وقتُنا ألحاضِر، إذاً فعمليَّة فَرضِ دینٍ جديدٍ أو رباً يُعبَد ورسولٍ يُتَّبع ليسَ بالشيء الذي يَصعَب تَصوُرَهِ أو تَقبُلهِ عِند عَامة النَّاسِ، فالمُشكِلَة تَكمُن فيمَا يَفرِضَهُ الدين مِن تَصورٍ مُحدَّدٍ لأَصلِ وطَبيعَة الحَيَّاةِ المَوجودَة على الأَرضِ وفي الكونِ ليُلزِمَها كَحقيقةٍ ثَابِتة عِندَ أنصارهِ الَّذينَ يتَّبِعوه .
فَحقيقةِ الإنسان والمادَّة في عِلمِ الكِتاب تَتلخَّص بِتحديدِ البِدايَّة والنِهايَّة لِكُلٍّ مِنهُما وبِالتَالي إعطاء المِصداقية للثوابِ والعِقابِ الَّذي يُحاول الإنسانُ الكافِر الهُروب مِن مُجرَّد التَفكير فِيه.
فَهذا الشَيء الَّذي يَنكُرَهُ الكَافِر والَّذي يتمَّسَك بهِ المُؤمِن، هي نقطة الخلاف بين الإثنان.
أمَّا القولُ الفَصل فَنَجِدَهُ في كِتابِ اللهِ وعِلمهُ وحدَه، وللهِ عَاقِبَةُ الأمور.
مِن كِتاب (حقائق في علم الكتاب – دراسة في علوم الكتب السماوية) صفحة 056-059
تأليف: محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)