سجل عضوية جديدة

أهلاً بكـ في شبكة فلسطين للحوار... شاركنا وبادر بالتسجيل ...


[ اعلان هام ] تحديث البريد الإلكتروني للعضوية
النتائج 1 إلى 7 من 7
  1. #1

    من مداخل الشيطان

    من مداخل الشيطان: سوء الظن

    إن سوء الظن من الفخاخ التي يصطاد بها الشيطان قلوب العباد؛ لأن سوء الظن من عوامل تفكيك الجماعات، وإفساد العلاقات، وتقطيع أواصر المحبة، وفي هذا الجو المظلم يستطيع الشيطان أن يعمل عمله، وينفذ خطته، فيصطاد المسلمين واحدًا تلو الآخر؛ لأنهم تفرقوا ولم يجتمعوا، وتفككوا ولم يعتصموا، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَنَالَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ، فَلْيَلْزَمُ الْجَمَاعَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ»؛ رواه أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح غريب [1].

    ولذلك يجتهد الشيطان في التفريق بين الأحبة، وتشتيت الصحبة، ولكن النبي الرحيم صلوات الله وسلامه عليه، نبَّهنا إلى هذا المدخل الخبيث من مداخل اللعين، فقال: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا إِخْوَانًا» رواه البخاري واللفظ له، ومسلم وأبو داود والترمذي [2].

    قال الحافظ: قال القرطبي: المراد بالظن هنا التهمة التي لا سبب لها، وكمن يتهم رجلًا بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها، ولذلك عطف عليه قوله: (وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا)، وذلك أن الشخص يقع له خاطر التهمة، فيريد أن يتحقق فيتجسس ويبحث ويستمع، فنهى عن ذلك وهذا الحديث يوافق قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحجرات: 12]، فدل سياق الآية على الأمر بصون عرض المسلم غاية الصيانة؛ لتقدم النهي عن الخوض فيه بالظن، فإن قال الظان: أبحث لأتحقق، قيل له: ﴿ وَلَا تَجَسَّسُوا ﴾، فإن قال: تحقَّقت من غير تجسس، قيل له: ﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴾؛ ا.هـ [3].

    قال القرطبي رحمه الله: الظن في الشريعة قسمان: محمود ومذموم، فالمحمود منه ما سلم معه دين الظان والمظنون به عند بلوغه، والمذموم ضده، بدلالة قوله تعالى: ﴿ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾ وقوله: ﴿ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ﴾ [النور: 12].

    قال: والذي يُميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها، أن كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة، وسبب ظاهر كان حرامًا واجب الاجتناب، وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاة، وأونست منه الأمانة في الظاهر، فظن الفساد به والخيانة محرم، بخلاف من اشتهر بتعاطي الريب والمجاهرة بالخبائث، وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللهِ حَرَّمَ مِنَ المُسْلِمِ دَمَهُ وَعِرْضَهُ، وَأَنَ يُظَنَّ بِهِ ظَنُّ السَّوْءِ»[4]، اهـ[5].

    قال ابن كثير رحمه الله: وروينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ولا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرًا، وأنت تجد لها في الخير محملًا[6].

    روى أبو داود بسند جيد عن زيد رضي الله عنه قال: أُتي ابن مسعود رضي الله عنه برجل، فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرًا، فقال عبدالله رضي الله عنه: إنا نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به.

    ولما كان ظن السوء مُفسدًا للمجتمع المسلم، فقد أمرنا الله باجتنابه، فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحجرات: 12].

    والظن خواطر تقع في القلب ربما لا يستطيع الإنسان دفعها، فيجب عليه أن يضعفها بظن الخير، فإن لم يستطع فعليه أن يتذكر عيوبه وخفايا ذنوبه؛ لينشغل بها عن عيوب الناس، فإن لم يستطع أن يدفع الظن السيئ بذلك، فعليه ألا يتكلم به، أو يبحث عن تحقيقه، وبهذا يسلم من الإثم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ»؛ متفق عليه[7].


    [1] صحيح بمجموع طرقه: الترمذي رقم (2165) في «الفتن»، باب ما جاء في لزوم الجماعة، وأخرجه أحمد في «المسند» (1 /16، 18)، والحاكم في «المستدرك» وصححه، ووافقه الذهبي والألباني، وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر في التعليق على المسند.
    [2] متفق عليه: رواه البخاري رقم (5143) في «النكاح»، باب لا يخطب على خطبة أخيه، ومسلم رقم (2563) في «البر والصلة»، باب تحريم الظن والتجسس.
    [3] فتح الباري (10 /481).
    [4] رواه ابن ماجه بنحوه وسنده ضعيف.
    [5] تفسير القرطبي (16 /332).
    [6] تفسير ابن كثير (4 /212).
    [7] متفق عليه: رواه البخاري رقم (5269) في «الطلاق» باب الطلاق في الإغلاق، ومسلم رقم (127) في «الإيمان» باب تجاوز الله عن حديث النفس.


    ,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,

    من مداخل الشيطان: احتقار الذنوب

    من مداخل الشيطان أيضًا أنه يأتي للمسلم ويقول له: هذا ذنب صغير، هذا هين، حتى يوقعه فيه، فبالتهاون ارتُكِبت كثير من الذنوب، وانتهكت حرمات الله.

    ولكن المسلم العاقل يحترز من الذنوب صغارها وكبارها؛ لأن اقتراف الصغيرة يجر إلى الكبيرة، بل إن الصغائر إذا اجتمعت على الرجل أهلكته؛ فعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ»، قال الحافظ: رواه أحمد بإسناد حسن[1].

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [المطففين: 14]، رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وابن ماجه[2].

    وعن ثوبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» قال الحافظ المنذري: رواه النسائي بإسناد صحيح[3].

    وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «إني لأحسب الرجل ينسى العلم كما تعلمه للخطيئة يعملها»؛ أخرجه الطبراني.

    بل إن التهاون بالذنوب من علامات ضعف الإيمان؛ لأن العبد كلما قوي إيمانه زاد خوفه، واشتد تحرزه من الذنوب، ففي صحيح البخاري[4] عن أنس رضي الله عنه قال: «إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات»؛ قال البخاري رحمه الله: يعني بذلك المهلكات[5].

    وقد قيل: لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عِظَمِ مَن عصيتَ، ولقد بلغ من شدة تحرز الصحابة - وهم أقوى هذه الأمة إيمانًا، وأتقاها قلوبًا - أنهم كانوا يخافون النفاق على أنفسهم.

    قال البخاري: وقال ابن أبي مُلَيكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه[6].

    فيجب على العبد الذي يريد النجاة ألا يتهاون بالصغائر، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: «إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللهِ طَالِبًا»[7]، رواه النسائي، وابن ماجه، والدارمي، وإسناده لا بأس به.

    وأخرج أسد بن موسى في «الزهد» عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: إن الرجل ليعمل الحسنة فيثق بها، وينسى المحقرات، فيلقى الله وقد أحاطت به، وإن الرجل ليعمل السيئة فلا يزال منها مشفقًا حتى يلقى الله آمنًا.


    [1] صحيح: أخرجه أحمد في «المسند» (5/ 231) قال الهيثمي (10/ 190): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، وله شاهد عند أحمد في «المسند» أيضًا (1/ 402)، وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر، والحديث صححه الألباني في «صحيح الجامع» (2686)، و«الصحيحة» (389).
    [2] صحيح: الترمذي (3334) في «التفسير» باب ومن سورة ويل للمطففين، وابن ماجه (4244) في «الزهد» باب ذكر الذنوب، ورواه أحمد في «المسند» (2/ 297)، والحاكم في «المستدرك» (2/ 517)، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
    [3] حسن: رواه ابن ماجه رقم (4022) في «الفتن» باب العقوبات، ورواه أحمد في «المسند» (5/ 277، 280) بإسناد حسن لأجل عبدالله بن أبي الجعد.
    [4] صحيح: رواه البخاري رقم (6492) في «الرقاق»، باب ما يتقى من محقرات الذنوب.
    [5] فتح الباري (11/ 329).
    [6] رواه البخاري كتاب «الإيمان» باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر.
    [7] صحيح: ابن ماجه رقم (4243) في «الزهد» باب ذكر الذنوب، والدارمي (2/ 303)، وأخرجه أحمد في «المسند» (6/ 70)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (513).




    يتبع



    الشيخ وحيد عبدالسلام بالي

    شبكة الالوكة









  2. #2

    رد: من مداخل الشيطان

    مداخل الشيطان
    العُجْب



    العجب يختلف عن الكبر، فالكبر له ثلاثة أركان: متكبر، ومتكبر به، ومتكبر عليه، والعجب ليس له إلا ركنان اثنان: معجب ومعجب به فقط، ولكن العجب هو الدرجة الأولى في سلم الكبر فنعوذ بالله منهما.

    والعجب: هو استعظام النعمة والركون إليها، مع نسيان إضافتها إلى المنعم.


    والعجب أنواع:

    فمن الناس من يعجب بصحته وقوته، وتناسب أعضائه وحسن صورته، فليَعلم أن ذلك من نصيب الدود، وأن كل من عليها فان.

