سجل عضوية جديدة

أهلاً بكـ في شبكة فلسطين للحوار... شاركنا وبادر بالتسجيل ...


[ اعلان هام ] تحديث البريد الإلكتروني للعضوية
النتائج 1 إلى 21 من 21

الموضوع: السر الأعظم

  1. #1

    رسالة مقدمة كتاب - السر الأعظم أو سر الأسرار

    المقدمة

    بسم الله الرحمن الرحيم، العظيم القدير، السميع المُجيب، القوي العزيز، الخبير العليم.
    بسم الله الخالق الكريم الذي خلق الخلق أجمعين.
    بسم الله الملك القدوس الذي يملك كل شيء وكل النفوس.
    باسمك اللهم نبدأ، وبعزتك وجلالك نباشر، وبمشيئتك وحدك نواصل، وبإرادتك نحكم.
    إلهي أنت خالقي ومبدعي، وأنت ملجئي ومستودعي.
    إنك أنت القدير الذي لا إله إلا هو، وإني انا عبدك الفقير الذي ليس له ملاذ إلا أنت.
    أحمدك ربي على أفضالك ونعمك، وأعوذ بك إلهي من غضبك وسخطك.
    إلهي لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وكن معي يا خالقي في كل حين، وكن نصيراً لي يا مولاي في يوم الدين، ولا تُميتني يا خالقي إلا على دينك، دين الإسلام العظيم، الذي بهِ نحيا وعليه نموت وفيه نلقاك يوم الدين.
    وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فرسولنا الكريم هو النبي العظيم، وهو الرسول الأمين، وخاتم الأنبياء والمرسلين.
    فهو الرسول الذي خلت من قبلهِ الرَّسلُ، والنبي الذي انصاعت لأمرهِ وحكمتهِ وتعاليمه الأمم.
    حكمتك يا رسول الإسلام فاقت الحُكما، وعلمك يا نبي الإسلام ساد على كل العلوم، شريعتهُ صلى الله عليهِ وسلم ألزمت الشعوب، وأخلاقهُ عليه الصلاة والسلام أسرت القلوب.
    ألف الصلاة والسلام عليك يا سيدي وسيد المرسلين يا محمد يا ابن عبد الله، وعلى آلِك وصحبك أجمعين، وعلى من اتَّبع سُنتك واهتدى بهديك إلى يوم الدين.
    أما بعد:
    مما لا شك فيه أنَّ زماننا الحاضر إنما هو زمان كشف الأسرار والخفايا، سواء كانت العلمية منها أم الروحية.
    فالبشر في هذا الزمان اعتادوا عند كل صباح يبدؤون يومهُم فيه على قبول كل ما هو جديد ومفاجئ بل وغير متوقع بالمحيط الذي يعيشونه.
    هذا الجديد أو المفاجئ قد يشمل كل ناحية من نواحي الحياة عند البشر، فمن ناحية المأكل على سبيل المثال نجد ظهور أنواع طعام جديدة وغريبة بل وغير تقليدية والتي لم يعتد عليها الناس ولم يتخيلوا وجودها يوماً ما، لتصبح بعد ذلك أساسية في حياتهِم مثل شرائح البطاطا المقلية وأنواع السكاكر وغيرها كثير، كذلك نجد الجديد في المشرب كأنواع المشروبات الغازية ذات النكهات المميزة والفريدة، أيضاً في الملبس كالملابس المصنعة من الخيوط الصناعية والتي لم يُشاهدها أحد من قبل أو يعلم بوجودها قديماً، أضف إلى ذلك وسائل النقل الحديثة والتي لم يعهدها أحد من قبل كالطائرات وغيرها، ناهيك عن محيط العمل الجديد والمليء بالبرامج أو الأجهزة الذكية وأجهزة الاتصالات الحديثة مثل الجوالات وغيرها.
    كذلك نجد التغير والجديد في طرق العلاج بالأجهزة وفي البيع والشراء بالوسائل الإلكترونية، وغيرها من أمور الحياة التي لم يعهدها الإنسان في حياتهِ القديمة، لذلك وجد نفسهُ مضطراً الآن إلى أن يتعامل مع كل ما هو جديد وغير متوقع من دون أن يكون لهُ خيار في ذلك.
    فأمر التغيير والتجديد المستمر في حياة الإنسان يقودهُ في النهاية إلى التفكير بالسر وراء هذا الأمر في حياته، فالإنسان لم يعتد على تبديل عاداتهِ وطبائعهِ بهذا الشكل المستمر والمفاجئ وبهذهِ الوتيرة المتسارعة طوال تواجده على الأرض.
    وبمراجعة تاريخية سريعة عن طبيعة حياة الإنسان السابقة على الأرض، نلاحظ نُدرة التغير في حياة الناس على مر العصور، بل ومن النادر جداً أن يقوموا بتغيير ما ألفوه من ممارسات حياتية كأنواع الطعام أو الشراب وطرق العيش والتعامل مع الآخرين، وإن حدث ذلك فيكون بين فترات زمنية متباعدة، وهذا منطقي وليس غريباً كون الأمر متوقف على طبيعة التقنيات المستخدمة في حياة الإنسان والتي لم تتغير على مدى فترات طويلة من الزمن ولكنها تغيرت الآن، نعطي مثالاً على ذلك نوعية الطعام والشراب عند الناس والتي تغيرت عندما توفرت وسائل التخزين الخاصة بحفض المواد الغذائية ولفترات طويلة، كذلك نقيس باقي الأمور.
    لا ننسى أيضاً التغير الذي طرأ على أساليب زراعة المحاصيل الزراعية كحراثة الأرض وتجريف التربة بالجرافات التي تقودها المكائن بدلاً من تلك التي كانت تقودها البغال والأبقار أو الأحصنة والتي تُعد من الوسائل البدائية على الرغم من استمرارها مع الإنسان لفترات طويلة جداً تُعد بآلاف السنين، ولم يحدث أن تغيرت إلا في المئة سنة السابقة زادت أم نقصت من حياة الإنسان، بل ما زال هُناك ممن يستخدموها في وقتنا الحاضر وإلى الآن.
    ما سبق طرحهُ يمكن قياسه على جميع جوانب حياة الإنسان المعاصر.
    إذاً هذا هو الواقع الجديد الذي يعيشه الإنسان الآن وفي كل مكان على الأرض، والذي يتميز بكونهِ متغير باستمرار وبعيد عن الاستقرار.
    إنَّ مسألة عدم الاستقرار هذهِ مخالفة لطبيعة البشر ولم يقبل بهِ الإنسان يوماً فنجدهُ يعمل جاهداً على مقاومتها عن طريق التفكير والبحث كذلك السعي وراء إيجاد معنى أو هدف حقيقي يستطيع أن يبرر هذا التغيير المُستمر في حياته أو عن إيجاد سُبل لإيقافه إن أمكن، وهذا لن يكون ممكناً إلا من خلال إحاطتهِ وفهمهِ لطبيعة المتغيرات تلك، وإن تمكن من ذلك فعليه تحديد حدود وضوابط لتلك المتغيرات والتي يصعب الاعتياد عليها أو التعايش معها كونها مخالفة لطبيعة البشر تلك الطبيعة التي تحرص على الاستقرار.
    فالإنسان في طبيعته مخلوق مستقر كسائر المخلوقات المحيطة بهِ، ولم يكن يوماً مخلوقاً ذو طبيعة متقلبة باستمرار كما هي حالهُ الآن، فالاستقرار هو طبيعة وجودية كونية وهو أساس وجود المخلوقات واستمرارها في الكون، ولا وجود لمخلوقات مع عدم الاستقرار لكونها معرضة للزوال والانقراض كالعديد من الكواكب أو الجبال التي زالت بفعل حدوث تغيير فيها وكذلك الدينوصورات التي انقرضت لفقدانها عوامل الاستقرار.
    فإذا حدث وأن غير الإنسان طبيعتهِ من الاستقرار إلى عدم الاستقرار، يكون بذلك قد حكم على نفسهِ بالفناء لا محالة، وهو الأمر الذي ظهرت بوادره للعيان الآن.
    كيف لا ونحن نجد الآن وفي وقتنا الحالي بالذات أنَّ المجتمعات البشرية التي سبقت غيرها فيما يسمى بالحداثة، تتجه نحو فقدان العزيمة في البقاء وعدم الإصرار على الاستمرار في الحياة، فهي تارة تحُارب الإنجاب بحجة التقليل من أعداد البشر كدليل على فشلها في مواجهة تحديات الحياة، وتارة أخرى تستحدث وتطور أسلحة الدمار الشامل وهذا يدل على عدم اكتراثها بمستقبل ومصير البشرية أي وجودها هي، بل إننا لنجد أنَّ أغلبية تلك المجتمعات لم يعد لها مُستقبل بسبب الإحباط في نفوسها والتناقص المستمر في أعدادها كنتيجة لابتعادها عن مقومات وأسس الاستقرار الإجتماعي كالعائلة والدين والأخلاق وغيرها من عوامل الاستقرار والثبات في حياة البشر.
    لكن وبسبب نزعة البقاء التي أوجدها الخالق سُبحانهُ لتكون في طبيعة وكيان كل المخلوقات ومن ضمنهم البشر، بدأ الإنسان المُعاصر يبحث عن مخرج حقيقي ونهائي كي يبعدهُ كلياً عن ذلك المصير المشؤوم المتمثل في الفناء والانقراض، هذا الإصرار على البحث قاد الإنسان إلى الإدراك واليقين بوجود سر عظيم وراء هذهِ المتغيرات المستمرة والا إرادية في حياتهِ كأنها نذير للبشر بضرورة البحث عن سر الوجود أي السر الأعظم.
    إذاً في السر العظيم وهو ما يُطلق عليه السر الأعظم أو سر الأسرار بالنسبة للإنسان يكون الحل الوحيد وطوق النجاة الأكيد للخلاص النهائي من المصير المشؤوم الذي يتنظر الإنسان إذا استمر على هذهِ الحال والمتمثل في توجهه نحو الفناء والانقراض كجنس بشري، وإن كان هُناك العديد من البشر الذين لا يزالون يشككون بهذا السر فنجدهُم يلعبون ويحلمون في حل غير هذا ولا يقرون بوجود الخلاص في السر الأعظم ليبقوا على الأمور معلقة هكذا دون حل.
    إنَّ كل إنسان يعلم يقيناً بوجود السر الأعظم في عقلهِ الباطن، وهو السبب الذي يبقيهِ على قيد الحياة، فبوجود السر الأعظم يوجد الأمل في حياة أفضل، وهذا ما يُدركهُ ويحتبسهُ كل إنسان في روحهِ أو في عقلهِ الباطِن، كيف لا والسرٌ الأعظم أو سر الأسرار مفتاح الغموض في عدم استقرار الإنسان، فكل إنسان مقتنع في داخلهِ انَّ حياتهُ الحقيقية والتي يحلم بها ويسعى إليها على الدوام إنما هي بعيدة كل البعد عن التعقيد الذي يعيشهُ الآن.
    هذا الأمر واضح وجلي عندما يُنظر الإنسان إلى ما حوله من مخلوقات مُحيطة بهِ سواء كانت جماد أو حيوان أو نبات فلا يجدها تتغير، بل هي مستقرة ومطمئنة في حياتها وليست كالإنسان في تغيير مستمر.
    فلابُدَّ لهذا الأمر أن يُنشِئ ويُحدث في داخل الإنسان صراع نفسي وشعور بعدم الرضى من حياتهِ وإنجازاتهِ ليتبعهُ غضب وغيرة شديدة ثُم حسد كبير اتجاه المخلوقات المحيطة بهِ ليبدأ في تدمير نفسهِ عن طريق تدمير محيطه وبيئتهِ، وهذا يولد عندهُ حيرة وتخبط وألم نفسي ومعنوي لا مثيل له عندما يجد نفسهِ يتخلف بعدم الاستقرار في حياتهِ مقارنة بجميع المخلوقات المحيطة به فيلجأ إلى تدمير ذاته، وهذا الأمر لم يستطيع أحد من شعوب الأرض قاطبة أن يواجههُ أو يفر من هذا الحدث الجلل وإلى الآن سوى القليل ممن رحم ربي.
    هذا التخبط والشعور بالحيرة والألم المستمر والمتواصل في وجدان كل إنسان، إنما جاء من كونه يعلم جيداً ولم يشك يوماً بأنَّهُ في حقيقتهِ مخلوق متميِّز ذو قدرات عقلية وفكرية وجسدية تفوق بمراحل كبيرة كل ما حوله من مخلوقات وبدون استثناء، وبالرغم من ذلك يجد نفسهُ عاجزاً عن الوصول بعقلهِ وإمكانياته الفريدة والمتميزة إلى حالة الاستقرار الاجتماعي والفكري أو الاقتصادي لتكون على أقل تقدير كتلك المتواجدة عند المخلوقات المحيطة به والتي استمرت معها طوال فترة تواجدها على الأرض وإلى الآن!
    فكل إنسان يُلاحظ جيداً أنَّ جميع المخلوقات المحيطة بهِ لم يحدث وأن غيرت أي من عاداتها على مر السنين الطوال وهي مستقرة وسعيدة ومطمئنَّة في حياتها، نذكر من تلك العادات على سبيل المثال لا الحصر الاجتماعية كطرق التزاوج والإنجاب فعاداتها بذلك لم تتغير، والاقتصادية كتوفير المأوى والمسكن وهو لم يتغير كذلك، والمعيشية كتدبير الغذاء لجميع أفراد العائلة والتي لم تتغير أبداً.
    بالمقابل نجد أنَّ الإنسان المعاصر قد تميزت عاداته وسلوكه وطبائعهُ بكونها متقلبة ومتغيرة من مكان إلى آخر ومن زمان إلى زمن آخر، وأنهُ قد غلبت على حياته الاجتماعية صفة انفصال الأزواج ونتيجتهُ تشتت الأطفال وهذا لا يدل على اٍستقرار، كذلك صفة عدم القبول بالآخر كشريك حياة فكانت الحروب والدمار وهذا لا يُشير إلى اطمئنان، إضافة إلى عدم التفاهم والاتفاق فيما يخص طرق العيش في المجتمع الواحد فكانت الجريمة والقتل وهذا لا يُظهر ذكاء وتميُز، وغيرها من أمور تسبب ضياع الهوية وتقود إلى تدمير حياة الإنسان على الأرض.
    فكانت المحصلة عند البشر وبعد آلاف السنين من النظريات الفاسدة والفلسفات الوهمية أو التجارب الفاشلة والمحاولات العقيمة للاقتراب من الاستقرار المنشود، أن توصل الإنسان إلى نتيجة هامة، مفادها أنَّ هُناك سر عظيم وراء هذهِ الأحداث، وأنَّ أمل الإنسان الوحيد للنجاة ينحصر في معرفة ذلك السر الأعظم أو سر الأسرار والكشف عنهُ، لذلك كان ويلم يزل الإنسان يلجأ إلى الدين تارة ثم إلى الأساطير الوهمية تارة أخرى لعلهُ يقترب من كشف ذلك السر، وفي زماننا الحالي يستنجد البشر للوصول إلى السر الأعظم بأفكار وفلسفات يطلق عليها مجازاً علوم وإنجازات حضارية وهكذا.
    مما سبق يتضح لنا امر مهم، ألا وهو أن السبب وراء شغف الإنسان في كل مكان وزمان بالتغيير في حياتهِ وفي سعيه وراء الدين والفلسفات كذلك العلوم البشرية، هو إصرارهِ على كشف السر الأعظم أو سر الأسرار في هذا الوجود.
    فهُناك يقين عند الإنسان بشكل عام وشعور أكيد في داخلهِ ووجدانه بأنَّهُ عند معرفتهِ لذلك السر سوف يقوده ذلك ومن دون شك إلى استقراره الاجتماعي والفكري الدائم، كذلك سوف يحصل منهُ على الثبات الروحي والتوازن العقلي الذي طالما حلم به، إضافة إلى مساعدتهِ ليتحرر من الحيرة في أمره ودفعهِ نحو إنهاء التشتت في معيشته وفي حياته.
    إذاً في معرفة السر الأعظم العلاج الشافي والحل النهائي والمخرج الوحيد من جميع المشاكل والأمور المستعصية لجميع البشر دون استثناء، تلك المشاكل التي عجزت وما زالت عاجزه من علاجها وإيجاد حلولاً لها جميع الفلسفات والأفكار البشرية، بالإضافة إلى عجز وفشل علوم الإنسان من إنقاذهِ وإبعاده عن توجههِ الحتمي نحو الفناء والانقراض في حالة استمراره على هذا الحال أو النهج الذي يبعدهُ عن السبيل لمعرفة السر الأعظم في الكون.
    إنَّ في السر الأعظم أو سر الأسرار مفهوم الغموض والفرادة الذي يتعدى ويتفوق على قدرات الإنسان الفكرية والعلمية السابقة والحالية في مجاراته لهُ أو التعويض عنه، فالسر الأعظم عند كشفهِ والتعامل معه بصدق ويقين ومعرفة أكيدة بحقائق الأمور سوف يقودهُ إلى ما هو أعظم وأكبر مما هو عليه الآن بكثير، ففي ذلك السر العلاج الشافي والحل الأكيد لكل أمر أو حدث سلبي أو غير مرغوب فيه عند الإنسان.
    ففطرة الإنسان تقوده لا إرادياً نحو معرفة السر الأعظم عن طريق الدين والذي بدورهِ يستلزم عقيدة ثابته وقناعة راسخة وقوية، فسبب هذا الشغف إلى معرفة السر هو أنَّ هُناك شيء ما في حياتهِ قد تمَّ إهماله ويجب معرفتهِ بعد أن تمَّ إخفاء الأمر عنهُ ولسبب ما، هذا الشيء إنما هو من الأهمية بمكان بحيث يتم التغلب من خلالهِ وعن طريقهِ وحده فقط على كل مشاكل الإنسان الحياتية والمستقبلية بكل سهولة ويُسر.
    إنَّ قناعتنا كبشر من أن حياتنا كمخلوقات متميزة لا بُدَّ أن تكون أفضل من حياة جميع المخلوقات المحيطة بنا ولا يُمكن لها أن تكون بهذا التعقيد الذي نعيشهُ الآن، وهذهِ القناعة هي التي تقودنا نحو البحث دوماً عن حلول وتفاسير لما يعانيه البشر من آلام وأحزان على الدوام، وهو الأمر الذي يُفسر سعينا الحثيث والدائم وراء الأساطير والحكايات الوهمية، مأسورين ومسحورين بما فيها من أسرار وخفايا لعلنا نجد فيها السر الأعظم الذي نبحث عنهُ، هذهِ الأساطير كانت فيما سبق من الزمان محصورة بالقصص والروايات، أما في زماننا الحالي فإننا نجدها بأفلام وقصص الخيال العلمي التي تستقطب بازدياد السواد الأعظم من الناس وأكثرهُم الشباب.
    ولكوننا من الذين يسعون وراء الحقيقة البعيدة كلياً عن الخيال.
    ولإدراكنا خطورة الوضع الحالي الذي يعيشه الإنسان الآن.
    ولمعرفتنا بخطورة المرحلة الحالية التي يمر بها البشر كمحصلة لكل الأزمان السابقة وهذا الزمان.
    ولكون الإنسان يعيش الآن مرحلة صعبة من شأنهِا أن تُقرر مصيرهُ، إمَّا أن يكون قادراً وجديراً بالبقاء بعد كل تجارب السنين الطوال، أو إنَّهُ قد استُهلِكَ واستنفذَ زمانهُ فحانت نهايتهُ لينضم إلى المخلوقات المنقرضة كالديناصورات وغيرها من الكائنات.
    وبسبب إدراكنا لجدية مسألة السر الأعظم في هذا الزمان، وجب علينا التوجه في مسعانا ذاك وإصرارنا على معرفة وإدراك حقيقة السر الأعظم إلى اللجوء لكتاب الله العظيم ألا وهو القرآن الكريم.
    إنَّ كِتاب الله المتمثل بالقرآن العظيم – ككتاب سماوي - قد أثبت جدارتهُ وقدرتهُ على إعطاء الإنسان كل ما يحتاجه من بيان وفي كل زمان ومكان.
    وكوننا نبحث هُنا عن السر الأعظم أو سر الأسرار فلا بُدَّ أن نجد ذلك السر في هذا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كما هو ثابت الآن، حيث جاء فيه قولهُ تعالى من سورة فٌصلت: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42).
    مما سبق نفهم حتمية وجود السر الأعظم أو سر الأسرار في حياة الإنسان، وهو الأمر الذي لا يستبعده أو يستثنيه أي إنسان من مخيلته وفي عقلهِ الباطن كيفما كان.
    وبعد أن بحثنا في آيات القرآن العِظام، وجدنا بحمد الله ما يبحث عنهُ كل إنسان.
    نعم وجدنا السر الأعظم وسر الأسرار في الأكوان.
    وهو ما سوف نقوم بعرضه الآن - في الجزء الأول من هذا الكتاب - إن شاء الله سُبحانه، فلا مشيئة لأي إنسان إلا أن يشاء لهُ الرحمن في أي شيء كان.
    فإلى الباحثين عن الحقيقة وليس الخيال.
    وإلى الصادقين في مسعاهُم نحو الخلاص ونحو كشف الحقيقة التي تخصَّهُم وتخص أحبائهِم وذويهِم من بني الإنسان.
    وإلى كل إنسان يعمل من أجل خير الإنسان.
    إلى كل الباحثين بصدق عن السر الأعظم وسر الأسرار، ذلك السر الذي فيه خلاص البشرية من كل الآلام والآثام والأحزان، ومن الحياة السُقام الذي يعيشها البشر الآن.
    إلى كل هؤلاء وغيرهِم من بني جلدتي بني الإنسان.
    أقدم لكم الآن الجزء الأول من السر الأعظم أو سر الأسرار الذي طالما بحث عنهُ الإنسان في كل زمان ومكان.
    وإنني بذلك أتوجه بالشكر والحمد لله رب العالمين الذي اصطفاني من بين خلقهِ لأكون أول من ينشر هذا الخبر العظيم لبني الإنسان.
    فالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله سيد المُرسلين محمد، الذي أنار لنا الدرب المُبين لنتدبَّر ونستنبط من سيرته وسنّته عليه الصلاة والسلام الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه، فنتبين دربنا ويستقيم أمرنا ويتحقق مسارنا نحو الحق المُبين.
    إن رسولنا الكريم محمد عليه الصلاة والسلام الذي أرسله الله رحمةً للعالمين، هُداً وحكمة للدارسين، قد أنار لنا الطريق لنجد في سُنتهِ المطهرة وسيرتهِ العطرة خير زاد لنا إن كُنا مؤمنين وبرسالتهِ واثقين ولتعاليمه موقنين، ونحن على هذا الدرب إن شاء الله سائرين.

    المؤلف
    محمد الكاظمي (المقدسي)








  2. #2

    مدخل إلى مفهوم السر الأعظم

    مدخل إلى مفهوم السر الأعظم


    في البدء لابُد لنا أن نعرِّف مفهوم كلمة السر، فكلمة السر باللغة تعني ما يتم كتمه وإخفائه من أمر محدد عن الآخرين، أما مصطلح السر الأعظم إنما جاء للدلالة على أهمية وعظمة ذلك الأمر المخفي عن الناس، وسبب إعطاء مرادف للسر الأعظم هُنا وهو سر الأسرار إنما جاء للإشارة على كون هذا الأمر المخفي إنما هو في حقيقتهِ سِرٌ عظيم وشأن جلل بل هو أعظم من جميع الأسرار الموجودة في الكون على الإطلاق والتي تخص بني الإنسان تحديداً، فكل من يتمعن بهِ من البشر لا يعود ليكترث بأي سر آخر قبل أن يعرف بهذا السر، لذلك فهو سر الأسرار بلا مُنازع.
    فمفهوم السر الأعظم أو سر الأسرار إنما ينحصر بكونهُ ذلك الأمر أو الفكر الذي وإن مارسهُ الإنسان كما يجب، ستنجلي أمامهُ حقائق وأمور كانت غائبة عنهُ ولزمن طويل ليمتلك حينها قوة ومعرفة لا مثيل لها كانت على الدوام موجودة فيه ولكنها مخفية عنه، فمن الخصائص الفريدة لتلك القوة والمعرفة أن لها القدرة على جعل الأشياء المحيطة بهِ وكذلك علومها سواء كانت مادية أو روحية أم غيرها مما نعلم أو لا نعلم طوع أمر ذلك الإنسان وفي خدمتهِ، حينها فقط سوف يكتفي الإنسان بمعرفتهِ للسر الأعظم ليتوقف البحث عندهُ عن أي شيء آخر، فالسر الأعظم يخفي ما يُمثل بدورهِ كيان مُحدد ومُستقل، والذي بإمكانه السيطرة على جميع الأشياء المخلوقة والمحيطة بالإنسان كذلك علومها ومفاهيمها، لتنحصر حينها طريقة الاستفادة من تلك الأشياء والعلوم الخاصة بها في ذلك الكيان وفي مدى معرفة الإنسان لذلك السر العظيم الذي يمثله.
    فتعريفنا لعلوم الأشياء وباختصار: هو معرفة الإنسان المُسبقة بحقيقة وطبيعة كذلك النتائج التي تحدثها تلك الأشياء.
    وإذا حدث وأن تمكن الإنسان من معرفة سر الأشياء وعلومها جميعاً والمختزلة تحت مُسمى واحد وفي حالتنا هُنا هو مسمى السر الأعظم، فهذا يعني بأنَّ معرفة الإنسان المُسبقة للحقائق تلك وللمعارف الخاصة بالأشياء وعلومها سوف تغنيه عن معرفة أي شيء آخر، وسوف يتحقق للإنسان ذلك بعدما يتعرَّف على ذلك السر العظيم وعلى طرق التعامل به.
    ولتقريب الموضوع على الفهم: دعونا نتصور أنَّ السر الأعظم هو سر الدخول إلى كمبيوتر جبَّار يحتوي بداخلهِ على كل شيء مخلوق إضافة إلى علومها ومفاهيمها وكذلك كل المعارف والأمور المخفية الخاصة بتلك الأشياء التي خلقها الله والتي تهم الإنسان.
    فإذا حدث وإن تمكن الإنسان من الدخول والسيطرة على هذا الكمبيوتر الجبار وذلك من خلال معرفتهِ بسر الدخول أو بالسر الأعظم إذا جاز التعبير، سوف يمتلك حينها القدرة على تنفيذ وتفعيل جميع المعلومات والخصائص الموجودة في ذلك الكمبيوتر.
    أهم ما في الموضوع هُنا هو أنَّ هذا الكيان المسمى بالسر الأعظم مجازاً سوف يُمكِّن الإنسان من فهم ثم ممارسة وتنفيذ ما فهمهُ من علوم ومعارف والخاصة في إدارة الأمور أو الملفات الموجودة في ذلك الكمبيوتر ومن ثم السيطرة عليها كلياً، كذلك سوف يتمكن من التحكم بكل ما يُحيط بهِ من أشياء ومخلوقات سواء كانت مادية أم غير ذلك والمخزَّنة معلوماتها مسبقاً في ذلك الجهاز المسمى كمبيوتر وفي حالتنا هُنا الكون إن جاز التعبير.
    بمعنى آخر أنَّ هُناك معلومة واحدة فقط في سر الدخول أو في السر الأعظم، يحتاج لمعرفتها وفهمها إنسان واحد فقط، حتى يتمكن ذلك الإنسان (بمعرفتهِ للسر الأعظم) من فتح أسرار الكمبيوتر أو أسرار الكون مجازاً لتتحقق معرفة حقيقة كل شيء مخلوق حوله وموجود داخل الكمبيوتر أو داخل الكون، وبالتالي سوف يتمكن من السيطرة عليه بكل معنى الكلمة.
    اما سبب استخدامنا لمصطلح الكمبيوتر هما إنما جاء لكون الكمبيوتر في مفهومهِ العام هو عبارة عن صندوق معدني يحتوي بداخلهِ ملفات وبرامج تفي بحاجة الإنسان للمعرفة والفهم ولا يمكن الدخول والولوج إلى تلك المعلومات إلا عن طريق معرفة سر الدخول المتمثل بكلمة السر، ومن دون معرفة الشخص لتلك الكلمة لا يمكنه الوصول إلى أي شيء في ذلك الصندوق، فإذا استبدلنا مصطلح الصندوق المعدني بمصطلح محيط الإنسان، واستبدلنا مصطلح الكمبيوتر بالسر الأعظم، نستطيع حينها استبدال شرط معرفة سر الدخول لذلك الكمبيوتر لمعرفة ما بداخلهِ من معلومات تهم الإنسان، بشرط معرفة السر العظم لمعرفة ما يخفيه هذا السر من حقائق تهم الإنسان.
    هذا الأمر ليس جديداً، وهو مُثبَّت في الكتب السماوية جميعاً، فجميع الكُتب والمفاهيم الدينية سواء كانت سماوية أم وضعية تقود إلى هذهِ المعلومة وإلى هذا السر، حيث جاء قولهُ تعالى في سورة الفرقان: قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (6)، والسر هُنا إشارة إلى السر الأعظم والله أعلم.
    ولتبسيط الموضوع على القارئ الكريم نعطي مثالاً في اعتبار السر الأعظم هو كلمة أو جملة بمثابة ال passwordأي كلمة الدخول التي تُجيز لنا حين معرفتها الولوج إلى داخل ذلك الكمبيوتر الجبار، وعندما يتم لنا ذلك سوف نتمكن حينها من الحصول على كل المعلومات التي نُريد والموجودة داخل ذلك الكمبيوتر الجبار بل وعلى كل ما يمكن معرفته من معلومات حول المخلوقات وعلومها جميعاً والمخزنة في ذلك الجهاز.
    فحينها سوف يكون باستطاعة المستخدم لهذهِ الكلمة الإحاطة بكل الإمكانيات والقدرات الموجودة في هذا الكمبيوتر، ليتمكن بعدها من تحقيق كل ما يتمناه أو يطلبه من هذا الجهاز الجبار.
    إنَّ الإحاطة بتلك المعلومات الموجودة داخل الكمبيوتر الجبار تعني السيطرة على كل شيء موجود بداخله من معلومات ومفاهيم وقدرات، ولو فرضنا جدلاً أنَّ تلك المعلومات هي عبارة عن المعارف والعلوم الخاصة بكل الأشياء المخلوقة وعلومها وطرق التعامل معها وهي موجودة في ذاكرة هذا الكمبيوتر، فمعرفتها حينئذ تعني القدرة والسيطرة المطلقة على كل شيء مخلوق بسهولة ويُسر.
    لكي نشرح الأمر بطريقة علمية دعونا نعود إلى ثوابت العلم مستخدمين القاعدة العلمية التي تقول أنَّ لكل فعل ردة فعل، وهذا يعني أنَّ لكل حركة أو فعل يحدث في الكون يكون هُناك ما يقابله من ردة فعل كنتيجة لذلك الفعل، وبطبيعة الحال فإنَّ ردة الفعل هذهِ سوف تؤدي إلى نشوء طاقة، وهذهِ الطاقة سوف تتحول إلى نوع أو أنواع مختلفة من طاقة معروفة وملموسة لدينا مثل موجات الطاقة الحرارية التي يتحسسها الجسد والطاقة الضوئية التي يدركها البصر أو الطاقة الصوتية التي يلتقطها السمع، وهناك أيضاً الأشعة بمختلف أنواعها وأسمائها وغيرها كثير، كذلك هُناك انواع من الطاقة غير معروفة لدى الإنسان ولا يعلمها إلا الله.
    هذهِ الموجات كما هو معروف ومثبت علمياً لا يمكن فناؤها وهي تبقى موجودة في الكون ومحيطة بنا إلى الأبد وإلى ما شاء الله، لكنها قد تضعف أو تقوى حسب المحيط الذي تتواجد فيه.
    ولقد تمكن الإنسان في الوقت الحاضر من أن يُسيطر على بعض موجات الطاقة تلك، ثم قام بعد ذلك بتسخيرها لتقوم في خدمتهِ وبالصورة التي يشاء، فمن طرق التسخير تلك أنَّهُ قام بإرسالها من مكان معين محدد ليستقبلها في أماكن أخرى متعددة وقد لا تكون محدودة، ثُم يحورها بالصورة التي يشاء كما سيتم تفصيلهُ لاحقاً.
    إذاً وبناءاً على ما سبق شرحهُ فإنَّ البشر إنما يعيشون في محيط مشبع بموجات الطاقة تلك، وهذهِ الموجات من الطاقة موجودة بيننا منذ أن خلق الله أول المخلوقات إلى الآن، بل موجات الطاقة تلك موجودة في كل مكان بالكون، فعملية الخلق هُنا هي الفعل، ووجود موجات الطاقة حولنا هي ردة الفعل، والطاقة ألتي أصدرها الخالق سُبحانه والموجودة في ردة الفعل لا يمكن فنائها إلا بأمر خالقها ومبدعها وهو الله سبحانه، إذا فتلك الطاقة سوف تبقى موجودة حولنا إلى الأبد وإلى ما شاء الله، وفي تلك الطاقة الناتجة عن ردة الفعل كل المعلومات التي يحتاجها الإنسان لمعرفة أي شيء خلقهُ الله وبالتفصيل الممل.
    دليلنا فيما نقول نجدهُ في تمكُّن الإنسان المعاصر من السيطرة على بعض موجات الطاقة تلك مثل الطاقة الضوئية على سبيل المثال، ثم قام بتحويلها إلى طاقة كهربائية ليقوم بعد ذلك بتخزينها في شرائح كربونية أو في مواد أخرى، ليُعيد استخدامها حينما يشاء وكيفما يريد، فإذا أراد الإنسان أن يُعيد مشاهدة صورة معينة على سبيل المثال، قام بتحويل تلك الطاقة المُخزَّنة إلى موجات ذات ترددات معينة ليطلقها في الفضاء أو في محيط محدد، ولمشاهدة تلك الصور يقوم الإنسان باستقبالها وتجميعها ثانية عن طريق أجهزة خاصة وفي مكان آخر، حيث تقوم تلك الأجهزة بدورها في إعادة صياغة وتنسيق هذهِ الموجات على هيئة صوت وصورة كما في حالة التلفاز مثلاً، أو مجرد صوت لوحده كالأجهزة الخلوية، أو أي شيء آخر يُمكن الاستفادة منه أو استيعابه في عقول البشر كأجهزة التواصل والاتصال عن بعد وهكذا.
    وبما أنَّ هُناك موجات طاقة موجودة ومخزَّنة في الكون كردة فعل لأي شيء حدث ويحدث في الخلق الذي قد بدأ عند أول عملية خلقية تمت من قبل المولى العزيز القدير واستمرت إلى ما شاء الله، هذهِ الموجات والتي هي عبارة عن ردة فعل لفعل مادي أم روحي أو غير ذلك، وبغض النظر عن الزمان والمكان، فهي لا زالت موجودة بيننا بل ومحيطة بنا في كل زمان ومكان ففعل الله لا يزول إلا بمشيئتهِ وكذلك ردة الفعل لذلك الفعل لا يزول إلا بمشيئتهِ وحده سبحانه.
    إذاً ما ينقصنا نحن البشر حتى نتمكن من السيطرة على مُجمل أو كل أنواع الطاقة المُحيطة بِنا (إذا أردنا ذلك) هو إيجاد تلك التقنية التي تمكننا من التقاط تلك الموجات المحيطة بنا ومن ثُمَّ ترجمتها بطريقة ما أو بأخرى، بحيث تستطيع عقولنا ذات القدرات المحدودة من استيعابها وفهمها لنتمكن بعد ذلك من تحويرها وتغيرها بالصورة التي تخدمنا على أرض الواقع، لتصبح تلك الموجات بما تحتويه من قدرات وإمكانيات وكذلك معلومات طوع امرنا إن شاء الله.
    إن مسألة سيطرة الإنسان على الموجات الكونية تلك ومعرفة أسرارها ومن ثُم تسخيرها لخدمته حتى يتمكن بعدها من تسخير المخلوقات الغير بشرية فتطيع الإنسان وتنصاع لمشيئته، لهو أمر حتمي وليس خيالي أو وهمي ، كما إنَّهُ تنفيذاً لمشيئة وأمر الخالق سُبحانه عندما خلق الإنسان أول مرَّة فأمر حينها الملائكة وما دونهِم من مخلوقات كالجماد والحيوان كذلك النبات وغيرهِم مما نعلم ولا نعلم، أن يسجدوا للإنسان ويطيعوه كسجودهِم وطاعتهِم لله، وهذا الأمر إنما هو نوع من خضوع المخلوقات جميعاً لأمر ومشيئة الإنسان تنفيذاً لأمر الله خالق الأكوان كلها ومُبدعها، كما جاء في سورة الأعراف قولهِ تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11).
    تلخيص ما سبق طرحهُ هو أنهُ نحن كبشر إنما نعيش ونحيا في حقيقة الأمر داخل مخزن جبَّار وكبير للمعلومات (server)وهو الكون، وفي هذا المخزن أو الكون يتم تخزين جميع المعلومات الخاصة بالمخلوقات الموجودة فيه منذ أن خلقها الله أول مرَّة سوآءا القديمة منها أو الحديثة والتي نحن جزء منها، وهذا المخزن الجبَّار إنما وجِد حصرياً ليكون تحت تصرف الإنسان، ولا يوجد مخلوق آخر غير بني الإنسان قادر على الولوج داخل هذا المخزن الجبَّار ولسبب نشرحهُ لاحقاً، وعند الولوج سوف يتم وضع ما فيهِ من معلومات ومفاهيم كونية تحت تصرف الإنسان الذي يمتلك مفتاح السر الأعظم وهو مفتاح سر الولوج إلى ذلك المخزن العظيم، وهذا الإنسان ليس أي إنسان ولسبب نشرحهُ لاحقاً أيضاً.
    وبخصوص المعلومات والمفاهيم التي يملكها البشر الآن، فهي لا شيء مقابل تلك المعلومات المُخزَّنة في ذلك المخزن الجبار أي مخزن الكون، والتي إن تمكن الإنسان من معرفة ذلك السر الأعظم الذي يُمثل بدوره ال password أي كلمة المرور إلى داخل المخزن الجبار، سوف يتمكن حينها من الولوج إلى ذلك المخزن، بعدها سوف يكون باستطاعة ذلك الإنسان مشاهدة وسماع بل ومعرفة كل ما حدث ويحدث في الكون منذ أول عملية خلق قام بها المولى العزيز القدير للمخلوقات إلى آخر عملية وبالتفصيل المُمل، فيعرف حينها أسرار الأشياء التي شاهدها وسمعها ليتمكن بعدها من السيطرة عليها وتسخيرها لتكون في إمرتهِ وتحت تصرفه، كذلك سوف يكون بإمكانهِ إعادة المشهد الذي يُريد مراراً وتكراراً، تماماً كما نفعلهُ الآن بالأفلام والتسجيلات التي تصلنا عبر الهواء المُحيط بنا، بالإضافة إلى ذلك سوف يتمكن من التحكم بما شاهد وعرف من المخلوقات بسبب معرفتهِ المُسبقة لطبيعتها وأسرار وجودها دوناً عن خلق الله أجمعين.
    إذاً مسألة التحكم بالأشياء المخلوقة بسيط وسهل وهو مقرون بمعرفة الإنسان للسر الأعظم أو سر الأسرار، كذلك مسألة أن يعرف الإنسان علوم ومعارف أي شيء مخلوق وكل شيء قد تمَّ خلقهُ من قبل المولى العزيز القدير، فالأمر في حقيقتهِ يسير بسبب كون المعلومات المطلوبة لمعرفة حقيقة تلك الأشياء المخلوقة إنما هي موجودة ومحيطة بنا الآن وفي هذهِ اللحظة، بمعنى آخر متوفرة في محيطنا وليست بعيدة عنَّا.
    مثالنا على ذلك إن موجات الطاقة التي صدرت من الانفجار العظيم (المؤسس للكون) والذي حدث عند أول عملية خلق للمادة، تلك الموجات مازالت موجودة ومحيطة بنا إلى يومنا هذا، فإذا أراد الإنسان أن يراها ويستوعبها ضمن حواسهِ السمعية والبصرية وغيرها من الحواس، عليه أن يقوم بترجمة هذهِ الموجات كما يقوم بترجمة الموجات الحالية وذلك عن طريق تقنية محددة كالتي يستخدمها الآن في استقبال موجات التلفاز أو المذياع، وبسبب عظمة الكون وسعته وعظمة المعلومات التي فيه وكثرتها فهو يحتاج إلى ما هو أقوى وأعظم من تلك الوسائل البدائية التي يستخدمها الآن لغرض عرض المعلومات في جهاز التلفاز والمذياع، تلك الوسيلة العظيمة والتقنية الفريدة إنما نجدها في السر الأعظم الذي نتحدث عنهُ هُنا.
    إنَّ معرفة السر الأعظم أو سر الأسرار سوف تُمكِّن الإنسان من امتلاك التقنية لاستيعاب موجات الطاقة تلك وغيرها مما يُحيط بنا من موجات ضمن إمكانياته وقدراتهِ الفردية، بحيث يجعلها قابلة للفهم والإدراك ضمن حواسه، فمعرفة الإنسان للسر الأعظم جديرة بإعطائهِ القدرة على تصور واضح وحقيقي لكل شيء وأي شيء يُريد أن يعرفه بخصوص المخلوقات المُحيطة بهِ في هذا الكون.
    كذلك معرفة السر الأعظم تعطي الإنسان ذلك العلم والتصور الواقعي والحقيقي لعملية خلق هذا الكون وهذا المخلوق أو ذاك وكأنَّهُ كان موجوداً هُناك حينها عندما تمَّ خلقهُ وتكوينهُ من قبل الخالق سُبحانهُ وتعالى، وقد يتمكن حينها من إعادة العملية بنفسهِ إذا سُمح لهُ بذلك وأُعطي الإذن من الخالق سُبحانه وتعالى، والله أعلم.
    من كتاب (السر الأعظم أو سر الأسرار - دراسة في أسرار وخفايا سورة الرحمن)
    صفحة 19 -26
    تأليف : محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)

