عصر الإلحاد أم عصر الجاهلية

يعتقد البعض بأنَّ الإلحاد هو دين العصر، وبأنَّهُ خُلاصة التجربة الإنسانية على مر السنين وذلك منذ أن ظهر البشر على وجه الأرض إلى يومنا هذا، ويدعمهُم في هذا الإعتقاد الكثير من الفلاسفة والمفكرين كذلك العديد من السياسيين وأصحاب النفوذ والسلطان لما لهذا التوجه من تسهيل الأمر على هؤلاء في مسعاهم لإستعباد البشر والسيطرة عليهِم بل وسلبهم كل ما يملكون من مال وولد وأملاك وغير ذلك بسبب مرجعية دين الإلحاد الذي يحددهُ عقل الإنسان الملحد الجاهل وأخلاقهِ المعدومة ومفاهيمه المغلوطة، حينها لا يعود الفرد الملحد إنساناً بل إنهِ يتدنى بدين الإلحاد وباإلحادهِ إلى إدنى من مستوى الحيوانات بجميع أنواعها مما يُسهل عملية السيطرة عليه وإستعباده من دون أن يكون هُناك ردة فعل غير محسوبة من قبلهِ أو مقاومة ما يتخوف منها ومن تبعاتها، فالفرد المُلحد بإتباعهِ لدين الإلحاد يكون قد تجرد من إنسانيتهِ لينحدر إلى ما دون المخلوقات أي إلى أسفل السافلين بمعنى أقل قيمة من المخلوقات المعدومي القيمة أصلاً كما جاء في القرآن الكريم من سورة التين، فلا عجب أن نجد الحكومات المُلحدة وعلى رأسها الشيوعية كالإتحاد السوفيتي السابق والحكومة الصينية الحالية وغيرها قد إستباحت دماء شعوبها فكانت ضحايا هذهِ الحكومات عشرات الملايين وهو الأمر الذي لا يحدث سوى في الحروب الكبيرة كحرب التتار والحروب العالمية الأولى والثانية.
في المقابل نجد أنَّ هناك من يعتقد بأنَّ عصر الجاهلية قد إنتهى بقدوم الإسلام وإنتشارهِ بين الأنام بدليل إنحسار إستخدام هذا المصطلح على الفترة ما قبل الإسلام فقط ولم يعد أحد يرددهُ أو ينسبهُ لأي جهة أو مجموعة ما كما كانت في السابق وذلك بغض النظر فيما كانت تلك الجماعة تستحق هذا اللقب أم لا، فعصر الجاهلية ما قبل الإسلام كان يتميز بعبادة الأصنام سواء كان في الجزيرة العربية ومحيطها أم في أسيا وشمال أفريقيا ، وما أن إنتشر الإسلام في هذهِ البقاع حتى كانت النهاية الحاسمة لعصر الجاهلية في هذهِ البلدان رغم إستمرار وجوده في الكثير من الدول الغير مسلمة كالهند وأفريقيا الوسطى والجنوبية وغيرها كثير.