    ومن الناس من يعجب بعقله وفِطنته واستكشافه لبطائن الأمور الدينية والدنيوية، وثمرة هذا العجب أن تجده مستبدًّا برأيه، مستجهلًا لغيره، معرضًا عن سماع آراء الآخرين، فليفكر هذا العاقل فيما لو ابتلاه الله بمرض في دماغه، لجنَّ عقله، وطار لبُّه، وذهب فكره، فليحمَد الله على العافية، وليشكُره على النعمة.


    ومن الناس: من يعجب بنسبه، ويظن أنه ناجٍ لا محالة، أليس هو ابن فلان المنسب من الحسن أو الحسين؟ فليعلم هذا الغافل أن من أبطأ به عمله، لم يسرع به نسبه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم نادى أقرب الناس إليه: «يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا»[1]؛ متفق عليه.


    ومن الناس: من يعجب بكثرة أولاده وأهله وعشيرته وهذا يكفيه قول الله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ [عبس: 34 - 37].


    فأي عجب بمن يتركك في أشد أحوالك، ويهرب منك في أحرج أوقاتك.


    ومن الناس: من يعجب بماله وغناه، فليقرأ قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ [فاطر: 15]، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ، تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ، مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ، إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ»[2]؛ متفق عليه.


    ومن الناس: من يعجب بعبادته، وهذا إنما أوتي من جهله؛ لأنه لا يدري أقبلت عبادته أم لا؟.


    وقال مسروق رحمه الله: كفى بالمرء علمًا أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلًا أن يعجب بعمله[3].


    وعن عمر رضي الله عنه قال: إنَّ من صلاح توبتك أن تعرف ذنبك، ومن صلاح عملك أن ترفُض عُجبك، ومن صلاح شكرك أن تعرف تقصيرك.


    وقال مطرف بن عبدالله رحمه الله: لأن أببت نائمًا وأصبح نادمًا، أحب إليَّ من أن أبيت قائمًا وأصبح معجبًا.


    وروي عن عائشة رضي الله عنها: أن رجلًا سألها، فقال: متى أعلم أني محسن؟ قالت: إذا علمت أنك مسيء، قال: ومتى أعلم أني مسيء؟ قالت: إذا علمت أنك محسن.


    وقال البخاري: قال ابن أبي مُلَيكة: أدركت ثلاثين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه[4].


    قال أبو الليث السمرقندي رحمه الله: من أراد أن يكسر العجب، فعليه بأربعة أشياء:

    أولها: أن يرى التوفيق من الله تعالى، فإذا رأى التوفيق من الله تعالى، فإنه يشتغل بالشكر ولا يعجب بنفسه.


    والثاني: أن ينظر إلى النعماء التي أنعم الله بها عليه، فإذا نظر في نعمائه اشتغل بالشكر عليها واستقلَّ عمله، ولم يعجب به.


    والثالث: أن يخاف ألا يتقبل منه، فإذا اشتغل بخوف القبول لا يعجب بنفسه.


    والرابع: أن ينظر في ذنوبه التي أذنب قبل ذلك، فإذا خاف أن ترجح سيئاته على حسناته فقد قلَّ عجبُه، وكيف يُعجب المرء بعمله ولا يدري ماذا يخرج من كتابه يوم القيامة؟! وإنما يتبين عجبه وسروره بعد قراءة الكتاب؛ ا. هـ[5].


    [1] متفق عليه: رواه البخاري رقم (2753) في «الوصايا»، باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب، ومسلم رقم (206) في «الإيمان» باب قوله تعالى: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ [الشعراء: 214].

    [2] متفق عليه: رواه البخاري رقم (5789، 5790) في «اللباس»، باب من جر ثوبه من الخُيلاء، ومسلم رقم (2088) في «اللباس والزينة»، باب تحريم التبختر في المشي.

    [3] رواه الدارمي (1 /93).

    [4] صحيح: رواه البخاري كتاب «الإيمان»، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر.

    [5] تنبيه الغافلين (252)


    ,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,


    مداخل الشيطان
    الرياء



    إن الرياء باب فسيح من الأبواب التي يلج الشيطان منها إلى قلب الإنسان، ولذلك يجب على المسلم الذي يريد الله والدار الآخرة أن يمحِّص في قلبه، فإن وجد فيه التفاتًا لغير الله سارع بعلاجه، وأن يفتش في أعماله فإن وجد فيها شبهة من رياء طهَّرها، ولما كان الرياء هو التفات القلب لغير الله وترك مراعاة الخالق مع مراعاة المخلوقين، سُمي شركًا أصغرَ.


    فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ» قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللهُ تعالى لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاؤُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً»[1].


    وأنواع الرياء كثيرة:

    فمن الناس من يرائي بعلمه، ومنهم من يرائي بعبادته، وكذلك من يرائي بصدقته، ومثال ذلك ما رواه مسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ»[2].


    وعن أبي هند الداري رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ قَامَ مَقَامَ رِيَاءٍ وَسُمْعَةٍ، رَاءَى اللهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَسَمَّعَ»[3].

    قال الحافظ المنذري: رواه أحمد بإسناد جيد.


    وفي «الصحيحين» من حديث جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ[4] اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ»[5].


    ولذلك كان السلف الصالح رضي الله عنهم يخفون طاعاتهم، كما يخفي الناس معاصيهم وعيوبهم، واعلم أن الدافع على الرياء هو الطمع في مدح الناس وخوف مذمتهم.


    ويمكن التخلص من الرياء بالأمور الآتية:

    1- أن تعلم أن مدح الناس لا ينفعك إن كنت عند الله مذمومًا، وذمهم لا يضرك إن كنت عند الله محمودًا.


    2- أن تعلم أن المخلوق الضعيف الذي تطلب مدحه لا يملك لك ضرًّا ولا نفعًا خاصة يوم فقرك الأكبر وحاجتك العظمى.


    3- أن تعلم أن الرياء يحبط العمل، وربما حوله إلى كفة السيئات.


    4- إن كنت تخشى اطلاع الناس على خبث باطنك وسواد قلبك في الدنيا، فالله تعالى مطلع على ذلك، وسيفضحك يوم القيامة أمام الجمع الأكبر وعلى رؤوس الأشهاد.


    5- وإذا أخطر عليك خاطر من الرياء فلتقم بمدافعته والتخلص منه، ثم الالتفات إلى الله بقلبك.


    واعلم أن الشيطان يدعوك أولًا لترك العمل، فإن عجز دعاك إلى الرياء فيه، فإن وجد منك إخلاصًا قال لك: هذا العمل ليس خالصًا وأنت مراء، وتعبك ضائع حتى يحملك على ترك العمل فانتبه - حفِظك الله - ولا تطع الشيطان فإنه عدو مضل مبين.


    يقول الغزالي رحمه الله: والمتخلصون عن الرياء في دفع خواطر الرياء على أربع مراتب:

    الأولى: أن يرد على الشيطان ويكذبه، ولا يقتصر عليه، بل يشتغل بمجادلته ويطيل الجدال معه؛ لظنه أن ذلك أسلم لقلبه وهو على التحقق نقصان؛ لأنه اشتغل عن مناجاة الله وعن الخير الذي هو بصدده، وانصرف إلى قتال قطاع الطريق، والتعريج على قتال قطاع الطريق نقصان في السلوك.

    الثانية: أن يعرف أن الجدال والقتال نقصان في السلوك فيقتصر على تكذيبه ودفعه، ولا يشتغل بمجادلته.

    الثالثة: ألا يشتغل بتكذيبه أيضًا؛ لأن ذلك وقفة وإن قَلَّت، بل يكون قد قرر في عقد ضميره كراهة الرياء وكذب الشيطان فيستمر على ما كان عليه مستصحبًا للكراهية غير مشتغل بالتكذيب ولا بالمخاصمة.

    الرابعة: أن يكون قد علم أن الشيطان سيحسده، فيعزم على أنه كلما نزغ الشيطان، زاد هو في الإخلاص، والاشتغال بالله وإخفاء الصدقة والعبادة غيظًا للشيطان.


    يروى عن الفضيل بن غزوان أنه قيل له: إنَّ فلانًا يذكرك - أي بسوء - فقال: والله لأغيظن من أمره، قيل ومن أمره؟ قال: الشيطان، ثم قال: اللهم اغفر له.


    وإذا عرف الشيطان من عبد هذه العادة، كف عنه خِيفة أن يزيد في حسناته.

    قال: وضرب الحارث المحاسبي لهذه الأربعة مثالًا أحسن فيه، فقال: مثالهم كأربعة قصدوا مجلسًا من العلم والحديث؛ لينالوا به فائدة وفضلًا وهداية ورشدًا، فحسدهم على ذلك ضال مبتدع، وخاف أن يعرفوا الحق، فتقدم إلى واحد فمنعه وصرفه عن ذلك، ودعاه إلى مجلس ضلال فأبى، فلما عرف إباءه شغله بالمجادلة، فاشتغل معه ليرد ضلاله، وهو يظن أن ذلك مصلحة له، وهو غرض الضال ليفوت عليه بقدر تأخره.