  3. #3

    رسالة السر الأعظم

    السر الأعظم والرموز المخفية


    إنَّ الشيء المُهم والضروري معرفتهِ عندما يحاول الإنسان التعامل مع هكذا شأن عظيم كالسر الأعظم أو سر الأسرار، هو لزوم معرفة الحدود والضوابط الدينية والأخلاقية التي تُلزم وتقيد كل عالم ومُفكر أو باحث في الشؤون العلمية والإنسانية وذلك كي تبقيه ضمن إطار معين من العقلانية والتواضع بعيداً عن الغرور والتكبر حتى لا يضيع في متاهة محيطه المُشبع بالأفكار وموجات الطاقة وغيرها من المؤثرات فيتيه معها، فهذا الكم الهائل من الأفكار وموجات الطاقة يستحيل للإنسان العادي أن يسيطر عليها إلا من خلال الأخلاق التي يفرضها دين الإسلام الحنيف على المؤمنين بهِ تحديداً دون المؤمنون بالأديان الأخرى.
    فذلك كون دين الإسلام في حقيقته إنما هو الخُلاصة والنتيجة النهائية لفكرة وفلسفة الأديان والوجود ككل في الكون، ولا يحتاج البشر مع دين الإسلام لأي دين آخر حتى يَفعل ما عجز الناس عن فعله.
    السر الأعظم أو سر الأسرار، وكما عرَّفناهُ سابقاً هو باختصار عبارة عن كلمة سر أو رمز للدخول إلى منظومة العالم الحقيقي، وعندما نبحث عن تطبيقات عملية وحقيقية لهذا السر لا نستبعد أنَّ الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين قد كانوا من أوائل البشر الذين وجدوه قبل غيرهِم.
    حجتنا هُنا تتلخص في قدرتهِم على معرفة حقيقة الأشياء المحيطة بهِم وفي قدرتهِم الفريدة على التحكم بالمواد إن أرادوا ذلك، إضافة إلى معرفتهم لأمور وحقائق ومعلومات عن الكون وما شابه، ما كان لأحد لهُ القدرة على معرفتها بزمانهِم، ولا يوجد تفسير لذلك سوى أنَّ الله هداهُم إلى معرفة ذلك الرمز أو السر فكانوا أقرب الناس إلى معرفة وإدراك حقيقة الأشياء وهُم بذلك كانوا أقرب الناس إلى الله من باقي البشر المحيطين بهِم، بل إنَّهُم صلوات الله عليهم أجمعين كانوا الأكثر استيعاباً لحقيقة الوجود والعِلم الرباني وكان لهُم رؤيا واضحة وجليه ويقين لا شك فيه في تفسيرهم للأمور المحيطة بهِم وتعليمها للآخرين وكأنها ظاهرة أمامهُم، فلا عجب بكونهِم المختارين من الله العزيز القدير ليحملوا رسالات ربِّهِم للعالمين.
    والدليل على معرفة الأنبياء والرُسل لذلك الرمز الخاص بالسر العظيم إنما يتبلور ويتضح عندما نعلم بأننا كبشر وبشكل عام نتلقى يومياً رسائل إيحائية مجهولة المصدر تقول لنا افعل هذا ولا تفعل ذاك، بل ومنها من تقول لنا ما يجب علينا فعله وما هو مُناسب لنا وما لا يجب عملهُ وبالتالي علينا تجنبه، فهي أي تلك الرسائل الإيحائية هي التي تُحدد مصيرنا بطريقة ما أو بأخرى، وكلٌّ منَّا يفهمها أو يترجمها على حسب هواه.
    أمَّا الفرادة التي تمتع بها الأنبياء والرُسل والتي تفضلوا بها عنَّا نحن البشر، تتلخص بكونهِم فهموا تلك الإيحاءات على حقيقتها وبالصورة الصحيحة دون لبس أو تزوير، فقاموا بوضعها -صلوات الله عليهِم - في إطارها الصحيح، بمعنى آخر ما تميز بهِ أنبياء الله ورُسلهِ عن باقي البشر هو أنَّهُم ببساطة أدخلوا وطبقوا في حياتهِم رمز الدخول الصحيح فانفتحت أمامهم أبواب المعرفة والحكمة والإيمان التي تفردوا بها، أما سبب عدم إفصاحهِم بهذا الأمر لمن اتبعوهم آمنوا بهم هو محدودية فهم المُتلقي الذي لا يمتلك ذلك السر بكل زمان ومكان، فكان الخطاب الديني حينها على مستوى فهم واستيعاب الآخرين ممن كانوا مُرافقين للأنبياء والرُسل آنذاك لا أكثر ولا أقل.
    وبخصوص زماننا الحالي، فإنَّ الذي يمتلك رمز الدخول من البشر لن يكون باستطاعته أن يكون رسولاً أو نبياً وبأي حال من الأحوال، لكنَّهُ سيكون والله أعلم إنسان متميز عن الآخرين كونهُ يمتلك هذا الرمز على الأرض وقبل الذهاب إلى الجنَّة، وقد يكون ممن يختم الله بهِ أمر هذهِ الدُنيا كآخر المؤمنين الصادقين، فرمز الدخول في الجنَّة إنما هو متوفر للجميع دون استثناء، وهو بالتالي جزء من سعادتهُم الأبدية المتمثلة بمعرفتهم لحقائق الأمور وطبيعة الأشياء المحيطة بهِم.
    حجتنا في القول أنَّ الذي يتعرف على السر الأعظم من غير الأنبياء والرُسل قد يكون آخر مؤمن يُحاسب قبل دخولهِ إلى الجنَّة هو أنَّ الحساب في يوم القيامة إنما يكون عند مباشرة الله العزيز القدير محاسبة كل إنسان على أفعالهِ في حياته الدنيوية لوحده، ولن يكون هناك حسابياً جماعياً والله أعلم، وطالما هُناك حساب لكل إنسان ولن تكون محاكمة جماعية او محاسبة بالجملة، فلا بٌدَّ أن يكون هُناك أول من يُحاسب وآخر من يُحاسب من المؤمنين وغيرهِم.
    لذلك فإنَّ من يمتلك الرمز الصحيح في فهم الوجود وأسرار الحياة وبالتالي يمارس التطبيق المثالي لإمكانياته وطاقاته كبشر وكإنسان سوف يمتلك الشرف بان يكون آخر من يُحاسب من البشر المؤمنين بالله واليوم الآخر وذلك لفهمه سر الحياة ولكونهِ حٌجة لله سُبحانه أمام خلقهِ حتى تتيقن المخلوقات جميعاً حينها ومنهُم الملائكة (أول من شكك بقدرة الإنسان وجدارتهِ في معرفة الحق) أن ذلك الإنسان هو المثل الأعلى الذي كان عليهِم الاحتذاء بهِ منذ البداية.
    وإني لأستشهد هُنا بقولهِ تعالى في سورة الأنبياء: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104).
    فكما جاء بالآية الكريمة أنَّ الخالق سُبحانه وتعالى قد بدأ خلقهِ بشخص واحد وهو آدم عليه السلام، وسوف ينهي خلقهُ للمؤمنين في الأرض ويُعيدهم إلى الجنَّة بشخصٍ واحد كما خلقه أول مرَّة، وهذا الشخص لابُدَّ أن يمتلك الرمز والعلم الذي يقترب بهِ من علم سيدنا آدم عليه السلام قبل أن يُفتن ويُنفى إلى الأرض، والله أعلم، أما أمر الكافرين بالله حينها فإنَّهُ شأن آخر.
    إذاً حقيقة السر الأعظم تتمحور بكونهِ عبارة عن رمز أساسي يتم من خلاله فهم الأشياء على حقيقتها دون لبس أو تزوير، ومن يعرفهُ حق معرفتهِ سوف ينال رضى الخالق سُبحانهُ حتى يتعامل مع هذا السر على أساس كونهِ واقع وحقيقة وليس خيال ووهم كما يعتقد أغلب الناس.
    وأنني هُنا لا أخشى أو أتردد في طرح ما أمتلكه من علم ومعرفة بهذا الخصوص، بسبب كون العلم الخاص بالسر الأعظم إنما هو في حقيقته أمانة علمية في المقام والأول حيث وهبها الله لعبده ليُساعد عباده المخلصين على فهم حقيقة الأشياء ويكون بذلك سلاحهم القوي لمحاربة الكُفار الذين يتخذون من علومهم الوهمية وأفكارهِم الخيالية حُجة على المسلمين من أجل صدِّهِم عن سبيل الله، لهذا السبب لا يجوز لنا احتكار أي معلومة من شأنها أن ترفع من قيمة وقدر المؤمنين بالله واليوم الآخر بين الناس أجمعين.
    فالأمر لله من قبل ومن بعد وكل شيء يسير بمشيئتهِ سُبحانه لا بمشيئة العبد.
    ما يفيدنا هُنا كبشر في موضوع السر الأعظم بالذات، هو فهم الأمور كما هي دون لبس أو تزوير، ولن يستطيع أحد من غير المؤمنين فهم هذا الأمر على حقيقتهِ، فالسر الأعظم أو رمز الدخول لن يمتلكهُ سوى من يشاء الله لهُ أن يمتلكه، ولا خوف عندنا هُنا بخصوص هذا الشأن.
    ولكي نفهم موضوع سر الأسرار وما يحتويهِ من رموز وخفايا، علينا أن نفهم أولاً بأنَّ جميع المخلوقات الحية لها القدرة على أن تستقبل على الدوام وبشكل مُستمر جميع موجات الطاقة المحيطة بها ولكن بدرجات متفاوتة، فكل موجة من هذهِ الموجات سوف تُتَرجم عند كل مخلوق وفي كل عضو حسي سواءً كان في النبات أم الحيوان بناءاً على رمز دخول مُعين ومحدد، فالعين مثلاً لا تستجيب إلا للموجات الضوئية وتهمل ما تبقى من موجات أو أشعة وغيرها لا تناسب رمز الدخول الخاص بالعين، ثُم تقوم بتحويل تلك الموجات إلى شحنات عصبية تُرسلها إلى الدماغ كي يٌفسرها، حيث يقوم الدماغ والعقل بقبول بعضها ويُخفي البعض الآخر على أساس رمز الدخول الموجود فيهِ والذي يسمح بفهم الرمز وهو مختلف من مخلوق إلى آخر، لذلك نجد التفاوت في الرؤية عند المخلوقات والتي قد ترى بشكل أفضل أو أقل حسب رمز الدخول عند كل مخلوق.
    كذلك الحال مع الإذن التي تستقبل جميع موجات الصوت وتهمل ما دون ذلك، ثُم تُرسلها إلى الدماغ أو العقل بصورة ذبذبات عصبية، ولكن العقل أو الدماغ يفهم البعض ويُهمل ما تبقى حسب رمز الدخول والذي يختلف بدورهِ عند المخلوقات التي قد تسمع بشكل أفضل أو أقل.
    أما ما يخص السر الأعظم، وبشكل عام عندما تتعامل المخلوقات مع ما يستقبله العقل فيها من موجات للطاقة الكونية المحيطة به والتي تشمل كما أوردنا سابقاً جميع المعلومات الخاصة بالخلق دون استثناء، نجد أنَّ العقل وكعادتهِ يستقبل جميع الموجات ثُم يُنقيها بناءاً على رمز الدخول الذي يُجسد احتياجاته، أما في حالة الإنسان فإنَّهُ عندما يهتم دماغهِ وعقلهِ بعلم الفيزياء على سبيل المثال ، نجد أن ذلك الدماغ أو العقل قد حدد رمز دخول للمعلومات إلى عقله واختصرها على الموجات الخاصة بعلوم الفيزياء فقط، حيث نُلاحظ قدرته على تصور بعض النشاطات الخاصة بعلوم الفيزياء المنقولة عبر الموجات المحيطة به دون غيرها من المعلومات الخاصة بالعلوم الأخرى، والتي قد يفشل في تصورها أو فهمها لكونها مخالفة لذلك الرمز.
    وفي حالة تطبيق هذا المثال على المخلوقات الأخرى، نُلاحظ وجود معلومات أساسية عند الحيوانات قد يصعب القبول بأنها قد خُلقت معها أو كانت من نتاج عقلها المجرد، فمثلاً نجد بعد الملاحظة أنَّ حديثي الولادة عند العديد من الحيوانات إنما يفهمون مباشرة بعد ولادتهِم بدقائق وابتعادهم عن الأم أنَّ عليهِم الوقوف على أرجلهم ولوحدهِم دون مساعدة الآخرين وفوراً دون تأخير، وإن لم يفعل ذلك فهو في عداد الأموات وإن كان حياً.
    التفسير المنطقي لهكذا تصرف هو أنَّ العقل عند تلك الحيوانات حديثي الولادة قام باستقبال الموجات المُحيطة بهِ فور تفعيل وتنشيط العقل والدماغ عندها، وبوجود رمز الدخول المحدد في دماغها والذي يلغي الموجات الغير مفهومة ويُبقي على تلك الموجات الخاصة بذلك الحيوان والتي تحتوي على معلومات محدد فتوحي للرضيع بضرورة الوقوف فوراً، وبذلك يكون الدماغ او العقل عند هذا الحيوان الرضيع قد فعَّل الرمز الخاص بدخول تلك المعلومة (والمنقولة عن طريق الموجات) دون غيرها من المعلومات، فاستقبلها عقل الحيوان الرضيع وفهمها وبالتالي تعامل معها كواقع وقام بتنفيذها، ويمكن تسمية الرمز هُنا بالفطرة، ولكن أن يقوم ذلك الحيوان حديث الولادة بالتفكير والاستنتاج والاختيار بمجرد خروجهِ من رحم الأم فذلك يصعب قبوله منطقياً وعقلياً.
    ما نُريد قولهُ هُنا هو أنَّ المخلوقات لا تبتكر تصرفات مستحدثة، وإنما هي تُعيد وتكرر ما ينقلهُ إليها مخزن المعلومات المحيط بها، فعلماء البشر يكتشفون ما هو مخفي ولا يبتدعون أو يخترعون ويخلقون ما هو غير موجود في الأصل، ومخزن المعلومات هذا محكوم برمز الدخول، ورمز الدخول يُحدد احتياجات المخلوق لمعلومات محددة والتي تلبي احتياجات عيشه، والدليل هُنا في تكرر الحالة وبنفس الأسلوب والطريقة، والحالة لا تتكرر إلا بتوحيد المصدر.
    أما في حالة السر الأعظم إذا تمَّ قبولهُ كرمز لدخول المعلومات عند الإنسان فهو يختلف عن باقي الرموز كونهُ محدد برمز دخول واحد فقط ولكنهُ يقوم بمقام جميع الرموز، وهذا الرمز السري الفريد هو الوحيد الذي يسمح بفهم واستيعاب جميع موجات الطاقة دون استثناء، وهو خاص بالإنسان كونهُ المخلوق الوحيد الذي يمتلك دماغ وعقل قادر على استيعاب جميع المعلومات دفعة واحدة.
    تبقى مسألة التفاوت عند البشر في قدرتهِم على استيعاب هذا القدر الهائل من المعلومات، فالسر الأعظم المتمثل برمز الدخول الفريد قد أمتلكه العديد من البشر، وهذا ما يُفسر التفاوت والاختلاف في النجاح والتميُيز عند الناس، فالذين أصبحوا أنبياء هُم من تعاملوا مع السر الأعظم بالصورة المثالية، وما دونهم من البشر قد تدرجوا في مدى تعاملهُم مع السر الأعظم فاقتصرت قدرتهم على استيعاب المعلومات التي تستقبلها عقولهم من الموجات المحيطة بمحدودية فهمهم ومدى تصديقهِم للسر الأعظم الموجود في عقولهِم وأدمغتهِم.
    إذاً العقل أو مركز استقبال الموجات ومعالجتها عند المخلوقات (هناك مخلوقات لا تمتلك عقولاً كالنباتات وبعض الحيوانات وغيرها) ما هو إلا جهاز استقبال وفرز للموجات الكونية المحيطة، وبناءاً على رموز مُحددة يتم استيعاب معلومة دون أخرى.
    أما أساس علوم ومفاهيم البشر فهو يعود ويتوقف على القدرة العقلية والذهنية للإنسان في مدى فهمهِ ومستوى تعاملهِ مع السر الأعظم الذي يحدد كمية المعلومات ونوعيتها المأخوذة من الموجات الكونية المحيطة.
    من كتاب (السر الأعظم أو سر الأسرار - دراسة في أسرار وخفايا سورة الرحمن)
    صفحة 27 -33
    تأليف : محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)








  4. #4
    عضو نشيط الصورة الرمزية بهائي راغب شراب
    تاريخ التسجيل
    09 2006
    الدولة
    خانيونس
    المشاركات
    1,250
    مشاركات المدونة
    167

    رد: السر الأعظم والرموز المخفية

    بارك الله فيك استاذنا الفاضل محمد الكاظمي (المقدسي)

    موضوع مهم وشيق
    يحفز العقل ويوجهه الى الفهم المناسب والصحيح
    أتمنى الاستمرار

  5. #5

    رسالة السر الأعظم والخلق الأول

    السر الأعظم والخلق الأول


    لا بُد من الإشارة هُنا أنَّهُ عندما يظهر السر الأعظم فذلك أذان للبشرية لتستقبل مرحلة جديدة وحاسمة ومستقرة من تاريخها الطويل على الأرض.
    وعليهِ فنحن الآن بصدد تغيير وتعديل مفاهيم علمية راسخة في أذهان الناس ومعتقدات فكرية متجذرة في تاريخ الشعوب وفلسفات وأساطير سحرت العديدة من البشر.
    إذاً فليستعد الإنسان لما هو قاد ولم يعد سراً مخفياً في الزمان!
    إنَّ أهم تحدي يتوجب على الإنسانِ مواجهتهُ بعد ظهور السر الأعظم هو في إعادة صياغة العلوم المادية والدينية كذلك الروحية التي اعتاد التعامل معها منذ زمنٍ بعيد، وبذلك الأسلوب الذي يجعلها مقبولة لدى العالم الجديد من خلال المفاهيم الجديدة المعاد تكونها الآن، فهذا الأمر إنما يشمل الناس أجمعين دون استثناء لأحد، ونعني بذلك السبعة مليارات نسمة أو يزيد من سكان الأرض الحاليين، فالتغيير قادم وسوف يُغير حياة الجميع لا محالة بإذن الله.
    إن من أهم مميزات موضوع السر الأعظم هو في طرحهِ لقواعد فكرية جديدة أمام الناس، ليتم من خلالها تغيير الأفكار والمُعتقدات كذلك العلوم الإنسانية السائدة حالياً، والتي اعتاد عليها الناس ولفترة طويلة من الزمن دون التفكير بعواقبها أو مدة صلاحيتها فيما يخص وجود الإنسان في محيطهِ الكوني.
    إذاً وقت التغيير قد حان بعد أن تمَّ تحديد الزمان والمكان والذي تم اختيارهما بعناية فائقة من المولى العزيز القهَّار، وذلك حتى يتم توصيل المعلومة الخاصة بالسر الأعظم إلى للناس بشكل مفهوم ومنطقي، الهدف كبير وعظيم والتحديات جسام.
    بالمُقابل إيماننا بالله ويقيننا بالنصر في إظهار الحق راسخ والحمد لله، ففي النهاية يبقى كل شيء مرهون بأمر الله وحدهُ سُبحانه لا إله إلا هو.
    وإننا بما نملكه من علم ويقين بالله لقادرون بإذنهِ تعالى على دحض وإفشال جميع فتن الشيطان اللعين التي استمرت زمناً طويلاً وهي تسعى إلى تحريف أفكار الناس ليتم ابعادهم عن الصراط المُستقيم، والنتيجة كانت وما تزال خراب الأمم وفساد في الأخلاق وانتشار الفواحش بين الناس.
    أما بخصوص الكيفية التي سوف يتم من خلالها دحض وإفشال فعل الشيطان اللعين مع الإنسان المسكين، فإنَّهُ وبمجرد ما أن يظهر الحق المُبين سوف يزهق الباطل اللعين ويكون بذلك قد تمَّ دحض الشيطان الرجيم وإفشال مخططاته بإذن الله.
    إذاً يتوجب علينا هُنا أن نعرف أصل علاقة الشيطان الرجيم لعنهُ الله بالسر الأعظم وما يحتويه من أسماء ورموز، وهو الأمر الذي بدأت قصتهُ مع بداية خلق الإنسان الأول وإعلان عن وجوده في الأكوان.
    إن أهم إنجاز حققهُ الشيطان اللعين في أول الزمان هو عندما تمكنهِ من إغواء الإنسان ليُنسيَّهُ تلك الأسماء والرموز التي تعلمها من خالقهِ الرحمن، وهذا النسيان إنما تم عن طريق إشغالهِ بأمور الحياة ومتاعها، فلماذا إذاً يسعى الإنسان وراء هاجس عقلهِ الباطن الذي يدفعهُ على الدوام ليتعلم ويزداد معرفة بالأشياء إذا لم يكن الهدف من وراء ذلك هو استعادة ما نسيه أو بالأحرى ما أنساه إياه الشيطان اللعين.
    فقوة الإنسان التي تميزهُ عن المخلوقات جميعاً ومن ضمنهُم الشيطان اللعين هي في معرفتهِ للرموز التي كانت لديه والتي فيها مفاتيح الأكوان، ولو حافظ عليها الإنسان ولم ينساها لما كان للشيطان اللعين عليه أي سلطان، ورموز الدخول هذهِ كانت عند الإنسان بشكل عام وما زالت، وهي التي تحفزه على طلب العلم والسعي وراء التعلم، أما السر الأعظم وهو الرمز الرئيسي فلقد اختصه الخالق للقِلة المختارة من الناس.
    دليل ما قلناه نجده في سعي الإنسان على الدوام وعن طريق اللاوعي إلى استعادة ما نسيه من تلك الأسماء، وسعيه هذا يتمثل في ابتكاره للعلوم والمفاهيم، كذلك طرحهِ للفلسفات لعلهُ بذلك يتذكر ما في عقله من رموز وأسماء، ولم يقبل أي إنسان ولغاية الآن بأن يعيش كالمخلوقات الأخرى من حولهِ من دون أن يكون لهُ هدف أو غاية ورغبة بالتعلم، ولن تتوقف هذهِ الرغبة حتى يتذكر الإنسان تلك الرموز والأسماء مهما طال بهِ الزمان، لذلك كان مطلب الإنسان الرئيسي من وراء سعيه نحو العلم والتعلم هو استعادة المعلومات أو الرموز والأسماء التي نسيها حتى وإن لم يصرح هو بذلك.
    ولكي نُحيط بالموضوع كاملاً علينا أن نعود إلى بداية معرفة الإنسان بالأسماء والرموز تلك.
    تبدأ الحكاية عندما خلق الله خالق الخلق سُبحانه الإنسان أول مرَّة، حينها صرَّح لبقية خلقه الذين كانوا من حولهِ وأولهم الملائكة بنيتهِ أن يجعل ذلك الإنسان على الأرض خليفة لله، في ذلك الوقت احتجت الملائكة ومن خلفهُم خلق الله أجمعين على ذلك القرار، وكانت حجتهُم تتلخص في عدم معرفتهِم بحقيقة وطبيعة هذا المخلوق الجديد المسمى بالإنسان، فكيف يكون إذاً خليفة الله على الأرض، إضافة إلى قدرة هذا الإنسان بما وهبه الله من قوة وإرادة وصرامة وغيرها من الصفات الظاهرة للعيان والتي قد يستخدمها في أن يدمر ويسفك الدماء بالأرض، ثم قاموا بعد ذلك قاموا بتزكية أنفسهِم لهذا المنصب كونهُم خِلاف ذلك.
    لقد كانت الملائكة مُحقة في ذلك الادعاء، فهي تعلم وكذلك المخلوقات جميعاً ظاهر الإنسان ولم تعلم غير ذلك، حينها شاء الله العزيز الحكيم أن يُظهِر للمخلوقات جميعاً ما خفي عنهُم ِمن صفات لم تكن موجودة فيهِم، هذهِ الصفات هي قدرة الإنسان على التعلم والاستنتاج والتي من شأنها أن تتحكم بالقوة والإرادة وغيرها من صفات المخلوقات الظاهرة فتكون النتيجة مخلوق مُتكامل الصفات الخلقية جدير بأن يكون خليفة الله ليدير شؤون الأرض وبالصورة التي تُرضي الخالق سُبحانهُ.
    نلمس ذلك في رد الخالق على احتجاج الملائكة عندما قال لهُم بأنَّهُ سُبحانه يعلم بشأن هذا المخلوق مالا تعلمهُ الملائكة أو أي مخلوق آخر.
    حينها باشر الخالق سُبحانهُ بتعليم الإنسان الأسماء والرموز جميعها، والتي فيها مفاتيح العلوم والمفاهيم الكونية ولكل شيء مخلوق، وبعد أن تعلم آدم كإنسان تلك الأسماء والرموز وحفظها وفهمها، عرض الخالق العزيز القدير أمام مخلوقاتهِ بعض المخلوقات الغيرة معروفة للآخرين وأمر الملائكة أو من يستطيع من المخلوقات جميعاً أن يذكروا أسماء أو رموز هؤلاء!
    كان الرد من الملائكة حينها بأنَّهُم لا علم لهُم بهؤلاء وإنهُم لا يعرفون إلا ما قام الله بتعليمهِم إياه، ذلك كون استيعاب المخلوقات الغير بشرية لا يتعدى ترديد وتلبية أوامر الخالق وتعليماته، أمَّا الإنسان فله القدرة على الاستنتاج وربط الأمور ببعضها البعض، ولنفهم قدرة الإنسان تلك نعطي مثالاً أرضياً هُنا وهو ما حصل لسيدنا إبراهيم عليه السلام.
    سيدنا إبراهيم عليه السلام نشأ وترعرع في بيئة عادية، وكسائر الناس كان مُحاطاً بأمواج الطاقة الكونية، أحس بوجودها عليهِ السلام وسعى إلى التعامل معها بجدية، وأخذ يفكر بكل اسم أو رمز يتعلمهُ من محيطه، من هذهِ الرموز والأسماء كان رمز أو اسم الرب ، ولكنَّه عندما فعل كما يفعل الآخرون، أي بإعطاء اسم الرب تارة للشمس وتارة أخرى إلى القمر ثم لغيرهُم من الآلهة المزعومة في زمانه آنذاك، لم يقبل عقله أو فهمه ذلك، بالأحرى لم يكن رمز أو اسم الرب ليناسب مع أي شيء حولهُ إذا تعامل الإنسان معهُ بجدية وصدق، فكون الإنسان يُردد كلمة الرب على أي شيء فهذا لا يدل على فهم أو علم بحقائق الأمور، فكل شيء في هذا الكون عندما خلقهُ الله قد أعطاه اسم يُسمى بهِ ورمز يتم من خلاله التعرُّف على ذلك الشيء، فإذا تمَّ استخدام اسم ما لشيء آخر غير الذي كان يُسمى بهِ ذلك الشيء من قبل المولى العزيز القدير كان التطابق والاستجابة معدومين، فمثلاً عندما ننادي شخصاً باسمٍ غير اسمهِ فلا نتوقَّع حينها بأن ذلك الشخص سوف يقوم بالرد على ندائنا، كذلك اسم الرب فإنَّهُ لا يلقى تجاوباً من رب السماوات والأرض ألا وهو الله سُبحانهُ إذا تمَّ توجيه اسمه لغيره والعياذ بالله، ويكون الشخص المنادي بهذا الاسم بعيداً كل البعد عن الله، وهو بذلك بعيد كل البعد عن ما يعكسهُ هذا الاسم من استقرار نفسي وروحي في الذات البشرية عند تعاملهِا مع هذا الاسم أو الرمز الجليل.
    وهذا ما حدث مع سيدنا إبراهيم عليهِ السلام، فبعدما يأِس من معرفة خالقهِ عن طريق توجيه النداء برمز أو اسم الرب الذي يعرفهُ إلى أشياء لها أسماء ورموز غير ذلك، قام بتوجيه ذلك الرمز إلى السماء طالباً من الرب الحقيقي الهداية والغفران وأن يرشدهُ إلى الصواب.
    حينها استجاب الله لإبراهيم عليهِ السلام، ففرح الله بهُ وجعلهُ خليلاً ونبياً، وحصر في ذريتهِ النبوة بل وجعله أمَّة قانتاً لله من بين الأمم، أي أنَّ الخالق سُبحانه حصر في نسل إبراهيم عليهِ السلام الأنبياء والرُسل، وذلك كتكريم وتعظيم لجهوده ولنجاحه في فهم الرمز والاسم ثم الاستدلال بهما على الخالق جلَّ وعلا، وذلك بعد أن كان يُساء استخدامهما بين الناس للاستدلال على إله غير الله ودين غير دين الإسلام، واستمر سوء الفهم هذا مع بعض الناس بل وإلى الآن.
    دليلنا فيما سبق هو ما جاء ذكره في القرآن الكريم من قولهِ تعالى في سورة الأنعام : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي الله وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83).
    بعد هذا العرض الموجز لقصة سيدنا إبراهيم عليهِ السلام ولكيفية استدلاله على معرفة الله حق المعرفة عن طريق الرموز والأسماء التي كان يتعامل بها الناس وبشكل عام، نعود الى قصة خلق الإنسان الأول والمتمثلة بقصة سيدنا آدم عليهِ السلام مع الرموز والأسماء.
    فبعد أن علَّم الله الأسماء كلها للمخلوق الجديد وهو الإنسان ممثلاً بسيدنا آدم عليهِ السلام، باشر الخالق سُبحانهُ في عرض بعض الأشياء المخلوقة حديثاً والتي لم تكن معروفة للآخرين من المخلوقات كالجبل والنهر على سبيل المثال وهكذا على الملائكة طالباً منهُم أن يخبروه بأسماء هؤلاء، فكانت أجابتهُم لله حينها بعدم معرفتهِم بهؤلاء، وإن معرفتهِم مقصورة بما تعلموه لا بما يستنتجونه.
    في ذلك الوقت توجه الله العزيز القدير إلى آدم عليهِ السلام طالباً منهُ أن يخبرهُم بأسمائهم أي بأسماء المخلوقات المعروضة أمامه والمجهولة الأسماء بالنسبة للآخرين وذلك رغم عدم معرفتهِ المُسبقة بهِم، عندها تمعن سيدنا آدم عليهِ السلام بتلك الأشياء جيداً ثم قام بالربط بينها وبين ما تعلمهُ من ربَّهِ من أسماء ورموز، فكانت النتيجة أن نسب كلمة الجبل لما تحويه من ضخامة بالنطق إلى هيئة الجبل المُتمثلة أمامه، ثُمَّ تمعن برمز الجبل لما فيهِ من إشارة إلى هيئة ضخمة وكُتلة هائلة فاستنتج بأن ذلك الشيء يقيناً هو الجبل، وهكذا فعل مع باقي الأشياء ثُم أخبر الملائكة بذلك وصدَّقهُ الله عليها.
    بذلك يكون الخالق سُبحانهُ قد أثبت لمخلوقاتهِ جميعاً وإلى الأبد حقيقة علمهِ بالغيب وبما يخص الإنسان كذلك، وبأنهُ جلَّ وعلا يعلم بشأن هذا الإنسان مالا يعلمه الجن ولا الملائكة أو أي مخلوق كان، وهذا إن دل على شيء فإنَّهُ يدل على أنَّ الإنسان قادر في النهاية على فك الألغاز ومعرفة الحقيقة بما يملكه من علم رباني قد أودعه الله في عقله مُسبقاً.
    هذا ما نقرأه في القرآن الكريم من سورة البقرة : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33).
    تبقى مسألة سلبيات ذلك المخلوق الجبَّار وهو الإنسان المتمثلة بالغرور والتكبُّر وهو الأمر الذي يُصاحب عادةً التميُّز في المعرفة والتفرد بالاستنتاج والتفكير وقد يُفسدهما، كيف لا يتم محاولة إفسادهما وقد تميز الإنسان عن باقي المخلوقات بمعرفة حقيقة الأسماء والرموز الأمر الذي ولَّد الحسد والغيرة لدى بعض المخلوقات الحسودة، وهذا الأمر كان فرصة للشيطان اللعين وهو أول الحاسدين بأن ينزغ أي يُفسد عِلم الإنسان بهذهِ الأسماء والرموز عن طريق دفعهِ إلى نسيانها ونسيان الكيفية التي يتم التعامل معها، فكان هذا الأمر نقطة ضعف وخوف الإنسان الأول بل وما زال الخوف إلى الآن، فالإنسان المؤمن لا يتوقف عن الدعاء إلى الخالق بأن لا يُنسيه ما كان قد تعلمه من الله ، لقولهِ تعالى في سورة البقرة : لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286).
    أما عِلاج أمر نسيان الرموز والأسماء فهي محصورة بأن يُطيع الإنسان ربَّهُ ويتعوذه من الشيطان الرجيم على الدوام لقولهِ تعالى في سورة الأنعام : وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68)، ولقولهِ تعالى في سورة طه : وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115)،كذلك نجد التعوٌّذ في سورة الأعراف بقولهِ تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201).
    مما سبق نستنتج بأنَّ الإنسان الأول عندما خلقهُ الرحمن قد قام حينها بتعليمهُ الأسماء والرموز جميعها، وذلك لكي يُسيطر على قوتهِ الفريدة وعزيمته الجبارة ويمحي غروره بسلطانهِ وكبرياءه بملكهِ وتكبره على خلق الله من حولهِ، وإذا حدث وأن تدخل الشيطان بوسوستهِ لينزغ أو يُفسد علم الإنسان وحكمته ويُنسيه ما تعلمهُ من الله ، يصبح الإنسان العالم مغروراً وجشعاً ومُتكبراً ، وهذا هو حال أغلب ما يطلقون على أنفسهم علماء المادة في وقتنا الحالي أو في الأوقات السابقة، فإذا أراد الإنسان أن يستعيد الأسماء والرموز التي نسيها عليه أن يستعيذ بالله من الشيطان بكل صدق وأمانه وهو يقين بعودة الإنسان ليُبصر ما قد عمي عنه ، وليرى الأمور على حقيقتها وكما خلقها ربها، فيتذكر حينها الأسماء التي تعلمها من الله ، فيعود علمه كما أراد الله له أن يكون ، ليحكم الأرض بالحكمة والموعظة الحسنة ، فيستحق حينها لقب خليفة الله في الأرض ، كما استحقه أسلافه من الأنبياء والرُسل، وهذا الأمر قادم لا محالة بإذن الله.
    مما تقدم يتضح لنا أهمية موضوع العلم الذي علمهُ الله للإنسان، فعلم الإنسان الذي تعلمهُ من الله ليس ليخترع بهِ سيارة أو طائرة وغيرها، علم الإنسان إنما أوجده الله في البشر ليتحكموا بقدراتهِم الخلَّاقة من فكر واستنتاج ومعرفة، ولكي يُهذِّبوا المفاهيم الخاطئة حول حقائق الأمور التي أفسدت الإنس والجن وكثير من المخلوقات الأخرى، وليحكموا الأرض وليكونوا خليفة الله في الأرض فينشروا العدل والحكمة بين خلق الله أجمعين.
    يكفينا في هذا الشأن سيرة سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي صحح مفهوم كلمة أو رمز الرب عند الناس ، فكان بذلك أبو الأنبياء ، ومن سيرته عليه السلام أنهُ أنقذ البشرية من مفاهيم خاطئة وعلوم فاسدة، فمسألة أن يُطيع الله بأمر ذبح ابنه البكر الحبيب إسماعيل عليهِ السلام، وهي العادة المُتبعة في ذلك الحين عندما يرغب الناس من التقرب الى الله فلا يجدون خيراً ولا أعز من أبنهُم البكر كي يُضحَّوا به ، ولكن وبعد أن أثبت سيدنا إبراهيم ولاءه لله وتصديقه للرؤيا وباشر في ذبح ابنه البكر تنفيذاً لأمر خالقهِ، جاء أمر الله باستبدال التضحية بالبشر بأن يُضحوا بكبش سمين بدلاً عن ذلك، فتبدلت عادة الناس منذ ذلك الحين فأصبحوا يُضحون بالحيوانات بدلاً من أولادِهِم بُغية التقرب إلى الله ، ولولا هذا الأمر الرباني والحكمة الإلهية لاستمر الناس بذبح أولادهم إلى يومنا هذا ، ولأهمية هذا الحدث جعلهُ رسولنا الكريم محمد عليه الصلاة والسلام عيداً عظيماً للمسلمين وهو عيد الأضحى المبارك وذلك كي يُضحي المسلمون بالحيوانات بعد أن كان الناس يُضحون بأولادهم وليتذكروا حينها فضل الله العظيم على الناس أجمعين.
    فعلم سيدنا إبراهيم عليهِ السلام ومعرفته اليقينية بالأسماء والرموز جعلت منه أبا الأنبياء بلا مُنازع، وحكمة وعلم رسولنا العظيم مُحمد عليه الصلاة والسلام بقيمة تضحية جدَّهُ إبراهيم جعل ذلك اليوم عيداً للمسلمين لعل الناس يكفون عن قتل بعضهِم البعض والتضحية بدماء المسلمين والبشر في سبيل أوهام وقضايا خاسرة، فيفكروا ملياً قبل أن يُباشروا بقتل أي إنسان!
    أين نحن من هذهِ المعرفة وهذا العلم، وهل اكتفينا بالعلم الذي نصنع به السيارات والطائرات وغيره وابتعدنا عن العلم الذي يُنجينا من عذاب النار ويجعل حياتنا على الأرض سعيدة وهنية ومستقرة؟
    حيث قال سبحانهُ وتعالى في سورة الحاقة: لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12)

    من كتاب (السر الأعظم أو سر الأسرار - دراسة في أسرار وخفايا سورة الرحمن)
    صفحة 34 -42
    تأليف : محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)








