محادثات القاهرة والاتفاق المستحيل


ياسين عز الدين


ما توصلت إليه الفصائل الفلسطينية في القاهرة من الناحية النظرية إنجاز ممتاز وخطوة مهمة، ولا توجد فيه تنازلات من حركة حماس لأن أغلب ما التزمت به تطبقه منذ زمن بعيد.


المشكلة الحقيقية هي في التطبيق، فهل ستلتزم به السلطة وحركة فتح؟ بالأخص جزئية حرية العمل السياسية لفصائل المقاومة وعلى رأسها حركة ح، فهذه الجزئية لا يتعلق تطبيقها فقط برغبة حركة فتح بل لها تداعيات لأن رفع القيود عن حماس في الضفة هو خط أحمر يرفضه الاحتلال بشدة، ربما هو منشغل في صراعاته الداخلية إلا أن أجهزته الأمنية لن تسمح لهذه الصراعات بأن تصرفها عن مواجهة عودة حركة حماس لميدان الضفة.


وهنا يأتي التساؤل المشروع: كيف تتفاهم حركة حماس مع سلطة وتنظيم يرتبطان بالاحتلال؟ بالإمكان إيجاد أي تخريجة والتعامي عن الكثير من جزئيات "التنسيق" بين السلطة والاحتلال من تغيير البناشر إلى المشاركة بجنازة بيريز، إلا أن بعضها وعلى رأسها التعاون المعلوماتي (العمالة) لا يمكن تجاهلها بأي طريقة كانت، واتفاقية القاهرة لم تنص على وقفها.


وهذا "التعاون المعلوماتي" حيث تأخذ أجهزة أمن السلطة الأوامر من الاحتلال لاعتقال مقاومين، وتسلم الاحتلال كل ما لديها من معلومات بخصوص المقاومين هو معلن عنه وفق اتفاقيات أوسلو وتفاهمات متشيل وتينت وترتيبات دايتون، كما أن الممارسة على الأرض تركت آلاف الأدلة والشواهد عليه.


فقبل أيام حكمت الاحتلال بالسجن 32 شهرًا على الأسير ع. أبو صبـيـ. بالسجن، بعد أن اعتقلته السلطة وبحوزته سلاح ثم أفرجت عنه بعد أيام من التحقيق ليتلقفه الاحتلال ويحكمه بناء على السلاح الذي صادرته السلطة والمعلومات التي وصلته من أجهزتها الأمنية، ومثل هذه الحالة يوجد حرفيًا آلاف الحالات منذ إنشاء السلطة.


والإنخراط في هذا "التعاون" لا يختلف عن العمالة المباشرة للاحتلال في الكثير من نواحيه، وهذا ما يدفع الناس لطرح تساؤلين هامين:


1- كيف تتفاوض حركة ح مع سلطة تمارس الخيانة؟


2- كيف سيطبق اتفاق القاهرة وحركة فتح مرتبطة بعلاقة مع الاحتلال وهذه العلاقة لا تسمح بتطبيق الاتفاق، ولا توجد مؤشرات جدية بوقف هذه العلاقة؟


وللإجابة على ما سبق نسأل ما هي الخيارات أمام حركة حماس للتعامل مع هذه الحالة؟ هل تعلن الحرب على السلطة وننخرط في حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس؟ هل المجتمع الفلسطيني سيقبل بذلك؟ هل الفصائل الوطنية الأخرى ستقبل ذلك؟ هل أبناء فتح الذين لا ينخرطون في التنسيق الأمني لكن يسكتون عنه سيقبلون أن تتعرض أجهزتهم الأمنية المتورطة بالتنسيق الأمني لهكذا حرب؟


أم أن الخيار هو بقاء الوضع الحالي حيث يستمر حصار غزة والتوسع الاستيطاني في الضفة دون أي أفق لتغير الوضع؟


لو أن الشعب الفلسطيني يجمع بشكل جدي وحاسم وواضح على التخلص من تنسيق الأجهزة الأمنية وعلاقتها المرفوضة مع الاحتلال، لانتهت هذه الظاهرة لكن هذا الاجماع غير موجود بكل أسف.


مما يترك حركة حماس أمام خيارات محدودة للغاية، في محاولة لتحريك المياه الراكدة لعل وعسى تخترق هذه الحلقة الشريرة التي تحكم الرباط على شعبنا: حيث يتدخل الاحتلال لمنع كل جهود المصالحة وإصلاح الوضع الداخلي، ولوقف تدخل الاحتلال يجب اتمام المصالحة "المستحيلة"!


ما تم التوقيع عليه في القاهرة يدين السلطة إن لم تلتزم به (وهو ما يبدو الخيار الأرجح) وإن التزمت به فهو إنجاز مهم.


والسؤال ما الذي سيحصل في حال لم تلتزم السلطة؟ الذي يتحمل مسؤولية ذلك هم أبناء فتح القابلين بعلاقة قياداتهم مع الاحتلال، والفصائل الوطنية التي تتخذ موقفًا رماديًا تجاه هذه العلاقة وتكتفي بالإدانة اللفظية والخجولة، ومجموع الشعب الفلسطيني، فبدون ضغط حقيقي من هذه الجهات على السلطة والقيادة المتنفذة في فتح سنبقى ندور في نفس الحلقة المفرغة.


أما حركة حماس فقدمت كل ما تستطيع لسحب الذرائع من السلطة، ولم يبقى سوى التنازل عن مبادئها الرافضة للخضوع للاحتلال، أو الاستمرار في محاولة البحث عن طرق لاختراق الحلقة الشريرة التي تقيد شعبنا وتمنعه من الانطلاق نحو مقاومة الاحتلال.