من الآية 1 إلى الآية 13: ﴿ الرَّحْمَنُ (الذي وَسِعَت رحمته الدنيا والآخرة)﴿ عَلَّمَ الْقُرْآَنَ ﴾ أي علَّمَ مَن شاءَ مِن عباده القرآن (بتيسير تلاوته وحفظه وفَهْم مَعانيه)، ﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ ﴾ ليَعبده وحده ولا يُشرك به، ﴿ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾ أي علَّمه التعبير عمَّا في نفسه - تمييزًا له عن غيره - ليَشكر نعمه ويَنقاد لأمره.

ثم ذَكَرَ سبحانه بعض مَظاهر قدرته وعَدله وإنعامه على خلقه، للاستدلال بذلك على استحقاقه وحده لعبادتهم، وعلى قدرته على بَعْثهم بعد موتهم، فقال:﴿ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ أي يَدوران في فلَكَيهمابحسابٍ مُتقَن لا يَختلف ولا يَضطرب، ﴿ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴾ (فمَخلوقات السماوات ومخلوقات الأرض تعرف ربها سبحانه وتعالى وتسجد له، وتخضع لِمَا سَخرَّها له مِن مصالح عباده)، ﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا ﴾ بقدرته العظيمة من غير أعمدة، ﴿ وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾ أي شَرَعَ لكم العدل، وألهَمَكم بصُنع آلته (وهو الميزان)، مِن أجْل ﴿ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ﴾ أي حتى لا تعتدوا وتخونوا مَن وَزَنتم له، ﴿ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ ﴾ أي بالعدل ﴿ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ: أي لا تُنْقِصوا الميزان إذا وَزَنتم للناس (كل هذا إنعامٌ مِن رحمات الرحمن، ودليلٌ على شدة عناية الله بالعدل بين عباده)، ﴿ وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ﴾ أي وَضَعَها ومَهَّدها ليَستقر عليها الخلق، ﴿ فِيهَا ﴾ أي في الأرض ﴿ فَاكِهَةٌ ﴾ كثيرة ﴿ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ ﴾ يعني: وفيها النخل ذات الأوعية التي يَخرج منها الثمر، (ولَعَلّ الله تعالى خَصَّ التمر من بين باقي الفواكه لمَكانته عند العرب وكثرة فوائده)، ﴿ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ ﴾ يعني: وفيها الحب ذو القِشر - مِثل القمح والأرز والشعير - رِزقًا لكم ولأنعامكم، ﴿ وَالرَّيْحَانُ ﴾ يعني: وفيها كل نبات طيّب الرائحة (مِثل نبات الريحان وغيره)، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما - يا مَعشر الجن والإنس – تكذِّبان، وهي كثيرة لا تُعَدّ ولا تُحصَى؟!، (وما أحسن ما قاله الجن حين تَلا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه السورة، فكلما مَرَّ بهذه الآية، قالوا: "ولا بشيءٍ مِن آلائك ربَّنا نُكَذِّب، فلك الحمد"، وهكذا يَنبغي للعبد إذا تُلِيَتْ عليه نعم الله تعالى، أن يُقِرَّ بها، ويَشكره عليها).

ولَعَلّ الله تعالى قد كَرّرَ هذه الآية في سورة "الرحمن" تقريراً لعباده بنعمه عليهم، لتذكيرهم بها (وذلك لكثرة غفلتهم عن شُكرها وتعلق قلوبهم بالدنيا)، فإنّ مِن عادة العرب: تكرار الكلام لتأكيده، إذ كانوا يقولون: (ما تَكَرَّر: تَقَرَّر)، ولذلك كُرّرَت الآيات لتأكيد نعم الله على الإنس والجن، فالاستفهام في هذه الآية أسلوبٌ للتقرير وعدم الإنكار.

والذي يَتتبع هذه الآية الكريمة، يُلاحِظ أن اللهَ تعالى قد كَرَّرها ثماني مرات عَقِب آياتٍ فيها ذِكر عجائب خَلقه، وبداية هذا الخلق ونهايته، ثم كَرَّرها سبع مرات - عَقِب آياتٍ فيها ذِكر النار وشدائدها - بعدد أبواب جهنم، ثم كَرَّرها ثماني مرات - في وَصْف الجنّتَين وأهلهما - بعدد أبواب الجنة، وكَرَّرها كذلك ثماني مرات في الجنّتَين اللتين أقل درجةً من الجنّتَين السابقتَين، ولَعَلّ في ذلك إشارة إلى أنّ الذي يَتعظ بالثمانية الأولى (التي تدل على قدرة الله ووحدانيته وعظمته)، فاتّقَى عذابَ ربه (بطاعته واجتناب معصيته)، استحق هاتين الثمانيتَين من الله تعالى (وهي الجنة)، ووقاه السبعة السابقة بفضله وكَرَمه (وهي النار)، واللهُ أعلم.

من الآية 14 إلى الآية 18: ﴿ خَلَقَ سبحانه ﴿ الْإِنْسَانَ ﴾ - والمقصود به هنا آدم عليه السلام (أبو البَشَر) - إذ خَلَقه اللهُ ﴿ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ﴾ أي مِن طين يابس كالفَخَّار (إذا نُقِر عليه: سُمِعَ له صوت)، ﴿ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ﴾ أي مِن لهب النار المُختلَط بعضه ببعض (وهو اللهب الأحمر والأصفر والأزرق)، إذ أصل كلمة "المارج": المروج، وهو الاختلاط، كما سيأتي في قوله تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ) أي خَلَطهما، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ؟ يعني فبأي نِعَم ربكما - يا مَعشر الجن والإنس - تكذِّبان؟!، هو سبحانه ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ﴾ أي مُدَبِّر أمْر الشمس في مَشرقَيها ومَغربَيها (في الصيف والشتاء)، فدَبَّرَ سبحانه ذلك كله وسَخَّره لمصالح العباد، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما الدينية والدنيوية تكذِّبان يا مَعشر الجن والإنس؟!

من الآية 19 إلى الآية 25:﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ أي خَلَطَ سبحانه البحرين - العذب والمالح - فجَعَلهما ﴿ يَلْتَقِيَانِ ﴾ يعني يَجريان معاً في مكانٍ واحد، ولكنْ ﴿ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ ﴾ أي حاجز، فـ﴿ لَا يَبْغِيَانِ ﴾ أي لا يَطغى أحدهما على الآخر، فيَذهب بخصائصه ويُفسده، بل يَبقى العذب عذبًا، والمالح مالحًا (رغم اختلاطهما)، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما - الظاهرة والباطنة - تكذِّبان؟! ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ﴾ - أي مِن البحرَين - ﴿ اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ﴾ الذي يَتزين به نساؤكم، (واعلم أنه قد تم حديثاً العثور على اللؤلؤ والمرجان فى بعض الأنهار العذبةفى ضواحي "ويلز واسكتلاندا")، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما تكذِّبان؟!، ﴿ وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآَتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ﴾ (والجَواري هي السُفن الجارية، والأعلام هي الجبال)، والمعنى: إنّ من آيات الله تعالى هذه السفن الضخمة، التي تجري في البحر مِثل الجبال، فهو سبحانه الذي عَلَّمَ نوحاً عليه السلام كيفية صُنعها، وهو وحده الذي له التصرف فيها وهي في البحر (إذ هو الذي سَخَّرَ البحر ليَحملها - رغم ثِقَلها - لمنافع العباد، وهو القادر على إغراقها بالرياح وقتما يشاء)، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما - يا مَعشر الجن والإنس - تكذِّبان؟!

من الآية 26 إلى الآية 30: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ يعني: كل مَن على الأرض - مِن الخَلق - هالك﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ﴾ أي تبقى ذاته سبحانه (لأنّ بقاء وجهه سبحانه يَستلزم بقاء ذاته كلها، لأنه سبحانه الحي الذي لا يموت)، وهو﴿ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ أي ذو العَظَمة والكَرَم، (وفي الآية إثباتٌ لصفة الوجه لله تعالى كما يليق بجلاله وكماله، دونَ تشبيهٍ بخلقه)، (وفي الآية أيضاً دليل على فناء كل شيء إلا اللهُ تعالى وما وَرَدَ الدليل بعدم فنائه، وهم ثمانية أشياء: (العرش والكرسي، والنار والجنة، واللوح والقلم والأرواح، وعُجب الذَنَب (وهو الجزء الذي يَتبقى من الإنسان بعد موته ولا يتحلل)، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ (ولَعَلّ المقصود بالنعمة هنا - عند ذِكر الموت - هو تذكير المؤمنين من الإنس والجن بنعمة الإراحة من التكاليف والعبادات للتنعم في روضات الجنات)، ﴿ يَسْأَلُهُ ﴾ سبحانه ﴿ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ أي يَطلبون منه أن يَقضي لهم جميع حوائجهم (كالرزق والصحة والأولاد ومَغفرة الذنوب، والإعانة على التوبة النصوح وحُسن العبادة)، وكذلك تسأله الملائكة أن يَغفر ذنوب الذين تابوا وآمنوا، فلا غِنَى لأحدٍ منهم عنه سبحانه، ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ (إذ يُعِزُّ ويُذِلُّ، ويُحيي ويميت، ويُعطي ويَمْنع بحسب عدله التام وحِكمته البالغة)، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما - الظاهرة والباطنة - تكذِّبان؟!

من الآية 31 إلى الآية 36: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكُمْ: أي سنأتي لحسابكم ومُجازاتكم بأعمالكم ﴿ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ ﴾ يعني يا أيها الإنس والجن (فنُعاقب أهل المعاصي، ونُكافئ أهل الطاعات)﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما - الدينية والدنيوية - تكذِّبان؟! ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ﴾: ﴿ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا ﴾ يعني إن قَدَرْتم أن تهربوا مِن البعث والجزاء - مِن نَواحي السماوات والأرض - فافعلوا، ولكنكم ﴿ لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ﴾ أي لن تقدروا على ذلك إلا بقوةٍ قاهرة غالبة (وكيف لكم ذلك وأنتم لا تملكون لأنفسكم نفعًا ولا ضرًا؟!، وفي هذا تعجيزٌ لهم)﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما تكذِّبان؟!

فإن أردتم الفرار مِن حُكمي فيكم يوم القيامة - على سبيل الفرض - فحينئذٍ ﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ يعني يُرْسَل عليكما لهبٌ من نار، ونحاس مُذاب - أي قد ذابَ مِن شدة غليانه - يُصَبُّ على رؤوسكم ﴿ فَلَا تَنْتَصِرَانِ ﴾ أي فحينئذٍ لا يَنصر بعضكم بعضًا من عذاب الله، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما تكذِّبان؟!
من الآية 37 إلى الآية 45: ﴿ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ يوم القيامة ﴿ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ﴾ أي فصارت حمراء كلَون الورد أو الزيت المغلي (وذلك من شدة الأمر وصعوبته يوم القيامة)، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما - يا مَعشر الجن والإنس - تكذِّبان؟! ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ ﴾ يعني: ففي ذلك اليوم لا تَسأل الملائكةُ مُجرِمي الإنس والجن عن ذنوبهم، (ويُحتمَل أن يكون المقصود من قوله تعالى: (لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ) أي لا يُسأل أحدٌ أن يُحمَل عنه ذنبه، فيكون ذلك مِثل قوله تعالى: (وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا)، أي لا يسأله أن يَحمل عنه ذنبه، واللهُ أعلم)، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما - الظاهرة والباطنة - تكذِّبان؟!، ﴿ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ ﴾ أي تَعرِفهم الملائكةُ بعلاماتهم يوم القيامة (مِثل اسوداد وجوههم وغير ذلك) ﴿ فَيُؤْخَذُ ﴾ المُجرم ﴿ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ: أي تَضُم الملائكة مُقدمة رأسه مع أقدامه، فتَرميه في النار، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما - يا مَعشر الجن والإنس - تكذِّبان؟!، ويُقال يومئذٍ: ﴿ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ﴾ أي التي كانوا يُكذِّبون بها في الدنيا﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آَنٍ ﴾ يعني: مَرةً يُعذَّبون في الجحيم، ومَرةً يُسقون من الحميم المغلي (وهو شرابٌ شديد الحرارة، يشوي الوجوه ويقطِّع الأمعاء)﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ (ولَعَلّ المقصود بالنعمة هنا - في آيات وصف العذاب - هو التذكير بنعمة العدل بين العباد، وجزاء الظالمينَ المُفسِدين بما يَستحقون يوم القيامة).

من الآية 46 إلى الآية 61: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ يعني: ولمَن خافَ الوقوف بين يدي اللهِ تعالى يوم القيامة، فأطاعه وترَكَ مَعاصيه، فهذا المُتّقي له في الجنة حديقتان عظيمتان تُحيطان بقصره، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما - الدينية والدنيوية - تكذِّبان؟، وهاتان الحديقتان ﴿ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ﴾ أي لهما أغصان مَملوءة بأوراق الشجر، ومَملوءة بالثمار ذات الألوان الجميلة، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما - يا مَعشر الجن والإنس - تكذِّبان؟!، ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴾ يعني: في هاتين الحديقتين عَينان من الماء (تجريان خلال أشجارهما)، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما - الدينية والدنيوية - تكذِّبان؟!، ﴿ فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴾ يعني: في هاتين الحديقتين صِنفانمن الفواكه، (وقد قيل إن المقصود بهذين الصِنفين: الرَّطِب (مِثل العنب) واليابس (مِثل اللوز)، وقيل أيضاً: نوعٌ معروف - أي موجود في فاكهة الدنيا - والآخر غير معروف، واللهُ أعلم)، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما - الظاهرة والباطنة - تكذِّبان؟

ويَجلس المتقون في الجنة ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ: أي متكئين على فُرُش (مُبَطَّنة من الحرير الغليظ)، ﴿ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ﴾ يعني: وثمر أشجار الجنتين قريبٌ منهم (إذ يَقطفونه بسهولة وهم جالسون)﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما تكذِّبان؟!، ﴿ فِيهِنَّ ﴾ أي في هذه الفُرُش: ﴿ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ: أي نساءٌ لا تنظر إحداهنّ إلى غير زوجها، ولا يَنظر زوجها إلى غيرها (مِن شدة حُسنها وجمالها) (سواء النساء المؤمنات أو الحُور العِين)، فقلوبهم وأبصارهم متعلقة بأزواجهم من شدة الحب، ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ ﴾ أي لم يُجامعهنّ ﴿ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ ﴾ أي قَبل أهل الجنة ﴿ وَلَا جَانٌّ ﴾﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما - يا مَعشر الجن والإنس - تكذِّبان؟!، ﴿ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ﴾ يعني كأنّ نساء الجنة - في بياضهنّ وجمالهنّ -: (الياقوتُ والمَرْجانُ)، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما - الدينية والدنيوية - تكذِّبان؟!، ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾؟ يعني: هل جزاء مَن أحسن بعمله في الدنيا إلا الإحسان إليه بهذا النعيم في الآخرة؟، (وواللهِ إنّ هذه الآية لَتُعَلِّم العبدَ مراقبة الله تعالى في كل أموره، فيَعبد ربه كأنه يراه، حتى يَجد عنده يوم القيامة - من الثواب - ما يُقال له بسببه: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟))، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ (ولَعَلّ المقصود بالنعمة هنا - في آيات وصف النعيم - هو تذكير المؤمنين برحمة ربهم وإحسانه بهم، إذ هو سبحانه الذي وفقهم لطاعته وحَبَّبها إليهم، وأنعَمَ عليهم بمغفرة ذنوبهم وقبول توبتهم (بعد أن رَزَقهم الصبر والثبات عليها)، كما أنعَمَ عليهم بمضاعفة أجورهم - من عشرة أضعاف إلى سبعمائة ضعف - ثم أنعَمَ عليهم بالخلود الأبدي في ذلك النعيم بغير حساب).

من الآية 62 إلى الآية 78: ﴿ وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ يعني: وأدنَى من الحديقتين السابقتين في الدرجة: حديقتان أُخرَتان (بحسب أعمال العباد)، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما - الدينية والدنيوية - تكذِّبان؟!، ﴿ مُدْهَامَّتَانِ ﴾ يعني: هاتان الجنتان خَضراوتان، قد اشتدَّت خُضرتهما حتى مالت إلى السواد، (وهذا اللون الجميل يُلاحِظه الإنسان - في الدنيا - إذا نظر إلى الزروع والأشجار وقت غروب الشمس)، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما - يا مَعشر الجن والإنس - تكذِّبان؟ ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ﴾ يعني: في هاتين الجنتين عَينان فوَّارتان بالماء لا تنقطعان، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما - الدينية والدنيوية - تكذِّبان؟!، ﴿ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ ﴾ مِن مُختلَف أنواع الفواكه ﴿ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ (ولَعَلّ هاتَين الثمرتَين قد ذُكِرَتا بصفةٍ خاصة، لإظهار فضلهما ومَنافعهما)، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما - الظاهرة والباطنة - تكذِّبان؟!، ﴿ فِيهِنَّ ﴾ أي في هذه الجنات الأربعة: ﴿ خَيْرَاتٌ ﴾ أي زوجاتٌ طيّبات الأخلاق (لا تؤذي زوجها)، ﴿ حِسَانٌ ﴾ أي شديدات الحُسن والجمال، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما - الدينية والدنيوية - تكذِّبان؟!، ﴿ حُورٌ ﴾أي بيض الأجساد ﴿ مَقْصُورَاتٌ أي مَستوراتٌ مَصُونات ﴿ فِي الْخِيَامِ ﴾ (وهي خيام من اللؤلؤ المُجَوَّف، طولها سِتّون مِيلاً، كما ثَبَتَ ذلك في صحيح مسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم)، واعلم أن هذه الخيمة تكون في مكان مُعَيَّن بداخل القصر، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ؟ يعني فبأي نِعَم ربكما - يا مَعشر الجن والإنس - تكذِّبان؟!، ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ ﴾ أي لم يُجامعهنّ ﴿ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ ﴾ أي قبل أزواجهنّ مِن أهل الجنة ﴿ وَلَا جَانٌّ ﴾﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما - الدينية والدنيوية - تكذِّبان؟!، ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ ﴾ أي متكئين على وسائد﴿ خُضْرٍ ﴾ أي خضراء اللون، وقد قيل: (إنّ الرَفرف هو شيءٌإذا استوى عليه صاحبه: رَفرَفَ به، أي طارَ به حيثما يريد، يَتلذذ به مع أنيسته)، ﴿ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ﴾ يعني: وفُرُش جميلة المنظر، ﴿ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟ يعني فبأي نِعَم ربكما - الظاهرة والباطنة - تكذِّبان؟!، ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ:أي كَثُرَتْ بركات اسم ربك الرحمن، وكَثُرَ خيره وفضله، فهو سبحانه ﴿ ذِي الْجَلَالِ ﴾ أي ذي العَظَمة الباهرة، والمَجد الكامل ﴿ وَالْإِكْرَامِ ﴾ لأوليائه المتقين.



من سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم، وذلك بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة
من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذيليس تحته خط فهو التفسير.
- واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍيَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذاالأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنىواضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلماتالتي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن.


رامى حنفي محمود
شبكة الالوكة