  6. #6

    رسالة مخلوقات الله والسر الأعظم

    مخلوقات الله والسر الأعظم


    خلق الله الذي خلقهُ من عدم ينقسم إلى قسمين رئيسين:
    1- الخلق بشكل عام: وهو كل ما خلق الله من مادة وغيرها، والمقصود هُنا كل شيء مخلوق.
    2- اسياد المخلوقات: وهم أفضل خلق الله وأقواهُم وأكثرهُم علماً ومعرفة، وهم البشر ولا مخلوق سواهُم.
    وكون الإنسان متميز بالقوة والمعرفة مقارنةً بمخلوقات الله جميعاً، فهو جدير بأن يكون خليفة الله على الأرض الحالية بشكل خاص، وهو الجدير بأن يكون خليفة الله في خلقهِ والمشرف على المخلوقات جميعاً بشكل عام، بل إنَّهُ الجدير بأن يكون المسؤول الأول والأخير عن مخلوقات الله جميعاً أمام خالقهُم سُبحانهُ وتعالى في الجنَّة أي في الحياة الأبدية.
    ولكون البشر مُبتلين في حياتهم المؤقتة على الأرض.
    ولكون البشر هُم أسياد المخلوقات والمسؤولين عنهُم أمام الله كما أسلفنا.
    يترتب على الإنسان إذاً مهمة إرجاع مخلوقات الله إلى الوضع الطبيعي والأبدي الذي كانوا عليهِ في الجنَّة، وذلك حتى يعودوا إلى العيشة الأزلية الهنية التي كانوا عليها في جنَّة الخُلد قبل أن يعصي الإنسان ربَّه، وهنا نفهم أنَّهُ بسبب معصية الإنسان قد عانت الأكوان، وهو سبب ابتلاء الله للإنسان في الأرض، لعلهُ يعي أهميتهُ في الأكوان فيكف عن معصية الرحمن.
    فمهمة إصلاح الكون لن تكون لغير البشر، ففيهم المشكلة ومنهُم الحل في تصحيح مسار الزمن والعودة بمخلوقات الله إلى الوضع الطبيعي المُستقر والدائم في الموطن الأصلي للمخلوقات المطيعة لربها وهي الجنَّة.
    إن السبب الرئيسي والمباشر في إخراج الإنسان من الجنَّة مع مخلوقات الله المحيطة بهِ وخلافاً لمَا يعتقده الناس فإنَّهُ لم يكن كنتيجة لخطيئة الإنسان عندما أكل من الشجرة المحرمة عليهِ كما هو معروف بين الناس، إنما السبب يكمن في الخلاف القائم حول أحقية الإنسان بالخلافة على الأرض وفي السيادة على المخلوقات جميعاً، وهذا الخلاف مازال قائماً ولم يُحسم إلى الآن.
    فلو لا تدخل المخلوقات الغير بشرية وأولهم الشيطان الرجيم في شؤون الله وشؤون البشر وأولهُم آدم عليهِ السلام سيد البشر وأبوهم، لما حدث وأن عصى آدم ربه أو أن يكون عصاة إلى الآن.
    إنَّ تشكيك بعض المخلوقات الغير بشرية بأحقية سيادة وزعامة الإنسان لهُم، جعلهُم يبحثون على الدوام عن نُقاط ضعفهِ ولم يحدث أن وجدوا إلى الآن سوى استعداد الإنسان أن ينشغل بالملذات حتى تُنسيه أساس قوتهِ وتفوقه على باقي خلق الله، ألا وهو العلم الذي علمهُ الله إياه والخاص بالأسماء كلها وبالرموز الخاصة التي تكشف أسرار الخلق جميعاً، وليس أي علم آخر.
    وعندما يتمَّ إشغال الإنسان في الملذات سوف يقل عزمه ويتلاشى حرصه على سيادة المخلوقات، فلا يعود حينها هو الإنسان الذي اصطفاه الرحمن ليكون خير الأنام.
    حجتنا هُنا نجدها في قولهِ تعالى من سورة طه: فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114) وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115).
    نقرأ هُنا في هذهِ الآية الكريمة أنَّ الخالق سُبحانه قد عهد إلى آدم من قبل أن يفتنهُ الشيطان بمهمة الإشراف على مخلوقات الله وإدارة شؤونهِم وحُكمِهِم بشريعة الله وذلك بما يملكه من معرفه بكل الأسماء والرموز التي تعلمها من الله، ولكن وكما أسلفنا قبل قليل حول قابلية الإنسان على الانشغال بالنعيم والملذات فينسى أساس قوتهُ ألا وهو علمهُ ومعرفتهِ، وهذا ما أدى بهِ الحال إلى أن يستغل الشيطان اللعين نقطة الضعف هذهِ ليفتن الإنسان ويحيد بهِ عن الطريق القويم.
    إنَّ التميز بالعلم والمعرفة لا يُدَّ أن يتبعه الغرور إذا لم تصحبها تقوى الله وخشيته، وهذا الأمر تمَّ استغلالهِ جيداً من قبل الشيطان اللعين، ولم يحدث حينها أن قامت المخلوقات من جنس الحيوان والنبات وكذلك الجماد المحيطة بالإنسان آنذاك بتحذير سيدها المخلوق الإنسي من خداع الشيطان ومن سوء مقصده وخيانته رغم معرفتهم بخطَّتهِ اللعينة تلك، هذا الأمر أتاح الفرصة للشيطان اللعين في القيام بإغواء الإنسان، وكما هو متوقع نسي آدم وزوجه حواء مهام عملهما وفقدا عزيمتهما، وكنتيجة لذلك ظهرت سوآتهما أي ظهر ضعفهما أمام الملذات، وهذا الأمر استدعى رفض الجنَّة وجودهما فيها، فطفقت تخصف عليهما من ورق الجنَّة بسبب عصيانهما لأوامر ربهما ووقوعهما تحت الإغواء كنتيجة لغرورهما بعلمهِم ومعرفتهم التي ميزتهُم عن باقي المخلوقات المحيطة بهِم.
    هذا هو سبب اخراج آدم وزوجه من الجنَّة، كذلك هو السبب من وراء إخراج إبليس اللعين وأتباعه من المخلوقات التي ساعدته في تحقيق مأربه مثل بعض الحيوانات وكذلك بعض النباتات إضافة إلى بعض الجماد.
    نجد هذا الكلام في الآية الكريمة من سورة طه: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121).
    وكنتيجة لما حدث آنذاك في الجنَّة فإنَّ مهمة الإنسان الأولى من خلال تواجده على الأرض هي إعادة الاستقرار في الكون بعد أن تمَّ زعزعتهِ بسبب فساد الإنسان واستهتارهِ بمصير الأكوان، ولن يتم ذلك إلا من خلال تصحيح أوضاع مخلوقات الله جميعاً من بشر وغيرهِم، فالصالح منها يتم إعادتهِ إلى الجنَّة، ذلك الموطن الأصلي والحقيقي بل والدائم لمخلوقات الله الراضية بحكم الله وبمشيئتهِ، وما تبقى من ذلك الخلق من الذين يُصرون على الكُفر والعصيان فيحرموا من الجنَّة ويكون نصيبهم الخلود في النار والعياذ بالله.
    ولكي يتم ذلك الاستقرار الكوني يتحتم على الإنسان أولاً معرفة أسباب ذلك النزاع ومعالجتهِ بالطرق المثالية والصحيحة وليس بأي طريق كان.
    من أهم تلك الأسباب والتي تخص الإنسان وكما جاء ذكره بالقرآن هي آفة نسيان الإنسان لمهمته المقدسة التي أوكلها إليه الرحمن ألا وهي مهمة الحفاظ على استقرار الأكوان.
    فبسبب الغرور والتكبُّر الذي يُسببه العلم والمعرفة وحُب السيادة لدى الإنسان عندما يكون بعيداً عن تقوى الله وخشيته بل وطاعته يكون النسيان، أمَّا إذا حدث وإن استطاع ذلك الإنسان التخلص من هذه السوآت، فلم يسمح بعدها لأي مخلوق كان أن يتدخل بشؤونه الخاصة، تلك التي بينه وبين ربَّه المنان، كانت العودة إلى الجنان أكيده إن شاء الله، وكان الاستقرار والسعادة الأبدية من نصيب بني الإنسان.
    إنَّ تأريخ الإنسان على الأرض مليء بالمحاولات المستميتة لإنجاز مهمة الاستقرار الصعبة تلك، ولا يزال الإنسان إلى الآن يصارع ويتحدى الشر في كل مكان وأي زمان فينجح، ولكنَّهُ يعود ليفشل من حين إلى آخر وذلك لصعوبة الأمر إذا فقد الإيمان، كيف لا وهُناك من المخلوقات الأرضية المُحيطة بالإنسان التي تحرص كل الحرص على إفشال مهمته تلك، وحرصها هذا على إفشال مهمة الإنسان كان السبب الذي جعلها مُسخَّرة للإنسان كعقاب لها من الخالق الواحد الأحد ذو الجلال والإكرام، ذلك عندما أمر الله سُبحانهُ وتعالى بتسخير أغلب المخلوقات الأرضية تلك سواء كانت من جنس الحيوان أم الجماد أو النبات للإنسان بشكل عام فيتحكم بمصيرها بين أن يرأف بها أو يقسو عليها، هذا التسخير إنما هو في حقيقتهِ عقاب لها بسبب مساعدتها للشيطان اللعين عندما أراد أن يكيد للإنسان فنجح بعدما وجد مساعدة وعون من تلك المخلوقات، فذنبها كبير بعدم تنبيه الإنسان لكيد الشيطان الذي كان معروفاً لجميع المخلوقات ولا زال حرص بعضها على إفشال مهمة الإنسان قائم إلى الآن.
    أما بخصوص المخلوقات الغير مسخرة للإنسان كالكواكب والمجرات كذلك الملائكة وغيرها من خلق الله، فلم يتم معاقبتها وتسخيرها للإنسان والسبب هو اعترافها بذنبها وأسفِها على ما بدر منها وقبولها للسجود للإنسان كما أمرها ربها الرحمن، إضافة إلى مساعدتها للإنسان بحربهِ ضد الشيطان واعوانه من الإنس والجان وغيرهِم من مخلوقات الله التي تنتصر للشيطان في حربهِ ضد الإنسان، فمساعدة الملائكة للإنسان نلمسها عندما كانت تنقل الرسالات السماوية بكل أمانة وصدق ونخص منها تلك التي كانت موجهة لأنبياء الله ورسلهِ، نضف إلى ذلك مشاركتها لكثير من الأحيان في حرب المؤمنين ضد الكافرين من أعوان الشيطان.
    إذاً بسبب كثرة أعداء الإنسان من المخلوقات المحيطة به على الأرض، ودليل كراهيتها هو في مهاجمتها وتهديدها الدائم لوجود الإنسان بينها وعدم قبولها بالرضوخ والسجود امامهُ كما أمرها الرحمن وكما تفعل بعض المخلوقات الأخرى مثل الحيوانات الأليفة التي تحرص على مساعدة الإنسان وتنصاع لحكمه وسطوته عليها لا لضعف فيها ولكن تلبية لأمر ربها، وبسبب كثرة الكارهين لزعامة الإنسان عليهم في الكون وتمردهِم كما فعل الشيطان اللعين وليس لهم حجة سوى كونهِ مخلوق شأنهُ شأنهُم ، وبسبب كونهِ ضعيف أمام اغواء الشيطان في جهلهِ ونسيانهِ لتعاليم ربَّه، كان من شأن الرحمن أن تدخل وما زال يتدخل سُبحانهُ في نصرة الإنسان ومساعدتهِ في حربهِ ضد الشيطان وأعوانه.
    ذلك التدخل نلمسهُ بعدَّة صور منها صورة الدين الذي فيهِ رسالات ربِّ العالمين للمؤمنين، حيث نجد تشجيع الخالق من خلال مكافأة الأشخاص الذين نجحوا في تذكُّر فضل الله عليهِم وأبدوا استعدادهم لطاعة خالصة وكامله لهُ سُبحانه، وقبولهم لأمر خالقهِم بالعبادة والصلاة والرحمة بمخلوقات الله من حولهِم، فكانت المكافئة أن جعلهُم الله أنبيائهِ ورُسلهِ للعالمين وجعل منهم المؤمنين والمسلمين، ثمَّ حرص سُبحانه وتعالى على تثبيت أسس وقواعد الدين من أحكام وشرائع سماوية وكونية، وختمها بخاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا رسول الله محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأتم تسليم وبدين الإسلام العظيم.
    تبقى مرحلة ما بعد الأنبياء والرسل والتي نعيشها الآن، هذهِ المرحلة التي تأتي بعدما تمَّ تثبيت الدين فلم تعد مشكلة الإنسان في دين يتبعهُ أو رسول يصدقهُ أو عبادة للخالق سُبحانه وتعالى يلتزم بها، إن المُشكلة في هذهِ المرحلة هي في غرور الإنسان بعلومه ومفاهيمه المستحدثة.
    إذاً في هذا الزمان الذي نعيشهُ الآن لم تعد فتنة الإنسان بتعدد الآلهة أو بعبادة الأصنام، إنما الفتنة في تكبُّر ذلك الإنسان الذي حباه الله بعلوم ومفاهيم كانت مُحرمه عليه في فترة الأنبياء والرُسل عليهِم الصلاة والسلام ولم تكن تلك فترة العلم والمعرفة كما هي الآن.
    فزماننا الحالي يتميز بتقدم علوم ومفاهيم الإنسان ويتميز بانقطاع الأنبياء والرسل لنجد البعض قد عاد وتنكر لخالقهِ، ثُم عاد البعض واغتر بنفسه وتكبر وتعالى على من حوله وتجبَّر سواء كانوا من البشر أم غيرهِم.
    لهذا السبب ولانتهاء مرحلة الرسل والأنبياء، كان لزاماً على البشر أن يبحثوا عن أسباب الفتنة في عدم قبول التوبة من قبل الرحمن، وأسباب الفساد في الأرض والعباد، فالأنبياء والرسل ما عادوا ليكونوا سبباً مباشراً لهداية الناس فينتظروا قدومهم، لذلك على الناس الآن أن يبحثوا عن طريق بديل يقودهُم للهداية والصلاح، وهُنا تكمن أهمية موضوعنا هذا والخاص في البحث عن سر الأسرار أو السر الأعظم.
    إن مجرد معرفة السر لا تكفي، ما يهم هو معرفة مدى فاعلية هذا السر وطرق استخدامه، ليتمكن الإنسان حينها من السيطرة على نزعاتهِ وتصرفاتهِ وفرض سلطتهِ واحترامهِ على جميع المخلوقات المحيطة بهِ سواء على الأرض أم في السماء، وليتمكن من السيطرة على المادة المخلوقة بشكل كامل لتغدو طوعاً لإرادتهِ فيشكلها كما يُريد أن تخدمه، ولا نستثني السيطرة على تلك المخلوقات التي ساهمت في محاربتهِ وإبعادهِ عن الجنَّة مع الشيطان اللعين عدو الإنسان، فإنها ستكون طوع لأمره بعد أن كانت متوحشة ومهددة لوجوده، فتصبح مُعترفةً بأحقيتهِ في السيادة كمخلوق على سائر خلق الله من حوله، ومن يصر على موقفه مناصرة للشيطان اللعين سوف يٌحشر معه في جهنَّم وبئس المصير، وعندها فقط سوف ينهزم الشيطان اللعين شر هزيمة كنتيجة فقدانه لدعم المخلوقات التي كانت تُعينه على محاربة الإنسان، وهناك يَبطل كيد الشيطان ويزول تأثيره على الإنسان، فيصبح الإنسان بعدها حراً طليقاً مستمتعاً بفضل الله عليه، بل ومُطاعاً ومُهاباً لدى كل مخلوقات الله من حوله، فعندما يتم هذا الأمر و تتحقق الإرادة الإلهية للكون كما أراد الله لها في بادِئ الأمر أن تكون، حينها يسود الأمن والأمان في الأكوان، وتنتهي مشاكل الإنسان، وتكون الجنَّة حينها مقر المؤمنين الحقيقي والدائم بعد أن جعلوا بإيمانهِم من الأرض جنَّة كالجنان، وتكون حدود الجنَّة يومئذ بين السماء والأرض كما جاء بالقرآن.
    حينها تسعد مخلوقات الله جميعاً بنصر الإنسان وبحكمة الرحمن وعدله في الأكوان سُبحانه لا إله إلا هو.

    من كتاب (السر الأعظم أو سر الأسرار - دراسة في أسرار وخفايا سورة الرحمن)
    صفحة 43 -49
    تأليف : محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)

  7. #7

    رسالة مفهوم الطاقة والسر الأعظم

    مفهوم الطاقة والسر الأعظم


    بعد إحاطتنا في المواضيع السابقة لموضوع السر الأعظم أو سر الأسرار من ناحية الأسباب والأهداف والدوافع، وقمنا بإعطاء الأمثلة على أهمية هذا الموضوع ومدى التغيير الكبير الذي سوف يحدثه في البشر واستدللنا بما حدث عندما تمَّ استخدام اسم أو رمز وهو الرب أو الله من قبل الإنسان وبالصورة الصحيحة، وذلك عندما شرحنا بعض الأحداث من سيرة سيدنا إبراهيم عليه السلام في طريقة تطبيقه المثالية لمفهوم ورمز الرب.
    نعود هنا إلى موضوع السر الأعظم لنشرح دور الإنسان فيه ومدى أهمية امتلاكهِ ومعرفتهِ لهذا السر حتى يتم استغلال الطاقة المتحركة المحيطة بالإنسان ذلك الاستغلال الأمثل بحيث يتم التغيير المنشود في تحقيق الاستقرار للبشرية وللوجود ككل.
    لكي يتم لنا تحقيق الاستقرار في الوجود أو الكون الذي خلقهُ الله، يتوجب علينا معرفة الفرق بين ما هو مخلوق وغير مخلوق فكلاهما لهما علاقة بالوجود، حيث أنَّ الغير مخلوق أزلي وبالتالي لا أول له ولا آخر، وهو بذلك يختلف بالكينونة عن كينونة المخلوق المُستحدثة، فكل ما هو مخلوق إنما يُستدل عليه عن طريق الأثر، والأثر هو ما يتركه المخلوق من أثر عند خلقهِ ليُدل عليه، وبالتالي فالغير مخلوق لا أثر لهُ وذلك بسبب عدم وجود مراحل تكوين خاصة بهِ، وطريقة الاستدلال على الغير مخلوق تكون فيما خلقهُ وليس بشيء آخر.
    والأثر الخاص بالمخلوق إنما يُستدل عليه عن طريق ما يُحدثهُ من ردة فعل لفعل الخلق المسببة حتماً لموجات وإشعاعات كإحدى صور من صور الطاقة الناتجة عن حدوث الفعل في استحداث الحدث، فتعريف الطاقة هُنا هو القدرة على إحداث الحدث، وفي حالة عدم حدوث الحدث تبقى الطاقة هُناك ولكنها توصف حينها بالطاقة الكامنة ، إذاً أصل الطاقة المُتحركة والتي أحدثت الحدث هي من الطاقة الكامنة ، والطاقة الكامنة لا يمكن أن يُستدل عليها بسبب عدم إحداثها لحدث ما فهي كامنة أي مخفية، وبمُجرد استخدام الطاقة الكامنة في إحداث الحدث تبدء المفاهيم الخاصة بالطاقة المُتحركة وبالقدرة والقوة تتبلور وتظهر، لتبدأ بعدها تعريفات الطاقة وتقسيماتها من قبل الإنسان من كونها طاقة حرارية أو ميكانيكية أو ذرية أو غير ذلك ولكن يبقى مصدرها واحد وهي الطاقة الكامنة.
    إذاً أصل ومصدر الطاقة بأنواعها المتولدة من ردة الفعل هو من الطاقة الكامنة العظمى والتي قامت بعملية الفعل أي بعملية الخلق وهو ما يمكن وصفها بالخالق، إذاً الخالق هو وصف للجهة التي أحدثت الحدث أول مرَّة، وبالرغم من التعريف الحالي للطاقة الكامنة في المواد عند الناس وهو خطأ، ولكننا نُجاري الآخرين في التسمية ونتحفظ عليها، فالطاقة الكامنة الحقيقية والوحيدة في الوجود هي التي يمتلكها الخالق، وبكون الله العزيز القدِير هو الجهة الوحيدة التي تبنت ونسبت لنفسها فعل الفعل الأول وخلق الخلق الأول، لم يكن من الممكن أن يُستدل على ردة الفعل قبل الفعل ولا على المخلوقات قبل الخلق ولا على الطاقة المتحركة قبل أن تطلقها الطاقة الكامنة، وبمعنى آخر لا يمكن أن نعرف أو نتثبت من معلومة ما سواء خاصة بالطاقة أو غيرها مالم يكن مصدرها هو الخالق سُبحانهُ وتعالى وحدهُ لا إله إلا هو، إذاً الطاقة الكامنة العُظمى التي أنشأت الطاقة المتحركة هي تلك التي يمتلكها الخالق وهو الله سبحانهُ وتعالى ولا أحد غيره.
    إذاً الطاقة الكامنة العُظمى التي يمتلكها الخالق سبحانهُ وهو الذي أحدث الحدث الأول والذي خلق الخلق الأول لم تكن لتُعرف أو يتم الاستدلال عليها إلا بعد استحداثها للحدث أي بخلقها للخلق، وكل ما تمَّ استحداثه أو خلقه إنما حدث أو تم عن طريق تحويل الطاقة الكامنة العُظمى من عند المصدر أو الخالق إلى طاقة مُتحركة في المُستحدثات أو بمعنى آخر المخلوقات، وهذهِ الطاقة المُتحركة سوف تبقى مُتحركة على الدوام وإلى الأبد أي إلى ما شاء الله ولن تتجمد أو تتوقف أبداً، بل ويستحيل أن تتوقف وتتجمد لتكون كامنة أي غير مُتحركة في مخلوقٍ ما، فبمجرد أن تتوقف الطاقة عن كونها مُتحركة لتصبح طاقة كامنة، يختفي المُستحدث أو المخلوق حينها بسبب توقف ردة الفعل وتوقف الطاقة الناتجة عن ردة الفعل والتي أوجدتهُا طاقة الفعل ليزول الحدث أو المخلوق نهائياً من الوجود ثم يذهب إلى العدم.
    ودليلنا الخاص بما تمَّ شرحهُ عن الطاقة الكامنة والطاقة المُتحركة فهو متوفر للجميع، فعندما نقول عن الجماد أو الحجر كمثال لمن يمتلك الطاقة الكامنة إنما نقصد بأنُهُ جامد لا حركة ظاهرية فيه وهذا كلام مغلوط ولا أساس له من الصحة، فإننا نعرف يقيناً بأنَّ الحجر يتكون من مواد، وهذهِ المواد تتكون من عناصر، وهذهِ العناصر تتكون من ذرات، وهذهِ الذرات تتكون من نواة مركزية محاطة بإلكترونات مُتحركة، وحركة الإلكترونات هُنا هي حركة طرد مركزية لتقاوم طاقة الجذب التي تعمل على جذب كتلة الإلكترونات حيثما تكون نحو النواة، فحركة الإلكترونات الدائرية حول مركز النواة إنما كانت لتُقاوم قوة الجذب المركزية والموجودة في النواة، إذاً في الذرة ردة فعل تولد طاقة مُتحركة دائميه وأزلية إلى ما شاء الله، فكيف يكون إذاً في الحجر طاقة كامنة غير مُتحركة وكل ذرة فيه عبارة عن طاقة مُتحركة والتي تُصنَّف بالطاقة الذرية المُتحركة ؟
    وإذا كان القصد من مصطلح الكامن هو الجمود الذي يظهر للعين المُجردة فهو أيضاً كلام خاطئ وليس لهُ أساس من الصحة، فقدرتنا على رؤية الأشياء إنما ترجع إلى إسقاطات الأشعة الضوئية وما تولده من موجات على ذلك الحجر والذي يعكسهُ بدوره فتلتقط أعيننا ذلك الانعكاس وحينها تحدث الرؤية ، إذاً الحجر كمادة إنما تصدر منهُ الكثير من الطاقة المُتحركة عن طريق عكس طاقة الموجات والإشعاعات سواء كانت طاقة ضوئية أو غيرها، والحجر ككتلة جامدة فيهِ الكثير من الطاقة الحركية للذرات، إذاً فالحجر كمثال للجماد لا يمتلك بأي حال من الأحوال طاقة كامنة إنما طاقته مُتحركة بل ودائميه الحركة إن صح التعبير.
    مما سبق نستنتج بأنَّ المواد التي أُستحدثت أو خُلقت في أول الزمان يمكن الاستدلال عليها ومعرفتها من خلال موجات الطاقة التي أصدرتها عند نشأتها الأولى، فتلك الموجات ما زالت موجودة ومتحركة في الكون بل وفي محيطنا أيضاً منذ نشأتها وإلى الآن، فموجات الطاقة أو الأشعة التي عكستها وتعكسها المواد على الدوام إنما هي موجودٌة في الكون وفي الفضاء المُحيط بِنا الآن وإلى هذهِ اللحظة، بمعنى أخر أنَّ الطاقة المُتحركة التي صدرت سابقاً عن المواد المُستحدثة والمخلوقة لازالت مُتحركة وموجودة في الأكوان من أول الزمان وإلى الآن، بل ويمكننا التقاطها والتعامل معها في أي وقت نشاء إذا استخدمنا التقنية المناسبة لذلك، والتقنية المطروحة هُنا والتي تناسب هدفنا ذاك إنما نجدها في السر الأعظم دون شك.
    نعطي مثالاً أنَّهُ من المعروف أنَّ الإنسان في الزمان البعيد كان يستخدم العين المُجردة لرؤية الأشياء والتعرف عليها، بعد ذلك قام باستخدام العدسات الزجاجية والمناظير ليساعد نظرهِ على رؤية ومعرفة الأشياء البعيدة والتي تصعب على العين المُجردة إدراكها، وبعد ذلك قام الإنسان بابتكار البرمجيات والأجهزة الآلية كالمجهر الإلكتروني على سبيل المثال لرؤية المواد الصغيرة جداً والدقيقة، ثم ابتكر المناظير العملاقة لرؤية الكواكب الكبيرة جداً والبعيدة في الفضاء، فتلك الأشياء التي يراها الإنسان من خلال المناظير المتنوعة ما هي إلا انعكاسات ضوئية سواء لكواكب ومجرات تُبعد ملايين السنين الضوئية عن الأرض أو لمواد دقيقة وصغيرة جداً وكلاهُما يُحتمل أن لا تكون موجوده في مكانها بعد أن وصل ما عكستهُ من ضوء لنراها.
    إذاً وكما قلنا سابقاً بأنَّ الكون مليء بالموجات والأشعة سواء كانت صادرة من المواد الكونية نفسها أم مما عكسته من أشعة وموجات ضوئية أو ما عدى ذلك لغيرها، وكل ما نحتاجهٌ هُنا هو إيجاد الوسيلة أو الطريقة المناسبة للالتقاط تلك الموجات أو الأشعة وتحويرها بطريقة ما حتى نتمكن من التعرف عليها بوسائلنا الحسية التقليدية كالبصر والسمع والشم وغيرها.
    فطرحنا لموضوع السر الأعظم أو سر الأسرار هُنا إنما لكونهِ أعظم وسيلة يمكن للإنسان أن يمتلكها حتى يتعرف على كل شيء مخلوق أو مُستحدث في هذا الكون وبكل معنى الكلمة ، فالأثر الخاص بالمخلوقات موجود بلا شك وذلك بسبب وجود الطاقة المُتحركة الدائمة في المخلوقات والتي أوجدها الخالق سُبحانه بكونهُ مصدر الطاقة الرئيسي في الكون، وهو الوحيد الذي يمتلك الطاقة الكامنة العظمى والتي شاءت إرادتهُ سُبحانه أن يتحول جزء منها إلى طاقة حركية دائميه في المخلوقات وإلى ما شاء الله، هذهِ المخلوقات يمكن التعرف عليها كما نوهنا سابقاً وذلك في حالة استخدامنا للوسيلة المُناسبة لذلك، ويبقى في السر الأعظم أعظم الوسائل المتاحة لنتعرف من خلالهِ على كل شيء مُحيط بنا من موجات طاقة وغيرها بإذن الله وذلك بشهادة القرآن الكريم كما سوف يتم شرحه لاحقاً.

    من كتاب (السر الأعظم أو سر الأسرار - دراسة في أسرار وخفايا سورة الرحمن)
    صفحة 50 -54
    تأليف : محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)

  8. #8

    رسالة علم الأسماء والسر الأعظم

    علم الأسماء والسر الأعظم


    قبل أن نسترسل ونتعمق في موضوع السر الأعظم أو سر الأسرار وعلاقتهُ بعلم الأسماء الذي علمهُ الله للإنسان، أحب أن أوطيء للموضوع وأهيئ الأخوة المتابعين لما هو قادم بإذن الله.
    مرجعيتنا الحقيقية في ما نكتب هُنا هو إتباع هدي الله العزيز القدير، والتمسك بسنة رسوله المصطفى عليهِ الصلاة والسلام، والتصديق المطلق بكتابهِ الحكيم ألا وهو القرآن الكريم الذي يعطينا تصور محدد لحياة الإنسان المؤمن في جنَّة الخلد التي أُعدت للمتقين من عباد الله المُخلصين، فالجنَّة هي المحيط المثالي والحقيقي للإنسان حيث الاستقرار الدائم والسعادة الأبدية والخلود في النعيم وبالتالي فهي الهدف المنشود لجميع مخلوقات الله دون استثناء، وهيا المقياس الحقيقي لجميع أفكار وأفعال الإنسان في أي مكان وزمان، فإذا كانت هذهِ الأفعال والأفكار لا تناسب طبيعة الحياة في الجنَّة فهي ليست بقيمة في الوجود، وإذا كانت عكس ذلك فهي حقيقية وبالتالي فهي مفيدة للبشر وللمخلوقات جميعاً في الدُنيا والآخرة.
    فحياتنا الحالية على الأرض ليست بمقياس لأي شيء، وأعمارنا مهما طالت أم قصرت لا تُذكر بمقياس الزمن، أما أفعال البشر وإنجازاتهم على الأرض فسوف تذهب عاجلاً أم آجلاً هباءاً منثورا كما ذهبت أفعال الحضارات السابقة عبر التاريخ الطويل وذلك لكونها غير مفيدة للحياة في الجنَّة، والجنَّة كما تمَّ الاتفاق سابقاً هي المقياس الحقيقي لكل شيء.
    لذلك فعلم الإنسان الحقيقي والذي هو جزء من سعادته وميزة من مميزاته التي تميزهُ عن باقي المخلوقات ليس هو ذلك العلم الذي تعلمهُ أو يسعى إلى تعلمه في الأرض، فلا مكان لعلم أرضي ووضعي تمَّ وضعهُ من قبل البشر فقط أن يطبَّق أو يُمارس في السماء أو الجنَّة حيث الحياة الخالدة.
    في الجنَّة يا إخوتي الكرام لا مكان للطبيب أو المهندس أو الفيزيائي وغيرهم ممن يمارسون العلوم الدنيوية الوضعية، بل لا مكان لعلم الشريعة والفقه أو اللاهوت وغيره من العلوم الدينية بوجود الخالق سبحانه هُناك.
    العلم الحقيقي الذي يتميز بهِ الإنسان على الدوام والذي هو مفخرة وعِز وعظمة لكل بني الإنسان، وذلك أمام المخلوقات جميعاً ملائكة وجان وغيرهُم في الأكوان، بل هو العلم الذي افتخر بهِ الخالق سبحانهُ وتعالى أمام خلقهِ وجعلهُ حُجة يحتج بها أمام المشككين بحكمهِ كما سيأتي شرحه لاحقاً، ذلك العلم هو ما علَّمه الخالق سُبحانه لآدم عليه السلام عندما خلقه اول مرَّة، ولا يوجد معلم يُعلم علماً لأي إنسان أفضل من تعليم الله لهُ، ولا يوجد علم يفتخر الإنسان بتعلمه لهُ أفضل من ذلك العلم الذي اختاره الله سُبحانه ليعلمهُ لآدم عليهِ السلام، وهذا الكلام من البديهيات الذي لا يحتاج إلى دليل أو برهان.
    الله الواحد الأحد لم يُعلم آدم عليهِ السلام سوى الأسماء أو علم الأسماء إن صح التعبير، وذلك بصريح الآية بقولهِ تعالى من سورة البقرة : وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31)، فكون الخالق سبحانهُ وتعالى قد ألحق هُنا تعليمهُ لآدم للأسماء بوصف (كُلَّهَا) فهذا يعني بأنَّ الأسماء أصبحت علماً وليست مجرد أسماء يتم التلفظ بها، فالعلم لا يكون علماً ألا بعد أن يتم إتمامه، وكلمة (كُلَّهَا) إنما تدل على أنَّهُ لم يبقى هُناك أسماء ليتعلمها الإنسان بعد تعليم الله لهُ فهي بذلك استحقت وصف علم الأسماء من قبلنا، والتي يمكن تسميتها كذلك بالرموز السرية بعدما تمَّ إخفائها عن البشر لعدم جدارتهُم بها، فكل والد يُحب أن يُعلم أولاده أفضل ما يعلم.
    إذاً فعلم الأسماء هو أول علم تعلمهُ الإنسان في الجنَّة، وهو أيضاً العلم الوحيد الذي مارسهُ وطبقهُ الإنسان من قبل في الجنَّة وهو كذلك الذي سوف يمارسهً لاحقاً وإلى الأبد هُناك إن شاء الله، لذلك فهو العلم الحقيقي الوحيد الذي تعلمهُ الإنسان، فلم يرد عن الخالق من تعريف للعلم الذي علَّمهُ سوى أنهُ سُبحانه قد علم آدم الأسماء كلها دون استثناء، ولا يجوز للإنسان الذي أخذ علمهُ من الرحمن أن يطلب أي علم آخر بعد العلم الذي تعلمه من الخالق سُبحانه، أما فيما يخص العلوم الأرضية التي يطلبها الإنسان بشكل عام فهي مهن يزاولها البشر ليعيشوا من ورائها لا أكثر ولا أقل وليست علماً حقيقياً يُمارس في الأكوان وإلى نهاية الزمان، فتلك العلوم الوضعية ليست ذا قيمة بمقياس الزمان والمكان.
    فعلم الأسماء مقارنتاً بباقي العلوم الوضعية التي ابتكرها الإنسان هو أزلي لا يحصرهُ مكان أو زمان وذلك لأن معلمه أزلي سُبحانهُ وتعالى، فما مقياس الأزل بمقياس عمر الإنسان طال أم قصر؟ لا شيء يُذكر.
    والإنسان تعلم علم الأسماء كلها في الجنَّة، وتعلم غيره من علوم وضعية على الأرض، فما مقياس الحياة بالجنَّة وعلومها عند مقارنتها بالحياة على الأرض وعلومها؟ لا شيء يُذكر.
    إذاً فيما يخص جميع أنواع العلوم التي تعلمها وما زال يتعلمها الإنسان منذ أن خلقهُ الله جلَّ وعلا وإلى أن يلقاه، فإنَّهُ لا يوجد معلم مهما يكن يقارن بالمُعلم الأول وهو الله جلَّ وعلا، وكذلك لا يوجد علم يقارن بما تعلمه آدم في الجنَّة والذي تعلمه من الخالق سبحانهُ وتعالى مُباشرة دون وسيط.
    أما بالنسبة للسر الأعظم وسر الأسرار فإنَّهُ لن يستطيع أحد من البشر أن يفهمهُ ويتعلمه أو يعرف سرَّهُ سوى الذي تمكن من إفراغ عقلهِ وفكرهِ من مخلفات ومساوئ العلوم الأرضية الضارة، ليتمكن حينها من استيعاب وفهم العلوم السماوية، أو بالأحرى حتى يستطيع أن يتذكر الذي نساه من تعليم الله فيما يخص علم الأسماء كلها، ولن يتمكن من تذكره إلا من خلال معرفتهِ لرمز الاسم الأعظم أو السر الأعظم إن صح التعبير والذي هو مفتاح ذاكرة الإنسان لعلم الرحمن.
    إذاً الخطوة الأولى في استعادة العلم الذي علمهُ الله للإنسان تتمثل في نسيان ذلك الإنسان للخبيث فيما تعلمه من علوم الأرض، ولكي يكون هذا الكلام منطقياً وعملياً على الإنسان أن يتعامل مع العلوم الأرضية بكونها مهن يُمارسها الإنسان لا لشيء سوى لكسب العيش والحصول على الرزق لا أكثر ولا أقل، وهو ما يُعطيها قيمتها الحقيقية في الوجود.
    أما الخطوة الثانية فهي تتلخص باستحضار النية الصادقة لمعرفة القيمة الحقيقية في طلب العلم الحقيقي، وهو ذلك العلم الذي أودعه الخالق سُبحانه في عقل الإنسان عندما خلقه أول مرَّة، ففي كل مره يُخلق بها الإنسان من جديد يُعاد غرس في عقلهِ ما تعلمه آدم عليه السلام أول مرة ، وهذا العلم يأتي لكل إنسان مع الروح التي تُنفخ فيه، فهذا الأمر من متطلبات العدل بين المخلوقات، والله العزيز القدير عادل في حكمه وفي قضائه، فلا يُعقل أن يُعلم الله إنسانٍ ما دون الآخر، والله أعلم.
    وبخصوص الخطوة الثالثة والخطوات التي تتبعها فهي مرهونة بمدى نجاح تطبيق الخطوتين الأولى والثانية وبمدى الصدق في التعامل معهما، والتي من دونهما لن يستطيع أي الإنسان استيعاب علم الخالق سُبحانه، فالخالق جلَّ وعلا يبقى هو العزيز الحكيم، ومن متطلبات التصديق بأنَّ العزة لله جميعا وحكمة الله هي الغلبة دوماً فلا يجوز حينها التشكيك بهما في أن يفضل الإنسان ما هو علم أرضي وضعي وغير حقيقي لكونهِ من خيال الإنسان وينسى ما هو سماوي وحقيقي ومن تعليم الخالق سُبحانهُ لا إله إلا هو.
    وبمجرد ما أن يتمكن الإنسان ويقتنع بتفرِّيغ ذهنهُ وعقلهُ سيتذكر علم الخالق سُبحانه وسوف تتفتح أمامه أبواب المعرفة والخير كلهُ بإذن الله ، وسوف يتحول حينها من مخلوق أرضي بعلم وضعي بدائي إلى مخلوق سماوي يعيش على الأرض ولكن بعلم كوني سماوي وكأنهً في الجنَّة، حينها يتغير كل شيء في حياته حتى مذاق طعامه وشرابه، وسوف يرى الأشياء حينئذٍ على حقيقتها دون زيف أو خِداع ، فتصبح الجنَّة جزء من حياتهِ وجزء من عقله ونفسه وسمعه وبصره، وسوف يشعر بالقوة والعظمة في ذاته التي طالما افتقدها، كيف لا وهو بذلك يكون قد اتبع هُدى الله وعلمه، تصديقاً لقولهِ تعلى في سورة طه : قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123).
    ما تمَّ ذِكره هُنا من خطوات إنما تُمثل بداية الطريق لدرب الحقيقة، وسوف يتعرف الإنسان حينها هو بذاته ومن دون مساعدة الآخرين على نفسه وعلى القدرات والإمكانيات وعلى الطاقة العظيمة التي أوجدها الله العزيز القدير في ذات الإنسان، وسوف يكون حينها قادراً على فهم واستيعاب الأسماء على حقيقتها، وبالتالي سوف يكون قادراً بإذن الله على فهم حقيقة السر الأعظم أو سر الأسرار ليدرك قيمة كشف السر الذي سوف يُظهر ويكشف ما في ذلك الإنسان من مميزات لا يتخيلها وإمكانيات خُلقية ما كان ليحلم بها.