السؤال الذي يطرح نفسه هُنا ما هي علاقة عصر الإلحاد بعصر الجاهلية؟
الجواب هو أنَّ عصر الجاهلية في حقيقتهِ ما هو إلا خلاصة لتجربة البشرية مع دين الإلحاد وإنتشار الملحدين في المجتمعات البشرية القديمة، فكما أسلفنا أنَّ دين الألحاد مرغوب ومحبب من قبل الساسة والمتنفذين من صناع القرار سواء كانوا حُكاماً أو رؤساء للأقاليم، وذلك كون دين الإلحاد يتبع هوى الإنسان المجرد من العلم والمعرفة والغارق بالجهل والتخلف الفكري والأخلاقي، وهذهِ الصفات تجعل من الملحد سهل الإنقياد من قبل الحُكَّام بسبب محدودية الذكاء لدى هؤلاء، ولكن بعد حين يكتشف الملحد بأنَّ إتباعهُ لدين الإلحاد يبعدهُ عن إنسانيتهِ ويقلل من شأنهِ في مُحيطهِ، بل إنَّهً يجد نفسهِ كملحد أقل شأناً من جميع المخلوقات المحيطة بهِ في عدم إتباعهِ لقوانين محدَّدة ولشرائع مثبَّتة وطقوس مقدسة ترفع من شأنهِ وتعزز من وجوده كمخلوق وتعلي من شأنهِ كفكر وعقيدة ومنهج وإسلوب حياة، حينها يسعى ذلك الملحد جاهداً لإيجاد دين حقيقي يتبعهُ يكون بعيداً عن عقلهِ المجرد وهواه المنحرف فلا يجد أمامه سوى الحجارة أو بعض الحيوانات المحيطة به، فما يكون منهُ سوى أن يُشكل من تلك الحجارة جسم مألوف لديهِ أو من ذلك الحيوان صورة ذهنية قريبة من هواه المنحرف ثُم يبدأ بجمع قصص وأحاديث وخرافات من هُنا وهُناك ويُزينها ببعض الموروثات الدينية المنقولة بين الناس كون الدين الحق كان من زمن آدم عليهِ السلام وإستمر مع الناس بصورة أو بأخرى فمنهُ من تمَّ تحريفهُ كالأديان السابقة لدين الإسلام ومنهُ من بقي محفوضاً بحفض الله كدين الإسلام العظيم، لتكون نتيجة الأمر عند الملحد ومن حولهُ من الملحدين أن إخترعوا ديناً جديداً لهذا الصنم أو هذا الحيوان وباشروا في عبادتهِ وربط سلوكيات معينة وأفكار محددة وعقائدة منسوخة بهذا الرب المزعوم الذي لا يضر ولا ينفع، لينشأ حينها عصر الجاهلية مِن عَبدة الأوثان والحيوانات ليتخلصوا الناس من عصر الإلحاد الذي دمَّر حياتهُم على أمل أن يجدوا في عصر الجاهلية المخرج والمنفذ لأزمة دين الإلحاد الذي وقعوا بها قبل ذلك.
لعل من يسأل هُنا عن ما إذا كانت الأديان السماوية أيضاً هي أحد الطرق لهروب الناس من دين الألحاد كونهُ منها من يتخذ الأصنام معبوداً لهُ بعد أن يصورها بما يعتقد بأنَّهُ صورة الرب وتجسيداً لهُ والعياذ بالله، والجواب يكون بأنَّ الخالق سُبحانهُ وتعالى قد أرسل الأنبياء والرُسل بدين الله الحق، وبمجرد ما أن ينقضي زمن رسول ما أو نبي يعود الناس إلى سابق عهدهِم من إلحاد كما في عصر إلإلحاد القديم ثُم جاهلية كما كان من عصر الجاهلية القديم ثُم إلى دين سماوي جديد كرحمة من رب العالمين بعد أن أضلَّ الناس السبيل، لكن وبعد أن كانت مشيئة الخالق سُبحانهُ وتعالى في إنهاء سلسلة الأنبياء والرسل إستعداداً ليوم القيامة كان نبي الإسلام محمد عليهِ الصلاة والسلام آخر الأنبياء والرسل وكان القرآن الكريم آخر الكُتب السماوية وكان حفظ الله لسيرة نبيهِ ورسولهِ العظيم محمد إبن عبد الله ولكتابهِ العظيم القرآن الكريم إلى يوم الدين أي يوم القيامة هو خير دليل على رحمة الله بالمؤمنين وأحسن دليل على هدي الله العظيم لعبادهِ الصالحين إلى صراطهِ المُستقيم وطريقهِ القويم.

لذلك وبعد الذي تمَّ شرحهُ وتفصيله عن عصر الإلحاد وما يليه من عصر الجاهلية نجد أنَّ في دين الإسلام العظيم خير هداية وأحسن تقويم لمسيرة البشرية على مر السنين، ففي دين الإسلام الحل الأكيد لجميع هموم الإنسان في كل مكان وفي كل زمان.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد إبن عبد الله وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين وعلى من إتبع سنتهُ وإهتدى بهديه إلى يوم الدين.
محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)