    فلما مرَّ الثاني عليه نهاه واستوقفه، فوقف فدفع في نحر الضال، ولم يشتغل بالقتال واستعجل، ففرح منه الضال بقدر توقفه للدفع، ومرَّ به الثالث فلم يلتفت إليه ولم يشتغل بدفعه ولا بقتاله، بل استمرَّ على ما كان، فخاب منه رجاؤه بالكلية، ومرَّ الرابع فلم يتوقف، وأراد أن يغيظه فترك التأني وأسرع في المشي، فيوشك إن عادوا ومروا عليه مرة أخرى أن يعاود الجميع إلا هذا الأخير[6].

    ولهذا كان كثير من السلف إذا ألهاهم الشيطان عن طاعة، فعلوها مضاعفة غيظًا للشيطان.

    وقال إبراهيم التيمي: إنَّ الشيطان ليدعو العبد إلى الإثم فلا يطعه، وليحدث عند ذلك خيرًا، فإذا رآه كذلك تركه.


    الرياء والأجر:

    اعلم - هداك الله - أنَّ الرياء إما أن يدخل في أصل العمل أو في أوصافه، فإن دخل في أصل العمل - يعني كان هو الدافع والباعث عليه - بطل بالإجماع.


    وإن دخل الرياء في أوصاف العمل؛ كطول في ركوع أو سجود، ففيه قولان: أحدهما يبطله، والآخر: لا يبطله ولكن ينقص من أجره.



    [1] صحيح: رواه أحمد في «المسند» (5/ 428) وقال الهيثمي (10/ 102): رجال أحمد رجال الصحيح، وقال المنذري (1/ 68): رواه أحمد بإسناد جيد، وابن أبي الدنيا، والبيهقي في «الزهد»، وصححه الألباني في «صحيح الترغيب» (1/ 120ح 32).

    [2] صحيح: رواه مسلم رقم (1905) في «الجهاد» باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار.

    [3] صحيح: رواه أحمد في «المسند» (5/ 269) بسند رجال ثقات، وصححه الألباني في «صحيح الترغيب» (1/ 117/ 24).

    [4] سمع: معناه؛ مَنْ أظهر عمله للناس رياء، أظهر الله نيته الفاسدة في عمله وفضحه يوم القيامة.

    [5] متفق عليه: رواه البخاري رقم (6499) في «الرقاق» باب الرياء والسمعة، ومسلم رقم (2987) في «الزهد» باب من أشرك في عمله غير الله.

    [6] تخريج إحياء علوم الدين (1896).

    الشيخ وحيد عبدالسلام بالي

    شبكة الالوكة


  3. #3

    رد: من مداخل الشيطان

    مداخل الشيطان: الكبر

    الكبر من مداخل الشيطان، وبه يستذل الإنسان، ويحمله على رد الحق، والإصرار على الباطل، والمتكبر جاهل لا يعرف حقيقة نفسه ولا حقيقة ربه؛ لأنه لو عرف نفسه حق المعرفة، لعلِم أنه كان نطفة تشمئز منها النفس، ثم علقة ثم مضغة، ثم كان مولودًا صغيرًا ضعيفًا، فعلام التكبر؟! ولَما كان الكبر داءً مهلكًا، حذَّر الله تعالى منه، فقال سبحانه: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ﴾ [الإسراء: 37]، وقال أيضًا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾ [النساء: 36].

    وقال: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ [الأعراف: 146].

    وقال: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾ [غافر: 35]، والآيات في ذلك كثيرة.

    وحذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من الكبر أيضًا، وبيَّن أن عاقبته وخيمة، فقال: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ»[1].

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قَالَ اللهُ تعالى: الْعِزُّ إِزَارِي، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، فَمَنْ نَازَعَنِي بِشَيْءٍ مِنْهُمَا عَذَّبْتُهُ»[2]؛ رواه مسلم.

    وعن حارثة بن وهب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ: كُلُّ عُتُلٍّ، جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ»[3] متفق عليه، و(العُتُل): هو الغليظ الجافي، و(الجواظ): هو الضخم المختال في مشيته.

    وعن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «احْتَجَّتِ النَّارُ وَالْجَنَّةُ، فَقَالَتْ هَذِهِ: يَدْخُلُنِي الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ. وَقَالَتْ هَذِهِ: يَدْخُلُنِي الضُّعَفَاءُ وَالْمَسَاكِينُ. فَقَالَ اللهُ تعالى لِهَذِهِ: أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ - وَرُبَّمَا قَالَ: أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ - وَقَالَ لِهَذِهِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا»[4] رواه مسلم.

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ»[5] رواه مسلم، و(العائل): هو الفقير.

    وعن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ خُسِفَ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[6]؛ رواه البخاري والنسائي، و(الخيلاء): هو الكبر والعجب، و(يتجلجل): أي يغوص وينزل فيها.

    وعنه أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ، لَمْ يَنْظُرْ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[7].

    وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ، أَكَبَّهُ اللهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ»؛ رواه أحمد، والبيهقي في «الشعب»، وقال الحافظ العراقي: إسناده صحيح[8].

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ لَهَا عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ وَأُذُنَانِ تَسْمَعَانِ وَلِسَانٌ يَنْطِقُ، يَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلاَثَةٍ، بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَبِكُلِّ مَنْ دَعَا مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِالمُصَوِّرِينَ»[9].

    وقال الحسن البصري رحمه الله: العجب من ابن آدم يغسل الخرء بيده كل يوم مرة أو مرتين، ثم يعارض جبار السماوات.

    وقال النعمان بن بشير على المنبر: إن للشيطان مصالي وفخوخًا، وإن من مصالي الشيطان وفخوخه: البطر بأنعم الله، والفخر بإعطاء الله، والكبر على عباد الله، واتباع الهوى في غير ذات الله.

    وروي أن مطرف بن عبدالله بن الشِّخير نظر إلى المهلب بن أبي صفرة، وعليه حُلة يسحبها، ويمشي الخيلاء، فقال: يا أبا عبدالله، ما هذه المشية التي يبغضها الله ورسوله؟ فقال المهلب: أما تعرفني؟! فقال: بل أعرفك، أوَّلُك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وحشوك فيما بين ذلك بول وعذرة، فترك المهلب مشيته هذه، فأخذ ابن عوف هذا الكلام ونظمه شعرًا فقال:
    عَجِبْتُ منْ مُعْجَبٍ بِصُورَتِهِ
    وَكَانَ بِالأمْس نُطْفَةً مَذِرةً
    وَفِي غَدٍ بَعْد حُسْنِ صُورَتِهِ
    يَصِيرُ فِي اللَّحْدِ جِيفَةً قَذِرةً
    وَهُوَ عَلَى تِيهِهِ وَنَخْوتِهِ
    مَا بَيْن ثَوْبَيْهِ يَحْمِلُ الْعَذرَةَ [10]


    وعن أبي بكر الهذلي قال: بينما نحن مع الحسن إذ مرَّ علينا ابن الأهتم، يريد المقصورة، وعليه جباب خز قد نضد بعضها فوق بعض على ساقه، وانفرج عنها قباؤه وهو يمشي يتبختر، إذ نظر إليه الحسن نظرة، فقال: أف! أف! شامخ بأنفه ثاني عطفه، مصعر خده، ينظر في عطفيه، أي حميق أنت؟! تنظر في عطفيك في نِعَمٍ غير مشكورة ولا مذكورة، غير مأخوذ بأمر الله فيها، ولا المؤدي حق الله منها وفي كل عضو من أعضائك لله نعمة، وللشيطان به لفتة! فسمع ابن الأهتم، فرجع يعتذر إليه، فقال: لا تعتذر إليَّ، وتب إلى ربك، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ﴾ [الإسراء: 37].

    [1] صحيح: رواه مسلم رقم (91) في «الإيمان» باب تحريم الكبر.
    [2] صحيح: رواه مسلم رقم (2620) في «البر والصلة» باب تحريم الكبر.
    [3] متفق عليه: رواه البخاري رقم (4918) في التفسير باب: ﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾ [القلم: 13]، ومسلم رقم (2853) في «الجنة» باب النار يدخلها الجبارون.
    [4] صحيح: رواه مسلم رقم (2846) في «الجنة وصفة نعيمها».
    [5] صحيح: رواه مسلم رقم (107) في «الإيمان» باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار.
    [6] رواه البخاري رقم (3485) في «أحاديث الأنبياء» باب (54)، والنسائي (8/ 206).
    [7] متفق عليه: رواه البخاري (3665) في «فضائل الصحابة» باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كنت متخذًا خليلًا»، ومسلم رقم (2085) في «اللباس والزينة»، باب كراهة ما زاد على الحاجة.
    [8] حسن: أخرجه أحمد في «المسند» (2/ 215) بسند رجاله ثقات، وحسنه الألباني في «صحيح الترغيب» (3/ 106/ ح2909).
    [9] صحيح: الترمذي رقم (2574) في «صفة جهنم» باب ما جاء في صفة النار، وأخرجه أحمد في «المسند» (2/ 336) بسند صحيح، وصححه الألباني في «الصحيحة» رقم (512).
    [10] أدب الدنيا والدين (201).

    ,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,

    من مداخل الشيطان
    البخل


    قال تعالى ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 268].

    فالشيطان يخوِّف الإنسان من الفقر؛ لكيلا ينفق مما في يده في سبيل الله، ويُخيل إليه أنه إذا أنفق افتقَر واحتاج، ولكن الله يطمئن كل مؤمن موقن بقوله: وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}، مبينًا أن فضل الله لا منتهى له، ورزق الله لا حدَّ له، وخزائنه ملأى لا تنفد أبدًا، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ - ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ»، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [آل عمران: 180][1].