    من كتاب (السر الأعظم أو سر الأسرار - دراسة في أسرار وخفايا سورة الرحمن)
    صفحة 55 -59
    تأليف : محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)

  9. #9

    رسالة الأسماء والرموز في السر الأعظم

    الأسماء والرموز في السر الأعظم


    لعل المُتتبع لما تمَّ طرحه هُنا بخصوص السر الأعظم أو سر الأسرار من حقائق وبراهين في الأجزاء السابقة قد وقع في حيرة وتخبط بسبب كثرة المعلومات المطروحة وكذلك بسبب صعوبة التفريق بين ما هو علم حقيقي وبين ما هو علم مُزيف أو وقتي إذا صح التعبير.
    لاحظوا أحبتي في الله بأنَّ ما تمَّ طرحهُ هُنا بكونهُ علم حقيقي إنما تمَّ نسبهُ لله الواحد القهَّار وهو الخالق سُبحانه، ولم يتم نسبهُ لأي مخلوق من مخلوقات الله، بل إنَّ الذي علَّمهُ للإنسان هو الخالق لا إله إلا هو سُبحانه، ولم يتم توكيل الأمر لوسيط حتى يقوم بعملية التعليم تلك، ولقد كرر الخالق العزيز القدير تأكيده بأنَّ من علَّم الإنسان أول مرَّة هو الله الواحد القهَّار، فنحن نقرأ تارة قوله تعلى في سورة البقرة الآية 31 حيث جاء في جزء منها ( وعلم آدم الأسماء كلها )، ونقرأ تارة أخرى في سورة العلق بأنَّ الخالق سُبحانه يأمر نبيه المُصطفى والمؤمنون من بعده بقراءة القرآن حتى يتذكروا ما تمَّ تعليمهم إياه من قبل المولى العزيز القدير الذي علم الإنسان بنفسهِ سُبحانه وكانت طريقة التعليم تلك بالقلم كما جاء في القرآن الكريم، والقلم هُنا إنما جاء للدلالة على تثبيت ما تمَّ تعليمه للإنسان في عقلهِ ولم يكن شفهياً أو مؤقتاً، وبأنَّ ما تعلمهُ لم يكن ليتعلمه من أحد غير الله، أي بأنَّ عملية التعليم تلك والمعلومات الخاصة بها وهي الأسماء ما كان لأحد بالمكانة والمقدرة على أن يُعلمها للإنسان غير الله الملك الحق ، وهذا ما نقرأه في سورة العلق : اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5).
    ولتبسيط الأمر نقوم باستخدام بديهيات العلم: فمن المتعارف عليهِ أن المخلوقات على الأرض تستمد الطاقة من محيطها، بمعنى أن المخلوقات الأرضية تحتاج إلى شمس وهواء وماء كي تستمر في الحياة، ففي الشمس طاقة إشعاعية كونية وفي الهواء طاقة غازية كذلك في الماء طاقة مادية، ونحن كبشر من ضمن المخلوقات الأرضية نستخدم مصادر الطاقة تلك كي تعيش أجسادنا، وإذا لم نستخدم تلك المصادر فهي تبقى موجودة إلى ما شاء الله، كذلك المعلومات التي نستقبلها عن طريق حواسنا مثل الطاقة الضوئية التي تستقبلها أعيننا لنشاهد محيطنا، فهي باقية في المحيط وإن لم يكن هُناك أعين لتستقبل وتدرك تلك المعلومات التي تنقلها الطاقة الضوئية، كذلك الأمر مع المعلومات التي تأتينا من خلال السمع والشم وغير ذلك، إذاً العالم أو الكون المُحيط بنا مليء بالمعلومات التي تخص كل مخلوق من مخلوقات الله، ونقصد بالمعلومات هُنا هو وصف لكل المراحل التي تكَّون بها المخلوق وبمعنى الكلمة، أي منذ أن كان لا شيء يُذكر إلى أن أصبح شيئاً، إضافة إلى وصف عملية تطوره بكل التفاصيل وبكل دقة بالصوت والصورة وبالزمان والمكان، حتى تلك المراحل التي تصف ما قبل الذرة ثم الذرة والتي هي أصغر شيء في المادة يوصف بها فما بعدها حتى نصل إلى المخلوق الكامل، فكل هذهِ المعلومات كانت وما زالت محفوظة في الكون باعتباره مخزن للمعلومات وإلى ما شاء الله ولن تضيع وستبقى ولا يمكن فنائها إلا بإذن الله.
    إذاً فعلم الأسماء أو بالأصح ما تعلمه الإنسان من الله بخصوص الأسماء إنما هو في النهاية عبارة عن رموز مُشفًّرة تخص كل مخلوق من مخلوقات الله ليتم التعرف عليهِ من خلالها، وتستخدم في مُعالجة المعلومات المتناثرة في الكون على شكل موجات طاقة، حيث يتم استقطابها من خلال تلك الأسماء أو الرموز ثم تجسيدها في صور وأشياء ليتم التعرف بها من قبل الشخص نفسه حتى يتعرف ويفهم ذلك الشيء أو للمخلوقات الأخرى فيظهرها لهُم ويُعرفها بهم عند الحاجة وبالصورة التي يفهمونها والتي كانت مخفية عنهُم، دليلنا هُنا هو ما جاء في القرآن حول سؤال الملائكة عن معرفتها لأسماء مخلوقات محددة فأجابوا بالنفي وبعدم العلم ولكن هذا لا يعني بانها لم تكن موجودة حولهُم، كانت موجودة ولكن مخفية عنهُم لعدم معرفتهُم برموزها وأسمائها فيتعرفوا عليها، ولم يجدوا حينها غير الإنسان ليُعلمهم ويعرفهم بتلك الأشياء وأسمائها.
    فقدرة الإنسان تلك على فهم وإدراك الأشياء بمسمياتها كانت ولم تزل موجودة فيه ومزروعة في عقلهِ لأن تعليم الخالق لا يُقارن بأي تعليم، والخالق جلَّ وعلا لا يقوم بالتعليم حتى يتم ضياعهُ هكذا وكأن شيئاً لم يكن، ولكن الأشياء الثمينة والتعليم الممتاز يمكن أن يتم نسيانهُ إذا لم يتم الاهتمام بهِ وتنميتهِ واستغلالهِ بالصورة الصحيحة، فحاجة الإنسان للمعرفة وسعيهِ نحوها إنما في حقيقتهِ هي حاجته وإدراكهِ في صميم ذاتهِ بضرورة العلم الذي هو زرعٌ من زرع الله فيهِ، فلا بُدَّ من استرجاع ما نسيه أو بالأحرى ما أنسيه الشيطان من أسماء ورموز كونية مهمة ومصيرية بل وخطيرة أيضاً، فهي في النهاية متطلبات خليفة الله في الأرض، فكيف يكون خليفة الله وهو لا يعلم من أمر المخلوقات شيئاً؟ وبالتالي فما تعلمه الإنسان من الله العزيز القدير بعد أن تمَّ خلقهِ في أحسن تقويم هو بمثابة قاعدة معلومات أساسية يستطيع من خلالها أن يستوعب ويُعالج كل المعلومات الخاصة بخلق الله سُبحانه وفي جميع مراحلها، بل ويَفهمها ثُم يُفهَمُها للآخرين سواء كانوا إنس أم ملائكة أو غيرهُم مما خلق الله وأبدع.
    دليلنا هُنا نجدهُ في مسعى الإنسان الحثيث والمُتواصل بل وإصراره على المعرفة وكأنَّ هُناك شيء قد أضاعه ويصر على إيجاده، وفي عدم قناعتهِ واكتفائه بما يعلم أو يتعلم من محيطهِ، بل إنَّهُ يصر على المزيد من دون معرفتهِ للسبب أو الدافع الذي يدفعهُ لذلك الشيء، وذلك يعود إلى عدم مطابقة ما تعَّلم بما هو محفور ومزروع في ذاكرتهِ من علم رباني حقيقي، والذي أنساه الشيطان إياه عن طريق خلط الأمور وتفكيك الرموز وإيهام الإنسان بأن هذا العلم الوضعي أو ذاك المزيف هو العلم الحقيقي وهو الذي يبحث عنه وبأنَّهُ لا قيمة لما تعلمهُ من ربهِ والعياذ بالله.
    ويبقى القرآن العظيم هو الملجأ الوحيد الذي يلجأ إليهِ البشر ليتخلصوا من تلك الأوهام التي أوهمها لهم الشيطان، ففي آيات الله المحكمات العودة إلى تعليم الله، فلم يزل علم الله موجود في كتبهِ وهو ليس بعيداً عن ما تعلمهُ الإنسان من الله العزيز القدير أول مرَّة، ليتذكروا حينها ما نسي ويعلم ما قد تعلمهُ من قبل، وهذا الأمر نقرأه في الآية الكريمة من سورة الحج : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54) وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55) ، في هذهِ الآية الكريمة نقرأ بأنَّ الأنبياء والرُسل من خلال معرفتهُم بالأسماء إنما يتمنون الاستزادة منها فما يكون هُناك سبيل لإبليس اللعين في محاربتهِم سوى أن يُلقي الشيطان الرجيم في أمنيتهُم ليُغِّير الأسماء والرموز، ليعود الخالق سُبحانه مرَّة أخرى فينسخ ويُعدل ويُصحح ما يلقيهِ الشيطان من معلومات خاطئة ومغلوطة على الإنسان، ثُم يدوِّن هذا التصحيح وهذا العلاج الخاص بعلم الأسماء والرموز بآيات بينات مُثبتة في كتبهِ المُقدسة، والذين يحيدون ويصرون على الابتعاد عن كتب الله وآياته المحكمات فهم يبقون مفتونون بفتنة الشيطان لهُم، فلا زالوا يتصورون بأن علومهُم هي الحقيقية وعلوم الخالق هي المُزيفة والعياذ بالله، وهؤلاء هم الذين في قلوبهِم مرض بصريح الآية حيث أنَّ المعني هُنا إنما يدور حول العلماء المُتخصصون في العلوم الأرضية الوضعية والمزيفة والتي يظنون بأنها علوم حقيقية من دون وجه حق أو دليل، ومن صفاتهُم القسوة في القلوب وهو معنى آخر للتكبر والغرور الذي يتبعهُ الظُلم والتفرقة والعُزلة وهو دليل على الجهل لا العلم، أما دليل الذين أوتوا العلم من الآيات الكريمات فإنهُ وبعد زوال الفتنة عن عقولهِم وذاكرتهِم سوف يعلمون بأنَّهُ الحق من ربِهِم ثُم يهتدون إلى علم الله وأسمائهِ ورموزه فيتعرفوا إلى الحق وإلى الصراط المُستقيم لتكون صفاتهم الرحمة والموعظة الحسنة ناهيك عن سمو في الأخلاق ورفعة في الخُلق.

    من كتاب (السر الأعظم أو سر الأسرار - دراسة في أسرار وخفايا سورة الرحمن)
    صفحة 60 -63
    تأليف : محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)

  10. #10

    رسالة السر الأعظم حقيقة أم خيال

    السر الأعظم حقيقة أم خيال


    في هذا القسم سوف نحاول أن نحيط بما يدور في ذهن المتابع لهذا الموضوع بما يخص الإيجابيات المرجوة والسلبيات المنتظرة من السر الأعظم، وعن ماهية هذا السِر وحقيقته، وغيرها من الأسئلة والتي نذكر بعضٍ منها:
    - هل من متطلبات الحصول على السر الأعظم التضحية بجميع العلوم البشرية والتنكر لإنجازاتها والتي إعتاد عليها الإنسان وقَبِل بمنافعها وأضرارها، بل وتحمل العناء الطويل للوصول إليها ؟
    - هل السر عبارة عن طراسيم أو كلمات غريبة يقوم الإنسان بترديدها فتحدث أمامه المُعجزات ويتحقق للإنسان كل ما يتمناه بطرفة عين؟
    - هل السر في حركات وطقوس وتمارين كالتي نسمع عنها هذهِ الأيام لما يُسمى بقوانين الجذب أو اليوغا وكذلك التنويم المغناطيسي وغيرها كثير من أمور شغلت الناس زمن طويل فمنهم من ينكر ويستنكر ومنهُم من يؤيد ويُناصر؟
    - ما هي تلك الأسماء التي علمها الله للإنسان يا تُرى؟
    - هل تلك الأسماء غريبة ولم يسمع بها الإنسان من قبل وبمجرد ما أن يسمعها ويرددها سوف تحدث المُعجزات؟
    - هل هي سحر أو خُزعبلات أم من ذلك الكلام حول الجن والعالم الآخر وما إلى ذلك من وهم وخيال؟
    هُناك أسئلة كثيرة حول هذا الموضوع والتي هي أسئلة قديمة جديدة، ومع إن تلك الأسئلة قد يكون ظاهرها شرعي ومفهوم، ألا إنها إن دلت على شيء فهي تدُل على مدى الضياع النفسي والشتات الفكري وكذلك التوهان الروحي الذي وصل الإنسان إليه، وإنني لا أقول ذلك من منطلق التكبُّر والغرور والعياذ بالله، ولكنها آيات الله البينات التي دحضت هذهِ الأفكار ونسفتها، وهذهِ الآيات لا زالت معنا ولم تغيب أبداً.
    ففي زمن الرسول الكريم عليهِ أفضل الصلاة وأتم تسليم وذلك قبل 1400 سنة خلت، كانت كل تلك الأسئلة موجودة، حيث كان هُناك العلماء والفلاسفة والمفكرين بل والمشعوذين والسحرة أيضاً وغيرهُم كثير، ولم يقتصر وجود هؤلاء في العرب فقط بل كان كثير منهم في الفرس والعجم والفراعنة والإغريق وغيرهم من شعوب الأرض وحضاراتها، فلم يكن هُناك عزلة بل الانفتاح بكل مقاييسه لعدم وجود الحدود وتعقيداتها، فكانت مواجهة تلك الأفكار مع منهج وفكر الدين الإسلامي الحنيف سيد الموقف، ولكن وبالرغم من ذلك لم نسمع لهُم أثر ولم يكن لهُم وجود بوجود الحق ووجود الرسول الكريم الذي دحض كل فكر هدَّام وعِلم فاسد ورؤيا خاطئة، والرسول الكريم عليه الصلاة والسلام لم يواجه هؤلاء بعلمهِ الشخصي ولا بأهلهِ ونسبهِ وعشيرته، إنما واجه الفتن جميعاً بالقرآن وبالهدى الإلهي ثم بالحكمة والموعظة الحسنة حيث جادل الناس بالتي هي أحسن كما أمره الله في قرآنهِ المجيد حيث نقرأ من سورة النحل : ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125).
    ونحن إذ نواجه في هذا الكتاب ونتحدى بل ونُبارى الأفكار الدارجة حالياً والعلوم المستحدثة ثم الفلسفات الطاغية على المجتمعات الحديثة، إنما نتبع بذلك خُطا رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم تسليم، ولدينا يقين بإمكانية مواجهة ودحض جميع التحديات من خلال آيات القرآن الكريم وبما جاء في سنة رسولنا المصطفى الأمين وليس بشيء آخر مما يدَّعيه الناس أو يسيروا وراءه من دون مرجع رباني أو هدي مُحمدي، هذا ليس تزمتا بل علماً حقيقياً ورؤيا ربانية وطريق مُستقيم لا عوج فيه يُؤيده التاريخ ويُثبتهُ الواقع ويفرضهُ المُستقبل.
    إن الأسماء التي علمها الخالق الواحد الأحد للإنسان وثبتها في عقلهِ وروحه وجسده، إنما هي الأسماء ذاتها التي نتعامل معها اليوم، ولكن هُناك فرق كبير بين أن تردد اسم ما وبين أن تفهم معنى ذلك الاسم وحقيقته.
    ولقد ضربنا مثالاً لذلك عندما استرجعنا قصة سيدنا إبراهيم عليهِ السلام، وقلنا حينها أنَّ اسم الرب كان موجوداً ومتداولاً بين الناس في ذلك الحين بل وإلى الآن، ولكن استخدام اسم الإله كان وما يزال في أغلب الأديان باستثناء دين الإسلام يستخدم لأغراض شخصية وأهداف أنانية مُغرِضة، وذكرنا أنَّهُ وبمجرد أن أعاد سيدنا إبراهيم عليه السلام النظر في حقيقة هذا الاسم وتمعن به وتعامل معه بصدق وإخلاص وحُسن نية ونكران للذات، كان التغيير في حياته إلى أعظم الأمور، فتبدلت حينها معهُ قوانين الفيزياء لتحول النار المٌحرقة إلى برد وسلام على إبراهيم، والتضحية بالابن البكر إلى أُضحية بنحر ما تيسر من الأنعام حتى تكون رمز ورحمة للعالمين، كذلك تحول عُقم زوجة إبراهيم عليه السلام إلى خصوبة وشيخوختهُ هو إلى نشاط وحيوية وخير للمؤمنين، والعُزلة عن الناس إلى نبوة ورسالة للأمم أجمعين فكان من نسلهِ عليهِ السلام أمَّة قائمة بذاتها، كما جاء ذكره في سورة النحل بقولهِ تعالى : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121) وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123).
    كل هذا إنما حدث آنذاك بفضل التطبيق الصحيح لكلمة الرب أو الله، ففهمُها إبراهيم عليهِ السلام وكان من العوام ثم استوعبها وتعامل معها بصدق وإخلاص ويقين مما جعله عليه السلام يتحدى قومه وعشيرته بل الناس أجمعين ممن حوله، فحاججهم بما آتاه الله من علم ولكنَّهم أصروا على كُفرهِم وعميانهم، فكانت النتيجة أن انقطع ذكر قومهِ وعلا ذكر ابو الأنبياء سيدنا إبراهيم في العالمين.
    إذاً فالأسماء كلها التي علمها الله للإنسان أول مرَّة إنما هي ذات الأسماء والرموز التي نتعامل معها نحن البشر في كل يوم، يبقى الفرق في مدى قدرتنا واستعدادنا على إدراك حقيقة تلك الاسماء والتعامل معها بالطريقة المُثلى لا أن يردد ويُعيد الناس الكلام دون فهِم أو عِلم كما يفعلون الآن، فهُناك فرق كبير عندما يقول الإنسان شجرة على سبيل المثال وعندما يعرف حقيقة ومعنى وسبب وجود تلك الشجرة.
    إذاً سبيلنا لمعرفة السر الأعظم أو سر الأسرار يكون عن طريق معرفة حقيقة كل اسم نردده، ورمز كل شيء نتعامل معهُ، فبمُجرد وصولنا إلى تلك المرحلة من العلم والمعرفة نكون تخلصنا من الوهم والتزوير الذي أصابنا بفعل الشيطان اللعين.
    ولغرض تأكيد ما قلناه بالحجج والبراهين القرآنية نعود ونراجع ما جاء بهِ القرآن الكريم بهذا الخصوص ونلخصهُ في النقاط التالية:
    - خلق الله الإنسان بيده لقولهِ تعالى في سورة ص: قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) ، بمعنى أنَّ الخالق هو أول من لمس الإنسان بصورة مباشرة وهذهِ ميزة وفضل عظيم على البشر أجمعين.
    - جعل الخالق سُبحانهُ الإنسان في أحسن تقويم كما جاء في سورة التين: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ، بمعنى أنَّ الإنسان كمخلوق إنما هو أفضل خلق الله بكل معنى الكلمة.
    - نفخ في الإنسان من روحه سبحانهُ كما جاء في سورة الحجر: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) ، بمعنى أن الله أودع في جسد الإنسان ونفخ فيهِ ما لم ينفخه أو يودعه في مخلوق آخر.
    - زكا الله الإنسان ليحتل منصب خليفة الله في الأرض كما جاء في سورة البقرة: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) ، بمعنى أنَّ خلق الإنسان بهذهِ الطريقة وبهذا الأسلوب إنما جاء ليتولى منصب عظيم ومرموق بين مخلوقات الله جميعاً.
    - علَم الله العزيز القدير الإنسان الأسماء كلها كما جاء في سورة البقرة: وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) ، وذلك بعد أن تمَّ التشكيك بقدراته وبأحقيتهِ في الخلافة من قِبل خلق الله وأولهُم الملائكة.
    - بعد أن علمهُ الأسماء طلب الخالق من الإنسان أن يُظهر للملائكة قيمة ما تعلمه لقولهِ تعالى في سورة البقرة : قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)، وذلك عن طريق معرفة حقيقة ما يعرض عليه فيستدل على كل مخلوق باسمه دون معرفته السابقة بذلك المخلوق، فعلى سبيل المثال لقد تعلم الإنسان اسم جبل ونهر وسهل ووادي كأسماء فقط، وعندما شاهد جزء من الأرض عرف أين مكان الجبل وطبيعته وهيئته وعرف كذلك النهر والسهل والوادي بمجرد رؤيتهما.
    - ثُمَّ أسكن الله آدم وزوجه الجنَّة كما جاء في سورة البقرة: وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) ، وذلك فيهِ تكريماً لهُم وتعظيماً لشأنهِم ولشأن بني الإنسان.
    - اشترط على آدم وزوجه أن لا يقربا شجرة واحدة من أشجار الجنَّة كما جاء في سورة البقرة: وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) ، وهذا كان أول قانون وأمر مُباشر من الخالق سُبحانه يوجههُ ويأمرهُ بهِ.
    - أزل إبليس اللعين آدم وزوجه عليهما السلام أي أوقعهما في الزلل والخطأ الذي قادهما إلى عصيان ربهما كما تقرأ في القرآن الكريم من سورة البقرة: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) ، وكان الشيطان ولم يزَل يُشكك بقدرات وإمكانيات وأحقية الإنسان وأفضليته عن خلق الله أجمعين بسبب إمكانية إزلاله وجعله يخطأ في حكمهِ وتصرفاته.
    - فوسوس الشيطان للإنسان كما جاء في الآية الكريمة من سورة طه: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120) ، وذلك حين شكك بحقيقة الشجرة التي حرَّم الله ثمارها على الإنسان مُدعياً بأنها ليست شجرة كما تعلَّم عنها من خالقهِ، بل ومُشككاً بتعليم الخالق سبحانهُ باسمها ومُغالطاً لمعرفتهِ بحقيقتها عن طريق فطرتهِ وأكد لهُ بانها شيء آخر غير الذي يراه.
    - وسوس الشيطان عليهِ اللعنة بعقل الإنسان مردداً في ذهنهِ وداعياً إياه إلى مٌخالفة تعاليم الخالق وتحدي إرادة المولى عزَّ وجل وأن ذلك العصيان سوف يؤهلهُ ليكون أفضل مما هو عليهِ الآن كما نقرأ في سورة الأعراف قولهُ تعالى : فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20)، مُستغلاً صفة الغرور والتكبر في الإنسان التي تُصاحب العلم والمعرفة.
    - سيطرت صفة الغرور والتكبر على الإنسان وطمع أن يكون على غير حقيقته كما جاء في سورة العراف قولهُ تعالى: فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) ، فغضب الله عليهِما ورفضت الجنة وجودهما فيها فضربتهما بورق أشجارها ليخرجا من أرضها.
    - عاقب الخالق سُبحانه آدم وزوجه بأن أخرجهما من الجنَّة لقولهِ تعالى من سورة الأعراف : قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24)، وذلك بسبب تشكيكهما بما علَّمهما إياه العزيز الجليل فرفضوا القبول أو القناعة بعلم الله الخالص وقبلوا بالتشكيك في علم الأسماء التي تعلماهُ من الخالق سبحانهُ وذلك من منطلق أن هُناك شيء آخر وعلم غير الذي تعلماه من ربهما وهو الخطأ الكبير الذي كلفهما الكثير بخروجهما من الجنَّة الى الأرض حيث الممتحن والحياة الصعبة.
    - أخرج الله سُبحانهُ الإنسان من الجنَّة وأسكنهُ الأرض لقولهِ تعالى في سورة طه : قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)، وأنزل لعنته أي الخالق سُبحانهُ على الإنسان بأن تكون العداوة والبغضاء في بني جنسه إلى يوم القيامة ولن يكون خلاصهم فيها إلا عن طريق إتباع هُدى الله العزيز القدير.
    - عندما بدأ الإنسان حياتهُ على الأرض عاد الشيطان في وساوسه، مُذكراً إياه بأنَّهُ الخليفة على الأرض وبأن عليه أن يتكبر ويتجبر ويحارب ويقتل كما كان متوقعاً منهُ خلافاً لرأي الله فيه والعياذ بهِ وهو ما نقرأه في سورة البقرة: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30).
    - هذا هو حال الإنسان على الأرض اليوم حيث لم يزل يعصي ربهُ ولا يستمع لقولهِ سُبحانه وهو ناصحاً لهُ كما جاء في سورة الأعراف: يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27).
    مما سبق نفهم قصة الأسماء بصورة كاملة وبأنَّ عذاب الإنسان إنما كان وما زال بسبب مغالطته للعلم الرباني وإصراره على تحدي الخالق في علمه وتعاليمه للإنسان، وبما أنَّ الله سُبحانهُ لم يٌعلم الإنسان سوى الأسماء، إذاً ففي فهم هذهِ الأسماء والتعامل معها على حقيقتها يكون الحل لكل مشاكل الإنسان كونهُ بذلك يستعيد رضى الرحمن.
    ولقد لخَّص الخالق سُبحانه هذهِ القصة بآيات من قرآنهِ الكريم مُبيناً المشكلة وموضحاً الحل، فلقد جاء في سورة التين حيث ابتدئها الخالق جلَّ وعلا بالقسم على صدق هذهِ الآيات وبكون الآيات والدلائل فيها مهمة وعظيمة وعلى الإنسان المؤمن أن يتَّعظ بها، حيث جاء فيها : بسم الله الرحمن الرحيم : وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8) صدق الله العظيم .
    في هذهِ السورة الكريمة وكما قلنا بخصوص القسم الرباني والذي جاء بعدهُ قولهُ تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ولقد وضَّحنا من قبل أهمية وجود الإنسان بين المخلوقات وسبب تميزهِ عنهُم وحقيقة كونهُ في أحسن تقويم، ثُم جاء قوله سُبحانه : ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) بعد أن اغتر الإنسان بنفسه بكونهِ في أحسن تقوين قادهُ غرورهُ إلى تصور وجود علم ذو قيمة غير عِلم الله والعياذ بهِ ومفاهيم حقيقية غير تلك التي تعلمها من الله سبحانهُ وتعالى عمَّا يصفون، فكانت النتيجة أن أخرجهُ الخالق من الجنَّة وردَّه وسمح للشيطان اللعين أن يُنسيه ما تعلمهُ من ربهِ ليعود بهِ الحال إلى المرحلة التي سبقت تعليم الخالق إياه للأسماء كُلها أي إلى الجهل المُدقع وعدم المعرفة بأي شيء حولهُ وهو بذلك يكون في أسفل السافلين، فكل المخلوقات عندها علم يخصَّها ويساعدها في تدبر شؤونها ولكن هذا لم يكن حال الإنسان على الأرض ليكون بذلك في الدرجة السُفلى من العلم والمعرفة ليبدأ كل شيء معهُ من الصفر، فعندما وصل إلى الأرض وجد نفسه لا يفقه شيئاً مما حوله، فبدأ حياتهُ على الأرض بصورة بدائية، وهو بذلك يكون أسفل أي أقل منزلة في العيش والحياة من السافلين أي من أقل المخلوقات منزلة من المخلوقات حوله من ناحية صعوبة العيش وقلة الإمكانيات، ليبدأ التعلُّم من المخلوقات المحيطة بهِ حيث نقرأ في القرآن الكريم أنَّ أول شيء تعلمهُ الإنسان على الأرض هو كيفية دفن الميت وهو الأمر الذي كان يجهله بسبب نسيانهِ لكل شيء تعلمهُ في الجنَّة، حيث جاء في سورة المائدة قولهُ تعالى : فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) ، فعلى الرغم من كون سيدنا آدم عليه السلام قد عاد وتاب عندما ذكَّره الله بكلماته أي بالأسماء التي تعلمها لقولهِ تعلى في سورة البقرة : فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)، ولكن بقيَّ من نسله الذي أصر على الكٌفر والإلحاد والتجبُّر ليستمر البشر من كونهِم أسفل سافلين على الأرض وذلك للأسباب التالية:
    - بسبب لعنة الله أصبح الإنسان الأرضي عدواً لأخيهِ الإنسان، فكان في طعام البشر مشقة لتفضيل الخالق بعض الناس على البعض بالرزق وهذهِ مشكلة اقتصادية قائمة بين الناس إلى يومنا هذا، حيث نقرأ في سورة النحل قولهُ تعالى: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71)، بالمقابل نجد أن المخلوقات الغير بشرية قد تكفل الخالق برزقها ولم يفضل بعضهم عن الآخر بذلك عكس حال الإنسان الأرضي، وهو ما نقرأهُ في سورة هود: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6).
    - بسبب لعنة الله نجد أن في الإقامة لدى البشر والسكن والاستقرار مشقة، وذلك لتفضيل الله بعض الناس عن البعض الآخر بالقوة والذكاء والعلم وهذهِ مشكلة علمية وهندسية مازالت قائمة إلى يومنا هذا، وهو ما جاء ذكرهُ في سورة الشعراء من قولهِ تعالى: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) ، هذا المر لا نجده في المخلوقات الأخرى، فكلها سواسية بكل شيء ولا تجد أي اختلاف بينها من أي ناحية.
    - نتيجة لعنة الله أيضاً يجد الإنسان في الزواج والتناسل بين بني البشر مشقة، وذلك بسبب اختلاف الناس عن بعضهم البعض في الهيئة والجمال والاستقامة، وهذهِ المشكلة الاجتماعية لا زالت قائمة أيضاً إلى يومنا هذا، وهو ما جاءت بهِ سورة الشورى من قولهِ تعالى: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50)، أما بخصوص المخلوقات الأخرى فلا نجد أي اختلاف أو تفاوت كبير في الجمال والهيئة بين الذكور والإناث، وهو ما يساعد على الاستقرار الاجتماعي بينها الأمر الذي لا نجدهُ عند الإنسان.
    وكان من رحمة المولى عزَّ وجل أن وضع فرصة للإنسان الذي يرغب بالتوبة والعودة لأيام الله بأن يعود ويتوب ويتذكر الأسماء ومعانيها وحقيقتها، وذلك عن طريق تلقي كلمات الله الموجودة في كتبهِ السماوية بكل صدق وإمعان واحترام كما تاب عليها آدم والأنبياء من بعدهِ عليهم السلام أجمعين، فتكون النتيجة أن يؤمنوا بالله (لمن أراد التوبة) حق إيمانه وبأن يعملوا الصالحات عن طريق تطبيق الأسماء والرموز الربانية والمحفورة في عقولهِم ذلك التطبيق الأمثل، بذلك سوف يكون لهُم الأجر الغير ممنون كما جاء في قولهِ تعالى من سورة التين : إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6)، فالمقصود هُنا بالغير ممنون أي بالغير محدود والله أعلم، مما يقودنا للقول بأنَّ من يعود ويتذكر الأسماء ويُطبقها ويُمارسها على حقيقتها يكون جزاءه أن يُحقق الله له كل ما يتمنى ويطلب من دون أن يكون هُناك فضل أو ممنونية فذلك حق ومطلب شرعي واستحقاق وجدارة.
    دليلنا هُنا هو ما فعلهُ أنبياء الله عليهٍم السلام والاختلاف في تحقيق أمانيهِم، فمنهُم من طلب عِز الدُنيا كنبي الله سليمان عليهِ السلام وذلك بعد أن أمتحنهُ ربًّهُ وحاول الشيطان اللعين أن يفتنهُ، فكانت الفتنة من الله والوسواس من الشيطان اللعين عندما عُرضت عليهِ بعض الجياد والتي كانت في ذلك الزمان وما تزال إلى الآن طريقة للتفاخر والغرور وإبراز القوة والجبروت بين الناس، فأفتن لها اول الأمر ونسي ذكر ربهِ، ولكنَّهُ بعدما تذكر الله وتعليم الله وحقيقة اسم الجياد وما يمثلهُ من كونهُم مخلوقات من خلق الله شأنهم كشأن المخلوقات الأخرى وهُم ليس مصدر فتنة أو غرور وتكبر ولا يجوز أن يُفتن الإنسان بهم وأن ينسى عبادة ربهِ من أجلهِم، فندم على ما فعل بحق الله وأزال ذلك التفاخر والكِبر بأن قام بتقطيع تلك الجياد التي فتنتهُ فلا تعود لتفتنهُ مرَّة أخرى أو تفتن غيره، ولم يحدث بعد فعلهِ هذا أن افتتن المؤمنون بما أتاهم الله من فضله بما يخص الأنعام، فلو لم يفعل ذلك نبي الله سليمان عليهِ السلام لفضَّل الناس من بعده اللهو بما أنعم الله عليهم عن عبادة الله وإتباع شرائعهِ، وهو ما نقرأهُ في سورة ص: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33).
    ثم تعرَّض سيدنا إسماعيل عليهِ السلام لفتنة أخرى من الله ووسواس من الشيطان اللعين حيث وجد على مقامهِ وفي عرشهِ أي مكان ملكهِ ما يغويه من فتنة الجسد فرغِب فيما شاهد وأعجبهُ ذلك الجسد، ولكن بعد أن استذكر تعاليم ربهِ وتذكر بأن هذا الجسد عبارة عن جسم لشيء شأنهُ شان الأجساد الأخرى من حولهِ، أي إنَّهُ عاد إلى رشدهِ وعقلهِ ومنطقهِ في الحكم على الأشياء بمسمياتها فتعامل حينها مع اسم الجسد كحقيقة وليس أوهام في رأسهِ فكانت النتيجة أن عاد إلى ذكر ربخِ وأناب أي تاب وتذكر حدود ربهِ وتعاليم شريعتهِ فرفض ما عُرض له من فتنة الجسد، وهو في ذلك قد أثبت بعدم وجود سلطان للجسد على الإنسان، مما يعطي مصداقية وسبب وجيه في محاربة الزنا والفجور ونبذ الدعارة والشذوذ الجنسي عند الناس فهزم بذلك سلطان الجسد الذي كان وما يزال في نظر البعض من الصعب مقاومته، وهذا ما نجدهُ في قولهِ تعالى من سورة ص: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34)، فكان من سيدنا سليمان بعد أن نجح في كلا الاختبارين ذلك النجاح الباهر والذي تمَّ من خلالهِ تثبيت شريعة الله عن طريق دحض فتنة الأنعام وفتنة الجسد، وهذا بعد أن تذكر تعليم ربهِ وعلمه وتعامل مع الأشياء المحيطة بهِ بمسمياتها الحقيقية وليس بما يوسوس لهُ بها الشيطان اللعين، بعد ذلك الإنجاز الكبير في دحض الفتن ما ظهر منها وما بطن، تقدم نبي الله سليمان عليه السلام بطلب إلى ربهِ وهو أن يأتيه مُلكاً لا يملكهُ أحد من بعدهِ، فكان لهُ ذلك من الله كما جاء في قولهِ تعالى من سورة ص: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ (40)، مع الملاحظة أن في مطلب سيدنا سليمان عليهِ السلام من عِزِّ ومجدٍ وغِنا دنيوي ما هو إلا حالة استثنائية بين الأنبياء ولن يٌقلل ذلك من شأنهِ عليهِ السلام بين الأنبياء والرٌسل والله أعلم، فأغلبهم كانوا يطلبون من الله المطلب الحقيقي والأفضل لهم وهو التميُّز في الجنَّة لينعموا حينها بالنعيم الأزلي الذي لا يزول وبالخير العميم الذي لا يقل أو ينقص وبالمقام الفريد الذي لا يتغير وهكذا كان شأن الأنبياء جميعاً عليهِم السلام في مطلبهِم من الله وفي أمنيتهِم ورجائهِم والتي تحققت جميعاً بإذن الله.
    إذاً فتحقيق الأمنيات ذات القيمة الحقيقية من قبل المولى العزيز القدير انما يتم عن طريق فهم الأسماء والمُصطلحات أي الرموز التي يتداولها الناس فيما بينهُم ومن ثُم تطبيقها والعمل بها بالصورة الصحيحة بعيداً عن الغرور والتكبُّر وما إلى ذلك من وساوس الشيطان اللعين، يكون الإنسان حينها قد عمل الصالحات بكل معنى الكلمة، فتكون النتيجة هو الاستثناء من لعنة الله على الإنسان عندما أسكنهُ الأرض، لتتحقق حينها أمانيه وتستقر حياته ويسعد بفضل الله عليه.
    ولا أخفي عليكم أحبتي بالله أن هذا الأمر سوف يحدث قريباً كما جاء في الأحاديث النبوية الشريفة التي تتنبأ بتلك المرحلة التي يعيش الناس فيها جميعاً بالرخاء والغِنى والاستقرار، لدرجة أن المٌتصدق بمالهِ لا يجد فقيراً أو محتاجاً من حولهِ ليأخذ هذا المال، كما جاء في الحديث الشريف: حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا معبد بن خالد قال سمعت حارثة بن وهب قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: تصدقوا فإنه يأتي عليكم زمان يمشي الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها يقول الرجل لو جئت بها بالأمس لقبلتها فأما اليوم فلا حاجة لي بها.
    إذاً المسألة ليست سحراً أو شعوذه، إنما هي العودة لأيام الله وتعاليمه والممارسة الحقة للعلوم التي علمها الله للإنسان بما يخص الأسماء، فالخالق العزيز القدير عزيز بعلمه ومكانته وبتعليمه، ولا يقبل لأي مخلوق كائن من يكون أن يدَّعي بعلم لم يُعلمه إياه الخالق سُبحانه للإنسان عندما علَّم آدم الإنسان الأسماء كُلها أول مرَّة.
    ولا أدري كيف يتجرأ أي مخلوق بادعاء علم لم يتعلمهُ الإنسان من ربهِ، وكيف يكون الخالق قد خلق إنساناً ناقصاً بدون عِلم ثم قال عنهُ حينها بأنَّه أي الإنسان في أحسن تقويم وهو بمنظور الآخرين جاهل لا عِلم لهُ؟
    إخوتي بالله
    نحنُ نرى بأُم أعيننا كيف غيرت العلوم الوضعية التي ادعى الإنسان ابتكارها واكتشافها من حياته على الأرض، فزادت رفاهيته وعلَّت من شأنهِ وسهَّلت عليهِ سُبل عيشه، فما بالك بالعلم الحقيقي علم الله الواحد الأحد الواحد الصمد.
    فلا شك أنَّ بعلم الله سوف يأكل ويشرب الإنسان ما يشتهي بأقل مجهود، وسوف يسكن ويستقر ويسعد بحياته بدون عناء يُذكر، وسوف يأنس بقرب بني جنسه وينعم بالمحبة والحنان والعاطفة الجياشة من دون تملق أو تنازل أو تكبر، وهذا العلم موجود في عقل كل إنسان كوجود الروح في جسد كل إنسان، فلعقل وجسد الإنسان أسرار ولروحهِ كذلك، ولقد سعى الإنسان طوال وجوده على الأرض أن يعرف أسرار جسده حتى يبعده عن الأمراض والعجز، وأسرار عقلهِ حتى يتعرف على محيطه، وكذلك سعى جاهداً وراء أسرار روحهِ حتى يبعدها عن الحُزن والسقم، وكل هذهِ الأسرار لها مفتاح واحد، وهذا المفتاح ليس في العلوم الوضعية عند البشر إنما هو في السر الأعظم وسر الأسرار.
    أتمنا أن أكون قد أعطيت الأجوبة الكافية والشافية لأكثر الأسئلة شيوعاً فيما يخص الاسم الأعظم أو سر الأسرار.

    من كتاب (السر الأعظم أو سر الأسرار - دراسة في أسرار وخفايا سورة الرحمن)
    صفحة 64 -77
    تأليف : محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)








  11. #11

    رسالة طرق التعامل مع السر الأعظم 

    طرق التعامل مع السر الأعظم


    فيما سبق تطرقنا إلى العديد من المواضيع التي تُحيط بالسر الأعظم أو سر الأسرار، ولكننا لم نتطرق بعد إلى موضوع قيمة هذا السر وطُرق التعامل معه؟ مما يقودنا إلى سؤالين إثنين:

    1. لماذا هو سر عظيم وما اختلافهُ عن الأسرار المعهودة؟
    2. متى سوف يشهد الإنسان انكشاف هذا السر على العامة والخاصة من الناس؟

    نُجيب أولاً عن السبب الذي جعل من هذا السر سراً أعظماً أو سر الأسرار!
    عندما نقول سر فإننا نعني بأنَّ هُناك شيئاً ما لا يعرفهُ الناس أو أمر مخفياً عنهُم، وبمجرد معرفة ذلك السر سوف يحدث أمر جلل وشأنٌ كبير لم يتوقعهُ أحد من قبل ولم يتصور أحد حدوثه، أما أسباب إخفاء هذا الأمر والحِفاظ على هذا الشأن سراً إنما كانت من مُنطلق تجنُّب وقوع شيئاً ما عظيم ولسبب ما وجيه، وهذا السبب لا يكون وجيهاً إلا لمنع حدوث أمر إيجابي عظيم وفيه مصلحه وفائدة كبيرة، أو لمنع حدوث أمر سلبي عظيم وفيه إساءة وضرر كبير.
    إذاً عندما نؤكد ونقول بأنَّ هُناك شيء اسمهُ السر الأعظم أو سر الأسرار بكل صدق وأمانة وندعم هذهِ المقولة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، إنما نقصد ذلك بكل معنى الكلمة وليس بالمعنى المجازي.
    وبناءاً عليه يكون تعريف السر الأعظم أو سر الأسرار هُنا ومن قبلنا: هو ذلك السر أو الحدث الذي وإن تمَّ الكشف عنهُ سوف يتحقق شيئاً عظيماً لم يتحقق لأي إنسان من قبل على الإطلاق، ولمعرفة ذلك الشيء الذي لم يتحقق لأي إنسان من قبل دعونا نُفكر ونعود بذاكرتنا إلى تاريخ البشرية منذ أن وجدت على الأرض وحتى يومنا هذا، ونسأل أنفسنا سؤالاً واحداً:
    ما هو ذلك الشيء الذي سعى إليه كل البشر ولم يتحقق إلى هذهِ اللحظة؟
    - إذا فكرنا بالمال فهُناك العديد من البشر قد امتلكوا المال بكميات وأرقام تعجز عن الوصف.
    - وإذا فكرنا بالصحة فهناك العديد من الأشخاص الذين لم يعرفوا المرض في حياتهِم، بل ومنهُم من عمَّر كثيراً.
    - السلطان والمُلك عندما نُفكر بهما سنجد الكثير مِمَن آتاهُم الله السلطان والملك، بل منهُم من تخيَّل نفسهُ رب وإله بسبب نفوذه وسلطانه العظيمين.
    - عندما نُفكر بالجمال والقوة نجد العديد من النساء تميزن بالجمال الخارق، ومن الرجال من تميَّز بالقوة الجسدية الفريدة.
    - أما بخصوص الذكاء والحيلة والعِلم فعندما نُفكر ملياً نجد أنَّ هُناك العديد من الأشخاص الذين تميَّزوا في مجتمعهِم ومحيطهم بذلك.
    فإذا لم يكن المال والصحة أو السلطان والجمال والقوة، وإذا لم يكن الذكاء والعلم، فماذا يكون؟ وما هو ذلك الأمر المُهِم الذي عجز البشر من تحقيقه وسوف يحققهُ ظهور السر الأعظم؟
    وهُنا أقول بأنَّ الأمر الذي لم يتحقق منذ وجود الإنسان على الأرض وإلى وقتنا الحالي هو وحدة البشر، الوحدة بكل معنى الكلمة، وسبب عدم وحدة البشر هو عدم معرفتهِم بالسر الأعظم، فإذا ظهر السر وصدقوا بهِ الناس سوف تزول عنهُم اللعنة وسوف يبتعد عنهُم الشيطان اللعين وأعوانه، وعندها سوف يتَّحد البشر وتتحد قواهُم وسوف تُحل مشاكلهُم جميعاً بإذن الله.
    فإذا حدث وإن ظهر السر الأعظم وصدقوا الناس وآمنوا بهِ كما يجب سوف تزول اللعنة عنهُم بكونهُم فتنة لبعضهم البعض كما جاء في قولهِ تعالى من سورة الفرقان: وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20)، وما جاء ذكر السؤال عن قدرة الناس على الصبر إلا ليعرفوا بان بعد صبرهِم على الفتن سوف يأتي الفرج بإذن الله وهو ما يخفيه السر الأعظم وما نحاول أن نكشف عنهُ هُنا، تبقى مسألة قدرة الناس على التصديق بهِ، فإذا حدث وأن صدقوا الناس بهِ سوف تكون من نتائجهِ العظيمة أن يتَّحد البشر جميعاً من جديد حتى نرى توحدهُم في عادات الطعام وفي الملبس وفي الامتيازات والإمكانيات والممتلكات وفي اللغة والدين والمُعتقد، وسوف تختفي كل مظاهر التمييُز والتفرقة والعنصرية، وسوف يزول الفقر والظُلم والحروب والجريمة بحق الآخرين، وسوف تنعم البشرية بالاستقرار والمحبة والسعاد والهناء، وكل ما تمناه الإنسان من تطوير لقدراتهِ وإمكانياتهِ إلى أبعد الحدود سوف تتحقق بإذن الله، وسوف يتغلب الإنسان على قوانين الجاذبية ليتنقل بكل حرية من مكان إلى آخر، وسوف يتغلب على الأمراض ويقهر كل الجراثيم، وسوف يتغلب على الجوع والعطش، وغير ذلك كثير.
    ودليلنا العملي والمادي على ما نقول وذلك لكيلا يذهب الناس بعيداً في التشكيك بالأمر وتوجس الريبة، هو ما تعيشه الإنسانية اليوم وفيهِ مما قلت الكثير، فنحن نتجه إلى كل ذلك من دون وعي أو إدراك لا لشيء سوى لأنَّهُ مُقدراً لنا أن نتوحد شئنا أم أبينا فهذا هو قدرنا ومشيئة ربنا فينا كنتيجة لصبرنا على الفتن، وسوف يتحقق كل ما تصبوا إليه البشرية مما ذكرت بإذن الله، فما يكون نتيجة صبر البشر جميعاً سوى أن يتوحدوا تزول اللعنة عنهُم؟ وما يكون صبر الفرد سوى الجنَّة؟
    فقوانين حقوق الإنسان والمجتمع الدولي والأمم المُتحدة والنظام العالمي الجديد والعلوم الموحدة والإعلام الموحد واللغة الواحدة أو الدارجة إذا صح التعبير، كل ما نعيشه الآن والذي لم تعيشهُ الإنسانية على مدى تاريخها الطويل من قبل ما هو إلا بداية أو تحضير لما سوف يُحققهُ السر الأعظم، فمن دون ذلك السر لن تتحقق وتكتمل أهداف وتطلعات البشر الشرعية في مكتسبات وحدتهُم السابقة الذكر.
    وبمراجعة سريعة إلى ما سبق طرحه هُنا نجد بأنَّ قيمة هذا السر في تحقيق تلك الأهداف جميعاً وهو على طريق التحقق إن شاء الله، فالبدايات لذلك ملموسة ومحسوسة، وطريقة التعامل الصحيحة كما هو مطروح في هذا الكتاب مع هذا السر كفيلة بأن تقود البشر إلى تحقيق الأهداف تلك إن شاء الله.
    أما السؤال عن سبب كونه السر الأعظم فذلك لأنَّهُ وببساطة الطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك وما من طريقه سواه، والله أعلم، وإن لم يتمَّ إخفائه إلى الآن لما تحقق للبشر أي شيء مما ذكرت.
    أما بخصوص التوقيت والزمن الذي سوف يُكشف فيه هذا السر، فكما قلت وكتبت قبل قليل بأن البوادر والاستعدادات قائمة وبالتالي فالزمن فريب ووشيك، وقد تمَّت وتحققت أغلب الاستعدادات وذلك بمشاركة جميع بني البشر من شرقهِم وغربهِم، شمالهُم وجنوبهِم، وكل ذلك إنما يحدث لاستقبال هذا الحدث الفريد، والذي سوف يحدث قريباً بإذن الله، ولا يُمكن أن يكون بعيداً بسبب عدم قدرة الناس على الصبر أكثر من ذلك، فبوادر الإلحاح بتحقيق هذا الأمر قائمة وجدية، كذلك التهديد بالنتيجة المأساوية في حال عدم ظهور هذا السر الآن واضحة وجلية، فإذا حدثت لا سامح الله إي حرب أو هدم وتدمير لمنجزات البشر الحالية نتيجة لعدم تصديق الناس بكشف السر، سيكون ذلك أذاناً لعودة البشرية في حياتهِم إلى ما قبل العصر الحجري وهذا إن لم تزول البشرية وتنقرض، وهو ما جاء التصريح بهِ في آيات بينات من القرآن الكريم من سورة التوبة: إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39).

    من كتاب (السر الأعظم أو سر الأسرار - دراسة في أسرار وخفايا سورة الرحمن)
    صفحة 78 -81
    تأليف : محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)

  12. #12

    رد: طرق التعامل مع السر الأعظم 

    عقل الإنسان والسر الأعظم


    هُناك أسئلة كثيرة حول الأسماء والرموز وكذلك حول السر العظم، يستطيع أي إنسان وبكل بساطة أن يجد لها جواباً مٌقنعاً وذلك عندما يبحث في نفسهِ وعقله وذاتهِ عما أودعهُ الله في نفسه من علوم ومفاهيم أساسية وفطرية، فتلك العلوم الفطرية قد مكَّنت الإنسان من فهم الكثير حول ما يدور حوله أو ما يدور في محيطهِ من علوم ومفاهيم وضعية وضعتها عقول البشر، فلماذا لا يستطيع فهم الأسماء والرموز من علوم الله سُبحانهُ ومنها السر الأعظم.
    فكما قلنا سابقاً عندما تحدثنا عن قاعدة البيانات الأساسية الجبارة لدى الإنسان والتي ثبتها الخالق سُبحانه في عقلهِ بالقلم، حيث نجد العقل أو الدماغ عندما نتفحصه جيداً وكأنَّهُ كُتله من مادة عضوية تدور فيها شحنات عصبية كهروكيميائية إضافة إلى شبكات معقدة من الخلايا العصبية، وإذا دققنا النظر جيداً وجدنا أنَّ شبكة الأعصاب تلك ما هي إلا دوائر عصبية، تٌمثل نظاماً دقيقاً ومعقداً لتوجيه الذبذبات سواء كانت معلومات قادمة ليتم استقبالها فيستوعبها العقل بعد تحليلها أم أوامر يتم تشفيرها وبثها إلى الكون المحيط من جديد، وهو ما يٌفسر وجود الهالة حول جسد الإنسان والتي تمَّ الكشف عنها مؤخراً بعدما تم رؤيتها والتأكد من وجودها عن طريق بعض الأجهزة الخاصة.
    ولتوضيح الصورة نعطي مثالاً من حياتنا اليومية ، فنحن نلاحظ جيداً عندما نرغب كبشر في شراء أي جهاز كهربائي سواء كان كُمبيوتر أم خلَّاط أو أي جهاز آخر، فإننا نحرص جيداً على قراءة كتاب التعليمات الخاص بهذا الجهاز والذي يُشير إلى طريقة عمل ذلك الجهاز وبصورتهِ المثالية التي تجنبهُ الأعطال والمشاكل المتوقعة، بمعنى آخر إننا لا نستطيع فرض طريقة عمل خاصة بنا على ذلك الجِهاز المُعد مُسبقاً ضمن نظام وتعليمات مُحددة وفي مكان آخر بعيداً عنَّا، وكل ما يجب علينا فعله حينها هو فهم طريقة عمل هذا الجهاز ليعمل بصورة صحيحة ومرضية، يبقى هُناك أُناس لا تقوم بقراءة كِتاب التعليمات الخاص بذلك الجهاز فتتسبب حينها في تعطيلهِ مما يؤدي إلى توقفه عن العمل، فإذا حدث ذلك وأردنا أن نعيد ذلك الجهاز إلى العمل علينا أن نمتلك مفتاح الدخول إلى منظومة الجهاز لإصلاح الضرر، ومن دون ذلك المفتاح المثالي والوحيد لفتح ذلك الجهاز سوف يتم تعطيلهُ نهائياً بسبب استخدام مفتاح غير مناسب لتصحيح العطل.
    وهذا ما يحدث لعقولنا بالفعل عندما لا يتم التعامل معها بالطريقة المثالية والصحيحة فنتسبب في تعطيلها وفي عدم الاستفادة من قدرات عقولنا وإمكانياتها الجبارة، فأغلبية البشر لا تقرأ كتاب التعليمات الخاص بعقول البشر وما يحتويه من أسماء ورموز والذي تمَّ إصدارهُ من قبل المولى العزيز القدير خالق الخلق ذو الجلال والإكرام ألا وهو القرآن الكريم، ولو تمَّت قراءتهُ بحرص وتمعن لكان التعامل مع هذا الجهاز ألا وهو العقل بصورة مثالية فيُحقق جميع النتائج المرجوة منهُ.
    مما سبق نفهم أنَّ أغلبية أدمغة وعقول البشر كانت وما تزال مُعطَّلة بسبب سوء الاستخدام الناتج عن عدم قراءة كتاب التعليمات الخاص بعقل الإنسان ودماغهِ ونفسه وإذا تمَّ قراءتهُ فلا يتم الالتزام بتعليماته، وهذا هو سبب الضياع والتوهان في بحر الحياة وبالتالي فهو سبب عدم الاستقرار وكثرة المشاكل بين الناس، ولكي يتم تصحيح العطل علينا معرفة سر الولوج إلا تلك المنظومة المعقدة والتي تحمل اسم العقل، وسر الولوج نجده في السر العظم أو سر الأسرار فقط.
    إن المعلومات التي تحتويها الأسماء والرموز والتي علَّمها الخالق العزيز القدير للإنسان ما هي إلا عبارة عن مرآة نضعها أمامنا كبشر ... فنرى فيها أنفسنا على حقيقتها كما خلقها الله سُبحانه... لذلك فهذهِ المعلومات هي مرآة صادقة لا تكذب علينا حتى في أدق الأمور والتفاصيل التي قد لا ننتبه إليها بأنفسنا... فهي تعكس كل ملامحنا وتفاصيل حياتنا بكل صدق وأمانة، فهذهِ المعلومات التي تعلمناها من الخالق بهيئة أسماء واستقرت في أنفسنا إنما وجدت لنتمكن من توجيه ذاتنا ولنصلح أنفسنا بأنفسنا دون تدخل الآخرين من حولنا ... فكل الأمور التي نعيشها الآن كبشر من حزن أو سعادة، نحن صنعناها من خلال تعاملنا مع تلك الأسماء في حياتنا، فإذا كان تعاملنا خاطئ كان الشر والعكس بالعكس... كذلك كل الأمور الحياتية التي سنعيشها مستقبلاً سوآءا كانت سعيدة أو حزينة فأننا المسؤولون عنها... إن حياتنا كبشر عبارة عن عجين نعجنه بأيدينا لنُخرج منها ما نشاء إذا شاء الله لنا ذلك... وما نعيشه اليوم هو عبارة عن إسقاط لمسار حياتنا بالأمس، وما سنعيشه من حزن أو فرح في المستقبل هو بكل بساطة ما نصنعه اليوم، فكل فعل في الوجود يبقى موجوداً بإذن الله، ولا يضيع شيئاً، بل يتم استدعائه حسب حاجة البشر من حين إلى آخر.
    نحن كبشر نعمل جميعاً وفق قوانين كونية دقيقة ومعلومات موثقة وأسماء حقيقية، والسر الأعظم أو سر الأسرار ... هو قانون مرتبط وبشكل مطلق بالكون... نسأله محيطنا الكوني معلومة أو اسم ما فيجيبنا من خلال ما تستقبلهُ عقولنا من ذبذبات للطاقة المحيطة بنا، أما عند الغير مؤمنين بالله واليوم الآخر تتلخص العملية في جملة واحدة "اسأل الكون عن الأسماء فيعطيك إياها "، أما نحن كمسلمين فنسأل الله خالق الكون ليعطينا ما نُريد...فهو صانع وخالق ومبدع الكون وأسمائهِ بنفسه سُبحانهُ جلَّ وعلا ... أما دور الأسماء وحقيقتها وفاعليتها وماهيتها بحياة البشر نجدهُ في الحديث القدسي " أنا عند ظن عبدي" أو في سورة البقرة (وإذا سالك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان(186)).... أو في سورة غافر (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم (60)) .... إذاً كل المسألة تنحصر في عمليتين اثنتين،
    - دعوة الله بكل إخلاص وتيقن أن يفتح بصيرة العبد وعقله ليتعرف على تلك الأسماء المحفورة بذاكرته.
    - استجابة الله للعبد وهي مقرونة حسب متانة وصلابة العلاقة بين العبد وربهُ والمتمثلة بالإيمان الصادق في تلك الأسماء التي تعلمها الإنسان من الله العليم الخبير لا أقل ولا أكثر...!
    ولكي تتم المعرفة التامة في كيفية تطبيق السر الأعظم وأسمائه بعد معرفتهِ، نُلخص العملية بما يلي:
    عملية تطبيق المعرفة بالأسماء تنحصر بشكل عام بين البشر سواء مؤمن بالله أم كافر بهِ والعياذ بالله في ثلاثة مراحل:

    1. السؤال عن الاسم أو الرمز لمعرفتهِ.
    2. الإيمان بمدى فاعلية هذا الاسم.
    3. الاستعداد لتلقي النتيجة المنتظرة.

    وفيما يلي شرح لكلٍ من تلك المراحل:
    1- السؤال عن الاسم: ويتم ذلك من خلال تحديد اسم الطلب من مخزن الأسماء في عقل الإنسان، والمقصود هُنا هو ليس المسمى الحرفي للاسم كونهُ مختلف من لغة إلى أخرى، لكن التحديد يتم عن طريق تمني الفرد لشيءٍ ما أو يتخيلهُ كما يريده هو كذلك ذكر اسم ما يريد أن يمتلكه أو الهدف الذي يسعى إلى تحقيقه.
    2 - الإيمان بمدى الفاعلية: ضرورة الإيمان المطلق والتصديق الكامل بقدرة تلك الأسماء والرموز على تحقيق المٌبتغى لما تحتويه من قوة وفاعلية كونية يجعلها قادرة على تحقيق تلك الغاية المنشودة لتكون بذلك من المسلمات، فمجرد الإيمان والتصديق الحقيقي بأنَّ تلك الأسماء والرموز إنما هي من علم الله الخالص الذي فضَّلهُ عن أي علم آخر ليعلمهُ ويودعهُ في أفضل مخلوق عنده وهو الإنسان، لذلك وجب على الإنسان معرفة قيمة ذلك العلم بعدما عرف قيمة ذلك المعلم وهو الله الذي لا إله إلا هو.
    3- الاستعداد للتلقي: إن اليقين بقيمة تلك الأسماء على كونها علم بذاته وليس مجرد أصوات يخرجها الإنسان من فمه يحدد مدى سرعة الاستجابة وزمن إمكانية تحقيق تلك الأمنية، فبعد أن يتمَّ تسميتها باسمها الصحيح والحقيقي وتطبيق الرمز الخاص بها والمتفرد بتعريفها، يكون الفرج بإذن الله وتتحقق الأمنيات وتزول اللعنات ويسعد الأنسان بما تفضل الله عليه وأنعم، ولا تتم الخطوة الثالثة إلا بعد تنفيذ الخطوة الأولى والثانية.
    في النهاية تكون تجربة وتنفيذ الخطوتين السابقتين الأولى والثانية أساس لتحقيق الخطوة الثالثة وهي الاستجابة أو تحقيق الأمنية بعد أن تمَّ تسمية الأشياء بمسمياتها كمل هي دون لبس أو تزوير.
    ولن يصدق التمني أو تتحقق الغاية إلا عن طريق القناعة النفسية الكافية والمطلقة في صدق وقوة وحقيقة الأسماء التي تعلمها الإنسان من الله، لذلك نجد أنَّ الشيطان عليهِ اللعنة قد عمل جاهداً على إلهاء الإنسان بوسواسه وبجنوده من الإنس والجن وغيرهِم لا لشيء سوى ليُنسي البشر تلك الأسماء المهمة والمعلومات الأساسية المحفورة في أذهانهن فيمنع بذلك البشر من نيل أو تحقيق الغاية من هذهِ الأسماء وسبب وجودها في الكون.
    فعند التطبيق المثالي لعلم الأسماء سوف نجد الاختلاف بتحقيق الأمنيات من شخص لآخر وذلك حسب طموح وأماني وكذلك إيمان كل إنسان، وهذا ينطبق كذلك على الطريقة السليمة لتطبيق السر الأعظم.
    عندما نتساءل عن كيفية نظرة العلم المادي كما نعرفهُ الآن إلى مسألة السر الأعظم نجد أنَّ ذلك العلم المادي قد أهمل الغرائز البشرية والطموحات الفردية لدى الإنسان فتحول البشر المنغمسون والمتعمقون في تلك العلوم إلى مواد لا روح فيها ولا حياة ليكون هدفهم الأساسي في الحياة هو محاربة الدين عند الشعوب لعلهُم بذلك يصلون إلى بعض مجد الأديان التي يتعبد ويتقرب بها الإنسان إلى خالقهِ الرحمن، ولم يقدر هؤلاء وإلى هذهِ اللحظة بعلومهم تلك على تفسير طبائع الناس وحقيقة أو مصدر مشاعرهُم تلك بل وسبب تعلقهُم بالدين والعبادة لخالق الكون، أو على الأقل يٌفسِّرون لنا من أين تأتي تلك المشاعر عند الإنسان أو الكيفية التي يمكن التحكم بها وبالأحاسيس التي تحرك الناس في كل مكان، وبسبب ذلك العجز تظهر الحاجة إلى علم الأسماء الذي جاء ذكرهُ بالقرآن ومن بعده السر الأعظم الذي يفتح لغز إخفاء ذلك العِلم العظيم عن بني الإنسان.
    فعلى سبيل المثال نجد أنَّ الأشياء التي يتذمر منها الإنسان وعلى الدوام إنما هي في حقيقتها نتائج تحدث له كنتيجة لطلبه أسماء ومعلومات خاصة ومحددة في جلب السوء والشر، وبكونهُ جاهلاً بها وبكون حقيقتها قد تمَّ إخفائها عنهُ من قبل الشيطان اللعين كان في جلب تلك الأسماء دعوه للتذمر وإن لم يقصد بها ذلك، كذلك الأمر فيما يخص الأسماء التي تجلب الفرح والبهجة للإنسان أو تلك التي تسبب الديون والحوادث عنده...فأينما كنت في بلاد العالم أجمع تقصد هدف معين وتعطيه اسماً محددا فإن كان ذلك الاسم يتطابق مع حقيقة الهدف كان الوصول إلى الهدف، وإن كان ذلك الاسم ليس لهُ علاقة بذلك الهدف ضاع الإنسان في متاهة وابتعد عن الطريق الذي يوصله إلى الهدف المنشود، فكل شيء يعمل تحت مسمى أو رمز محدد، ولا يمكن لأي شيء مخلوق أن يعمل هكذا دون اسم أو هوية، بالتالي فالأسماء وحقيقتها إنما تصادفه في حياته وهو الذي يطلبها لذاته ومعرفتهُ بحقيقتها يحدد مدى قدرتهُ على تحقيق مطلبهِ لا مصادفة في الأمر، فلقد سبق تخطيط كل شيء عندما خلقهُ الله وحينها قد تمَّ تحديد فاعلية وحقيقة بل وقدرة كل شيء يحيط بنا، وكل ما نفعلهُ هٌنا إنما يتم تحت اسم ووصف محدد ولا يوجد للاعتباطية أو للصدفة مكان، فإننا لنجد رجل قدراتهُ العقلية محدودة وبالرغم من ذلك يكون عنده المال الوفير الذي يحلم بهِ رجال متفوقين في قدراتهِم العقلية والذهنية، ولكن المر يحدث لا لشيء سوى لكون ذلك الشخص المحدود القدرات قد استخدم أسماء ومصطلحات تسبب الغناء من دون علم، أما الآخرين فقد استخدموا أسماء ومصطلحات تؤدي بهِم إلى الفقر، وهُنا يظهر لنا ضرورة وأهمية هذا الكتاب وهو أن نكشف عن السر، لينال كل مستحق استحقاقه عن جدارة ومعرفة ويكف العبث بمقدرات البشر، لعل الإنسان يفهم أخيراً بأنَّهُ لا علم حقيقي دون أسماء أو رموز حقيقية، ولا أسماء ورموز من دون مفتاح حقيقي، ذلك المفتاح المخفي عن البشر والذي جعل منهُ السر الأعظم.
    إن حقيقة علم الأسماء والرموز ومعرفتهُ وتحديد طرق التعامل معهُ ليس أمراً جديداً على البشر، وهو ليس من معطيات أو مستجدات القرن الواحد والعشرين الذي نعيشهُ الآن كما سبقت الإشارة إلى ذلك، إنَّهُ معرفة وعلم قديم قدم الإنسان، إذ أن آدم عليهِ السلام قد تعامل معه، وبسبب سوء تعاملهِ واستهتاره بعلمهِ الذي تعلمه حدث لهُ المكروه الذي نعرفه، ثُم توالت حضارات البشر من بعده وهي تعيد مراراً وتكراراً غلطة آدم عليهِ السلام وإلى الآن، فجُل الحضارات القديمة قد عرفت بعض الأسرار عن تلك الأسماء ولكنها لم تعرف السر الأعظم، نذكر من تلك الحضارات الحضارة البابلية والتي بدا معها تثبيت الأسماء للمسميات على الحجر فكان بداية لعصر التدوين حيث نلاحظ غلبة الصور على الرموز، ثُم جاء من بعدهِم المصريين القدماء مجددين اعتقادهم بوجود الأسماء وعلومها وبادروا في استخدامها الموسع سواء في القبور أم في المعابد والأبنية بل إنهم كانوا يستعملوها في حياتهم اليومية، ثمَّ تبعهم اليونانيون القدماء، ونسي العالم بعد ذلك شأن هذهِ الأسماء ولفترة طويلة حتى جاء الإسلام ليثبت أُسس العلوم والمعرفة فحدد علم الأسماء وعلم الكتاب ثُم تبعهُم بعلم البيان تلك العلوم التي اعترف بها القرآن بشكل رسمي والتي حصرها بكتاب الله العظيم ألا وهو القرآن الكريم، فكان الفضل العظيم حيث أن المسلمين بعلومهم تلك قد استطاعوا هزيمة كل العلوم في ذلك الزمان، فلم يذكر التاريخ أي علم من علوم البشر الوضعية قد تغلب على علوم القرآن تلك، ثُمَّ بعد ذلك حدث وأن إغتر الإنسان بعلومهِ مرَّة أخرى فنسيها وذهب إلى علوم وضعية من وضع البشر ليتأخر بهِ الحال ثُم حدث في أواسط القرن العشرين حين بدأت علوم الأسماء والرموز تتفوق على علوم المواد كالفيزياء والكيمياء وغيرها ليصل بها الحال إلى أن تسيطر على العلوم جميعاً تحت مسمى علم البرمجيات وعلوم الحاسوب التي تستند في أساسها إلى علم الأسماء والرموز، ثم ظهرت الحاجة إلى ربط علوم البرمجيات بالإنسان حيث ظهرت الفلسفات الخاصة كفلسفة البرمجيات اللغوية العصبية التي تحاول أن تشق طريقها إلى العالم لتصبح علما معترفا به شأنها شأن العلوم الوضعية عند الإنسان، وكلها محاولات لتحريف علم الأسماء الإلهي وإبعاد الإنسان عنهُ قدر المستطاع أو إبقائهِ سراً قدر الإمكان، فأفكار الإنسان وعواطفهُ ترسم حياتهُ بما تمثله من أسماء وعناوين للأشياء التي تحيط بهِ، ولن يتم تفنيد ومعرفة حقيقة تلك الأفعال إلا من خلال ما نطرحهُ الآن من أسماء وعناوين ورموز خاصة بعلمة الأسماء الذي تعلمهُ الإنسان من الخالق الرحمن، لذلك فعلومنا الحقيقية مرتبطة بالأسماء التي نعطيها، وهذا ما سوف نشرحهُ الآن:
    كلنا يعلم بأننا نعيش في كون تحكمه قوانين الطاقة، وأننا عن طريق أفكارنا ورغباتنا وأفعالنا التي نحاول ربطها بالعلم والمعرفة لدينا، نقوم حينها بفعل نفسي فتكون ردة فعل أجسادنا أن تنتج تفاعلات كيميائية وموجات عصبية وذبذبات كهروكيميائية والتي تأثر بدورها على هالة الطاقة المحيطة بالإنسان، والتي بدورها كردود أفعال ترسل ما يشبه بذبذبات وموجات مغناطيسية إلى الكون المحيط بنا ليتم تخزينها هُناك إلى ما شاء الله، وكأننا بذلك قد قمنا بتسجل تلك اللحظة على شريط تسجيل وقمنا بالاحتفاظ بهِ في مستودع الحياة، وتلك الموجات وفي هذا المستودع سوف تدور وتدور في الفضاء مبقية على حركتها الدائمة ومحافظة على طاقتها التي تمثل ردة فعل لذلك الفعل، ويمكن أن يحدث أن يستقبلها ويعيدها إلينا المُحيط المليء بأمثالها من الموجات، وحينما يتم ذكر اسم ذلك الفعل الذي تمَّ من قبل شخصِ ما، يقوم عقل الإنسان بتحديد الاسم وتجهيز الرمز ليستخلص من مجموعة الموجات كلها والمحيطة بهِ على الدوام تلك التي نطلبها ونناديها باسمها لتظهر في عقلنا كما كانت أول مرَّة عند الذي فعل الفعل حينها وأصدره بردود الفعل التي أحدثها في ذلك الوقت، ليتم استقبالها والتعامل معها وبغض النظر عن كون طبيعة تلك الأفعال سواء إيجابية أم سلبية، المهم هو قدرة العقل على التفاعل معها فيما يشبه تفكيك شفرات لبرنامجِ ما أو التعرف على قيادة سيارة ما نقودها لأول مرَّة، أو أن نسيطر على أشياء كما في حالة التلفاز الذي نديره بواسطة أجهزة السيطرة عن بعد للبحث فيهِ عن قنوات فضائية مثلاً، وكل هذا منوط بمعرفة الإنسان للأسماء والعناوين التي يقوم بالتعامل معها والتي يطلبها بالاسم سواء بالوعي او الا وعي كالأحلام.
    وللتبسيط أكثر دعونا نتخيل أجسادنا وعقولنا وكأنها مغناطيساً، فمن خلال المغناطيس نستطيع أن نجذب الأشياء أو أن نرسلها، وحتما وبصورة تلقائية سوف نجذب ما نُفكِر فيه بعد أن نذكر اسمه، كون الذي نفكر فيه قد حدث وأن فكر فيهِ شخص آخر وأرسله في المحيط الكوني تحت مسما محدد، فالأسماء في حقيقتها هي أشياء ذات أفعال وتصدر أو أصدرت ردود أفعال على هيئة موجات من الطاقة المنتشرة في المحيط الكوني، وكوننا نحن من نحدد طريقة تفكيرنا بصورة ما أو بأخرى وكأننا بذلك نطلب من المحيط أو من المخزن الكوني أن يعطينا ما نطلب، وكأننا في داخل مكتبة للكتب ونريد قراءة موضوع محدد لنبدأ بالبحث بين تلك الكتب حتى نجد ضالتنا فيها، كذلك عقولنا تبحث في محيطها الكوني عن تلك المعلومات أو الأسماء المحددة، ولكي نمارس هذا العمل مع انفسنا نقوم ونفكر في شيء محدد ونحاول أن نُرسله في اتجاه معين ومحدد بحيث نردد ذلك مع ذاتنا وأنفسنا في أكثر الوقت ولكننا في النهاية سوف نعرف ونحدد ما نفكر فيه وذلك كلما اقتربنا من الهدف وكأننا في المكتبة تماماً، أو كما جاء في مثالنا حول قصة إبراهيم عليهِ السلام عندما بحث عن كلمة الرب مردداً إياها مراراً وتكراراً فكانت النتيجة بأنَّهُ وجد ما كان يبحث عنه، فالاسم بحد ذاتهِ لا يميز بين الصالح والطالح فهو في النهاية اسم لشيء ما، فالمحيط أو مخزن الطاقة والمعلومات يعطيك ما ذكرتهُ ورددتهُ بالاسم أو يسلم إليك ما أوردته إليه سابقاً، عملية تبادلية دائميه وبعبارة أخرى خذ وأعطي، فحينها إن ذكرت اسم لشيء إيجابي فإنك تطلبهُ وتناديه وتستدعيه إليك سواء قصدت ذلك ام لم تقصده وهو ما يحدث مع الأغنياء المحظوظين والذي حدث إن اغتنوا بالصدفة ومن دون قصد ولمجرد استقطابهم لشيء جلب لهم السعادة والغنا وإن كان ذلك حدث من دون قصد أو معرفة حقَّة من قبلهُم، والدليل هو محدودية النجاح مهما عندهم وكذلك محدودية الغِنى لديهم.
    إذاً يبقى الأمر منوط بالإنسان وبالكيفية التي يتم فيها التعامل مع علم الأسماء، إن ذكرت اسم لشيء إيجابي فإنك تطلبهُ وتناديه وتستدعيه إليك من محيطك الكوني لأنهُ موجود فيه على الدوام وبكميات غير محدودة، وإن ذكرت اسم لشيء سلبي فإنك تستدعيه إليك أيضاً فهو كذلك موجود دائماً، الإنسان هو من يقرر احتياجاته ومطلبه بشكل أو بآخر، وهو من يقرر الكيفية التي يتم التعامل بها مع علم الأسماء، فالإنسان وحدهُ من يستطيع أن يصنع لنفسهِ البهجة والسرور وذلك عن طريق استدعاء تلك المشاعر بأسمائها الحقيقية، أو بذكر اسم الشيء الذي يُسبب لهُ تلك السعادة، كما يستطيع أن يُغرق نفسهُ في الشقاء والبؤس عندما يذكر الشر وأسماء تلك الأشياء التي سببت لهُ قبل ذلك تلك المشاعر الشريرة والمحزنة أو تلك التي سببت للآخرين الخراب والدمار فنطلبها لأنفسنا بالاسم كأن نطلب الخمر أو نسعى للزنا وهو شر عظيم، ونتعامل معها على هذا الأساس أي على أساس إنها شر ولكننا مصرين على فعله، فكل ذلك متوقف على طبيعة علمنا بالأسماء وماهية الأفكار التي نطلبها والتي نسعى للحصول عليها، وكذلك على كيفية التعامل مع تلك الأسماء، ويستحضرنا قولهُ تعالى في هذا الشأن من سورة الإسراء: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15).
    ولقد سبق وأن أثبت العلم المادي والوضعي بأن ترديد وتذكر أسماء الأشياء الإيجابية أقوى مئات الأضعاف في تأثيرها على نفسية الإنسان من ترديد وتذكر الأشياء السلبية وهذا من فضل الله على البشر وعلى الناس أجمعين ولكنهُم لا يعلمون وينسون ولا يذكرون، فيومياً تدور في أذهاننا ما يعادل 60 ألف اسم أو فكرة لشيءِ ما، وذلك بناءاً على الأبحاث العلمية والتجارب العملية، وتلك الأسماء أو الأفكار من المستحيل مراقبتها كلياً، وتبقى هُناك بعض الأسماء أو الأفكار التي تُحدث ردود أفعال مباشرة كأن نضحك فجأة أو أن نُباشر في ذرف الدموع فجأة وذلك إنما يحدث لمجرد ورود في أذهاننا فكرة عن شيء ما أو استرجعنا من محيطنا معلومة عن حدث ما، وهناك كذلك عناوين وأسماء كتلك التي تعبر عن الامتنان والشكر او تلك التي تؤدي إلى الطريقة الفضلى لحياة سعيدة، وهنا تتجلى قيمة وحقيقة علم الخالق في تعليمهِ للأسماء ومنها اسم السر الأعظم كقولهِ تعالى في سورة طه: قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124).
    فحين يتخيل الإنسان شيءٍ ما ويتذكره بالاسم فيعرفه يقيناً يتجسد أمامهُ وفي خيالهِ بصورتهِ الصحيحة ليتم عكسه على حياتهِ بصورة فكرة أو معلومة أو موقف ما معين وهكذا، كأن نتخيل حياة الصحابة رضوان الله عليهِم وهم في حياتهِم في المدينة بصحبة الرسول الكريم صلوات الله عليه وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين، فكل شيء حدث في السابق إنما هو موجودٌ فعلاً حولنا وهو حاضر في الكون المحيط بنا، لكن تحديد اسم الموقف أو التخيل فقط غير كافيين لتجسيد ذلك الشيء أو تصويره بالصورة التي نرضاها ونحبها، يجب أن يكون الإنسان مبتهجا ومتفائلا بيقينه ومعرفته بحقيقة علم الأسماء الذي تعلمهُ كإنسان نت ربهِ العزيز المنَّان، وبكون تلك الأسماء هبة وعطاء وتميُّز من الله الواحد القهَّار، لتكون بذلك جزءاً من الواقع الذي نعيشه كبشر والذي يعيشهُ كل إنسان، فيستفيد منهُ في استحضار قصص الأنبياء والمرسلون أجمعين لتكون لنا عبرة وآية فتعيننا في هذا الزمان وفي كل زمان سواء كان على الأرض أم في السماء.
    إن الإحساس بقيمة وحقيقة هذهِ الأسماء وما تمثلهُ من علم ومعرفة ويقين يكرس التجاوب والتفاعل الإيجابي مع الحدث المبني على المعرفة المسبقة بطبيعة الأمور، ونعود ونضرب الأمثال في الصحابة الكرام رضوان الله عليهِم أجمعين، فتفاعلهُم مع الأحداث الجسام في زمن فجر الإسلام كان مثالياً لدرجة أنَّهُ يصعب تصديقه مع قوم عُرف عنهُم بأنَّهم أهل صحراء ولكن مع احتكاكهم المُباشر في الحضارات المُتقدمة والمتفوقة آنذاك وبتأثيرهِم لا تأثرهُم جعل منهم مثل أعلى يُحتذى بهِ وتصرف مثالي يُأخذ منهُ ليستمر تأثيرهُم بتلك الشعوب من جيل إلى جيل، وهذا التغيير في طبيعتهِم رضوان الله عليهِم لا يمكن تفسيرهُ إلا بكونهُم قد تذكروا واستحضروا ما يحتاجونهُ من أسماء وعناوين تعينهم على مفاجآت زمانهِم، ولكي نتمثل بهِم علينا أن نطلب الوفرة والمحبة والفرح في حياتنا عن طريق طلب تلك الأسماء الخاصة بها حتى تكون حياة الإنسان سعيدة وإيجابية ومستعدة في تقبل كل شيء جديد برحابة صبر وبيقين وثبات، فمهما بدا الأمر سخيفاً ورمزياً وسهلاً بالنسبة للمشككين لتعليم الله وقيمة الأسماء تلك، فهو عظيم وشأنهُ كبير ويكفينا أفعال الصحابة وإبداعاتهِم في جميع مجالات التحديات التي واجهوها آنذاك، ففي الحروب كانوا الأسود وفي مجالس العلماء كانوا العظماء وفي الحياة كانوا أسعد الناس وأكثرهُم تأثيراً في الآخرين، فمن أين لهُم هذا وتعليم الرسول لهم لم يتعدى البضع سنين، فماذا تعلموا حينها سوى اليقين بعلم الله وبعلم الأسماء وطرق التعامل معها في كل حين.
    دعونا نجرب قدراتنا في تذكر تلك الأسماء واستحضارها في حياتنا الآن كان نقوم بعمل الخير لأي إنسان نريد كأن ندعو بالخير لإنسان عزيز علينا ونُحدد بالأسماء والرموز ما يُمكن أن ينعكس بصورة إيجابية على حياة ذلك الشخص، كقولنا اللهُم يسِّر أمرهُ وأهدهِ إلى الصراط المستقيم، فالرؤيا الداخلية عندما ندعوا بذلك ونحن نعلم يقيناً بمعنى التيسير ذلك وبمعنى الهداية الحقَّة كذلك معنى الصراط المُستقيم سوف تتجسد وتنعكس على ذلك الشخص عن طريق تحديدنا للأسماء واستدعاء موجات الطاقة المحددة الموجودة والمتحركة في الكون المُحيط بنا، ليتم حينها توجيهها نحو ذلك الإنسان ونحو محيطنا لتعم روح السعادة على الجميع المحيطين بنا فننشر السعادة والسرور للجميع وليس لنا ولذلك الإنسان تحديداً فيتجاوب الجميع مع هذا العمل النبيل.
    فلكل فكرة أو هدف ومطلب اسمه الخاص بهِ وبترديده كقولنا ما شاء الله مثلاً يتم تحديده بالاسم وهي مشيئة الله ومن ثُم استقباله واستيعابه ضمن منظومة العقل والمعلومات الأساسية المثبتة فيه ومع اتساع هذا المفهوم سيكون الخير ويقهر الشر بإذن الله، كما جاء في الحديث الشريف بقوله صلى الله عليه وسلم: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنَّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء. رواه أحمد ومسلم والترمذي.
    إذاً في السر الأعظم وفي الأفكار البنَّاءة الاسم الحقيقي الخاص بها وعندما نرددها إنما نصدر بذلك الموجات الخاص بها أيضاً، فمثلاً إذا ما رددنا اسم ما وحددنا الهدف والغاية كامتلاك شيئاً ما أو فعل عمل خير لشخص ما، فإننا بذلك إنما نرجو الخير منهُ لنا ولمن حولنا، فأننا بذلك نكون قد استدعينا حينها الإشارات المغناطيسية لموجات الطاقة والتي أطلقها الآخرين في الكون من قبل، وبذلك نكون قد ربطنا أعمال الخير تلك وساهمنا في تكثيرها كموجات طاقة إيجابية في المحيط الكوني أو في المخزن الكوني إن صح التعبير، مما يؤدي إلى ازدياد كمية استقبال لموجات الطاقة الخاصة بذلك الاسم الإيجابي والذي سوف يأتي بنتيجة مع كل شخص محب وخيِّر فتنتشر المحبة والخير بين الناس، فالأسماء في طبيعتها لا تدرك السيئ من الحسن فلكل اسم مسمى كما لكل فعل ردة فعل، وإذا حدث وان شعر أي إنسان بسوء أو بمشاكل فذلك مردَّهُ على أجواءه المحيطة بهِ والتي قد تكون مشبعة بالأسماء السلبية التي تشع طاقة سلبية في ذلك المحيط التي حددهُ وحصرهُ ذلك الشخص على نفسه، وهذا ما سيحصل عليه الناس الذين يعيشون في محيط مليء بالكُفر والجحود وسوء الخلق، فسوء استخدام الأسماء يعود سلباً على المستخدم، كصاحب السوء وغيره، حيث جاء في الحديث الشريف:
    قل لي من تصاحب؟
    أقول لك من أنت؟
    المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخالل.
    فحينما نركز على أفكار محددة ونحدد لها الأسماء الصحيحة والرموز المناسبة بصدق ونصب تركيزنا حينها على اسم شيء قد لا يكون الذي نريده في الحقيقة، فإننا ننال ونستدعي من محيطنا الكوني اسم وعنوان ما نفكر فيه وإن كان ذلك عن غير الذي نقصده، فذلك الاسم أو الرمز لا يميز بين ما نريده وبين ما لا يريده الآخرون، فكونهُ يجسد أفكارنا والأسماء التي حددناها وحسب، فهذا لا يعني أن النتيجة مضمونة، لذلك يجب الحرص والتفكير ملياً قبل الشروع في عمل ما، ولكن تبقى الكلمة الطيبة والقول الحسن لها تأثير أكبر على المحيط في جعلهِ إيجابياً او في ضمان النتيجة لكون الطاقة التي تبثها الأسماء والمشاعر أسهل من ناحية التحكم لكونها رمزية وحسية أو غير ملموسة، كقولهِ تعالى في سورة إبراهيم: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24).
    أما بخصوص الاكتئاب والغضب أو الحزن، فهذهِ أسماء فيها ترددات أو ذبذبات لموجات طاقة ذات أسماء ورموز سيئة، وهي تختلف كلياً عن تلك الأسماء التي تمثل الإثارة أو المتعة والامتنان وكذلك الحب فكلها أسماء لمشاعر جيدة وإيجابية وهي تستقطب وتستقبل المزيد من الطاقة الإيجابية في محيطها فالإنسان الذي لا يحرص على ترديدها لينشر من خلالها الخير بين الناس فهو بذلك يطلب ما هو عكسها أي الشر وبذلك يكون قد تسبب في حدوث ما هو مكروه بين الناس، فالذي لا يطلب السعادة إنما يطلب الشقاء، فكل ما نفكر به أو نشعر به إنما هو ما نستقطبهُ ونجذبهُ إلينا من محيطنا ومن خلال تحديدنا لذلك الاسم والعنوان فنجذبهُ إلينا، فمثلاً عندما يكون محيطنا مشبع في الشعور بالقلق، فهذا سوف يسبب المزيد من استقطاب لأسماء خاصة بأمواج طاقة خاصة بالقلق أو الخوف فيزداد ذلك الشعور بين الناس المحيطين بنا، كذلك الشخص السعيد فإنَّهُ سوف يزداد سعادة بترديده لأسماء سعيدة لتتردد في محيطه وتستقطب المزيد من أسباب السعادة والفرح، بينما الكئيب سوف يزداد كآبة بترديده وطلبه لأسماء كئيبة والتي سوف تستقطب بدورها جميع أسباب التعاسة والحزن.
    فحينما نفكر بالماضي والحاضر أو المستقبل فنحن في حقيقة الأمر إنما نطلب ونحدد أسماء معينة خاصة بهذا الشأن، ثُمَّ نقوم ونستدعيها عن طريق موجات الطاقة الخاصة بها والموجودة في محيطنا أو المخزنَّة في الكون، فتلك الموجات نشطه وأبديه في حركتها وتنقلها، أما تلك الأسماء التي طلبناها إنما بالحقيقة هي صادرة من أفكارنا والتي تجسدها أفعالنا عن طريق تحديد مطلبنا بتلك الأسماء فنرسلها بالفضاء وتعود إلينا بالمطلوب، إذاً فنحن نحصل على ما نردده من أسماء وعناوين وما نفكر به، وكأننا بذلك في المكتبة حيث أفكار الماضي والحاضر وكذلك المستقبل موجودة ومتوفرة في طيات كتبها ولا يحتاج الأمر منا للحصول على المعلومة سوى تحديدها وتحديد مجال البحث في تلك المكتبة حتى نحصل على ما نريد في أسرع وقت ممكن، ففي مقدورنا نحن البشر دوناً عن المخلوقات المحيطة بنا استقطاب والحصول على معلومات محددة من موجات الطاقة التي قد أطلقها أناس سلبيين وفي ظروف سلبية أو العكس ويبقى الأمر محصوراً بما نريد أو لا نريد كبشر، فنحن في نهاية المطاف المسؤولون عن أفعالنا.
    حيث تعمل الأفكار النابعة من الوعي أو اللاوعي عند الإنسان عن طريق ترديد لأسماء وعناوين محددة كانت ولم تزل محفوظة بذاكرة الإنسان، وكل ما علينا فعلهُ هو فتح أعيننا جيداً ولننظر حولنا بكل صدق وتأمل، فسوف نجد حينها أسماء الأشياء في كل زاوية وفي كل مكان محيط بنا، وكمثال على ذلك أسماء كالوظيفة والصحة والثروة، وهي أسماء تثير الفضول في أنفسنا، حتى أدق الأشياء في حياتنا، فماهي إلا عبارة عن تجسيد لاسم شيء مادي قد قمنا مسبقاً بالتفكير به، وليس في ذلك وهم التمني أو الخيال والجنون، بل هو العقل الذي يحتوي على علم الأسماء والذي حدد مسبقاً ذلك الاسم وهو كذلك من يقوم باستقطاب الأشياء ويعمل على تحديد الكيفية التي تتم بها ما تراه العين، لتبقى مخافة الله وحده هي المقياس في ما نقول ونعمل.
    فحينما يبدأ الناس بإدراك سر علم الأسماء سوف يتعاملوا معها على حقيقتها دون غِش أو تلاعب وتزوير وما يمنعهُم من ذلك هو التردد، فغالباً ما يتملكهم الخوف من المجهول ومن سوء الاستخدام لقدرات الإنسان وطاقاتهِ الجبارة، ولكن لا داعي لذلك الخوف والتردد، حيث يمكن إبطال الشر من استدعاء أسماء الأفكار السيئة وذلك من خلال تعديلها في اللاوعي وطلب الأسماء الصحيحة والمحببة من قبلنا نحن البشر وذلك يتم عندما ندرك بأنَّ الشيطان اللعين عدو الإنسان اللدود وراء تلك الأفكار السلبية الشريرة.
    فمن خلال معرفة العدو الحقيقي للإنسان ومن خلال معرفة طرق مواجهة الشر والسلبية في التفكير سوف ينال الإنسان واقعا يفوق كل ما أرادهُ يوماً، كيف لا وأنهُ قد أصبح يتعامل مع حقيقة الاسم وليس مع كذبة كان يرددها من دون علم أو فهم فيصدقها على خطأها، ولو حدث أن وجد الإنسان نفسه في وضعية صعبة فذلك حصيلة ترديد أسماء وتحديدها وهي في حقيقتها صادرة عن مشاكل قد حصلت في الماضي، فكل ما نحن عليه من هموم ومشاكل هو نتيجة حرصنا على استقبال موجات الطاقة السلبية الصادرة عن أحداث في الماضي، إذاً علينا دوماً أن نختار ما بين الحق والباطل، الخير والشر وهكذا على الدوام، فاختيارنا ذاك هو الذي يحدد مجال الطاقة فينا سواء كان مجال إيجابي فنشع الفرحة والسرور لمن حولنا ليقبلوا إلينا أو مجال سلبي فنشع من خلاله البؤس والشقاء لينفضوا من حولنا، وهو المر الذي خاطب بهِ المولى العزيز القدير رسولهُ الكريم بقولهِ تعالى من سورة آل عمران: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159).
    إذاً نحن كبشر وفي حقيقتنا إنما نعيش في محيط من أمواج الطاقة الموجودة في الكون وهذهِ حكمة الله في خلقهِ، هذه هي المعجزة الإلهية، وهذا هو السر الحقيقي في علم الأسماء وهو مصدر الشعور الحسن المنطلق من داخلك ليصل إلى من حولك سواء بطريقة مباشرة كابتسامتك في وجه أخيك أو بصورة غير مباشرة كأن تدعو لأخيك بالخير وهو غير موجود عندك، فسواء كانت الابتسامة أم الدعوة بالخير فكلاهُما مصدره من موجات الطاقة الإيجابية المُخزنة في عقلك والمأخوذة من الأحداث الإيجابية التي حدثت وما زالت تحدث من حولك، لذلك كان من الواجب على الدوام أن يفرح المؤمن وان يبتهج على الدوام، هذا هو سحر الحياة، وهذا هو قيمة وجود السر الأعظم، فكل امر المؤمن خير كما جاء في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبر، فكان خيراً له، رواه مسلم.
    أنَّ جميع من أنجزوا شيئاً مهماً في حياتهم أو بلغوا مستويات عالية من النجاح في الحياة قد طبَّقوا بالفعل وبالصورة الصحيحة علم الأسماء في حياتهم بشكل أو بآخر ومثال ذلك وكما أسلفنا سابقاً هم الأنبياء والرسل، ومن بعدهم الصحابة رضوان الله عليهِم وهم من طبقوا الأمر عن وعي وإدراك، يبقى هُناك من ينطبق الأمر عن غير قصد وينجح ولكنهُ يفشل في أمور أخرى فهناك الناجحين مادياً ولكنهُم فاشلين عاطفياً، أو الناجحين مهنياً وعلمياً ولكنهُم فاشلين اجتماعيا وهكذا.
    إذاً كيف يمكن تطبيق علم الأسماء وإلى أي حد؟
    يتوجب علينا أولاً معرفة حقيقة الاسم وبالتالي الإحاطة التامة في الكيفية التي يتم من خلالها التطبيق الأمثل لسر الأسماء كذلك الأمر فيما يخص السر الأعظم.
    وبناءاً على ما سبق شرحهُ فإننا نجد الطريقة السليمة التي ننصح بها الباحثين عن حقيقة الأسماء وعلومها بما يلي:
    أولاً وقبل كل شيء على الإنسان أن يحدد الاسم الذي يُريد استقطابه من محيطهِ الكوني ويكون عادة هدفا أو غاية يريد تحقيقها وبإصرار مع الأخذ بنظر الاعتبار أنَّهُ من الله قبل أن يكون من العبد، ونعطي مثال لذلك اسم الزكاة، فعندما نبحث في محيطنا عن اسم الزكاة نجد الخير والبشارة وغيرها من موجات الطاقة الإيجابية التي بدأت تحوم حولنا، فنبدأ باستقبال تلك الطاقة سواء عند قراءتنا للقرآن الكريم أم عند دراستنا لأحاديث المصطفى وأقوال الصحابة الكرام وغيرهِم من العلماء، فكل هذهِ المصادر تشع لنا طاقات إيجابية، مما ينعكس علينا وعلى من حولنا بالفرح والسرور الذي أحدثهُ ترديدنا لذلك الاسم ألا وهو الزكاة.
    فبعدما تم اختيار اسم الزكاة وبترديد ذلك الاسم بشكل واضح، وإذا كانت هُناك أمثلة وصور خاصة بالزكاة من قبل شخص ما علينا ان نقوم بالبحث عن ذلك الشخص وإيجاد الاسم لذلك التصرف الموجود في الصورة ثُم نبقيهِ أمامنا أطول فترة ممكنة، لذلك نجد التكرار المستمر فيما يخص الأفعال الحسنة سواء في الكتب السماوية أم في سنن الأنبياء وذلك كي تبقي ذكر الأسماء الحسنة بين الناس وعلى الدوام.
    وكمثال لنعتبر أن حلمك وطلبك يتلخص بعمل خير لشخص ما، قم بترديد اسم ذلك العمل الخيِّر مع ذكر أسماء وصفات ذلك الشخص المنتفع منهُ لتتولد عندك القناعة بانَّ تلك الأفعال الحسنة جديرة لهذا الشخص، وهنا يبدأ العمل، عقلك الواعي الآن حدد الهدف عن طريق تذكره لذلك الاسم بكل وضوح فعقلك الباطن أو اللاوعي قام بتحديد الأسماء والعناوين لذلك العمل، او الحلم المراد تحقيقه من أجل ذلك الشخص.
    ضع صورة فرحة وسعادة ذلك الشخص عندما يستقبل العمل الخير أمامك وتأملها جيداً بمخيلتك، خذ نفسا عميقاً وكأنك تستقبل الطاقة الإيجابية من حولك وحاول أن تُبطأ عملية الشهيق والزفير ليكون تبادل الطاقة بينك وبين المحيط بصورة مثالية، ولا تنسى أن تغمض العينين وتستذكر رضى الله وفرحة رسولهِ بعملك هذا وذلك لمزيد من التركيز والتشجيع على إتمام العمل، ثم حاول إيجاد الأجواء المناسبة لعملية لتنفيذ عمل الخير حتى يصل إلى الآخر بصورة مثالية وبشكل كامل ثم افتح عينيك وردد بثقة الآيات والحكام التي تدعم تصرفك هذا وراجع أسماء فعل الخير ذاك بكل يقين ومقدرة على تحقيق الهدف، أو تأمل صورة فرحة المتلقي لعملك في مخيلتك وردد تلك الفعال والأسماء وكأنَّ ذلك الشخص الذي تحلم بإسعاده قد أصبح سعيدا بعملك.
    عاود التأمل مرَّة أخرى وابق عينيك مغمضة وتركيزك محدد بتلك الأفعال الخيرة الأسماء الحسنة وكأنك كتبتها في عقلك حتى لا يتم نسيانها بعد ذلك وتخيل وأنت ترى نفسك محققا هدفك في عمل ذلك الخير الذي أنت اخترته وحددت اسمه وبأنَّ من حولك كل من تحب يهنؤونك بعملك الصالح الناجح وبتحديدك وطلبك لفعل الخير واستخدامك لأسماء وصفات الخير بدقة فتسمع من الصالحين المحيطين بك كلمات التهاني وعبارات المباركة لأنك حققت هدفك والذي حددته بالاسم والفعل الصالح وكأن الأمر قد تم بإذن الله، تخيل نفسك وأنت يقين من عملك الصالح ومن اختيارك للأسماء والعناوين التي حددتها وطلبتها بل واستدعيت من خلالها أمواج الطاقة الإيجابية الخاصة بها وكل ذلك وأنت مؤمن بإمكانية تحقيق أمنيتك في عمل الخير، استشعر لحظة النصر على الشر في داخلك وتحقيق الذات البعيدة عن إغواء الشيطان، وكن على يقين بأنَّ الله قد استجاب لك لأنهُ يحبك بمحبتك لأخيك، وقل لنفسك بأن الهدف قد تحقق إن شاء الله، فإن لم يكن قد تحقق في الدُنيا لسبب ما، فإنَّهُ ينتظرك في الجنَّة دون شك بإذن الله.
    المهم هُنا في تذكر الأسماء والعناوين للأعمال الصالحة والخيرة تلك الأسماء التي قد نساها الإنسان في حياته.
    وبعد ذلك سوف تتفتح عينيك على رؤية الخير في الناس وعندما ترى الوقت مناسباً وكأنَّك وصلت مرحلة اليقين في الإيمان والعمل وأن أمنيتك في عمل الخير ونشر السعادة بين الناس قد تحققت، انظر إلى الاسم الذي ذكرتهُ والخاص بعمل الخير وبالاسم الذي تذكرته أو صورة السعادة والسرور التي في ذهنك مع الأسماء الحقيقية الخاصة بعملك ذاك، وكن على يقين بأنك بعد هذا العمل الصالح ستجد نفسك مُفعم بطاقة غريبة وأحاسيس إيجابية مبنية على يقين نابع من ذاتك وعقلك ونفسك وإيمانك بربك بحيث تدفعك في النهاية إلى المبادرة الفعلية لتحقيق أعمال أخرى خيرة ومفيدة للآخرين، ستتواصل الأسماء الإيجابية وأفعالها الضرورية واللازمة لتحقيق أي هدف آخر، وسوف يكون عقلك مُستعداً لاستقبال جميع موجات الطاقة التي أطلقها الأخرون والتي تحتاجها لتحقيق هدف أعمال الخير، وسوف تجد حينها من يساعدك ويدعمك بطاقتهِ الإيجابية فتستحضر كل ما تحتاجهُ لمساعدتك كحاجتك لموجات طاقة خاصة بالإدارة والتي أطلقوها إداريين عظماء في زمن سابق وإلى موجات طاقة خاصة بالمُحاسبة والهندسة وغيرها وما يتبعها من فطنة وذكاء تخص هذا الشأن او ذاك، لنبدأ تذكر الأسماء كلها كما هي في عقلك وكما أوجدها الخالق في الإنسان أول مرَّة، مما يجعل نظرتك الأولى للأمور من حولك قد تغيرت وأصبحت أكثر حكمة وتبصُّر، وأن أمنيتك قد تحولت إلى خطة وهدف محدد لا ينتهي إلا بفوزك بالجنَّة إن شاء الله، فقد امتلكت حينها كل ما تحتاجهُ من أفكار وخطط لتنفيذ أعمال الخير والإصلاح بين الناس فعندك كل ما تحتاج لتحقيق هذا الهدف، ففي أول الأمر كنت تتأمل الأسماء في استغراب مقتنعاً بصعوبة تحقيق تلك الأفعال الخاصة بها لعدم توفر ما يلزمك لتحقيقه ولنسيانك الأسماء الضرورية لذلك، ثم بتحديدك لأسماء محددة ويقينك بصدق تلك الأسماء والعناوين وبأن الله العزيز القدير قد فتح بصيرتك لترى الأشياء على حقيقتها ولتعلم أموراً لم تكن تعرفها من قبل، وبحفاظك على يقينك وإيمانك وبتصديقك لحقيقة الأسماء ولحقيقة فضل الله وقدرته وحكمته ينعكس ذلك على أحاسيسك الايجابية وحماسك، وقل أنا سوف أحقق هدفي إن شاء الله لا محالة بعد أن توفرت كل أسباب النجاح لذلك سوف يداوم الإنسان على اليقين والإيمان وعلى عملية التصديق بتلك الأسماء وأفعال الخير التي دارت وتدور برأس الإنسان وذلك على الدوام، ولا يجب علينا أن جعلها عادة قاسياً لنا بل يجب أن ندخلها ضمن المسلمات في حياتنا لتصبح جزء من طبيعتنا كبشر، فإن لم يكن اليوم فغداً وإن لم يكن غداً فبعد غد، المهُم أن نستمر في الإصرار على عمل الخير واليقين بتحقيق الأفضل للناس بفضل الله، والمهم أن لا نجعل فكرة عمل الخير والإصلاح بين الناس تتلاشى مع الوقت أبداً، فالمهم هُنا هو أن يتذكر الإنسان من جديد ما أنساهُ الشيطان اللعين.
    فقبل أن نتذكر حقيقة الأسماء كنا نبحث في العقل اللاوعي عن الرسائل والأسماء المحيطة بنا بصورة موجات للطاقة وكنا نقوم بترسيخها في أفكارنا وعقلنا الباطن كلما سنحت لنا الفرصة من دون معرفة أصلها وفصلها أو سبب وجودها في عقولنا، الآن تبدأ القدرة الإلهية والفطرية في التجاوب معنا ومع أحاسيسنا لنقوم بفرز كل ما نستقبله من معلومات عبر موجات الطاقة تلك لنرصصها في أماكنها الحقيقية، فالعقل مفطور على استقبال أمواج الطاقة التي تدفع بالإنسان إلى التفكير الايجابي ويبعد عن التفكير السلبي حتى يتذكر في النهاية ما نسيه من أسماء وعلوم ربانية.
    وهكذا سيقوم العقل اللاوعي بتحفيز الوعي ليستقبل موجات الطاقة الإيجابية والتي سوف تقوم بالمساعدة على تجسيد فعلي لحلم الإنسان في العودة إلى الجنَّة إن شاء الله.
    وتبقى الآراء متضاربة ومتفاوتة الصحة فيما يخص تطبيق الأسماء أو السر الأعظم والذي اطلع عليه الكثيرون، منهم من فهمه وأدركه واحتفظ به لنفسه واستخدمه أحسن استخدام، ومنهم من لم يصدقه وقام بإفشائه على اعتباره ليس بالأهمية التي قد ينضوي تحتها مفهوم السر بعينه، ويبقى الأمر لله من قبل ومن بعد وقول الله هو الفصل كما جاء في سورة الإنسان: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30).
    من كتاب (السر الأعظم أو سر الأسرار - دراسة في أسرار وخفايا سورة الرحمن)
    صفحة 82 -102
    تأليف : محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)

  13. #13

    رد: السر الأعظم

    السر الأعظم بين المفاهيم والفلسفات


    من الأمثلة العملية والحقيقية التي يتعامل معها علم الأسماء ومن خلفه السر الأعظم أو سر الإسرار، هي العلاقة ما بين العقل والدماغ والقلب، فكثير من الناس يتخبطوا في تحديد مركز الاستشعار وتبادل المشاعر والأحاسيس عند الإنسان، فمنهُم من يقول الدماغ هو العقل، ومنهُم من يقول القلب هو العقل.
    في هذا الفصل سوف نستخدم بعض مفاهيم علم الأسماء لنتبيَّن حقيقة مركز الاستشعار عند الإنسان.
    من الناحية العلمية والطبية فإن القلب كعضو من أعضاء الجسد يُمكن استبداله بقلب صناعي يتكون من معادن ومواد بلاستيكية وغير ذلك أو ربما بقلب عضوي من جسد آخر (وقد يكون ذلك الجسد غير بشري)، أما الدماغ فلم يتمكن أحد من استبداله ولغاية هذهِ اللحظة، وتبقى هُناك عمليات ترميم لأجزاء من الدماغ ولكن هذا موضوع آخر.
    عندما يتوقف القلب عن العمل يبقى الجسد حياً لفترة من الزمان، بمعنى أنَّ الإنسان يعيش من دون قلب وإن كان ذلك لفترات محدودة، أمَّا الدماغ فإذا توقف ولم يعد يرسل إشارات عصبية لباقي الجسد فهذا يعني موت الجسد دون شك.
    هناك العديد من الفروق بين الدماغ والقلب ولكننا نكتفي بما تقدم من الناحية العلمية والطبية.
    إذاً القلب يُمكن استبداله وهو بالتالي لا يُمثل جزءاً رئيسياً في حياة الإنسان فلا يقدر أن يعيش من دونه ولو للحظة.
    فمعنى كلمة عقل في اللغة إنما تدل على فهم واستيعاب وإدراك.
    وكون الدماغ هو مركز الإفراز الكهربائي بجسم الإنسان، والكهرباء هي عبارة عن طاقة مُحاطة بمجال من موجات الطاقة، يكون الدماغ هو ذلك العضو من جسم الإنسان الذي يُرسل ذبذبات وإشارات من الداخل إلى الخارج ويستقبلها من الخارج الى الداخل، وهذا مُثبت علمياً ولا خِلاف عليه.
    بالتالي ومن الطبيعي انَّ الطاقة التي في الدماغ تعقل أو تستجيب وتفهَم بل وتتجاوب مع الطاقة المُحيطة بالجسم سواء سلباً أم إيجاباً، وبذلك يكون الدماغ هو ذلك العضو المادي والوحيد في جسم الإنسان المُتكفل بإنتاج الطاقة والمؤهل الأول لفهم واستيعاب بل وإدراك طاقة الموجات الأثيرية المُحيطة به.
    وللإحاطة بالموضوع بشكل عادل ومُنصف دعونا ننظر إلى الناحية الدينية وإلى ما جاء بهِ القرآن الكريم وإلى حديث من أحاديث المُصطفى عليه الصلاة والسلام.
    التفسير العلمي والمنطقي والمعقول لقولهِ تعالى في سورة الحج: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)، يتلخص بما يلي، لقد جاء في مطلع الآية الكريمة أداة استفهام وتعجب (أَفَلَمْ) حتى يتم التساؤل والتعجب عن سبب سير الناس في الأرض من دون أن يُفكروا في البشر الذين كانوا من قبلهم يمشون في المكان عينه، أين هُم الآن؟
    فإذا حدث وأن فكروا الناس بخلق الله وبجبروته التي سوَّت بالأرض تلك الحضارات البشرية القديمة والتي كانت عظيمة وقوية حينها، وبالرغم من ذلك لم يبقى منها إلا التراب والحجارة، لتساءلوا أين معالمهم وإنجازاتهم؟
    لقد جاء ذكر حواس الإنسان في هذهِ الآية بصيغة القلب الذي لا يعقل وبالأذن التي لا تسمع وبالبصر الذي يبصر الشيء ولكن يفهمهُ لعدم وجود بصيرة في القلب الموجود بصدر الإنسان، والآية الكريمة تشير بالنهاية إلى العقل ووجوب التعقُّل أي فهم الأمور على حقيقتها، ومركز العقل في الإنسان هو الدماغ، وتمت الإشارة إليهِ لكونهِ المركز المؤهل لاستقبال موجات الطاقة التي صدرت من تلك الأماكن فيما مضى والتي بإمكانها أن تُجسد للإنسان شكل وهيئة بل ومكان الحضارات القديمة، كذلك بإمكانها أن تصور شكل وهيئة العذاب الذي أصابهُم ودمرهُم آنذاك ليتحولوا بعدها إلى رمال وحجارة، فتكون ردة فعل الإنسان بعد استقباله لتلك الموجات أن يخاف العقل عندهُ ويرتعب الدماغ وكأنهُ يُشاهد تسجيل لفيلم رعب، فيصدر إشارات قوية للقب حتى يُسرع في خفقانه فيشعر جسد الإنسان بذلك (فالقلب هُنا إنما جاء ذكرهُ لكونه العضو الوحيد الذي يُظهِر قلق الإنسان وشعوره بالخوف اتجاه حدث ما) ولولا هذا التغيُّر في خفقات القلب لما شعر الإنسان بالخوف أو القلق وغيرها من الأحاسيس التي تدور في عقل ودماغ الإنسان .
    وبخصوص ذِكر عضو السمع وهو الأُذن إنما جاء لكونهُ يلتقط الموجات جميعاً ومنها الموجات الصوتية القديمة والتي مازالت تصدح في الفضاء وهي لأصوات البشر الذين سكنوا قديماً تلك الحضارات عندما كانوا يصرخون ويُعذبون قبل فنائهِم، فيرسلها للدماغ حيث يتم فك التشفير الخاص بها ليستوعبها العقل ويعقلها ثُم يفهمها فيتجاوب معها ويخاف ويرتعب ويطلب من الدماغ إرسال إشارات للقلب فتزداد سرعة دقَّات القلب فيحس بها الإنسان ويشعر بها عضوياً.
    مما سبق نفهم علاقة القلب بالعقل والدماغ، وعلاقة الأذن بسماع موجات الطاقة المحيطة بهِ.
    أما الدليل على صحة تفسيرنا هو أنَّ الإنسان في وضعهِ الطبيعي عندما يسير على الأرض لا يرى أو يسمع شيئاً من أثر الحضارات القديمة، ولكن عندما يُطور قدراتهُ العقلية والذهنية والسمعية ليتمكن من استقطاب واستقبال موجات الطاقة المحيطة بهِ والتي أصدرتها الحضارات والمجتمعات القديمة، لتمكن حينها من التفاعل مع الأحداث التي حصلت حينها فيتفاعل القلب مع أوامر الدماغ سواء بارتفاع سرعة دقات القلب أم ببطئها.
    تصديقاً لقولنا جاء قولهُ تعالى (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) حيث تطرق هُنا الخالق جلَّ وعلى إلى ذكر حاسة البصر التي تستقبل في حقيقتها جميع موجات الصور ومشاهد الأحداث في ذلك الزمان فتُبصر وترى ما حدث آنذاك، ثم ترسل بعدها تلك الموجات إلى الدماغ ليترجمها للعقل حتى يرى تلك الأحداث بكل وضوح.
    ولكن السؤال هُنا هو في حالة عدم استخدام الأسماء الصحيحة والرموز المناسبة لفك شفرة موجات الطاقة تلك والقادمة عن طريق العين أو البصر، كيف سوف يستطيع القلب أن يتجاوب مع الدماغ مع عدم فهم تلك المعلومات الموجودة في موجات الطاقة والتي لا يتم فهمها إلا بفك تشفير الإشارات تلك.
    في هذهِ الحالة لن تُتَرجَم الموجات من قبل الدماغ ولن يدركها العقل ويفهمها، وبالتالي لن يرسل الدماغ أي إشارة غير طبيعية للقلب فيبقى القلب حينها على ما هو عليه وكأن شيئاً لم يكن، وكأنَّهُ قد عميَّ في عدم تجاوبهِ مع الأحداث المحيطة بهِ وهو في مكانه داخل صدر الإنسان بسبب عدم إصداره لردود أفعال اتجاه تلك الأحداث، وهو ما جاء ذكره في الآية الكريمة.
    وبخصوص كلام بعض السلف الذي جاء فيه تزكية لأبو بكر رضي الله بقولهِم (ما فضل أبو بكر بكثير صوم ولا صلاة ولكنه شيء وقر في قلبه) ففيه تكرار لما تمَّ تفسيره سابقاً، فكلمة (وقَرَ) إنما جاءت من وِقار وهي الرزانة والحُلم أو العظمة وتلك صفات إن امتلكها الإنسان كان عقله رزيناً مُستقراً هادئاً وبالتالي كانت الإشارات التي يصدرها دماغ ذلك الإنسان للقلب إشارات لقلب مُستقر وثابت فلا ينزعج الإنسان حينها من دقات قلبه، فيوصف القلب بالقرير، إي بالاتزان وعدم التذبذب.
    أما بخصوص موضوع السر الأعظم أو سر الأسرار وكذلك علم الأسماء الرباني وعلاقتهُ بما يتداولهُ الناس من علوم روحانية وهمية مزيفة كقانون الجذب أو التنويم المغناطيسي وغيرها من الأقوال والفلسفات، فنحن نقول بأنَّ أساس علم الأسماء إنما جاء ليُصحح جميع الأفكار الدارجة والمُتداولة حالياً، فأننا نصحح هُنا بما يُسمى قانون الجذب كما نصحح التفاسير الخاطئة والمغلوطة لآيات الذكر الحكيم، كذلك نناقش العلوم الأرضية الوضعية ولا نستثني أي علم في إعادة النظر والتصحيح وإعادة التوجيه إن أمكن ليتناسب مع علم الأسماء الرباني.
    أما فيما يخص موضوع مشايخ الصوفية وغيرهِم من الذين كتبوا عن السر الأعظم، فمع احترامي للجميع ولهُم ومع اطلاعي على علمهم، فإنني لم أجد فيما يقولون أو فيما أعرفه عن مشايخ الصوفية وغيرهِم من أسماء وعناوين، أي علاقة فيما أكتب وأقول، فهم في واد وأنا في وادٍ آخر.
    من كتاب (السر الأعظم أو سر الأسرار - دراسة في أسرار وخفايا سورة الرحمن)
    صفحة 103 -107
    تأليف : محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)

  14. #14

    رد: السر الأعظم

    دوافع إفشاء سر الأسرار


    في هذا الفصل من فصول كتاب السر الأعظم أو سر الأسرار سوف نتطرَّق إلى الأسباب والدوافع التي أدت بنا إلى الشروع في إفشاء ذلك السر العظيم، أول تلك الدوافع هو تهيئة الناس إلى الأحداث العظيمة القادمة، فمن خلال كشف بعض الأسرار نحاول وبأذن الله أن نُجنَّب عباد الله المؤمنين به والمتوكلين عليه من سوء فهم الفتن القادمة والتي قد تسبب نوع من اليأس عند الناس برحمة الله بسبب طغيان البشر، المر الذي سوف يقودنا بالنهاية إن شاء الله إلى كشف السر الأعظم أو سر الأسرار، ليتحرر الناس بعدها من الشر بصورة كاملة ونهائية.
    فمن الطبيعي أن يسأل السائلون عن السبب والدافع للسر الأعظم وسر الأسرار من ظهورهِ والإفصاح به في هذا الوقت أو هذا الزمان بالذات، ولماذا لم يظهر هذا السر للناس في زمن الأنبياء أو الأزمان التي سبقتهُم أو تلك التي تبعتهُم، لماذا الآن بالتحديد؟
    سوف نعرف الجواب اليقين عندما نقرأ الأحداث الدائرة في وقتنا الحاضر بعين مُتبصِّرة، لنرى فيها كالتالي:
    1- تكدس أسلحة الدمار الشامل بشكل كبير وتمركزها في مناطق محدودة، وإنتاجها يستمر وفي ازدياد مستطرد، لمصلحة من؟
    2 - تطور تقنيات القتل والدمار فأصبحت تستهدف البشر على وجه الخصوص قبل الأرض والشجر، لمصلحة من؟
    3- تطور التقنيات الحديثة وظهور معلومات ومفاهيم كثيرة وكلها تحرص على الزيادة في الربح المادي المحصورة في دائرة الأغنياء، ومع تقدم الزمن سوف تزداد الأرباح المادية مع انحسار لأعداد الشركات ومن ورائهُم الأغنياء، ولا يُستبعد أن تكون نتيجة التقلص في أعداد الأغنياء إلى مجموعة من الأشخاص المتنفذين والذين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة.
    4- انحسار دور الدين في الحياة العامة، وشيوع الأفكار التحررية وطغيان المادة.
    5- التخبط في سياسات الدول وفي منهاجيتها وإدارتها لشؤون العباد والبلاد، مما يؤدي إلى النزوح والهجرة الجماعية الغير مُنظمة فنجد أن هُناك من يرمون أنفسهِم بالبحر يائسين من الحياة ومنهُم من يشرعون بالقتل والنهب نصرة للشر وآخرين يتورطون في حروب أهلية لا معنى لها.
    6- غفلة الناس عن حقائق الأمور وتوجههُم نحو اللهو واللعب وازدياد ثقتهِم بوسائل الإعلام العالمية التي تسعى جاهدة إلى إلهاء الناس وإشغالهِم في أمور اللهو الجانبية ليتم إبعادهِم عن الأحداث المصيرية المحيطة بهِم.
    مما تقدم نفهم بأن ناقوس الخطر يدق محذراً الإنسانية من مصير مشؤوم يحدق بها، فكلنا يعلم بوجود متنفذين الآن وهم يمسكون ويُديرون بل ويملكون أهم أقطاب العالم وهو البنك الدولي والصناعات العسكرية والسياسة الدولية الممثلة بالأمم المُتحدة، أي أن هؤلاء يسيطرون على المال والسلاح والسياسة، تبقى مشكلتهُم الوحيدة مع الدين الحق ألا وهو الدين الإسلامي الحنيف.
    فهؤلاء المتنفذين قد هزموا الديان السابقة لدين الإسلام كاليهودية والمسيحية وكذلك الفلسفات كالشيوعية والبوذية والهندوسية وغيرهِم فغروا بها ما يشاؤون وأبقوا منها الصور والرموز، أي أنهُم هزموا جميع العقائد الدينية والفلسفات البشرية والتوجهات الفكرية ولم يتبقى لهُم سوى دين الإسلام كي يهزموه ويقصوه عن لعب دور رئيسي في حياة الناس ليكون كاليهودية والنصرانية وغيرها مجرد تراتيل وحركات يتم ممارستها بين جدران مغلقة ولا يُسمح لها بتجاوز هذهِ الجدران.
    إنَّ الفرسان الوحيدون القادرون على مواجهة وتحدي بل وهزيمة هؤلاء هُم أولئك الذين يتسلحون بما لا يملكهُ الآخرون ولم يملكوه يوماً، ألا وهو سلاح علم الأسماء والرموز الربانية، أي ذلك العلم الذي تسلح بهِ الإنسان أول مرة من قبل رب العالمين ليواجه بهِ المخلوقات جميعها ويُرغمها على الخضوع لهُ ولسلطانه بخلافة رب العالمين في الأرض كما أمر سُبحانهُ وتعالى وكما شاءت إرادتهُ جلَّ وعلا.
    فعندما تمَّ التشكيك بأحقية البشر وجدارتهِم في خلافة الأرض من قبل الملائكة وذلك بعد أن تمَّ تنصيب وتسمية الإنسان من قِبل الخالق سُبحانهُ وتعالى ليكون خليفتهُ في الأرض، ولمواجهة تمرد المخلوقات، بادر الله العزيز القدير بتعليم وتجهيز الإنسان بسلاح علم الأسماء حتى يواجه به هذا التمرد المبني على التشكيك بقدرات الإنسان، وبالفعل وكما هو موثَّق في القرآن الكريم فقد وقف الإنسان أمام الملائكة وأمام المخلوقات جميعاً ونفَّذ كلام الله وتوجيهاته بممارسة علم الأسماء أمام خلق الله أجمعين، فكان نصره المؤزَّر برضوخ الملائكة لسلطان الإنسان وقبولهِم بأمر الله وشريعته في الأكوان، وذلك بتنفيذ أمره في السجود أمام الإنسان كسجودهِم لله طاعةً لأمر الله وحده، ولكن بقي هُناك من يرفض أمر الله وهُم إبليس اللعين ومن خلفهِ من خلق الله، بل إن هؤلاء تحدوا الله والعياذ بهِ بالإصرار على أنَّ الإنسان غير جدير بتلك الخلافة وبهذا السجود، فطلبوا من الخالق فرصة أُخرى ليثبتوا ذلك وفي مكان آخر بعيداً عن سلطان الله كما يعتقدون، وبمعنى آخر إنما كان المُشككين بجدارة الإنسان كزعيم الأكوان وفي استحقاقاته كخليفة الله على المخلوقات أجمعين، يسعون جاهدين بأن يكون هُناك مواجهة وتحدي من نوع آخر، حيث يقف كِلا الغريمين أي الإنسان ومن ناصره وقبل بزعامته كالملائكة وغيرهِم بمواجهة إبليس اللعين وأتباعه المشككين بأمر الله في تولية الإنسان لذلك المنصب العظيم .
    وها نحن على الأرض كبشر بين أمرين أو بالأحرى بين قطبين غير بشريين:
    1- قُطب يُمثل الخالق جلَّ وعلى ومن معهُ من مخلوقاته كالملائكة وغيرهِم من خلق الله.
    2 - قُطب يُمثل ذلك المخلوق اللعين ألا وهو الشيطان الرجيم ومن معه من جن وغيرهِم من خلق الله.
    وكما نعرف أنَّ كل من القطبين يُحارب القطب الآخر من خلال الإنسان وبأسلحة مُحددة، وبالتالي فالإنسان على الأرض أمام خيارين لا ثالث لهما.
    الخيار الأول وهو أن يُصر على أحقيته وجدارتهِ بخلافة الله في الأرض كما أمر سُبحانهُ وتعالى، ويقبل بالتحدي ليثبت ذلك الاستحقاق وإن كان يتطلب المواجهة في ساحة المُنازلة ولوحده بعيد عن تدخل الخالق المُباشر ونصرتهِ له كما حدث أول مره أمام الملائكة.
    الخيار الثاني هو أن يُقر ويرضى الإنسان بعدم جدارته بخلافة الله في الأرض كما أمره الله، وهو بذلك يكون قد قبل بزعامة الشيطان اللعين عليه حتى وإن كانت نتيجة رضوخه هذا هو فناء بني جنسه أي البشر ليُشبع غريزة الانتقام لدى الشيطان اللعين ويُرضي غروره وتكبره.
    وطبعاً كِلا الطرفين من البشر بحاجة إلى أسلحة لمواجهة الطرف الآخر، ولقد حدد الخالق سُبحانه سلاح كل طرف لمواجهة التحدي.
    فسلاح المؤمنون بالله وبأحقية وجدارة الإنسان في الخلافة، يكون بتمسكهِم بهدي الله لهُم وبإتِّباع رسالاته وتعاليمه وإن لم تكن مُباشر من الخالق كما كانت أول مرَّة، ولكن على الأرض سوف يكون الهدي الرباني عن طريق رُسل الله وأنبياءه وبإتباعهِم يكون النصر بإذن الله، كما جاء في قولهِ تعالى من سورة طه : قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)، ونعدد أسلحة المؤمنين بالله واليوم الآخر في مواجهة الكافرين بالله وأنعمه، كما ورد في القرآن الكريم :
    1- الإيمان المُطلق بالله وكتبهِ ورسله، والانصياع الكامل لشريعته واحكامه سُبحانه وتعالى، والعمل بما يُرضيه هو وحده لا إله غيره فقط وعمل الصالحات والتواصي بالحق أي بدعوة الناس للحق المُبين، حتى يُنجيهِم الله من العذاب الأليم.
    2- في الفترة التي تعقب الأنبياء والرُسل، على الإنسان أن يبحث فيما بين يديه من كتب سماوية وتعاليم نبوية، ويُحاول أن يتسلح بما فيها من آيات محكمات وتعاليم سمحاء وعلوم جليلة لمواجهة جنود إبليس اللعين، ولكون هذهِ الفترة التي تخلو من الأنبياء والرسل ومن دعم الملائكة ونصر الله للمؤمنين عن طريق جنود الله المخلصين، نجد أنَّ السلاح الوحيد المتبقي للإنسان هو في رجوعه لأسلحته التقليدية التي تسلح فيها أول مرَّة لمواجهة أعدائه من الإنس والجان، وهذا السلاح هو علم الأسماء والرموز التي أوجدها الخالق في الإنسان أول مرَّة وعلَّمها إياه، والتي أنساها الشيطان إياه ولكنها بقيت محفوظة في ذاكرة البشر كما علمها الله للإنسان أول مرَّة ولم يمسَّها أو يُغيرها أحد من البشر بل حافظوا على نقاوتها وأصالتها دون لبس أو تزوير.
    فإذا حدث وان تمكن الشيطان اللعين من جعل الإنسان يُشكك بالله وبالأنبياء والرُسل وبكل شيء رباني كما يفعل الآن إبليس عليه اللعنة إلى يوم الدين، لا يتبقى للإنسان في مواجهة الشيطان سوى استرجاع المعلومات الأساسية التي علمها الله إياه أول مرة، نعطي مثال على ذلك للأهمية هو عندما يمتلئ جهاز الكمبيوتر بالفيروسات يكون الحل الوحيد هو باسترجاع وضعية الجهاز كما ورد من المصنع لأول مره، وبذلك يكون قد تخلص من كل الفيروسات التي تُعطل عمله، ولكي يعود الإنسان كما خلقه الله أول مرة بكل قوته وجبروته ونقائهِ وعلمه، عليه أن يستذكر ما علمه الله بخصوص الأسماء كلها والمتضمنة السر الأعظم أو سر الأسرار، ليكون بذلك قد امتلك السلاح الذي لا يُقهر والذي لا يقدر عليه إبليس اللعين.
    أما سلاح الكافر بأنعُم الله والمُقر بعدم أحقيته في الخلافة والمُصر على أفضلية إبليس اللعين عليه وعلى البشر (وإن كان في ذلك خيانة لبني جنسه ليدفعهُم وهو معهم إلى الشقاء والعذاب) ذلك السلاح يكون كما جاء في الآية الكريمة من سورة الإسراء : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (61) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (62) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (63) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (64) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (65)، ونعدد أسلحة الكافرين بأنعُم الله وأولهُم الشيطان اللعين في مواجهتهم للمُقرين بأنعم الله المؤمنين به، كما جاء في الآية الكريمة:
    1- صوت الشيطان اللعين، وهو ذلك الصوت والوسوسة والهمز واللَّمز وكل ما يدور في عقل الإنسان مُقنعاً إياه بأنَّه فاشل وغير جدير بشيء ليُحبطهُ ويسيطر عليه بإقناعه في تسليم زِمام أمره لغير الله، فصوت إبليس اللعين ما هو إلا دعوة للكٌفر والإلحاد ليُقنع الإنسان بخيانة أخيه الإنسان وإن كان في ذلك دماره ُ هو، فكل صوت يقول للإنسان كذا وكذا ليُقنعه بعدم أهليته وبفشله كإنسان وكخليفة لله على الأرض إنما يسعى ليُحبطه ويُقلل من عزيمته ويهزمه نفسياً وروحياً وجسدياً، ويكون ذلك بصوت الشيطان اللعين.
    2- إن لم يصغ الإنسان لوسوسة وصوت الشيطان اللعين يقوم إبليس الملعون بإغواء الإنسان وإقناعه بتدني قيمته الخُلقية عن طريق تسليط ما تبقى من المخلوقات التي تتبع الشيطان اللعين على الإنسان بطريقة ما أو بأخرى فيغتر ويكفر الإنسان لامتلاكه العديد من الخيول والدواب، أو بقدرتهِ على تعذيبهِم وغيرها من أفعال الإنسان ضد الحيوان والتي تُنمي فيه الشعور بالعدوانية والجبروت الأعمى.
    3- ومن طرق إبليس اللعين لإغواء الإنسان إقناع الذين اتبعوه واستسلموا له وأقروا بزعامة الشيطان عليهِم وبعدم أحقية البشر لأي شيء، بأن يقنعوا غيرهِم من بني جنسهِم بالاستسلام لزعامة إبليس عليهِم كما يفعلون هُم بأنفُسهِم، وليتوقفوا عن محاربة الشيطان وتحديه وليستسلموا له وإن كان في ذلك الاستسلام عذابهُم، فالإنسان حسب قناعة الكافرين ليس جدير بالحياة أصلاً.
    4- إن لم ينجح إبليس اللعين بأساليبه تلك، يقوم بالمحاولة الأخير وهي التوقف عن إقناع الإنسان بعدم أهليته وبتدني وضعيته بين المخلوقات، فيقوم بالتأثير على الإنسان بطرق غير مُباشرة، كأن يدله على الطرق الغير شرعية لكسب المال، أو بخلطه للأنساب بأن يكون إنجاب الأولاد بطرق غير الزواج الشرعي فيضيع البشر بفقدانهِم لنسبهِم وعائلتهِم، أو أن يعدهُم بالسلامة إذا قاموا بتدمير وقتل إخوانهُم بالإنسانية، فيغتر الإنسان بنفسه معتقداً بترفعه وتميُزه عن بني جنسه، ليقوم حينها بالتعدي ومحاربة بني جنسه بكافة الطرق الممكنة سواء بالقتل أو التدمير والتخريب وغير ذلك كثير .
    في النهاية وكما جاء في الآية الكريمة يكون النصر للمؤمنين عندما يتسلحون بسلاح علم الأسماء، فمع علم الأسماء الذي علمهُ الخالق للإنسان أول مرَّة يفقد إبليس اللعين أي سُلطان على المؤمنين، وإنني إذ أردد ذكر اسم هذا العِلم دون غيره، فذلك لكون هذا العلم قد حافظ على نقاوته وأصالته وإلى هذهِ اللحظة بسبب قِلة العارفين به، وما تبقى من علوم سواء كانت دينية أم وضعيه فلقد تعامل معها البشر لمدة طويلة وكافية لِتُتيح للشيطان عليه اللعنة بأن يعرف بأمرها ويحتاط منها ويُجنِّد أتباعهِ من البشر ليعبثوا بها ويٌحرفوها كما تمَّ تحريف الكُتب المُقدسة من قبلها، ولم يسلم من ذلك التحريف واللعب سوى القرآن الكريم بسبب حفظ الله لهُ مُباشرة .

    من كتاب (السر الأعظم أو سر الأسرار - دراسة في أسرار وخفايا سورة الرحمن)
    صفحة 108 -114
    تأليف : محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)

  15. #15

    رد: السر الأعظم

    علم الأسماء والرموز


    في هذا الجزء نود أن نحصر المكاسب التي يمكن كسبها عند ممارسة علم الأسماء والرموز ومن ضمنها السر الأعظم أو سر الأسرار، وكذلك نود أن نُظهر الخطوات الكفيلة لتحصيل هذا العلم ونعرف بمواصفات الدارسين والممارسين والعاملين بهذا العلم تحديداً.
    قبل كل شيء أود أن أوضِّح نقطة مهمة هُنا:
    علم الأسماء كلها والتي تعلمها الإنسان أول مرَّه عندما خلقه الله القدير العزيز، إنما تعلمها من الخالق مُباشرة، بمعنى أن الإنسان الذي يرغب في استرجاع تلك الأسماء واستحضارها في مخيلته وجعلها جزء من حياته، عليهِ أن يتودد للخالق ويستمر بالدعاء وترجي الخالق للحصول عليها، وقبل هذا وذاك عليه أن يتعوذ من الشيطان الرجيم، فهي الطريقة الوحيدة لاسترجاع الإنسان ما نسيه أو أنساه إياه الشيطان اللعين، لقولهِ تعالى في سورة الكهف : وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24) ، من هذهِ الآية الكريمة نحدد الخطوات التالية :
    1- لقد بقيت مسألة علم الأسماء كلها مخفية على العالم منذ أن بدأ الإنسان حياته على الأرض، وأول من أستعاد علم الأسماء في ذاكرته هو آدم عليه السلام بعد أن تلقى كلمات من ربه ليتوب ويستعيد تلك الكلمات والأسماء، فضمن بذلك عدم اقتراب الشيطان منهُ ثانية، مما جعل مسألة رجوعهِ إلى الجنة مسألة حتمية، وبقت ذريته بعيدة عن رحمة الله، ناسية أو متناسية لأمر الأسماء مُبتعدة عن آيات الله البينات والتي من شأنها أن تُساعدها في استعادة ما نسيته.
    فالكلمات التي تلقاها آدم عليهِ السلام من ربهِ إنما مصدرها هو ذاتهُ للكلمات المكتوبة في آيات الذكر الحكيم ألا وهو الخالق سُبحانهُ وتعالى والتي نجدها في القرآن الكريم لقولهِ تعالى في سورة القمر: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17)، وبالتالي فمن يُريد أن يتذكر الأسماء فالقرآن يُيسِّر له ذلك.
    2- إذا استعادة الإنسان ذاكرته وبالتالي استعاد وتذكر الأسماء التي علمها الله للإنسان أول مرَّة، يكون حينها قد استعاد قوتهُ كامله كما خلقهُ الخالق أول مرَّة، والمتمثلة بقوته العقلية والجسدية والروحية الكاملة، فالخالق لا يقوم بأي عمل ناقص والعياذ بالله، ولا يُعلِّم علم ناقص حاشى لله، ولا نُخفي على أحد بأنَّ قوة الإنسان الحقيقة هي قوة عظيمة لا يتصورها الإنسان العادي الواقِع في بحر النسيان والذي هو تحت تأثير وسوسة الشطان، حيث جاء في الذكر الحكيم أنَّ طريقة خلق الإنسان كانت مُميزة لدرجة أنَّهُ في ممارسته لتلك القوى تجعلهُ خصيم لله وبكل معنى الكلمة، كما جاء في قولهِ تعالى من سورة يس : أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78)، وهو الأمر الذي استدعى أن يقبل الله بأن ينسى الإنسان طريقة خلقهُ أو ما تعلمه عندما خلقهُ ربَّهُ، فقوته وإمكانياته وكذلك ذلك العلم الذي تعلمه من الخالق سُبحانه عندما خلقه الله لا تعرِف حدود لها والله أعلم .
    3- إذا حدث وإن وجد أي من البشر في نفسه ذلك الاستعداد النفسي والمعنوي للتعامل مع علم الأسماء ومن بعده السر الأعظم أو سر الأسرار ليكون أحد فرسان الحق المُستعدين لمقارعة الشيطان اللعين ليُثبتوا أحقية الإنسان بخلافة الله في الأرض وتفوقه على خلق الله أجمعين كما أراد له الخالق العظيم، وباشر في السعي لاسترجاع ما نسيه وما هو مُستقر في عقلهِ وذاكرته بما يخص هذا العلم، عليه أولاً وقبل كل شيءً أن يجعل الأمر بينهُ وبين ربه فقط، وأن يدعوا لله بأن يُقربهٌ من هذا الأمر ويهديه إلى سواء السبيل، والأهم من هذا وذاك هو أن يُبقي الأمر سِراً بينهُ وبين ربه حتى يأتي أمر الله، فلا يُخاطب أحد بأمره ولا يستعين بأحد من البشر بذلك، فالشيطان اللعين سوف يفعل المُستحيل ليُبقي علم الأسماء منسياً، فإبليس عليه اللعنة إلى يوم الدين ليس لهُ قوة أو سلطان في مواجهة هذا علم الأسماء، وإذا بقى هذا العلم منسياً يكون أمله الوحيد قد تحقق في استعباده للبشر الأمر الذي يبقيه بعيداً عن نار جهنَّم أكثر مدَّة ممكنة .
    4- للمباشرة في التمرينات لاستعادة الذاكرة الأصلية والغير مُستعملة في دماغ الإنسان وعقله إنما تتطلَّب أولاً التودد إلى الله والدعاء الخالص لهُ سُبحانه، وممارسة العبادات والإعتكافات الخاصة والتي من شأنها أن تُقرِّب العبد إلى ربِّه، حتى يصل إلى تلك المرحلة التي يعلم بها يقيناً أنَّ مشيئة الله لهُ قد تمَّن ليستعيد علم الأسماء فيتمكن بعدها من ممارستها وتطبيقها على أكمل وجه، في المُقابل وكما قلنا ونوهنا سابقاً أنهُ عليهِ إبقاء هذا الأمر سراً بينهُ وبين ربِّه، وحينها يتوجب عليه ممارسة حياته الطبيعية بكل حيوية ونشاط، على أن يكون مُستعداً لتلبية دعوة الخالق إذا دعاه، فالأمر كلُّه عبارة عن علم لم تعرفه الإنسانية على الأرض من قبل، ولا يدري أحد ما الشيء الذي سوف يتذكره بالتحديد، وما تلك القوة التي سوف يمتلكها، فمشيئة الله وحدها تتحكم بهذا الأمر، ولا شيء يحدث في هذا الكون وفي هذا الأمر إلا بمشيئة الله ورضاه سُبحانه .
    5- لقد سبق وأن قلنا أن علم الأسماء وما يحتويه من أسرار وأهمها السر الأعظم أو سر الأسرار إنما هو علم لا يعلم به إلا القليل، أما العلوم الوضعية وبغض النظر عن مسمياتها فهي علوم قد تمكن الشيطان اللعين منها ذلك التمكن، بحيث نرى الكراهية والبغضاء بين أتباع تلك العلوم وبين الآخرين من مُحيطهِم، وهذا من عمل الشيطان اللعين ولا يعمل ذلك أحد سواه، وبناءاً عليهِ فعملية ممارسة علم الأسماء والمُباشرة في تعلمه ودراسته وتحصيله يجب أن تكون بعيدة كل البعد عن تلك العلوم، فعلينا هُنا أن نعرف ما نُريد، هُناك علم أو معرفة وقتية ومحدودة ذات مردود مادي تمكننا من العيش وكسب الرزق، وهُناك عِلم أو معرفة ذات مردود حقيقي ودائم تقودنا إلى الحقيقة وإلى معرفة النفس البشرية وما تحويه من طاقات وإمكانيات حقيقية وليست مُزيفة، مما يدعونا إلى السعي للتنسيق بين بعضهما البعض لنضمن الاستقرار في محيطنا ومجتمعنا إلى أن يشاء الله في إظهار أمر علم الأسماء والسر الأعظم أو إبقائه مخفياً ومستورا إلى الوقت المعلوم .
    بمراجعة المعلومات الوارد هُنا نكون قد أحطنا بالأساسيات والمبادئ التي تؤهلنا للمٌباشرة في تلقي علم الأسماء واستيعابه في عقولنا لنطلق ونحرر طاقاتنا كبشر في مواجهة التحديات وتخطي المعوقات وهزيمة الشيطان اللعين وأعوانه من الجن والإنس أجمعين، وكما جاء في الأجزاء السابقة بانَّ الوجود بشكل عام قد خلقهُ الله وهيئهُ ليستوعب قدرات البشر وطاقاتهم الخلاقة، والبشر هُنا هم المعنيين بالأمر قبل غيرهِم، فالكون بما يحتويه من طاقة بصورة موجات وأشعة مُخزَّنة يستطيع أن يخبر الإنسان بما كان، ومعرفة علم الأسماء تُمكن الإنسان من السيطرة والتحكم بما سوف يكون وذلك بمشيئة الله ورضاه سُبحانه.
    كما هو الحال في الوقت الحاضر على الأرض حيث يُسيطر الإنسان على كل مقدرات مُحيطه ولا يجد من يُنافسه أو يتحداه في ذلك سوى أخيه الإنسان، سوف يُسيطر الإنسان بعد معرفتهِ الكاملة بحقيقته وإمكانياته على كل شيء خلقهُ الله سُبحانه، وسوف يكون الإنسان خليفة الله في خلقهِ، بعد أن كان خليفة الله في الأرض وبعد أن أثبت أحقيتهُ في الزعامة والريادة من بين مخلوقات الله العزيز القدير، ولحدوث هذا الأمر يتوجب عليه أن يصطلح مع أخيه الإنسان ويستوعبه ويُحيط به لتزول كل عداوة وبغضاء بين البشر، كما جاء في قولهً تعالى من سورة الأعراف : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43).

    من كتاب (السر الأعظم أو سر الأسرار - دراسة في أسرار وخفايا سورة الرحمن)
    صفحة 115 -118
    تأليف : محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)

  16. #16
    عضو نشيط الصورة الرمزية بهائي راغب شراب
    تاريخ التسجيل
    09 2006
    الدولة
    خانيونس
    المشاركات
    1,250
    مشاركات المدونة
    167

    رد: السر الأعظم

    وفي قصة سيدنا سليمان مع ملكة سبأ وعرشها خير شاهد على قوة علم الأسماء

    إذ قال سيدنا سليمان :

    (يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
    قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ

    قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ
    )

    وكان الذي عنده علم من الكتاب من الإنس وبعلمه هذا غلب قوة الجن لأن في علم اسماء الله والأسم العظم القوة كلها ..

    بارك الله فيك استاذنا على هذا العطاء والسبر العميق للسر الأعظم
    التعديل الأخير تم بواسطة بهائي راغب شراب ; 2021-01-14 الساعة 13:23

  17. #17

    رد: السر الأعظم

    أسرار سورة الرحمن في القرآن


    قبل أن نباشر في دراسة بعض أسرار وخبايا سورة الرحمن علينا أولاً أن نقوم بتعريفها:
    سورة الرحمن هي من السور المدنية التي تحمل عدة خصائص فريدة ومتميزة عن باقي سور القرآن الكريم، وهذهِ الخصائص الفريدة ندرجها كالتالي:
    - هي السورة الوحيدة التي سُميت باسم عَلم من أسماء الله عزَّ وجل، ولقد اختاره المولى العزيز القدير ليكون اسم الرحمن.
    - كل آية أو مجموعة آيات من سورة الرحمن والتي تنتهي بسؤاله جلَّ وعلا (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) تمثل في مضمونها سورة كاملة المعنى والمضمون بحد ذاتها، بالتالي فنحن نتكلم هنا عن سورة واحدة تحتوي على إحدى وثلاثين سورة كاملة بكل معانيها، كيف لا وهي سورة تحمل اسم خالق الكون ومُبدع السماوات والأرض وما بينهم وهو الرحمن.
    - تُخاطب هذهِ السورة الكريمة بمجملها الخصمين اللدودين من مخلوقات الله، وهما الجن والإنس، بالتالي سوف نجد في مضمون آياتها أو سورها إذا جاز التعبير توضيح كامل لحقيقة العلاقة وأساس الخصومة بينهما، وعرض مُفصل لسُبل حل هذا النزاع بالطُرق المُثلى.
    - في تفسيرنا وشرحنا التالي لهذهِ السورة الكريمة وما تحتويه من آيات وسور، سوف نجد صورة رائعة لخلق الكون وتصوير بديع للجنَّة وبالمقابل مُخيف للنار.
    فيما يلي سوف نشرح أو نُفسِّر الآيات أو السور التي تحتويها سورة الرحمن على ضوء معرفتنا بعلم الأسماء وعلم السر الأعظم، فاسم الرحمن اسم عظيم من علم الأسماء والذي تمَّ اهمال الخوض بهِ لأهميتهِ ولدوره الكبير في التأثير على الإنسان، ونحن الان نتخذهُ مثالاً حياً لنوضح بهِ أهمية الخوض في علم الأسماء، وقد تختلف رؤيتنا من خلال معرفتنا بعلم الأسماء بالشكل والمضمون عن رؤية التفسيرات الدارجة في وقتنا الحالي، ولا نزكي أنفسنا ولكن يبقى العلم عند الله وحده لا إله إلا هو:
    بسم الله الرحمن الرحيم : الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13) صدق الله العظيم .
    في مجموع هذهِ الآيات والتي تُمثل مجتمعة السورة الكاملة الأولى من سورة الرحمن، نلاحظ أن الخالق جلَّ وعلا قد ابتدأها بأحب الأسماء إليه سُبحانه ألا وهو ذلك الاسم الذي يحمل صفة الرحمة الكاملة وهو (الرَّحْمَنُ (1))، فاسم الرحمن إنما جاء ليُعطي صفة الرحمة الخالصة والنقية بكل معنى الكلمة ومن دون نقصان.
    ولقد دعم مفهوم الرحمن بالآيات التي تليها، حيث جاء قوله (عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2)) فمن رحمة الخالق العظيمة والجليلة بخلقهِ والتي لم يلاحظها الإنسان أنَّهُ سُبحانهُ نسب لنفسهِ مهمة تعليم القرآن وبصورة مُباشرةً للإنسان من لدُنه وحدهُ سبحانهُ ولقد خصَّ القرآن بذلك دوناً عن باقي الكتب السماوية التي سبقته لكونهِ جلَّ وعلا قد تكفَّل بحفظ القرآن وحمايته ورعايته وذلك لأهميتهِ، وعليهِ فكل من يقرأ القرآن ويتعلم منهُ إنما يكون الذي علَّمه في الحقيقة هو الخالق سُبحانه، فالذي تكفل بحفظ القرآن يكون قد تكفَّل بطريقة ما أو بأخرى بتعليمهِ لعباده الصالحين، إذاً كل من تعلَّم القرآن بصدق وإخلاص ذلك التعليم الحق يكون قد تعلمهُ في الحقيقة من تلك الجهة التي حفظته وهو الله سُبحانهُ ولا أحد غيره جلَّ في علاه.
    فمن ضمن تعليم القرآن أن الله هو من خلق الإنسان بيده لقولهِ تعالى (خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3))، فبالرغم من كون الخالق قد خلق كل شيء مخلوق ولكنَّهُ هُنا أراد ان يعطي الخصوصية مجدداً لهذا المخلوق الذي يفخر الخالق بكونهِ قد خلقهُ، فهل يدرك الإنسان معنى هذا الكلام؟ وهل يدرك الإنسان بانَّ الله قد جعله في أحسن تقويم بإرادته، وميَّزه عن باقي المخلوقات بمشيئته، وجعلهُ خليفته في الأرض بسلطانه.
    ثُم أضاف إلى تعليمه لعلم الأسماء أن علمهُ البيان بدليل قولهُ (عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)) وذلك للدلالة على أهمية أمرهُ ومشيئتهِ سُبحانه بإعطاء منصب خلافة الله في الأرض للإنسان والذي فيه رحمة للعالمين أي للمخلوقات أجمعين لكونهِ سُبحانه قد علَّم الإنسان الأسماء كلها بنفسهِ ثُم علمه بيانها، فعند بيان تلك الأسماء وتفكيك رموزها من قبل الإنسان يكون بذلك أعظم المخلوقات علماً وفهماً مما يجعلهُ يستحق منصب خلافة الله في الأرض بكل جدارة، حيث أنَّ في بيان الأسماء ومعرفة رموزها خير كثير وفضل عظيم على مخلوقات الله أجمعين ليشيع العدل والرحمة والإنصاف في الأكوان وتنعم المخلوقات بفضلهِ جميعاً دون استثناء .
    وفيما يخص الإنسان الحالي الذي يتمتع بالمنصب دون أن يستحقه أو أن يكون جديراً به، فإننا نجده من ناحية كونهِ مخلوق من بني الإنسان قد أخذ تعليمه الأساسي من الرحمن فهو بفضل علمهِ سيد المخلوقات جميعاً على الأرض دون مُنازع، ولكنهُ من ناحية أخرى وكمخلوق بين الخلائق فهو أسفل مخلوقات الله على الأرض بسبب إذعانه لوساوس الشيطان اللعين عدوه اللدود والذي يحرص أن يُنسيه ما تعلمه من أسماء وما مارسه من بيان لتلك الأسماء ليعود جاهلاً لا قيمة لهُ بين المخلوقات إلا من رحم ربي، فبمجرد تخلص الإنسان من وساوس الشيطان اللعين فسوف يعود قادراً على تولي منصبه بجدارة وإتقان فتكون رحمة الخالق حينها في كل مكان وعلى جميع مخلوقات الله مهما كانت أو تكون.
    بدليل أنهُ من خلال تذكر الإنسان لعلم الأسماء ومعرفة بيانها سوف يدرك يقيناً بأنَّ خلق (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5)) بمعنى أنَّ هُناك حسابات خاصة ودقيقة في خلق الله للشمس والقمر ولا يستطيع سوى الإنسان بيانها بفضل الله عليه، ولن يعرف الإنسان بيانها إلا بتذكره لتلك الأسماء وللبيان الذي تعلمهُ من الخالق سُبحانه بشكل مُباشر، فبمعرفتنا لحساب العلاقة بين الشمس والقمر الحقيقية سوف نقوم بحساب الأوقات التي تفصل ما بين الليل والنهار، وبحساب هذهِ الأوقات نكون قد عرفنا حساب الثواني والدقائق والساعات ومن بعدها الأيام والأشهر والسنين والعقود وغيرها من قوانين الرياضيات والجبر وحساب الفلك وغيرها كثير، وقد يقوم الإنسان الحالي بإجراء تلك الحسابات ولكنها تبقى ناقصة لعدم معرفته بعلم الأسماء.
    كذلك بتذكرنا لعلم الأسماء سوف نعرف قيمة رضوخ وسجود النجم والشجر في قولهِ تعالى (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6)) فمما لا شك فيه أنَّ وجود النجوم (والشمس نجم من النجوم) ووجود النبات المُمثل بالشجر يُمثلان أساس وجود الحياة العضوية على الأرض، فالشمس كنجم يُغذي الأرض بالطاقة، والشجر كمُثال للنبات يمتص تلك الطاقة ويحولها إلى عنصر الأوكسجين الضروري لوجود المخلوقات العضوية ومن ضمنهُم الإنسان على الأرض، ولقد جاء هُنا فعل يسجدان للدلالة على طاعة كل من النجم والشجر للرحمن في أمر توفير الأجواء المناسبة لحياة الإنسان على الأرض، فما أعظمك يا حنَّان يا منَّان يا ألله .
    وبعد أن تمَّ توضيح وتبيان عملية خلق الإنسان وأهمية علم الأسماء وعلم البيان الذي تعلمهُ الإنسان مُباشرة بعد أن تمَّ خلقهِ من قبل ربهِ سُبحانهُ وتعالى ،جاء ذكر نسيان الإنسان لتلك العلوم الربانية بمجرد وصوله إلى الأرض وذلك بسبب استمراره في سماع وتلبية وساوس الشيطان اللعين لهُ، وهذا يُمثل أول انتصار مؤقت للشيطان اللعين على الإنسان، حيث جاءت الآية الكريمة (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7)) لتصوير المرحلة التي سوف تأتي بعد انتصار الإنسان النهائي على الشيطان وذلك لتشجيعهِ في حربهِ تلك، فحين يتذكر الإنسان ما تعلمهُ من الرحمن، سوف يتيقن حينها سواء الإنسان ومن خلفهُ المخلوقات جميعاً بالمعنى الحقيقي لكلمة الرحمن، فبمجرد أن يتخلص الإنسان من وساوس الشيطان ويتذكر علمهُ للأسماء وللبيان، سوف يُمارس الإنسان وقتها فعلياً مهام منصبه كخليفة الله في الأرض، فيشيع الأمان والاستقرار بين مخلوقات الله جميعاً، لتبدأ مرحلة الرحيل إلى الجنَّة بعد يوم القيامة، والتي من تبعاتها أن يرفع الخالق سُبحانهُ وتعالى سماء الأرض لتكون واحدة من سماوات الجنَّان السبع، ليُطابق وصف مساحة الجنَّة حينها بعرض السماوات والأرض الذي جاء ذكره في القرآن الكريم، وبعد أن يرفع الله سماء الأرض ليدمجها مع أحد سماوات الجنَّان، يقوم الرحمن سُبحانه بوضع ميزان العدل في الكون ليُنهي مرحلة الصراعات والنزاعات على الأرض بين الإنس والجان وبصورة نهائية.
    ليكون القانون الإلهي والأمر الرباني لجميع المخلوقات ومن ضمنها الإنسان والجان متمثلاً بأمرهِ تعالى (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8))، ففي هذا الأمر يكون الحسم الإلهي بعدم السماح لأيٍ مخلوق كان حينها بأن يطغى ويتجبَّر على مخلوقات الله وبالا يعبث بالقوانين العادلة والمُنصفة التي أصدرها وأمر بها الرحمن والممثلة بالميزان.
    منوهاً باستمرار استقرار الحياة بالجنَّة عن طريق التعامل بالقسط والإنصاف مع مخلوقات الله جميعاً لقولهِ تعالى (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9)) أي إقامة حدود الله يتطلب إعطائها تلك القيمة والوزن الُمنصف والعادل ليكون بالقسط أي يُعامل مخلوقات الله بالعدل والإنصاف، فلا يتجرأ حينها أي مخلوق بأن يعبث بالقوانين محاولاً أن يُخسر ميزان الحق والعدل كما حدث بشأن الشيطان اللعين عندما عصى الرحمن، ولن يسمح الله بذلك ثانيةً لقولهِ جلَّ وعلا بأمره (لا).
    ثُم تأتي الآية التالية (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10)) ليتم الإشارة من خلالها بدور الأرض عندما تكون جزء من الجنَّة بعد يوم القيامة، فأصحاب الجنان من البشر المؤمنون بالله واليوم الآخر سوف يتمركزون بين السماوات السبع بسبب اختلافهم بدرجات الإيمان وقربهِم إلى الله، وسوف تكون الأرض حينها مركز الأنام أي مركز مخلوقات الله المتواجدة حالياً على الأرض من حيوانات ونبات وخلافه، فلقد خصص الخالق لها الأرض ووضعها في يوم القيامة لتكون للأنام.
    أما قولهُ تعالى (فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11)) إنما جاء للدلالة على احتواء النباتات الموجودة على الأرض بعد يوم القيامة والتي هي جزء من الجنّة على الفاكهة اللذيذة وذكر أشجار النخيل بشكل خاص كونهُ النبات العزيز على قلوب المؤمنين حيث يحمِل ذكرى عزيزة في تاريخ حياة المؤمن، تلك التي عاشها على الأرض قبل يوم القيامة، فخصّصهُ سُبحانه بتسمية ذات الأكمام ليُميز نخيل الجنَّة عن نخيل الأرض بالجمال والكمال والثمار اللذيذة.
    ليُكمل سُبحانه وصف جنَّة الأرض وما فيها من ملذات بقولهِ (وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12)) ليصف ما دون الفواكه والنخيل بوجود حبوب لذيذة الموصوفة بذات العصف للدلالة على تعلقها بسيقانها فتبقى طازجة طرية غير مُخزَّنة ومحفوظة بالإضافة إلى رائحتها الزكية العطرة والموصوفة بالريحان.
    فبالله عليكم بأي ممَّا تقدم شرحهُ نُكذِب والعياذ بالله؟
    لذلك يسألنا الخالق جلَّ وعلا بكل صِدق وأمانة وثقه بما خلق وأبدع، وبما سنَّهُ من القوانين للخلق وشرَّع (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13))، ليُنهي بذلك السورة الأولى من السور التي تحتويها سورة الله أي سورة الرحمن.
    وفي الأجزاء القادمة نُكمِّل شرح أسرار وخبايا سور وآيات القرآن الكريم التي تحتويها وتشملها سورة الرحمن، والتي هي كما وصفها الرسول الكريم بعروس القرآن لما ذكره السيوطي في الإتقان في علوم القرآن، لما رواه البيهقي عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لكل شيء عروس وعروس القرآن سورة الرحمن، لعل هذا ما جعل بعضهم يسميها عروس القرآن لتميزها وللحديث المذكور، وإن كان ضعيف، والله أعلم.

    من كتاب (السر الأعظم أو سر الأسرار - دراسة في أسرار وخفايا سورة الرحمن)
    صفحة 121 -126
    تأليف : محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)

  18. #18

    رد: السر الأعظم

    أسرار الجان في سورة الرحمن


    نواصل شرح وتفسير أسرار سورة الرحمن، ونود أن ننوه هُنا بأنَّ هذهِ الدراسة الخاصة لبعض أسرار الآية الكريمة، قد اختص بهِ بها هذا الكتاب والمبني على دراية ومعرفة بعلم الأسماء ويقين بالسر الأعظم، حيث نُلاحظ انفراد التفسير هُنا بالعديد من الأسرار والحقائق الخاصة بهذهِ السورة الكريمة والتي نجدها قد أُخفيت على مٌعظم العباد بالرغم من أهمية هذهِ الأسرار وما فيها من معلومات تمس حياة الأنسان على الأرض بشكل خاص وبصورة مباشرة وتحسم أموراً كثيرة كانت مُحيرة للبشر.
    وبخصوص سورة الرحمن، ولأثبات أهميتها وأهمية آياتها وسورها الكرام كونها السورة الوحيدة التي توِّجت باسم عظيم من أسماء الخالق سُبحانه ألا وهو الرحمن، نورد الحيث الشريف: قال أبو جعفر بن جرير: حدثنا محمد بن عباد بن موسى وعمرو بن مالك البصري قالا: حدثنا يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن أو قُرأت عنده فقال: «ما لي أسمع الجن أحسن جواباً لربها منكم؟» قالوا: وما ذاك يا رسول الله ؟ قال: «ما أتيت على قول الله تعالى: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} إلا قالت الجن لا بشيء من نعم ربنا نكذب» ورواه الحافظ البزار عن عمرو بن مالك، من هذا الحديث نفهم أنَّ معشر الجن عندما سمعوا هذهِ السورة الكريمة من رسول الله عليه الصلاة والسلام، كانت ردود أفعالهم تختلف كلياً عن ردود أفعال معشر الإنس، مما يدل على أنَّ الجان قد تعلموا من الرحمن بعض العلوم عندما كانوا مشمولين مع الملائكة قبل أن يعصوا ربهُم(وذلك بسبب اتصافهم في ذلك الحين بصفات الملائكة كالسمع والطاعة)، لقولهِ تعالى في سورة البقرة : قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)، فمن هذهِ الآية نستدل بتعليم الله سُبحانه للملائكة ومن ضمنهُم الجان آنذاك بعض العلوم، ولكن وكما نوهنا سابقاً فإن معرفتهُم ببعض العلوم إنما كانت محدودة بما علمهُم ربهُم فقط، حيث لم يعلمهُم البيان كما علمهُ للإنسان .
    بالرغم من ذلك فهم لم ينسوا ما تعلموا من الخالق سُبحانه كما حدث مع الإنسان، وهو ما يُفسر تفوقهم في مجال المعرفة بأمور غيبية كان ليعرفها الإنسان لولا نسيانه لعلم الأسماء ولعدم سعيه في تذكر ذلك العلم، فما جاء بهِ الحديث الشريف هُنا إنما هو مقارنة لعلم الجان وفهمهُم لآيات الرحمن وبين علم الإنسان الذي أُبتلي بالنسيان، لهذا السبب نجد أن ردود أفعالهُم في شأن هذهِ الآية مُختلفة عن ردود فعل بني الإنسان، فبسبب علم الإنسان المحدود لاعتماده على علومهِ الوضعية ولنسيانه ما تعلمه من الرحمن كانت ردود أفعاله محدودة ومتواضعة في التعامل مع سورة الرحمن وذلك لعدم إدراكه للمعاني الحقيقية ولأسرار هذهِ السورة الكريمة.
    فمن ضمن هذهِ الأسرار نسرد تلك المُتعلقة وبشكل خاص بعلم الأسماء لدى الإنسان والتي هي حول الجان، فالجان من مخلوقات الله السماوية التي دخلت في مٌعترك وتنافس مع الإنسان والذي هو ايضاً في حقيقتهِ مخلوق سماوي، حيث نجد في الآيتين التاليتين إشارات قوية وأسرار جلية توضح سبب هذا التنافس بين هذين المخلوقين بالذات دوناً عن المخلوقات جميعاً، حيث جاء في قولهِ تعالى من سورة الرحمن:
    بسم الله الرحمن الرحيم: خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16)، صدق الله العظيم.
    نفهم من هذهِ الآية أنَّ الله قد خلق الإنسان أول مرَّة من صلصال لقولهِ تعالى (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14))، والصلصال كما هو معروف عبارة عن طين يابس له صوت أو صلصلة ناتجة من خلط التراب بالماء لتكون النتيجة طين منتن مُتغير ومتجمد ويابس له رائحة وصلصلة ولم يطبخ بعد، وبمقارنة هذا الوصف مع ما نعرفه عن جسد الإنسان نجد أن هُناك مادة سائلة وهي الدم بمكوناته تقابل الماء المخلوط بالتراب، ومادة متماسكة وهي باقي الجسد تقابل الطين بعد مزجه بالماء وتركه، فعندما تم خلق جسد إنسان من طين تطلب ذلك تراب وماء، ولكي يبقى الماء داخل كتلة الطين تلك ليكسبها الرطوبة والليونة اللازمة للكتل الطينية داخل هيكل الجسد يتوجب أن تكون طبقة الطين الخارجية صلبة كالصلصال وهو الطين القاسي والجامد نوعاً ما، وهو ذو حركة وليونة خفيفة تصدر صوتاً كالصلصال عند حركة الجسد، وهذا الجسد بمكوناته من التراب والماء سوف تكون له رائحه نتنة بسبب بدأ عملية تحويلهِ من تراب إلى مواد عضوية كالعظام والعضلات وغيرها، ومن الماء إلى دماء وغيرها، وحتى تكتمل عملية تحول أجزاء الطين والماء إلى جسد بشري يتطلب ذلك تسليط حرارة مُعينة أو نار خاصة بمعنى آخر، فتتم حينها عملية الخلق والتحويل من تراب وماء إلى جسد مُتكامل بإذن الله، فالحرارة أو النار سوف تكسب الطبقة الخارجية من الطين رونقاً وجمالاً كالفخار، أما الحرارة المحصورة داخل الهيكل الطيني فسوف تُساهِم في تحويل أجزاء الطين الداخلية إلى أعضاء بشرية، والله أعلم .
    ولكي يتم فهم وتصور عملية خلق أعضاء الإنسان الحيوية كما أرادها المولى عزَّ وجل، علينا أن ننظُر إلى الأعضاء المدفونة والمُتحللة للمخلوقات العضوية حولنا، ولكي يكون الأمر واضحاً فإننا نختار الأعضاء الضخمة والكبير والتي دُفنت وانغمرت تحت الأرض منذ ملايين السنين، وهذهِ الأعضاء المُتحللة وكما نراها الآن إنما هي عبارة عن نفط وغاز كنتيجة للضغط والحرارة ولفترة طويلة من الزمن، فإذا أعدنا عملية التحلل هذهِ بصورة عكسية تصبح العملية عبارة عن تجميع لتلك العناصر، حينها نُلاحظ حاجتنا للضغط والحرارة والوقت كي نُعيد النفط السائل وعناصر طينية أرضية كالكاربون وغيره إلى حالته السابقة كجسد مكون من مواد عضوية ودماء كأجساد لحيوانات ضخمة آنذاك .
    وعند مقارنتنا للحالة العكسية في تكوين الأعضاء السابقة الذكر، مع حالة خلق الإنسان المذكورة بالقرآن بشكل عام وفي هذهِ الآية الكريمة بشكل خاص، نفهم حينها مراحل خلق الإنسان بكل وضوح، والجديد هُنا هو إدخال عُنصر الحرارة أو النار في عملية خلق الإنسان والتي تمَّ استنباطها وفهمها من مصطلح (كالفخار) الذي لا يمكن تكوينه إلا بتسليط النار على الطين ليصبح فخار بعد حين.
    بعد توضيح عملية خلق الإنسان في الآية الكريمة السابقة ، نتطرق إلى عملية خلق الجان والمذكورة في الآية التي تليها مُباشرة، حيث جاء قولهُ تعالى (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15))، ما نعرفهُ يقيناً من القرآن هو أن الخالق سُبحانهُ وتعالى قد خلق الجان أي الجن قبل أن يخلق الإنسان، ولكن ولتكريم الإنسان كمخلوق من طين ونار على الجان أو الجن المخلوق من نار فقط، جاء ذكر خلق الإنسان أولاً، وبخصوص عملية خلق الجن أو الجان فإننا وبسبب عدم إحاطتنا الكاملة بكينونة الجان وبهيئته التي حرَّم الله رؤيتها على الإنسان لقولهِ تعالى في سورة الأعراف : يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27)، سوف نكتفي بالمعلومات التي نستطيع أن نستنبطها من الآية الكريمة السابقة، حيث أوضح هُنا الخالق جلَّ وعلا بأنَّ الجن او الجان قد تمَّ خلقهُما من مارجٍ من نار، والمارج هُنا خليط اللهب الناتج من احتراق العديد من العناصر، ولقد جاءت الآية لتذكر مصدر المارج، ولم يقصد النار نفسها لتكون النتيجة حرارة لا دُخان لها ولا رائحة أو لون، وهذا يُفسر عدم قدرة البشر على رؤية مخلوقات الجن، فنحن لا نرى الحرارة ولكن نشعر بها، ولكننا نرى النار ولهيبها.
    وعندما ننظر لكلا الآيتين والمتبوعة بقولهِ تعالى (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16))، نتساءل عن سبب تتابع آية خلق الإنسان بأية خلق الجان أو الجن؟
    فنجد بعد مراجعة ما شرحناه هُنا وما بنيناه على خلفية علم الأسماء والسر الأعظم، أنّ هُناك علاقة ورابط بين خلق الإنسان وخلق الجان، وهذا الرابط هو تطُلب عملية خلق الإنسان وخلق الجان إلى طاقة حرارية أي إلى نار، فصقل الطين وتجميله وتحويله إلى مواد عضوية بشرية تحتاج إلى حرارة أو نار، كذلك إيجاد نار من خليط العناصر المحروقة لتكوين المارج ثُم من حرارة المارج يتم خلق الجان أو الجن، من هذا الرابط المشترك نفهُم سبب غيرة وحسد وحقد إبليس اللعين على آدم عليهِ السلام تحديداً دون الخلائق جميعاً، وكذلك تحذير الخالق سُبحانه من الشيطان وقبيله أي أتباعهُ من الجن دون باقي الخلائق، فغيرة وحقد الشيطان اللعين على الإنسان إنما سببها هو دمج الحرارة أو الطاقة في عملية خلق الإنسان، مما يمنح الإنسان في هذهِ الحالة قدرات وقوة الجان أو الجن المستمدة من النار، وقوة النور الخاصة بالملائكة والمستمدة من طاقة النار إضافة إلى القوى التي يمتلكها من المادة والماء والروح، فالإنسان هُنا قد جمع كل مكونات القوة والجبروت والعظمة لكي تؤهلهُ بالنتيجة بأن يكون خليفة الله في خلقهِ عن جدارة واقتدار، وهذا ما يغيظ الشيطان، مما سبق يتضح لنا عظمة الخالق في خلقه، وحكمتهُ جلَّ وعلا في سلطانه، فيختم الآيتين أو السورة بسؤال جلَّ شأنه (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16))؟
    فماذا سوف يُجيب الإنسان يا تُرى؟
    من كتاب (السر الأعظم أو سر الأسرار - دراسة في أسرار وخفايا سورة الرحمن)
    صفحة 127 -131
    تأليف : محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)

  19. #19

    رد: السر الأعظم

    سر المشرقين والمغربين في سورة الرحمن


    نواصل شرح وتفسير بعض أسرار وخفايا سورة الرحمن مما تسمح به عقول وفهم القراء الكرام على استيعابها والتعامل مع هذهِ الأسرار، فلا تزال هُناك أسرار وخفايا تشيب لها الولدان، فكل ما يُطرح هُنا إنما يتم ضمن منهجية مُحددة تتعامل مع المفاهيم والعلوم الدارجة بين الناس في وقتنا الحالي، فلا يتم التصريح بما هو غير تقليدي وعلمي بحت وذلك كي لا يتم النفور وابتعاد الإنسان عمَّا هو غير قابل للاستيعاب، ونحن هُنا إذ نُصرح بهذا الأمر إنما بسبب معرفتنا بتلك الطريقة التي استخدمها الشيطان اللعين كي يُنسي الإنسان ما علمهُ إياه ربه ومن أهمها حرص إبليس اللعين أن يغتر الإنسان بجهله وليتكبر على بني جنسه ليكون أنانياً في التعامل مع مُحيط ه ناكراً لجميل ربهِ.
    وبما أنَّ هدفٌنا هُنا هو دفع الإنسان إلى استعادة ذاكرتهِ كاملة، واستعادة كل ما تعلمهُ من رب العالمين بخصوص الأسماء، يكون سبيلنا لتحقيق ذلك الهدف هو كسر هذا الغرور وتحطيم ذلك التكبر ودحض تلك الأنانية، ليعود الإنسان إلى أصله ونقاوته كما خلقهُ الرحمن، فعلم الأسماء إنما هو علم قديم قدم أول مخلوق بشري، وهو علم حديث حداثه ما يعيشه البشر يوم بيوم، كذلك هو علم مستقبلي محيط بمستقبل البشر وما سوف يحدث لهُم بمشيئة الله سواء في حياتهِم الدنيا أم ما بعدها في الآخرة.
    إذاً علم الأسماء هو علم عظيم وواسع في مفاهيمه وفروعه وتخصصاته ، كيف لا وهو علم الله الذي علَّمهُ للإنسان ، فهو يشمل علوم الأولين والآخرين، وفيه خُلاصة التجربة الإنسانية وسيرة البشر منذ أن خلقهُم الله العزيز القدير إلى ما بعد البعث، وهذا العلم سوف يُلازم الإنسان في الجنَّة إلى ما شاء الله شأنهُ شأن عِلم الكتاب(موضوع كتابنا الأول)، فالفرق بين علم الكتاب وعلم الأسماء هو أنَّ علم الكِتاب عبارة عن علم تطبيقي متخصص بالعلوم التجريبية التي يمارسها الإنسان على الأرض، أما علم الأسماء هو عبارة عن مُصطلحات وأسماء أو رموز تفتح أسرار الخلق ومعارفه فيتعرَّف المخلوق من خلالها على كل أسماء مخلوقات الله وعلى أسرار الخلق التي أُخفيت عن الإنسان بعد استهانته بها، ولا زال يستهان بها كما استهان أبانا آدم عليه السلام فلم يلتزم بها أو يُراعيها حق رعايتها فكانت النتيجة إخراجه من الجنَّة هو ونسله ونسيانه لعلم الأسماء وعلم البيان الذي تعلمهُ من رب الأنام .
    ولن يتم تصحيح مسار الزمان والخلق ليعود الإنسان إلى ما كان في سُكنى الجِنان إلا بعد أن يعرف البشر قيمة وحقيقة علم الله وما علمه للإنسان، حينها سوف يُفضلها الإنسان ويطلبها ويُزكيها ليبتعد قدر الإمكان عن ما يتبجح به الناس إلى الآن من معرفة وقتية وعلوم سطحية ومفاهيم ركيكة وأسماء مُزيفة، وكلما طال الزمان بالإنسان من دون رجوعهِ لعلوم الرحمن يكون الخسران من نصيب الإنسان، لقولهِ تعلى في سورة العصر، بسم الله الرحمن الرحيم : وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) صدق الله العظيم .
    فعلى سبيل المثال نجد أن سورة الرحمن قد تمَّ إهمالها من قبل علماء المسلمين، بالرغم من عظمتها وأهميتها في توضيح أمورٌ جليلة خاصة بالخليقة وبعباد الله المخلصين.
    وبسبب فرادتها وعلو شأنها من بين سور القرآن الكريم استدعى ذلك من الله العزيز القدير أن يمنح هذهِ السورة اسم علم من أسمائهِ جلَّ وعلا، بل هو من أحب الأسماء لديه سُبحانه، ثُمَّ أدرج في هذهِ السورة الكريمة أي سورة الرحمن آية من آياتهِ العِظام يُظهر فيها سُبحانه تحدي الخالق لخلقهِ من إنس وجان، ألا وهي (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، فالإنس والجان هُما من يتزعمان سياسة التمرُّد والعصيان على خالقهُم ومُبدعهِم الرحمن سُبحانهُ وتعالى عمَّا يصفون، وهما بالتالي المعنيان بهذا السؤال بالذات، ولقد استوعب الجان أو الجن الحكمة من هذهِ السورة الكريمة فكان ردَّهُم مُناسباً على سؤال آلاء ربهُم الرحمن وقد أعجب الرسول الكريم، أما الإنسان فلا زال يفتخر بعلومه الوضعية وإنجازاته الوهمية، ولا زال يتحدى الرحمن في علمه الذي علمه للإنسان فنسيه ولا زال لا يرد على سؤال الرحمن بكل صدق وأمان.
    فإلى متى يبقى الإنسان في غفلته وخُسرانه المُبين؟
    نعود إلى سورة الرحمن ونواصل البحث فيها عن الأسرار والخفايا التي غفل عنها الإنسان.
    حيث جاء قولهُ تعالى في سورة الرحمن : رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (18)، حيث نُلاحظ هُنا ذِكر مناطق مُحددة ألا وهي مشرق الشمس الظاهر للعيان ومشرق الشمس المخفي الذي يصعب رؤيته على الإنسان، وينطبق هذا القول والوصف على مغرب الشمس الظاهر للعيان وعلى مغرب الشمس المخفي ولكنه يبقى موجوداً والمشرق كذلك، وإصرار الخالق سُبحانه على تكرار كلمة الرب مرتين في قولهِ بأنهُ رب المشرقين ورب المغربين ولم يقل رب المشرقين والمغربين، إنما جاء ليؤكِّد على ربوبيتهِ ورعايته وبالتالي اطِّلاعه على جميع أمور وأحوال الإنس والجان سواء كانوا في المشرق أم المغرب وسواء كانوا مرئيين أم غير ذلك، فالخالق مُطَّلع عليهِم أينما كانوا وكيفما يكونون، و ذكرهُ جلَّ جلاله صفة الشروق والغروب للشمس تحديداً، إنما جاء لمراعات فهِم الإنسان الخاص بمُحيطه الأرضي، فمن الطبيعي أن يستدل البشر على المناطق ووصفها عن طريق تتبعهِم أولاً لجهة شروق الشمس ووجهة غروبها، وبعد معرفتهِم بكلى الاتجاهين يُمكنهُما بعد ذلك تحديد اتجاه الشمال والجنوب، وكذلك القريب والبعيد من الأرض، فالمسافة التي تستغرق قطعها في غروب واحد أي قبل اختفاء الشمس كلياً تكون قريبة وما عدى ذلك فهي بعيده، فكل شعب من شعوب الإنس والجِن أو مُجتمعاتهِم على الأرض إنما يتم تحديد مكانهِم سواء كان قريباً أم بعيداً عن طريق معرفة مكان شروق وغروب الشمس.
    إذاً من خلال تحديد مسار الشمس من مكان شروقها إلى مكان غروبها يتمكن الإنسان من تحديد الاتجاهات والأماكن وتحديد أوقات النهار في تتبعهِم لحركة خيال الأجسام الذي تكون الشمس عليه دليلاً، بل إنَّ الإنسان عندما يقوم بتمييز المجتمعات البشرية يعتمد بذلك على كونها من أهل الشرق أم أهل الغرب، فيقولون اهل الشرق أو الغرب الأدنى أي القريب، أو أهل الشرق أو الغرب الأقصى أي البعيد.
    وسبحان الله في خلقه للإنسان، فبعد مرور آلاف السنين على تواجد الإنسان في محيطهِ الأرضي نجد أن هُناك اختلاف مرئي وحقيقي في طبيعة وتصرفات بل وهيئة أهل الشرق الأدنى من البشر عن أهل الشرق الأقصى من البشر، ويشمل الاختلاف أيضاً في طبيعة النباتات والحيوانات المتواجدة في تلك المناطق.
    فأهل الشرق الأدنى تكون هيئتهٌم مُعتدلة وشعرهُم داكن بين سواد إلى بُني غامق ولون بشرتهُم بين سَمار خفيف إلى سَمار داكن أما عيونهُم فواسعة نوعاً ما وكحلية إلى سوداء اللون أما شفاههُم فهي بين عريضة إلى متوسطة، ولكننا نجد أهل الشرق الأقصى من البشر هيئتهُم قصيرة وشعرهُم أسود داكن ولون بشرتهِم يميل للصفار الخفيف أما عيونهُم فصغيرة وسوداء اللون ورموشهُم ذو انفتاح محدود على العين وشفاههِم صغيرة.
    بخصوص أهل الغرب الأدنى نجد هيئتهِم طويلة وضخمة ولون بشرتهُم تميل إلى البياض وشعرهُم أشقر وعيونهُم زرقاء إلى ملونه وبخصوص شفاههِم فإنَّها متوسطة الحجم على الأغلب، وإذا ما نظرنا إلى شعوب الغرب الأقصى ونقصد شعوب قارة الأمريكيتين الأصليين فإننا نلاحظ هيئتهِم الطويلة إلى المُعتدلة وشعرهِم أسود وبشرتهِم خفيفة الاحمرار وعيونهُم بنية إلى سوداء، أما شفاهم متوسطة وغيرها ذلك.
    المهم هُنا هو معرفة أنَّ مصطلح المشرقين والمغربين إنما يحتوي على معاني ودلائل كثيرة ومتعددة لا حصر لها.
    فالآية الكريمة السابقة الذِكر وبالرغم من كلماتها المعدودة، ولكنها جاءت لتنوه إلى معرفة الخالق العزيز القدير وإحاطته بجميع التغيرات الموجودة في بقاع الأرض شرقها الأدنى والأقصى وغربها الأدنى والأقصى، والله الخالق الواحد الأحد هو رب وإله كل هذهِ المناطق بالرغم من التنوع فيها.
    ولا تستثني هذهِ الآية شأن الجان، فطالما كان هُناك نوع من الاختلاف والتنوع في جنس البشر من منطقة إلى أخرى، كذلك الحال بخصوص الجن أو الجان، فالجان يُحرص على تواجده بالقرب من الإنسان، وذلك حتى يستمر البشر في نسيان أمر ربهِم وتعاليمه للإنسان، فيبقى الإنسان تحت سيطرة وساوس الشيطان الذي هو زعيم الجان، وبالتالي لا نستبعد اختلاف هيئة الجان من الشرق إلى الغرب كما هو حاصل مع الإنسان والله أعلم، إذاً المخلوقات الأرضية والتي اختصرها المولى العزيز القدير بذكره المشرقين والمغربين وبأنَّهُ سُبحانه ربهُما وخالقهما، إنما تؤدي بطبيعة الحال إلى طرح ذلك السؤال، ألا وهو (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (20))؟
    فهل هُناك إنسان يُجيب على سؤال الخالق الواحد الديَّان؟

    من كتاب (السر الأعظم أو سر الأسرار - دراسة في أسرار وخفايا سورة الرحمن)
    صفحة 132 -136
    تأليف : محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)

  20. #20

    رد: السر الأعظم

    سر البحرين في سورة الرحمن


    نستمر بعون الله في شرح أسرار وخفايا سورة الرحمن، وكما نوهنا سابقاً بأنَّ سورة الرحمن إنما تحتوي في طياتها على إحدى وثلاثين سورة تنتهي كل منها بسؤال مُباشر موجه لكلٍ من الإنس والجان، ألا وهو (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ )، ولقد قام المؤمنين من معشر الجن أو الجان بالإجابة الصحيحة والصادقة على سؤال الرحمن عندما قرأ عليهُم رسول الله عليه الصلاة والسلام سورة الرحمن، وذلك بسبب حرصهِم على علمهُم الذي علمهُم إياه رب العالمين، ولم يكن الحال نفسه مع معشر الإنس بسبب نسيانهُم لعلمهِم الخاص بالأسماء وبالبيان والمأخوذ مُباشرةً من رب الأنام كما جاء في القرآن.
    نبقى في محاولتنا لتذكير الإنسان بما نساه من دروس وتعاليم الرحمن، ولكن ما نواجه الآن من مشكلة حقيقية في هذا الشأن وفي ما يخص الإنسان الأرضي هي في فقدانه لعزمهِ حتى يستعيد علمه، وهي تلك المُشكلة ذاتها التي كانت مع سيدنا وأبانا آدم عليهِ السلام، حيث جاء في سورة طه : وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115)، وهذهِ هي أساس مشكلة البشر على الأرض والمحصورة في عدم تجاوبهُم مع علم الأسماء الذي يُحيهِم ويُعيد لهُم مجدهُم الذي فقدوه، وعزَّهُم الذي أضاعوه، ومركزهُم الرفيع والعالي كمخلوق بين الخلائق الذي تخلوا عنه لعدوهِم اللدود إبليس اللعين، وما زال المولى العزيز القدير يدعو البشر للعودة إلى ما خلقهُم له وإلى حياتهُم الحقيقية ليكونوا إحياء مخلدون في جنَّة الخُلد التي أعدت للمُتقين من عِباد الله المُخلصين، لقولهِ تعالى في سورة الأنفال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24).
    إذاً مشكلة البشر الحقيقة في عدم استجابته لدعوة الخالق سُبحانه ورسوله الكريم للعالم أجمعين إنما تكمن في افتقارهم للعزم، وافتقار الإنسان للعزم يجردهُ من الإرادة الحُرَّة والتصميم القوي والفهِم الصحيح وما إلى ذلك من خواص إيجابية فتُبقي مسألة فقدانهِ للعزم على طاقتهِ السلبية التي تجعل الإنسان كالحي الميت، فتخلوا حياته من الصدق والإيمان ومن المحبة والغفران، حينها لا يستجيب أو يُصدِّق من يقول لهُ بأنَّ هُناك إله خلقهُ وعلَّمهُ الأسماء كلها وقاده إلا بيانها، وبأنَّهُ في منصب خليفة الله في الأرض، وبأنَّهُ يتوجب على مخلوقات الله جميعاً السجود لهُ بأمر الله، وبأنَّهُ لا يجوز لهُ بعد معرفة وتصديق كل ذلك أن يصغي للشيطان اللعين وإلى وسواسه اللئيم، فلا بُد للإنسان أن يُلبي نداء روحهِ في العمل على استعادة ما نسيه ليستطيع حينها الإجابة على سؤال الرحمن بصدق ويقين (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ.(
    نعود إلى سورة الرحمن وننظر في أمر الآية التي قال فيها الله العزيز القدير: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21).
    نُلاحظ في بداية هذهِ الآية الكريمة ورود وصف (مرج) والذي يأتي هُنا ليصف البحرين التي تُشير بدورها إلى نوعين من المسطحات المائية وهي المسطحات العذبة كالأنهار والبحيرات العذبة والمسطحات المالحة كالبحار والمحيطات المالحة، في هذهِ الحالة يكون وصف المرج إنما جاء ليصف ويدل على وجود شيء مُشترك بينهما ألا وهو طريقة نشأة كل منهما ومصادر تغذيتهما.
    فعندما نتحدث عن سبب تميُّز كوكب الأرض بالمسطحات المائية الكبيرة كالبحار والتي تبلغ 71% من مساحة الأرض دوناً عن الكواكب الأخرى المُحيطة بالأرض، نجد أنَّ السبب يرجع إلى وجود مرج البحرين في كوكب الأرض وعدم وجوده في الكواكب الأخرى، وهذا المرج هو سبب لوجود المسطحات المائية على الأرض، فمصادر التغذية للأنهار والبحار إنما هي مرج البحرين، فكلمة مرج إنما جاءت لتصف تنوع واختلاط تلك المصادر بما يُحيط بها من أملاح ومعادن، إذاً المقصود بالاختلاط هُنا أي المرج هو اختلاط الماء سواء مياه الأمطار أم مياه الينابيع بالعناصر المعدنية الموجودة في الهواء وعلى سطح الأرض لتكوَّن البحرين سواء كان عذباً أم مالحاً.
    بالرغم من اختلاف واختلاط المرج وتنوعهُ من مكان إلى آخر فهو في التقائه ببعضه البعض يعمل على إنشاء وتُغذية كِلا البحرين، فالبحار المالحة والأنهار العذبة إنما يكون مصدرها وسبب وجودها وبقائها هو الأمطار والينابيع التي جاء وصفها بكونها مرج البحرين.
    إن الأمطار والينابيع المُختلطة بالعناصر المعدنية والمُختلفة حمولتها تلك حسب المكان تسمى مرج، وهذا المرج بدوره يُغذي ويُساهِم في بقاء البحار المالحة والأنهار العذبة كنتيجة لتغذيتهِ لهما، وعلى الرغم من اختلاف الأمطار والينابيع بالشكل والهيئة ولكنهما يشتركان في كونهما مصدر تغذية للبحار والأنهار عندما يلتقيا ، بحيث تبقى البحار مالحة وطبيعة الأحياء فيها مختلفة ومميزة، وتبقى الأنهار عذبة وطبيعة الأحياء فيها تختلف عن البحار، وهو ما جاء ذكره في الآية الأولى بقولهِ تعالى : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19).
    ولا يخفى على أحد من الناس دور البحار والأنهار الرئيسي في تكوين كوكب الأرض وجعلهِ مناسباً وملائماً لحياة الأنسان وباقي المخلوقات الحية فيه، ولكي يتم ذلك كانت مشيئة المولى عزَّ وجل بأن تكون نسبة المياه المالحة إلى المياه العذبة ثابتة على الدوام، فالمياه المالحة تُمثل ما نسبته حوالي 96.5% من مجمع مخزون المياه الكلي على الأرض، ولم يحدث أبداً أن تغيرت هذهِ النسبة مع مرور الزمان، وهو ما نجدهُ في قولهِ تعالى : بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20)، فالبرزخ في اللغة هو حاجز بين شيئين، وقد يُطلق على قطعة الأرض الضيقة والمحصورة بين مسطحين مائيين، ولقد جاء ذكر البرزخ في الآية الكريمة آنفة الذكر للدلالة على تلك النسبة الثابتة بين البحار والأنهار والتي لا يُمكن تجاوزها أو تغييرها على الرغم من كون مصادر التغذية لكلاهُما واحد ألا وهو المرج أي المياه المختلطة بالمعادن كالأمطار والينابيع .
    مما سبق توضيحه وشرحه نفهم رحمة الله الواسعة والمُحيطة بنا، فهُناك ثوابت في مُحيط الأرض لا تتغير، ومن ضمن تلك الثوابت نسبة المياه المالحة إلى المياه العذبة، والتي إن تغيرت سوف تُغير أجواء الأرض وطبيعتها وكل شيء عليها ومن ضمنهم الكائنات الحية ونخُص هُنا الإنسان.
    وعند مراجعة القرآن العظيم في هذا الشأن نجد أنَّ هُناك العديد من الآيات القرآنية التي تدعم هذا التوجه في تحديد مقادير معينة لمكونات الأرض، والتي تُساهِم بدورها في إيجاد حياة مُستقرة ومتوازنة على الكوكب، منها ما جاء في سورة الرعد قولهُ تعالى : أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17)، وكذلك نجد في قولهِ تعالى من سورة الحجر : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)، ولقد تكرر ذكر الأقدار أي النسب المُحددة والتي تُناسب مع معنى البرزخ في شرحنا وتفسيرنا للآية السابقة .
    قد يجد المُتتبع اختلافا واضحاً في الشرح والتفسير لسورة الرحمن عن باقي التفاسير المتداولة بين المسلمين، ونحن إذ نُعطي هُنا ذلك التفسير المُختلف عن الآخرين ليتناسب مع علم الأسماء، فعلم الأسماء يُعطي تفسيراً محدداً بحيث يتناسب مع مفهوم الآية العام ليخدم القصد من آيات الله المحكمات في هذهِ السورة والتي تدور حول رحمة الله بخلقه سُبحانه وتعالى، ويبقى العلم عند الله وحده.
    إن سورة الرحمن سورة مميزة بآياتها، وبحججها، وبمفاهيمها كذلك، حيث نُلاحظ تكرير السؤال من رب العالمين في قولهِ سُبحانهُ (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)؟
    فهذا السؤال إن دل على شيء فإنهُ يدل على تحدي الخالق للمخلوق في إعطاء المعلومة، وفي فهمها والتعامل معها، ليُطالب مولانا وخالقنا العزيز القدير ممن يقرؤون هذهِ الآية الكريمة أن يُجيبوا على ذلك السؤال (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان)؟
    فإذا حدث وإن أعطينا تفسيراً ذو خُصوصية معينة فلا يستطيع المؤمن العادي فهمه أو التعامل معه، نكون قد منعنا ذلك المؤمن من أن يُجيب على هذا السؤال فيبقى مُعلقاً دون إجابه بالنسبة لهُ، وكأن الخالق في هذهِ الآية الكريمة يتكلم مع نفسهِ والعياذ بهِ.
    ذلك يحدث عندما يتم طرح أمثلة غير مفهومة على الناس، فيقف المؤمن حائراً في محاولته للتعامل مع آيات الذكر الحكيم، فيهمل السؤال ويهمل الآية لعدم توفر الإجابة الصحيحة لديه، بالنتيجة يهمل السورة ككل ولا يعطيها حقها من الأهمية، فلا يكون لهذهِ السورة الكريمة أو لغيرها من السور أي تأثير في حياة الناس، وبالتالي لا يكون للقرآن ككتاب سماوي أي معنى حقيقي في حياة البشر، وهذا يقودنا إلى فقدان الاهتمام بالمعرفة الحقيقية والتوجه نحو المعارف الوقتية والمرحلية، فيعيش الناس الوهم تلو الوهم، وتكون النتيجة فقدام العزم وفقدان المعنى للحياة، مما يؤدي إلى نسيان ما هو مهم ألا وهو علم الأسماء وعلم البيان ثم علم الكتاب، بل ونسيان كل ما هو ضروري وله معنى في حياة الإنسان، فيبقى الإنسان تحت سيطرة وإغواء الشيطان اللعين، لنعود ونسأل سؤال الخالق سُبحانه : فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21(؟
    من كتاب (السر الأعظم أو سر الأسرار - دراسة في أسرار وخفايا سورة الرحمن)
    صفحة 137 -140
    تأليف : محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)








  21. #21

    رد: السر الأعظم

    سر اللؤلؤ والمرجان في سورة الرحمن


    نتابع طريقنا في كشف الأسرار لتكون النهاية معرفة سر الأسرار وفهم سرها الأعظم بمشيئة المولى العزيز القهار.
    وليكن في تفسير لآيات وسور سورة الرحمن على ضوء علم الأسماء والرموز وعلم البيان، ولقد اقتربنا شيئاً فشيئاً من سر الأسرار، فعلى ضوء ما فتحهُ الله علينا وتذكّيَرنا بما نسينا وهدانا إلى ما عُلِّمنا ويسَّر أمرنا في دنيانا، سوف نقوم إن شاء الله وبما تفضَّل الخالق العظيم ويُسِّر لنا، بشرح وتفسير وكشف أسرار آيات الذكر الحكيم ومنها آيات سورة الرحمن، وإنَّهُ لفضلٌ عظيم من لدن عليم حكيم لو كان الناس يتذكرون ويعلمون.
    سورة الرحمن يا أحبتي في الله خير دليل على رحمة الخالق الجليل في عباده وفي خلقه سُبحانهُ وتعالى عمَّا يصفون وفي تذكيره للإنسان بالعلم الذي يتميز بهِ في الأكوان، ولا أريد استعجال الأمور وسوف ننتظر حتى نُفسِّر كل الآيات إلى آخر آية في سورة الرحمن، ثُم نحكم بعد ذلك.
    لكن وكما يقولون في الأمثال بأنَّ الشمس لا يُمكن حجبها وإخفائها بالغربال، فالسورة قد كسبت شرف اسم الرحمن، بالتالي فكل آياتها تشير وتدل على أنَّ الخالق العزيز القدير رحيم في خلقهِ، رحمن في حُكمه، عظيم في شأنه، كريم في نعمه، ليس كمثلهِ شيء وهو العزيز القدير.
    فقد اختص المولى العزيز القدير سورة الرحمن ليكرر فيها الخالق سُبحانه سؤاله الذي جاء بصيغة التعجب حول أي نِعمة من نِعم الله وفضله والتي هي ظاهرة للعيان يُكذِّب بها الإنس والجان؟؟ بل ويُكرر السؤال عليهما وبإلحاح وإصرار مُطالباً بالجواب بعد كل آية محددة أو مجموعه من الآيات التي تحتويها هذهِ السورة الكريمة بالذات والتي تُشير بمحتواها إلى النعم العظيمة والأفضال الكبيرة من المولى العزيز القدير للبشر والجان والمخلوقات أجمعين، بل إن أول فضل عظيم ونعمة كبيرة هو أن يختار اسم محدد ليسمي به السورة الوحيدة لتبدأ باسمه سُبحانه، فبعد أن حددها ثُمَّ سمَّاها الخالق الواحد الديان، كان ذلك الاسم هو اسمه المُحبب ألا وهو الرحمن.
    كل هذا يتطلب منَّا وقفه جديه وتساءلاً حثيثاً ومراجعه دقيقة بل ومحاولة صادقة في فَهِم سبب انفراد هذهِ السورة الجليلة بهذا الاسم وبهذا السؤال، بل وبحرصهِ جلَّ وعلا على تكراره مرة تلو الأخرى ولنفس السؤال (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، والذي معناه بأي من أنعُم الله وأفضاله على الإنس والجان والتي أوردها الخالق سُبحانهُ في هذهِ السورة الكريمة يُكذِّب وينكر ولا يعترف بها الإنسان أو الجان؟
    فإذا وصل الإنسان إلى المرحلة التي يتذكر بعد نسيان، ويعلم بعد جهل، ويفهم بعد ضياع، ويهتدي إلى الحق بعد ظلال كما فعل بعض الجان مِمَن كفَّروا بزعيمهِم الشيطان اللعين والرجيم وبأفعاله لعنة الله عليه فأقروا بأنعم الله وفضله، سوف يعني ذلك أنَّ الإنسان قد اهتدى إلى الإيمان الحق وصدَّق بالرحمن فسقطت عنهُ لعنة العداوة بين بني جنسه من البشر والتي خصَّها المولى بالكُفَّار والمشركين من بني الإنسان، كما جاء في قولهِ تعالى من سورة طه : قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)، ويكون بذلك قد حقق الإنسان إرادة الخالق العزيز القهَّار بأن يكون خليفة الله الأوحد في الأرض، ليعم الخير والهناء والسعادة على كل أرجاء الكون وبين كل مخلوقات الله، فيصدُق الرحمن باختياره للإنسان ليكون خليفته في الأرض بدلاً من الملائكة والجان .
    هذا هو التحدي الكبير، وهذا هو الهدف من وجود البشر على الأرض، وهو الأول والأخير.
    نعود ونكشف المزيد من الأسرار عن طريق تفسير آيات وسور سورة الرحمن، حيث نقرأ هُنا قولهُ تعالى : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (23)، نجد هُنا أنَّ هذهِ الآية الكريمة والسورة العظيمة قد ذكرت اللؤلؤ والمرجان بشكل خاص كنوع من حُلي وزينة للإنسان والجان دوناً عن باقي الحٌلي التي يتزيَّن بهما كِلا المخلوقين، بل ونُلاحِظ هُنا الاكتفاء بذِكر الفعل (يخرج) دون أن يتم ذكِر أو توضيح من أين يأتي الخروج، فقد ينسب الخروج لشيء ما دون الآخر، ولكنهُ يبقى ضمن التأويل والاجتهاد ولا يرتقي لمستوى الحقيقة.
    لذلك ارتأينا في تفسير هذهِ الآية الكريمة أن نلتزم بما جاء ت به وبما تقوله القاعدة المتفق عليها في تفسير آيات القرآن الكريم وأحادث السنة المطهرة وهي: إننا نحمل الشيء على ظاهره، ولا نؤول، اللهم إلا لضرورة، فإذا كان هناك ضرورة، فلابد أن نتماشى مع ما تقتاضيه الضرورة، أما بغير ضرورة فيجب أن نحمِّل القرآن والسنة على ظاهرهما.
    مما سبق يتوجب علينا اللجوء إلى علم الأسماء لمعرفة حقيقة اللؤلؤ والمرجان والظاهر للعيان وإلى علم البيان لنتبين الفضل العظيم والنعمة الكبيرة فيهما بشكل خاص دوناً عن باقي الأشياء الجميلة المُستخرجة من البحر والشطآن.
    فمعرفة ذلك الفضل العظيم والنعمة الكبيرة في تفسيرنا لآيات الرحمن يجعل بمقدورنا أن نجيب على سؤال ربنا بكل صدق وأمانة فنقول: نعوذ بالله أن نُكذِّب أو ننكر بأيٍ من نعمك وأفضالك علينا يا ألله، فيكون هذا أفضل جواب لسؤال الخالق لنا وللجان من بعدنا في قولهِ وسؤاله (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)؟
    بل يكون جوابنا هذا أفضل من جواب الجان الذي قالوه للرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم تسليم بعدما سمعوا منه سورة الرحمن وذلك عندما كان ردَّهُم وجوابهِم على سؤال الرحمن: لا بشيء من نعم ربنا نكذب.
    إن علم الأسماء يقول لنا في بعض مما يقول أنَّ حقيقة اللؤلؤ تتلخص في كونه من الحٌلي والجواهِر أو الأحجار الكريمة التي يتحلى بها الإنسان ليَظهر في أجمل صورة وأبهى حُلَّه ، وما يُميزه عن باقي الحُلي أنَّ اللؤلؤ في هيئتهِ الخام مصقولٌ في طبيعتهِ ولا يحتاج تقطيع بل هو جاهز للاستعمال دون أن يبذل الإنسان أي جهد أو تعب في التعامل معه، فبمجرد أن يتم استخراجه من الصدفة الموجودة في عُمق البحر يتم بيعه واستخدامه كحلي مُباشرة دون الحاجة إلى معالجته وتقطيعه أو صقله وصهره كما هو الحال مع الجواهر الحجرية والمعادن الثمينة الأخرى كالذهب والفضَّة أو الألماس وغيرها.
    أما بخصوص حقيقة المرجان فإنها تتلخص بكونهِ من أشهر الأحجار الكريمة وذلك رغم خلوه من المواد المعدنية، فما يُميزهُ هُنا هو كونهُ من المواد العضوية الحيوانية، وهو في حقيقته مادة تتوسط عالمي النبات والجماد، فهو يشبه الجماد في تحجره، والنبات في تشعبه وكأنَّهُ أشجار نابته في قعر البحر، ومن ناحية أخرى هُناك من المرجان الذي يحتوي على مستخلص يتم الاستفادة منهُ كأدوية وعقاقير علاجية للإنسان.
    قد تكون المعلومات المُقدمة لغاية الآن معلومات تقليدية وملموسة بل ومعروفة للجميع، يبقى لنا علم البيان في إضافة المزيد.
    فعندما نتكلم عن علم البيان بخصوص اللؤلؤ والمرجان نجد أنَّ تخصيص آية من آيات سورة الرحمن لتتكلم عن فضل الخالق الواحد الأحد الواحد الصمد فيهما، إنما جاء ليكون التنويه والتأكيد على كون اللؤلؤ والمرجان لم يُكن ليُخلقا إلا لغرض مُحدد، وهذا الغرض هو تزيين الإنسان وتجميله وإضافة لمحة جمالية إلى مظهره فقط لا غير.
    فاللؤلؤ لا يُأكل، وهو في حقيقته عبارة عن جسم دخيل داخل هيكل صدفة المحار، وهناك يتم صقله وتحويره وتجميله فيستفيد منهُ الإنسان حصرياً كنوع من الجواهر والحلي ولا يستفيد منه غير الإنسان، وكأنَّ الخالق قد أوجد السُبل في صناعة وتكوين اللؤلؤ ليكون بعد ذلك وسيلة ليتحلى بها الإنسان وليظهر في أبهى صورة.
    أما المرجان فهو في خواصه الجامعة بين الحيوان والنبات والجماد إنما يعطي قيمة فريدة كنوع من الحُلي الغير تقليدية، والتي حرص الخالق العزيز القدير على خلقهِ وتصويره ليكون حٌلي فريدة في اللون والشكل والتكوين، ولقد جاء ذكر الحُلي المُستخرجة من البحر ليتزين بها الإنسان في العديد من آيات الله البينات، كما نقرأ في سورة النحل حيث جاء قولهُ سُبحانه : وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14)، أو كما جاء في سورة فاطر حيث قال المولى العزيز القدير : وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12).
    بعد ما تمَّ تفسير وشرح حقيقة اللؤلؤ والمرجان فيما يخص هذهِ الآية الكريمة، ومعرفتنا أنَّ الخالق الديَّان قد خصص فيما خلق منم اللؤلؤ والمُرجان لا لشيء سوى ليرسم البسمة والسعادة او البهجة على مٌحيَّى أنثى الإنسان لتُسعد بها الآخرين من حولها، وهو الأمر الذي اختص بهِ الإنسان دوناً عن باقي المخلوقات قاطبة في سعيه إلى خلق أجواء محبَّة ووئام بين الزوجين من بني الإنسان.
    فما قيمة حُلي الإنسان بأن تكون آية في القرآن سوى لإظهار محبَّة الرحمن وحرصه جل جلاله على تعظيم شأن الإنسان عن طريق إيجاد كل الوسائل والطرق التي توفر أجواء الرُقي والتمييز عندهُ، بحيث تكون مختلفة عن باقي المخلوقات المُحيطة بالبشر!
    ألا يستحق ذلك الامتنان من الإنسان كي يرد على سؤال الرحمن (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (23)) وأن يقول: نعوذ بالله أن نُكذب أو ننكر بأيٍ من نعمك وأفضالك علينا يا ألله.
    الخُلاصة هُنا بأنَّ الأمر يتمحور حول رعاية واهتمام الخالق سُبحانهُ وتعالى في حياة الإنسان لتكون حياة سعيدة وهانئة وعلى أجمل ما يكون، وجُل الاهتمام هُنا إنما يتَّضح عند علمنا بتخصيص معلومة في آية واحدة، وهذهِ الآية إنما تكون في سورة عظيمة، وهذهِ السورة إنما تحمل اسماً عظيماً، فتكون نتيجة الفهم الصحيح والتفسير المنطقي والمعقول عن طريق العلم اليقين بحقيقة الأسماء وبحقيقة بيانها والتي أظهرت محبة ورعاية واهتمام الخالق جلَّ وعلا بسعادة خليفتهِ في الأرض ألا وهو الإنسان، وحرصهِ سُبحانه على رفاهية وجمال بل وحضور البشر اللائق كمخلوقات بين الخلائق.
    وهذا التفسير إنما يرقى إلى سر قد تمَّ كشفه.
    فأمر هذهِ الآية كان معروفٌ للعوام، ولكن تفسيرها بهذا الشكل المنطقي والمعقول لم يكن ليعرفهُ أحد قبل الآن، فلم يعرف الناس حول سر هذهِ الآية الكريمة أو الآيات السابقات في هذهِ السورة العظيمة سورة الرحمن، بل وفي الآيات اللاحقة منها، إلا عن طريق علم الأسماء وعلم البيان، ويبقى العارفون بهذا العلم قليلون.
    إن من سلبيات عدم معرفة الإنسان بعلم الأسماء والبيان، هو أن يكون في التوهان والتشكيك بإرادة ومشيئة بل وبحكمة الرحمن، وهو ما نُلاحظهُ جلياً عندما نقرأ نقد سورة الرحمن واتهامها بالضعف والركاكة وبتكرار الكلام دون بيان، وهذا إن دلَّ على شيء فأنَّه يدل على حاجة الإنسان لمعرفة علم الأسماء ليتبين حينها حكمة الله في آياته وخلقهِ، وحقيقة علمه عندما يتم تعليمه، وحاجة الناس لعلم بيانه.
    من كتاب (السر الأعظم أو سر الأسرار - دراسة في أسرار وخفايا سورة الرحمن)
    صفحة 141 -146
    تأليف : محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)

 

 


تعليقات الفيسبوك



ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •