حقيقة مصير العلوم المادية

في طريقنا لإيجاد حقيقة مصير العلوم المادية نقدم هذا التصور للأحداث المتوقعة في الفترة الزمنية القادمة وبشكل سريع وعام، متجنبين بذلك الدخول في التفاصيل الدقيقة لما قد يُفهم مِنها كمُحاولة لِفَرض واقِع مُحدد على الآخرين .
فمِن المُتوقَّع في المَرحلة المُقبِلة مِن الزَمن أن يَقِل فيها شَأن المَادَّة وسَيطرتِها على حياة الإنسان وذلك لسببين رئيسيين:
أولهما: المَلل الشَديد الذي سَيحدُث مِن قِبل النَّاس نَتيجةً لِتشبُعِهِم بالمَاديات، والذي يُنبِّأ بِحُدوثِ فَراغٍ نَفسي وعَاطِفي كَبير في داخِل الإنسان وهو مَا قَد نُلاحظ بَوادِرَهُ في وقتنا الحاضر، ويَعود ذلك لِعدَم تمكُّن المَادَّة مِن التَعويض عَن ذَلِكَ الفَراغ، فَعلى سًبيل المِثال يَستحيل للمادَّة أن تَمنَح الحُب والحَنان والدِفء العَاطفي للإنسان.
ثانيا: التسارُع الهائِل للإكتشافات والإختراعات الحاصِلة في مَجال الآلات والبَرمَجيات وما يُحدِثَهُ مِن تَهميش لحَياةِ الإنسان ومُنافَستهِ في كَسب عَيشهِ، مما يجعلها العَدو اللدود للإنسان بعد أن كانت الرَفيق الحَميم لهُ، ولا يَخفَى على أحدٍ ضُمور وتَلاشي العَديد مِن المَهارات والحِرف اليَدوية بِسبب هذهِ الآلة، فمَاذا سَيحدُث یاتُری لو إستَعضنا عن دور الطَبيب والمُهندِّس والقاَضي أو العسكري وغيرهِم لتَحل مَكانَهُم الآلة للقيام بِعَمَلِهِم.
وكَنَتيجَة طَبيعية للمَلل والعَداوة الحَقيقية المُحتَملَة ضد المَادة مِن قِبَل الإنسان، سَتُحارَب العُلوم المَاديَّة بِكلِّ ضَراوَة مِن قِبلِهِ حَتى يَتم تَخفیف وجُودِها وسَيطرتِها على حَياةِ الناس، وقَد يَصِل الحَد إلى إزالتِها جُزئياً أو كلياً، والمَقصود هُنا بِمُحارَبة المَادة هو نُشوءِ صِراعٍ حَقيقي بين فئتين مِن البشر وهُما:

  • فِئة نَصيرة للمادة وهي تلك المُستفيدة مَادياً مِن نتائج العُلوم المَادية وهُم قلَّة مِن البَشر، كونُها تُمثِّل رؤوس الأموال المُستثمَرة في هَذا المَجال والحَريصَة على زِيادة عَدد الآلات المُستخدَمة في مُؤسساتِها الإنتاجية ليتِم بالمُقابل التَخفيف مِن عَدد العُقول والأيادي العَامِلة طمعاً بِزيادَة أرباحِها، فبالرغم من عددها المحدود جدا لكنها تتمتع بقوة ونفوذ کبیرین.
  • الفئة الثانية وهي العَدوَّة للمادَّة لكونِها المُتضرِر الأول والأخير نَتيجة لِما تَفرِضَهُ عَليهِ الإكتِشافَات والإختِراعَات المُنبَثِقة عَن تَطور العُلوم المَادية مِن تَكلِفة مَعيشية إِضافية مِثل الأجهِزة المَنزلية، وبالمُقابِل فَهي تتسبَّب في تَقليص فُرص عَمل الإنسان وبالتالي التَقليل مِن إيراداتِهِ لحرص صاحِب العَمل على زيادَة وجُود الآلات المُنتِجة والمُنافِسة لذلك العامل .

إذاً فالتكنولوجيا هي السَبب في زِيادة تَكلِفة مَعيشة الإنسان وهي كَذلِك السَبب في تَقليص مَصادِر رِزقهِ وتَحديد إمكانياتهِ، وهذا الوَضع يَضع الإنسان في مَوقِف المَسجون قهراً لتدفعه بالتالي إلى المقاومة والعُنف إتجاه أَنصار المادَّة بالذَات كونَهُم الحَريصين على إستخدامِها للتقليل مِن مَدفوعاتِهِم ولِزيادَة عوائدِهِم، وهذهِ المُقاوَمة قد تتطوَّر إلى حَربٍ حقيقية، وهذا ما نَشهَدَهُ حالياً بالفِعل مِن بَوادِر حَربٍ بَينَ أنصَار مَا يُدعي بِالعَولمَة وما نُسميها نَحن بأَنصار المادَّة وبَين عَامَّة الناس وهُم أعداء المَادة والمُتضررين بسببِها، وذَلِك بالرَغمِ مِن حُصول الكَثير مِن الصِراعَات الإِقليمية والدولية في السابق كنتيجة لهذا الشأن.
إضافة إلى ذَلك فهُناكَ صِراعُ آخر فيما بيَن أنصار المادَّة أنفسِهِم بِسبب تَنافسهم الشَديد على إمتلاك المَزيد مِن تِلك التَكنولوجيا وخَاصَّة الحَربية مِنها وبِالتالي غُرورَهُم وتَشبُعِهِم بأفكار السيطرة والنفوذ، وهذا التنافُس قَد أدَّى سَابِقاً بالعَديد مِن الدول إلى حُروب طَاحِنة ومُدمِرَة وهو ما يَجعل إحتِمال تِکرارِها وارد جداً ولكن بِشكلٍ أوسَع وبِصورةٍ أعَم ، مِمَّا قَد يُنبئ بحروبٍ شامِلة تزول معها تِلك الدول التي تميَّزت بالمهارَة في تصنيع تلك المواد الحَربية الخَطِرة لما تَملُكَهُ مِن تَكنُولوجيا وعُلوم تَخصَّصت بِهذا الشَأن، والسَبب في زوالِها يَعود إلى مِقدار الدَمار الهائِل الذي سَوف تُحدِثهُ تَكنولوجيا الحُروب النَاتِجة عَن تِلك الصِراعات الدَاخلية والخَارجية .
هذا التصًّور لیس تشاؤماً أو عدم ثقة بالمُستقبل أو غير ذلك، إنَّهُ ببساطة مَصير الشعوب الماديَّة على مَر التَاريخ دون أن يَحدُث أي تغير فيهِ، ونستطيع أن نتأكد من ذلك عند قراءتنا لكتب التاريخ أو مجرد سيرنا في الأرض وتساؤلنا عن مكان الشعوب أو الحضارات السابقة لنجدها في حجارة مكسَّرة أو بِناءٍ مَهدوم وهكذا.
وكذلك عِند قراءتِنا للقِصص الوارِدة في القُرآن والتي لَخَّصت الأمر بكونَهُ عِقاب مِن الله عزَّ وجَل على ما إقترفتهُ البَشرية مِن آثام وكبائِر في حَقِّ الله وفي حَق أنفُسِهِم فاستحقُوا العِقاب.
فإلى الله عاقبة الأمور كلها.

مِن كِتاب (حقائق في علم الكتاب – دراسة في علوم الكتب السماوية) صفحة 062-063

تأليف: محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)