    ولقد بين الله - تبارك وتعالى - أن الفوز والفلاح في ترك البخل والشح فقال: ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 9].

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا. وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا»[2].

    وعنه أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قَالَ اللَّهُ عز وجل: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ، وَقَالَ: يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ المِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ»[3]؛ رواه البخاري ومسلم.

    وعن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ، وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى»[4].

    وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟»، قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: «فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ»[5]؛ رواه البخاري.

    وعن عبدالله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الكِتَابَ، وَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَرَجُلٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَهُوَ يَتَصَدَّقُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ»[6].

    والمراد بالحسد هنا الغبطة، وهي تمني مثل ذلك، وهذا لا بأس به، بل ربما يكون طاعة، أما الحسد المذموم فهو تمني زوال النعمة وهو حرام.

    وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا»[7].

    [1] صحيح: رواه البخاري رقم (1403) في «الزكاة»، باب إثم مانع الزكاة.
    [2] متفق عليه: رواه البخاري رقم (1442) في «الزكاة»، باب قول الله تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ﴾ [الليل: 5]، ومسلم رقم (1010) في «الزكاة» باب في المنفق والممسك.
    [3] متفق عليه: رواه البخاري رقم (4684) في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ﴾ [هود: 7]، ومسلم رقم (993) في «الزكاة»، باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف.
    [4] صحيح: رواه مسلم رقم (1036) في «الزكاة»، باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى.
    [5] صحيح: رواه البخاري رقم (6442) في «الرقاق»، باب ما قدم من ماله فهو له.
    [6] متفق عليه: رواه البخاري رقم (5025) في «فضائل القرآن»، باب اغتباط صاحب القرآن، ومسلم رقم (815) في صلاة «المسافرين»، باب فضل من يقوم بالقرآن.
    [7] متفق عليه: رواه البخاري رقم (2065) في «البيوع» باب قول الله تعالى: ﴿ أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ﴾ [البقرة: 267]، ومسلم رقم (1024) في «الزكاة» باب أجر الخازن الأمين.





    الشيخ وحيد عبدالسلام بالي


    شبكة الالوكة









  4. #4

    رد: من مداخل الشيطان

    من مداخل الشيطان: طول الأمل

    فإن العبد إذا طال أمله سوَّف في عمله، وعمَّر دنياه، وخرَّب أخراه.


    قال أبو هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لَا يَزَالُ قَلْبُ الكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ: فِي حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الأَمَلِ»[1].


    قال البخاري: قال علي بن أبي طالب: «ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منها بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل»، هكذا رواه معلقًا[2].



    وقد قيل:
    إنَّا لَنفْرَحُ بالأيَّامِ نَقْطَعُهَا
    وَكُلُّ يَومٍٍ مَضَى يُدْنِي مِنَ الأجَلِ
    فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ قَبلَ المَوتِ مُجتهِدًا
    فَإنمَا الرِّبحُ والخُسْرانُ فِي العَمَلِ


    وقيل أيضًا:
    مَضَى أَمْسُكَ المَاضِي شَهِيدًا مُعَدَّلًا
    وَأَعْقَبَهُ يَوْمٌ عَلَيْكَ جَدِيدُ
    فَإِنْ كُنتَ بِالأَمْس اقْتَرَفْتَ إِسَاءَةً
    فَثَنِّ بِإحْسَانٍ وَأنتَ حَمِيدُ
    فَيَومُكَ إِنْ أَعْقَبتَه عَادَ نَفْعُه
    عَلَيكَ وَمَاضِي الْأَمْس لَيْسَ يَعُودُ
    وَلَا تُرْجِ[3] فِعْلَ الخَيْرِ يَوْمًا إِلَى غَدٍ
    لَعَلَّ غَدًا يَأْتِي وَأَنْتَ فَقِيدُ


    وقال الحسن البصري: نهارك ضيفك فأحسِن إليه، فإنك إن أحسنت إليه ارتحل بحمدك، وإن أسأت إليه ارتحل بذمك، وكذلك ليلتك.


    وقال الجاحظ: وجد مكتوبًا في حجر: يا بن آدم، لو أريت يسير ما بقي من أجلك لزهدت في طويل ما ترجو من أملك، ولرغبت في الزيادة من عملك، ولقصرت من حرصك وحيلك، وإنما يلقاك غدًا ندمك لو قد زلت بك قدمك، أسلمك أهلك وحشمك، وتبرأ منك القريب، وانصرف عنك الحبيب[4].


    وقال بعضهم:
    أَلَا إِنَمَّا الدُّنيَا مَقِيلٌ لِرَاكِب
    قَضَى وَطَرًا مِنْ مَنْزِل ثُمَّ هَجَّرا
    فَرَاحَ وَلَا يَدْرِي عَلَى ما قُدُومُهُ
    أَلَا كُلُّ مَا قَدَّمْتَ تَلْقَى مُوَفَّرا


    وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنه قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، فقال: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ»، وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك[5].


    ففي هذا الحديث بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المسلم في الدنيا غريب عن وطنه الأصلي، ألا وهو الجنة التي أخرج أبوه آدم منها فلا بد أن يجتهد ليعود إليه.


    وفي هذا المعنى يقول ابن القيم رحمه الله وبركاته:
    فَحَي عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإِنَّها
    مَنَازِلُكَ الْأولَى وَفِيهَا المُخَيَّمُ
    وَلَكِنَّنَا سَبْيُ العَدُوِّ فَهَلْ تَرَى
    نَعُودُ إِلَى أَوْطَانِنَا وَنَسْلَمُ
    وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّ الغَرِيبَ إِذَا نَأَى
    وَشَطَتْ بهِ أَوْطَانُه فَهُو مُغْرَمُ
    وَأَي اغْتِرَابٍ فَوْقَ غُرْبَتِنَا الَّتِي
    لَهَا أَضْحَتِ الأعْدَاءُ فِينَا تحكَّمُ[6]


    وكان عطاء السلمي يقول في دعائه: اللهم ارحم في الدنيا غربتي، وارحم في القبر وحشتي، وارحم موقفي غدًا بين يديك.


    وقال بعضهم:
    سَبِيلُكَ فِي الدُّنيَا سَبِيلُ مُسَافِرٍ
    وَلَا بُدَّ مِنْ زَادٍ لِكُلِّ مُسَافِرٍ
    وَلَا بُدَّ لِلْإِنْسَانِ مِنْ حَمْلِ عُدَّةٍ
    وَلَا سِيَّمَا إِنْ خَافَ صَوْلَةَ قَاهِرٍ



    وروى الحاكم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل وهو يعظه: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ»، قال الحافظ: وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» بسند صحيح، من مرسل عمرو بن ميمون[7].


    وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين للصحابة قصر أجل الإنسان، مع طول أمله مستعينًا في ذلك بالرسم الهندسي، ففي «صحيح البخاري»[8] عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: خط النبي صلى الله عليه وسلم خطًّا مربعًا، وخط خطًّا في الوسط خارجًا منه، وخط خططًا صغارًا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال: «هَذَا الإِنْسَانُ، وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ - أَوْ: قَدْ أَحَاطَ بِهِ - وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ: أَمَلُهُ، وَهَذِهِ الخُطَطُ الصِّغَارُ: الأَعْرَاضُ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا».


    قال الحافظ: وهذه صفته[9]:





    فإياك أخي المسلم وطول الأمل، فإنه يورث سوء العمل، بل ويفتح للشيطان بابًا آخر ألا وهو:

    الحرص:

    والحرص مفسدة للدين أي مفسدة؟! فعن كعب بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ»[10]، رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وصححه ابن حبان.



    وعن كعب بن عياض رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ»[11].


    وقد قيل:
    حتَّى مَتَى أنَا فِي حلٍّ وَتَرحَالٍ
    وَطُول سَعْي وَإِدْبَارٍ وَإِقْبَالٍ
    وَنَازحُ الدَّارِ لَا أبقيكَ مُغْتَرِبًا
    عَنِ الأَحِبَّةِ لَا يَدْرُونَ مَا حَالِي
    بِمَشْرِقِ الأَرْضِ طَوْرًا ثُمَّ مَغْربُهَا
    لَا يَخْطُر المَوْتُ مِنْ حَرْصِي عَلَى بَالِي
    وَلَو قَنَعْتُ أَتَانِي الرِّزْقُ فِي دَعَةٍ
    إنَّ القُنُوعَ الغِنَى لَا كَثْرة المَالِ



    وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ»[12].


    قال القرطبي[13]: معنى الحديث أن الغنى النافع أو العظيم أو الممدوح هو غنى النفس، وبيانه أنه إذا استغنت نفسه كفت عن المطامع فعزت، وعظمت، وحصل لها من الحظوة، والنزاهة، والشرف، والمدح أكثر من الغنى الذي يناله من يكون فقير النفس لحرصه؛ فإنه يورطه في رذائل الأمور، وخسائس الأفعال، لدناءة همته وبخله، ويكثر من يذمه من الناس، ويصغر قدره عندهم، فيكون أحقر من كل حقير، وأذل من كل ذليل، والحاصل: أن المتصف بغنى النفس يكون قانعًا بما رزَقه الله، لا يحرص على الازدياد لغير حاجة، ولا يلح في الطلب، ولا يلحف في السؤال، بل يرضى بما قسم الله له، فكأنه واحد أبدًا، والمتصف بفقر النفس على الضد منه لكونه لا يقنع بما أعطي، بل هو أبدًا في طلب الازدياد من أي وجه أمكنه، ثم إذا فاته المطلوب حزن وأسف، فكأنه فقير من المال؛ لأنه لم يستغن بما أعطي، فكأنه ليس بغني.



    ثم غنى النفس إنما ينشأ عن الرضا بقضاء الله تعالى، والتسليم لأمره؛ علمًا بأن الذي عند الله خير وأبقى، فهو معرض عن الحرص والطلب، وما أحسن قول القائل:

    غِنَى النَّفْسِ مَا يَكْفِيكَ مِنْ سَدِّ حَاجَةٍ ♦♦♦ فَإِنْ زَادَ شَيْئًا عَادَ ذَاكَ الغِنَى فَقْرًا اهـ[14]



    وقد قيل:
    أَرَاكَ يَزِيدُكَ الإثْرَاءُ حِرْصًا
    عَلَى الدُّنيَا كَأَنَّكَ لَا تَمُوتُ
    فَهَلْ لَكَ غَايةٌ إِنْ صِرتَ يَوْمًا
    إِلَيْهَا قُلْتَ: حَسْبِي قَدْ رَضيتُ


    فإياك أخي المسلم والحرص، فإنه يذهب الدين والشرف معًا، ويفتح للشيطان بابًا آخر ألا وهو: البخل.


    [1] متفق عليه: رواه البخاري (6420) في «الرقاق» باب من بلغ ستين سنة، ومسلم رقم (1046) في «الزكاة» باب: كراهة الحرص على الدنيا.

    [2] « فتح الباري » (11/ 235).

    [3] الإرجاء: التأخير.

    [4] « أدب الدنيا والدين » (102).

    [5] رواه البخاري رقم (6416) في «الرقاق» باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كن في الدنيا كأنك غريب...».

    [6] «حادي الأرواح» (8).

    [7] «فتح الباري» (11/ 235)، وهو في «صحيح الجامع» برقم (1077).

    [8] صحيح: رواه البخاري رقم (6417) في الرقاق، باب: في الأمل وطوله.

    [9] "فتح الباري" (11/ 237).

    [10] صحيح: الترمذي (2376) في الزهد باب (43)، ورواه أحمد في «المسند» (3/ 456، 460) وهو في «صحيح الجامع» (5620).

    [11] صحيح: الترمذي (2236) في «الزهد»، باب ما جاء أن فتنة هذه الأمة في المال، ورواه أحمد في «المسند» (4/ 160)، والحاكم في «المستدرك» (4/ 318)، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي وصححه الألباني في «الصحيحة» رقم (592).

    [12] متفق عليه: رواه البخاري رقم (6446) في الرقاق، باب: الغنى غنى النفس، ومسلم رقم (1051) في الزكاة، باب: ليس الغنى عن كثرة العرض.

    [13] القرطبي هذا هو صاحب "المفهم في شرح صحيح مسلم"، وهو شيخ القرطبي صاحب التفسير.

    [14] "فتح الباري" (11/ 272).

    الشيخ وحيد عبدالسلام بالي

    شبكة الالوكة


  5. #5

    رد: من مداخل الشيطان

    مداخل الشيطان
    حب الدنيا

    لقد زين الشيطان الدنيا وزُخرفها في قلوب كثير من الناس، فركنوا إليها واطمأنوا بها، بل وعضوا عليها بنواجذهم، ونشبوا فيها أظفارهم، ففيها يعادون، وعليها يتنافسون، ومن أجلها يتباغضون ويتحاسدون، ونفذ فيهم إبليس خطته؛ حيث قال: ﴿ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [الحجر: 39]، ويا أسفاه لقد اتبعوه وأطاعوه إلا من اعتصم بالله ولجأ إليه، ورمى الدنيا خلف ظهره: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [سبأ: 20].

    ولو عرَف الناس حقيقة الدنيا ما أقاموا لها وزنًا، ولا جعلوا لها في قلوبهم مكانًا، ولا على ألسنتهم ذكرًا، والله خالفها قد بين حقيقتها، فقال: ﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [الحديد: 20].

    فالحياة لعب ولهو وزينة، والعاقل من جعلها مزرعة للآخرة، ولذلك نادانا الله تعالى بعد هذه الآية قائلًا: ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الحديد: 21]، وكما حذرنا الله من الدنيا حذَّرنا منها رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضًا.

    فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ»[1].

    وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ»[2].

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا»[3]، وفي رواية «كَفَافًا»؛ رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه.

    وعن عبدالله بن الشِّخير رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴾ [التكاثر: 1]، قال: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي، مَالِي، قَالَ: وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟»[4].

    وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق والناس كَنَفَتَهُ، فمر بجدي أَسَكَّ ميت، فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ؟»، فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟! قال: «أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ؟»، قالوا: والله لو كان حيًّا لكان عيبًا فيه؛ لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟! فقال: «فَوَاللهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ، مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ»[5].

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ، وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ»[6]؛ رواه ابن ماجه والبيهقي والترمذي.

    وعن عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ؛ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»[7]؛ رواه البخاري ومسلم.

    ولقد طغى حب الدنيا في قلوب بعض الناس حتى عبدوها من دون الله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ»[8].

    ولو عرفوا قيمتها بالنسبة للآخرة لرفضوها وطلبوا الآخرة.

    فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ -وَأَشَارَ يَحْيَى بِالسَّبَّابَةِ- فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يرْجِعُ؟»[9].

    وفي «صحيح البخاري» عن سهل رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الجَنَّةِ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[10].

    ورُوي عن الحسن البصري أنه قال: رحم الله أقوامًا، كانت الدنيا عندهم وديعة فأدوها إلى من ائتمنهم عليها ثم راحوا خفافًا.

    وقال أيضًا رحمه الله: من نافسَك في دينك فنافِسه، ومن نافسك في دنياك، فألقها في نحره.

    ورُوي عن علي رضي الله عنه أنه قال: مَن جُمِعَ فيه ست خصال لم يدع للجنة مطلبًا، ولا عن النار مهربًا: من عرف الله فأطاعه، وعرف الشيطان فعصاه، وعرف الحق فاتبعه، وعرف الباطل فاتقاه، وعرف الدنيا فرفضها، وعرف الآخرة فطلبها.

    وقال أيضًا في وصف الدنيا: هي دارٌ مَنْ صح فيها سقم، ومن أمن فيها ندم، ومن افتقر فيها حزن، ومن استغنى فيها افتتن، في حلالها الحساب، وفي حرامها العقاب.

    وقال مالك بن دينار: بقدر ما تحزن للدنيا يخرج همُّ الآخرة من قلبك، وبقدر ما تحزن للآخرة يخرج هم الدنيا من قلبك.

    وقال الحسن: والله لقد أدركت أقوامًا كانت الدنيا أهون عليهم من التراب الذي تمشون عليه، ما يبالون أشرقت الدنيا أم غربت، ذهبتْ إلى ذا أو ذهبت إلى ذا.

    وقال بعضهم: يا بن آدم فرحت ببلوغ أملك، وإنما بلغته بانقضاء أجلك، ثم سوفت بعملك كأن منفعته إلى غيرك.

    وقال الحسن: لا تخرج نفس ابن آدم من الدنيا إلا بحسرات ثلاث: أنه لم يُشبع مما جمع، ولم يُدرك ما أمَّل، ولم يُحسن الزاد لما يقدم عليه.

    وقال أبو سليمان: لا يصبر عن شهوات الدنيا إلا من كان في قلبه ما يشغله بالآخرة.

    وقال مالك بن دينار: اصطلحنا على حب الدنيا فلا يأمر بعضنا بعضًا، ولا ينهي بعضنا بعضًا، ولا يدعنا الله على هذا، فليت شعري! أي عذاب الله ينزل عليها؟!

    وقال الشافعي رحمه الله: الدنيا دار مذلة، عمرانها إلى الخراب صائر، وساكنها إلى القبور زائر، شملها على الفرقة موقوف، وغناها إلى الفقر مصروف، الإكثار فيها إعسار، والإعسار فيها يسار، فافزَع إلى الله وارضَ برزق الله، لا تتسلف من دار فنائك إلى دار بقائك، فإن عيشك ظل زائل، وجدار مائل، أكثر من عملك، وأقصر من أملك.

    وقال علي رضي الله عنه: أوصيكم بتقوى الله، والترك للدنيا التاركة لكم إن كنتم لا تحبون تركها، المبلية أجسامكم وأنتم تريدون تجديدها، فإنما مثلكم ومثلها كمثل قوم في سفر سلكوا طريقًا وكأنهم قد قطعوه، فلا تجزعوا لبؤسها وضرائها، فإنه إلى انقطاع، ولا تمرحوا لمتاعها ونعمائها، فإنها إلى زوال، عجيب لطالب الدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وقد قيل:
    نَسِيرُ إِلَى الآجَالِ فِي كلِّ لَحظَةٍ
    وَأَيَّامُنَا تَمْضِي وَهُنَّ مَرَاحِلُ
    وَلَمْ أَرَ مِثلَ المَوتِ حقًّا كَأنَّه
    إِذَا مَا تَخَطَّتهُ الأمَانيُّ بَاطِلُ
    وَمَا أَقْبَحَ التَّفْرِيطِ فِي زَمَنِ الصِّبَا
    فَكَيفَ بهِ وَالشَّيبُ للرَّأسِ شَاغِلُ
    تَرْحَلُ منَ الدُّنيَا بِزادٍ منَ التُّقَى
    فَعُمُركَ أَيَّامٌ وَهُنَّ قَلَائلُ


    وقال الإمام البخاري رحمه الله:
    اغْتَنِمْ فِي الفَراغِ فَضْلَ رُكُوعٍ
    فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مَوْتُكَ بَغْتَةً
    كَمْ مِنْ صَحِيحٍ مَاتَ مِن غَيْر سَقَمٍ
    ذَهَبتْ نفسُه الصَّحِيحةُ فَلْتَة[11]


    وقيل أيضًا:
    ألَا إِنَّما الدُّنيَا كَأَحْلَام نَائِمٍ
    وَمَا خَيْرُ عَيْشٍ لَا يَكُونُ بِدَائِم
    تَأَمَّلْ إِذَا مَا نِلْتَ بِالأَمْسِ لَذَّةً
    فَأَفْنَيتَهَا هَل أَنتَ إلَّا كَحَالِم!


    واعلم أن حب الدنيا إذا طغى على القلب، فتح للشيطان بابًا آخر ألا وهو: طول الأمل.


    [1] رواه مسلم رقم (2742) في «الذكر والدعاء» باب أكثر أهل الجنة الفقراء.
    [2] صحيح: رواه مسلم رقم (1054) في «الزكاة» باب الكفاف والقناعة، والترمذي رقم (3349) في «الزهد» باب ما جاء في الكفاف، وابن ماجه (4138) في «الزهد» باب القناعة، ورواه أحمد في «المسند» (2/ 168، 172) والحاكم في «المستدرك» (4/ 123).
    [3] متفق عليه: رواه البخاري (6460) في «الرقاق» باب كيف كان يعيش النبي صلى الله عليه وسلم، ومسلم (1055) في «الزكاة» باب في الكفاف والقناعة.
    [4] رواه مسلم رقم (2958) في «الزهد» في فاتحته.
    [5] رواه مسلم رقم (2957) في «الزهد» في فاتحته، ورواه أحمد في «المسند» (3/ 365).
    [6] حسن: الترمذي (2322) في «الزهد» باب ما جاء في هوان الدنيا، وابن ماجه (1412) في «الزهد» باب مثل الدنيا، وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (3414).
    [7] متفق عليه: رواه البخاري (3158) في «الجزية والموادعة» باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب، ومسلم رقم (2961) في «الزهد» في فاتحته.
    [8] صحيح: رواه البخاري رقم (2887) في «الجهاد والسير» باب الحراسة في الغزو في سبيل الله.
    [9] صحيح: رواه مسلم رقم (2858) في «الجنة» باب فناء الدنيا.
    [10] صحيح: رواه البخاري رقم (6415) في «الرقاق» باب مثل الدنيا في الآخرة، وروى آخره مسلم رقم (1880) في «الإمارة» باب فضل الغدوة والروحة في سبيل الله.
    [11] انظر: هدي الساري (481).


    ,,,,,,,,,,,,,,,,



    من مداخل الشيطان
    الأمن من مكر الله



    من الناس من يقيم على المعاصي، فإذا نصحته رد عليك بقوله: «الله غفور رحيم» ولقد نسي هذا المسكين أن عذابه هو العذاب الأليم، فقد قال تعالى: ﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾ [الحجر: 49، 50]، فالله غفور للتائبين رحيم بالمؤمنين، ولكن العاصين لهم عذاب أليم، فلا تغتر أيها العبد برحمة الله ولا تأمن مكره: ﴿ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [الأعراف: 99].



    ومكر الله: استدراجه بالنعمة والصحة [1] .



    والأمن من مكر الله يورث الغفلة، والغفلة تورث التهاون، وما أدراك ما التهاون؟! هو سلم الشيطان وسبب من أسباب الخسران، فمن تهاون في أمر من أوامر الله، جره الشيطان إلى ما هو أكبر منه، وهكذا حتى يوقعه في شباك المعاصي.



    فلا بد للنفس من خوف يردعها عن المعاصي ويصدها عن المحارم، بل إن المؤمن كلما ازداد إيمانًا، ازداد خوفًا وشفقة على نفسه، ولذلك حكى الله تعالى عن المؤمنين في الجنة قولهم: ﴿ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ﴾ [الطور: 26، 27].



    ولذلك يقول الحسن البصري رحمه الله: المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق وجل خائف، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن[2].



    وعن أنس رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، فقال: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا»؛ رواه البخاري[3].



    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الجَنَّةُ» رواه الترمذي وحسَّنه.



    يقول المنذري رحمه الله: ومعنى الحديث أن من خاف ألزمه الخوف السلوك إلى الآخرة، والمبادرة بالأعمال الصالحة خوفًا من القواطع والعلائق؛ اهـ[4].



    وروى الحاكم عن بهز بن حكيم قال: أمَّنا زرارة بن أوفى رضي الله عنه في مسجد بني قشير، فقرأ المدثر، فلما بلغ: ﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ﴾ [المدثر: 8]، خرَّ ميتًا.



    وكيف تأمن مكر الله وأمامنا يوم تشيب فيه الولدان؟! يوم نقف أمام الله حفاة عراة، فيسألنا عن كل كبيرة وصغيرة، وكل حركة وسكنة، ولعمر الله إن الأمر عظيم، والخطب جليل؛ عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ لَرَجُلٌ، تُوضَعُ فِي أَخْمَصِ[5] قَدَمَيْهِ جَمْرَةٌ، يَغْلِي مِنْهَا دِمَاغُهُ»[6].



    وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَقُولُ اللَّهُ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، قَالَ: يَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ ﴿ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ [الحج: 2]، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: «أَبْشِرُوا، فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا وَمِنْكُمْ رَجُلٌ»، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ»، قَالَ: فَحَمِدْنَا اللَّهَ وَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ، إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعَرَةِ البَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوِ الرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الحِمَارِ»[7].


    [1] تفسير القرطبي (7/ 254).

    [2] تفسير ابن كثير (2/ 234).

    [3] صحيح: رواه البخاري رقم (4621) في «التفسير».

    [4] حسن: أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (8/ 377)، والبيهقي (7/ 358/ 10577)، والحاكم في «المستدرك» (4/ 308)، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في «الصحيحة» (954)، و«صحيح الجامع» (6222).

    [5] أي باطن قدميه الذي لا يصل إلى الأرض عند المشي.

    [6] صحيح: رواه البخاري رقم (6561) في «الرقاق» باب صفة الجنة والنار.

    [7] متفق عليه: رواه البخاري رقم (6530) في «الرقاق»، ومسلم رقم (222) في الإيمان.









  6. #6

    رد: من مداخل الشيطان

    من مداخل الشيطان
    الغضب

    الغضب من مداخل الشيطان الكبرى ومكائده العظمى؛ لأن الشيطان يلعب بالغضبان كما يلعب الأطفال بالكرة، والمشاهدة أكبر دليل على ذلك.

    يقول أبو حامد الغزالي رحمه الله: «يتصاعد عند شدة الغضب من غليان دم القلب دخان مظلم إلى الدماغ يستولي على معادن الفكر، وربما يتعدى إلى معادن الحس، فتظلم عينه حتى لا يرى بها، وتسود عليه الدنيا بأسرها، ويكون دماغه مثل الكهف الذي اضطرمت فيه نار، فاسود جوه وحمي مستقرُّه، وامتلأت بالدخان جوانبه، وربما تقوى نار الغضب فتفنى الرطوبة التي بها حياة القلب فيموت صاحبه غيظًا.

    ومن آثار هذا الغضب في الظاهر: تغير اللون وشدة ارتعاد الأطراف، وخروج الأفعال عن الترتيب والنظام، واضطراب الحركة والكلام حتى يظهر الزبد على الأشداق، وتحمر الأحداق، وتنقلب المناخر، وتستحيل الخلقة، ولو رأى الغضبان في حالة غضبه قبح صورته، لسكن غضبه حياءً من قبح صورته واستحالة خلقته، وقبح باطنه أعظم من قبح ظاهره، فإن الظاهر عنوان الباطن، هذا أثره في الجسد.

    وأما أثره في اللسان، فانطلاقه بالشتم والفحش من الكلام، الذي يستحيي منه ذو العقل، ويستحيي منه قائله عند فتور الغضب، وذلك مع تخبط النظم واضطراب اللفظ.

    وأما أثره على الأعضاء، فالضرب، والتهجم، والتمزيق، والقتل، والجرح عند التمكن من غير مبالاة، فإن هرب منه المغضوب عليه، أو فاته بسبب، وعجز عن التشفي؛ رجع الغضب على صاحبه فمزق ثوبه، ولطم نفسه، وقد يضرب بيده على الأرض، وقد يضرب الجمادات ويتعاطى أفعال المجانين.

    أما أثره في القلب مع المغضوب عليه، فالحقد، والحسد، وإضمار السوء، والشماتة بالمساءات، والحزن بالسرور، والعزم على إفشاء السر وهتك الستر، والاستهزاء، وغير ذلك من القبائح»؛ ا. هـ ملخصًا[1].

    وكلما فتر الغضب أثاره الشيطان بمثل قوله: هو مستهزئ بك، لا بد أن تنتقم، وغير ذلك مما يثير الغضب، ومن هنا وجب على المسلم العاقل أن يغلب شيطانه ويكظم غيظه ويلتمس العذر لغيره.

    روى البزار عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قوم يصطرعون فقال: «مَا هَذَا؟» قالوا: فلان ما يصارع أحدًا إلا صرعه، قال: «أَفَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ؟ رَجُلٌ كَلَّمَهُ رَجُلٌ فَكَظَمَ غَيْظَهُ فَغَلَبَهُ وَغَلَبَ شَيْطَانَهُ وَغَلَبَ شَيْطَانَ صَاحِبِهِ» قال الحافظ: سنده حسن[2].

    فالقوة الحقيقية هي التحكم في النفس عند الغضب، فلا ينطق بسوء ولا يتلفظ بفحش، ولا يمضي غيظه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه[3].

    و(الصُّرعة) بضم الصاد وفتح الراء: الذي يصرع الناس ويغلبهم، وهو المقصود هنا، وأما «الصرعة» بسكون الراء، فهو الضعيف الذي يصرعه الناس ويغلبونه، ولذلك رغب النبي صلى الله عليه وسلم في كظم الغيظ وترك الغضب، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رجل لرسولالله صلى الله عليه وسلم: «دُلَّني على عمل يدخلني الجنة»، قال رسولالله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَغْضَبْ وَلَكَ الجَنَّةَ»[4].

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني؟ قال: «لَا تَغْضَبْ»، فردد مرارًا قال: «لَا تَغْضَبْ»[5]؛ رواه البخاري، وزاد أحمد في رواية: قال الرجل: ففكرت حين قال النبي صلى الله عليه وسلم ما قال: فإذا الغضب يجمع الشر كله.

    وعن عبدالله عمرو رضي الله عنهما قال: سأل رجل رسولالله صلى الله عليه وسلم: ماذا يباعدني من غضب الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: «لَا تَغْضَبْ»، قال الحافظ العراقي: رواه الطبراني في «مكارم الأخلاق»، وابن عبدالبر في «التمهيد» بإسناد حسن[6].

    ولا يمكن لآدمي معتدل الخلُق أن يتخلى عن غريزة الغضب التي عليها جُبل وبها طُبع، ولكن عليه أن يقطع الآثار المهيجة للغضب؛ كعزة النفس والكبر وغير ذلك.

    قال عليبن زيد: أغلظ رجل من قريش لعمربن عبدالعزيز القول، فقال عمر: أردت أن يستفزني الشيطان لعزة السلطان، فأنال منك اليوم ما تناله مني غدًا، انصرف رحمك الله[7].

    تسكين الغضب:
    فإذا غضب فعليه أن يسكن غضبه، ويهدئ من ثورته، وذلك بعدة أمور:
    الأول: أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فعن سليمانبن صرد رضي الله عنه قال: استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فجعل أحدهما يغضب، ويحمر وجهه، وتنتفخ أوداجه، فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً، لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، فقام إلى الرجل ممن سمع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هل تدري ما قال رسولالله صلى الله عليه وسلم آنفًا؟ قال: لا، قال: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً، لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، فقال الرجل: أمجنون تراني؟![8].

    الثاني: أن يتذكر ثواب كظم الغيظ وأجره العظيم، فيكظم غيظه رغبة فيما عند الله تعالى، فعن ابن عمر رضي الله عنه أن رسولالله صلى الله عليه وسلم، قال: «مَا مِنْ جُرْعَةٍ أَعْظَمُ أَجْرًا عِنْدَ اللهِ مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ كَظَمَهَا عَبْدٌ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ»[9]؛ رواه ابن ماجه، قال المنذري: ورواته محتج بهم في الصحيح.

    وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه كلهم من طريق عبدالرحيمبن ميمون عن سهلبن معاذ عن معاذبن أنس رضي الله عنه أن رسولالله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ تعالى عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ»[10].

    الثالث: أن يسكن؛ لأنه يكون أقرب إلى الخطأ في هذه الحالة، فالسكوت أسلم كما قيل:
    إِذَا نَطَقَ السَّفِيهُ فَلَا تُجِبْهُ
    فَخَيْرٌ مِنْ إِجَابَتِهِ السُّكُوتُ
    سَكَتُّ عَنِ السَّفِيهِ فَظَنَّ أَنِّي
    عَييتُ عَنِ الجَوَابِ وَمَا عَييتُ


    وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[11].

    وروى أحمد وابن أبي الدنيا والطبراني والبيهقي من حديث ابن عباس مرفوعًا: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ»[12].

    الرابع: أن يجلس أو يضطجع؛ لما رواه أحمد وأبو داود وابن حبان، عن أبي ذر مرفوعًا: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ»[13].

    الخامس: أن يتفكر في قبح منظره عند الغضب، فإن هذا مما يسكنه، أما أحاديث الوضوء عند الغضب فلا يصح منها شيء فيما أعلم.

    السادس: أن يتذكر جزاء الصفح وثوابه عند الله تعالى، فيدفعه ذلك إلى تحمل جهل الجاهل وسفه السفيه ابتغاء مرضات الله وما عنده من الثواب العظيم.

    قال تعالى في صفة المتقين: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 134]، فالمسلم عندما يكظِم غيظه يضع نفسه في عداد المتقين، فإذا عفا وسامح، ارتفع إلى درجة المحسنين.

    قال ابن عباس رضي الله عنه: في قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ [فصلت: 34]: الصبر عند الغضب والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله وخضع لهم عدوهم؛ ذكره البخاري تعليقًا مجزومًا به[14].

    ورُوي عن الحسن البصري: أنه قال: من علامات المسلم: قوة في دين، وحزم في لين، وإيمان في يقين، وعلم في حلم، وكيس في رفق، وإعطاء في حق، وقصد في غنى، وتحمل في فاقة، وإحسان في قدرة، وصبر في شدة، ولا يغلبه الغضب ولا تجمع به الحمية، ولا تغلبه شهوة، ولا تفضحه بطنه، ولا يسخفه حرصه، ولا تقتصر به نيته، فينصر المظلوم، ويرحم الضعيف، ولا يبخل، ولا يبذر، ولا يسرف، ولا يقتر، يغفر إذا ظلم، ويعفو عن الجاهل نفسه منه في عناء، والناس منه في رخاء.

    السابع: أن يترفع بنفسه عن السباب، والقذف، واللعن، والشتم؛ لأن ذلك من صفات السفيه.

    كما روي عن سلمان أنه قال لما شتمه رجل: إن خفت موازيني فأنا شر مما تقول، وإن ثقلت موازيني لم يضرني ما تقول.

    ورُوي أن رجلًا سبَّ أبا بكر رضي الله عنه، فقال أبو بكر: ما ستر الله عنك أكثر.

    ورُوي أن امرأة قالت لمالكبن دينار: يا مراء، فقال: ما عرفني غيرك.

    ورُوي عن الأحنفبن قيس أنه قال: ما عاداني أحد قط إلا أخذت في أمره بإحدى ثلاث: إن كان أعلى مني عرفت له قدره، وإن كان دوني رفعت قدري عنه، وإن كان نظيري تفضَّلت عليه.

    فأخذه الخليل فنظمه شعرًا:
    سَأُلْزِمُ نَفْسِي الصَّفْحَ عَن كُلِّ مُذْنِبٍ
    وَإِنْ كَثُرَتْ مِنهُ إِلَيَّ الجَرَائمُ
    فَمَا النَّاس إِلَّا وَاحِدٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ
    شَريفٌ وَمَشْرُوفٌ وَمثلٌ مُقَاوِمُ
    فَأَمَّا الَّذِي فَوْقِي فَأَعْرِفُ قَدْرَهُ
    وَأتبعُ فيهِ الحَقَّ وَالحَقُّ لَازِمُ
    وَأَمَّا الَّذِي دُونِي فَأَحْلُمُ دَائِبًا
    أَصُونُ بِهِ عِرْضِي وَإِنْ لَامَ لَائِمُ
    وَأَمَّا الَّذِي مِثْلِي فَإِنْ زَلَّ أَوْ هَفَا
    تَفَضَّلْتُ، إِنَّ الفَضْلَ بِالفَخْرِ حَاكِمُ


    وقال بعضهم:
    وفِي الحلْمِ رَدْعٌ للسَفِيهِ عَنِ الأَذَى
    وَفِي الخرقِ إِغْرَاءٌ فَلا تَكُ أَخْرَقَا
    فَتَنْدَم إِذْ لَا يَنْفَعُكَ نَدَامَةٌ
    كَمَا نَدِمَ المَغْبُونُ لَمَّا تَفَرَّقَا


    وقال غيره:
    أُحِبُّ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ جَهْدِي
    وَأَكْرَهُ أَنْ أَعِيبَ وَأَنْ أُعَابَا
    وَأَصْفَحُ عَنْ سُبَابِ النَّاسِ حلْمًا
    وَشَرُّ النَّاسِ مَنْ يَهْوِى السَّبَابَا
    وَمَنْ هَابَ الرِّجَالَ تَهَيَّبُوهُ
    وَمَنْ حَقرَ الرِّجَالَ فَلَنْ يُهَابَا


    واعلم أن الغضب نوعان: إما أن يكون الغضب للنفس وهذا مذموم، وقد تقدم بيانه، وإما أن يكون لله وهذا محمود، بل مندوب، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم - وهو الرؤوف الرحيم - إذا ما رأى مخالفة شرعية غضب، واحمر وجهه، ولم يسكت، حتى يغيرها.

    فعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ رسولالله صلى الله عليه وسلم وفي بيتي قرام - أي ستر - فيه صور فتلون وجهه، ثم تناول الستر فهتكه، ثم قال: «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ»[15].

    ورأى رسولالله صلى الله عليه وسلم في قبلة المسجد نخامة فحكها بيده وتغيظ وقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِي الصَّلاةِ، فَإِنَّ اللَّهَ حِيَالَ وَجْهِهِ، فَلا يَتَنَخَّمَنَّ حِيَالَ وَجْهِهِ فِي الصَّلاةِ»[16]، ومن هنا يتبيَّن لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغضب إذا انتهكت حرمات الله.

    [1] تخريج إحياء علوم الدين (643).
    [2] فتح الباري (10/ 519).
    [3] متفق عليه: رواه البخاري رقم (6114) في «الأدب» باب الحذر من الغضب، ومسلم رقم (2609) في «البر والصلة» باب فضل من يملك نفسه عند الغضب.
    [4] صحيح: قال الحافظ المنذري: رواه الطبري بإسنادين أحدهما صحيح. «الترغيب» (5/ 115)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (7374) وعزاه لابن أبي الدنيا والطبراني.
    [5] صحيح: رواه البخاري رقم (6116) في «الأدب» باب الحذر من الغضب، والترمذي (2021) في «البر والصلة» باب ما جاء في كثرة الغضب، ومالك في «الموطأ» (2/ 906) في حسن الخلق، وأحمد في «المسند» (2/ 362، 466).
    [6] حسن: أخرجه أحمد في «المسند» (2/ 175) وفيه ابن لهيعة، وهو لين الحديث، وبقية رجاله ثقات، وحسنه الألباني في «صحيح الترغيب» (4747).
    [7] أدب الدنيا والدين (233).
    [8] متفق عليه: رواه البخاري رقم (6048) في «الأدب» باب ما ينهى من السباب واللعن، ومسلم رقم (2610) في «البر والصلة» باب فضل من يملك نفسه عند الغضب.
    [9] صحيح: ابن ماجه رقم (4189) في «الزهد» باب الحلم، قال البوصيري في «الزوائد»: إسناده صحيح، ورجاله ثقات، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه».
    [10] حسن: رواه أبو داود (4777) في «الأدب» باب من كظم غيظًا، والترمذي (2021) في «البر والصلة»، وابن ماجه (4186) في «الزهد»، وأخرجه أحمد في «المسند» (3/ 438)، وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (6518).
    [11] متفق عليه: رواه البخاري (6019) في «الأدب» باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ومسلم رقم (48) في «الإيمان» باب الحث على إكرام الجار.
    [12] صحيح: أخرجه أحمد في «المسند» (1/ 239) وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر وهو في «صحيح الجامع» (693).
    [13] صحيح: رواه أبو داود (4782) في «الأدب» باب ما يقال عند الغضب، وابن حبان في «صحيحه» (1973) «موارد الظمآن»، وأخرجه أحمد في «المسند» (5/ 152)، وهو في «صحيح الجامع» (693).
    [14] رواه البخاري في كتاب التفسير، سورة فصلت.
    [15] متفق عليه: رواه البخاري رقم (6109) في «الأدب» باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله، ومسلم (2107) في «اللباس والزينة» باب تحريم تصوير صورة الحيوان.
    [16] متفق عليه: رواه البخاري (6111) في «الأدب» باب ما يجوز من الغضب، ومسلم رقم (547) في «المساجد» باب النهي عن البصاق في المسجد.


    الشيخ وحيد عبدالسلام بالي
    شبكة الاوكة

  7. #7

    رد: من مداخل الشيطان

    من مداخل الشيطان : الجهل


    وهو مدخل عظيم من مداخل الشيطان، ولا نبالغ إذا قلنا بأن كل مداخل الشيطان منه تبدأ، عليه تعتمد وبه تقوى؛ لأن الجاهل لا يعرف مداخل الشيطان فيسدها، ولا مكائده فيبطلها، ولا شباكه فيتجنبها، فيجتذبه الشيطان بسهولة، ويتغلب عليه بأدنى حيلة.

    كما أن الجاهل لا يعرف الخير من الشر، ولا السنة من البدعة، فربما أوقعه في الشر وهو يحسب أنه الخير، وربما أوقعه في البدعة وهو يظنها سنة، وبهذا يكون من الخاسرين: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ [الكهف: 103، 104].

    والجهل يطمس القلب ويعمي البصيرة، ومن هنا يكون الجاهل للشيطان غرضًا، فيوجه إليه سهام الشبهات وسموم الشهوات، فيرديه قتيل الهوى أسير الشهوة، فإذا وصل إلى تلك الغاية اتخذه الشيطان جندًا ينشر به الفساد في الأرض، ويصد به الناس عن الحق، وبهذا يصير من حزب الشيطان ﴿ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [المجادلة: 19].

    ولذا قيل:

    وَفِي الجَهْلِ قَبْلَ المَوْتِ مَوْتٌ لِأَهْلِهِ
    فَأَجْسَامُهُمْ قَبْل القُبُورِ قُبُورُ

    وَإِنْ امْرُؤٌ لَمْ يَحْيَى بِالعِلْمِ مَيتٌ
    فَلَيْسَ لَهُ حَتَّى النُّشٌورِ نُشُورُ



    ومن مداخل الشيطان على الجاهل أنه يصده عن طلب العلم، ويقول له: أيجمل بك أن تجلس أمام العالم جلسة الطالب وأنت قد كبرت؟! فيرضى بالجهل.

    قال أبو الحسن الماوردي: وربما امتنع الإنسان عن طلب العلم لكبر سنه، واستحيائه من تقصيره في صغره أن يتعلم في كبره، فرضي بالجهل أن يكون موسومًا به وآثره على العلم أن يكون مبتدئًا به، وهذا من خدع الجهل وغرور الكسل؛ لأن العلم إذا كان فضيلة فرغبة ذوي الأسنان منه والابتداء بالفضيلة فضيلة، ولئن يكون شيخًا متعلمًا أولى من أن يكون شيخًا جاهلًا؛ اهـ

    وقد قيل: لئن تموت طالبًا للعلم، خير من أن تعيش قانعًا بالجهل.

    وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «اغد عالِمًا أو متعلمًا أو مستمعًا أو محبًّا ولا تكن الخامس فتهلك».

    فإن وجد من الجاهل رغبة في العلم، قال له: إن تعلمت العلم ولم تعمل به كان حجة عليك، فأجمل بك ألا تتعلمه لكي تخف مؤنتك ويقوى عذرُك، وما علم المسكين أن العلم هو الذي يكشف عنه تلك الظلم، ويزيح عنه تلك المحن، فهو المرشد والمعين، كما قال أحد العلماء: «طلبنا العلم لغير الله، فأبى العلم أن يكون إلا لله».

    وقال رجل لأبي هريرة: أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه، فقال: كفى بترك العلم إضاعة.

    ومن العجب أن الشيطان يخيل لبعض الجهال أنه عالم، وهذا منتهى التلبيس وقمة الغرور، وقد قسم الخليل بن أحمد الناس من حيث العلم إلى أربعة أقسام، فقال: الرجال أربعة: رجل يدري ويدري أنه يدري، فذلك عالم فاسألوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري، فذلك ناسٍ فذكِّروه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري، فذلك مسترشد فعلموه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، فذلك جاهل فارفضوه.

    وقال أبو القاسم الآمدي:

    إِذَا كُنْتَ لَا تَدْرِي وَلَمْ تَكُ بالَّذِي
    يُسائِلُ مَنْ يَدْرِي فَكَيْفَ إِذًا تَدْرِي

    جَهلْتَ وَلَمْ تَعْلَمْ بِأَنَّكَ جَاهِلٌ
    فَمَنْ لِي بِأَنْ تَدْرِي بِأَنَّكَ لَا تَدْرِي

    إِذَا كُنْتَ مِنْ كُلِّ الْأُمُورِ عَلَى عَمًى
    فَكُن هَكَذَا أَرْضًا يَطَاهَا الَّذِي يَدْرِي

    وَمِنْ أَعْجَبِ الأَشْيَاءِ أَنَّكَ لَا تَدْرِي
    وَأَنَّكَ لَا تَدْرِي بِأَنَّكَ لَا تَدْرِي



    ومداخل الشيطان على الجاهل كثيرة لا نستطيع إحصاءها، ويكفيك أن تعرف أن كل المداخل منها تتفرع.


    الشيخ وحيد عبدالسلام بالي
    شبكة الاوكة









 

 


تعليقات الفيسبوك



ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •