الثورة الصناعية وتحديات الكورونا

كما أحدثت الثورات الصناعية الثلاث السابقة والتي كان أولها في أواخر القرن الثامن عشر، تغييراتٍ كبيرةً على حياتنا، تمثَّلت بتطوّر الحياة الزراعية البدائية التي استمرت نحو عشرة آلاف سنة، إلى حياة تعتمد التكنولوجيا على المستويين الفردي والمجتمعي. تواجه حالياً الثورةٍ التكنولوجيةٍ (الثورة الصناعية الرابعة) بشكل أساسٍي تحديات في صحة البشر وقدرتهُم على البقاء مع وجود جائحة كوفيد 19 وما قد يتبعها من أوبئة محتملة والتي ساهمت تبعات الثورات الصناعية السابقة بطريقة ما أو بأخرى في تسريع إنتشارها بين الناس ومن دون قصد وذلك عن طريق مكتسباتها التي حرصت على تسهيل التنقل وتسريعهُ بين البشر في شتى بقاع الأرض كذلك عن طريق تغيير الطريقة التي أصبحنا فيها نعيش ونعمل ونرتبط بعضنا بالبعض الآخر، فحجم التحوُّل ونطاقه وتعقيداته أصبح مختلفاً عما شهدته البشرية من قبل، فالحياة قبل الثورة الصناعية كانت متشابهة تقريباً حول العالم، وكانت مختلفة كلياً عمَّا نعرفهُ اليوم، ولا يفوتنا هُنا تعريف "الثورة الصناعية الرابعة" بكونها التسمية التي أطلقها المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سويسرا، في عام 2016م، على الحلقة الأخيرة من سلسلة الثورات الصناعية، التي هي قيد الانطلاق حالي.
بخصوص الأوبئة فلا يختلف إثنان على فجاعة الآثار السلبية التي خلفتها جائحة كورونا على البشر وفي جميع المستويات ولعل أهمها على مستوى اقتصاد الدول الذي إنهار وأصابهُ الشلل التام ولفترات ليست بالقصيرة كذلك على المستوى الإجتماعي حيث تم فرض التباعد وتقييد حركة الأفراد في كل مكان في العالم، حينها تحول إهتمام العالم أجمع بعلمائهِ ومفكريه من الحرص على المساهمة في الثورة الصناعية الرابعة إلى العمل بكل قوة وجدية على محاربة هذهِ الفيروسات وإيجاد السبل الكفيلة لردع هذهِ الأوبئة وتحييدها بل والقضاء عليها بشكل نهائي إن أمكن وهو أمر ليس بالهيِّن على الإطلاق إن لم يكن مستحيلاً.
فالتحدي الكبير أمام أنصار الثورة الصناعية الرابعة هو في قدرتهِم على إيجاد طرق حديثة وفعَّالة لمواجهة الأمراض والأوبئة التي يسهل إنتشارها بين البشر، بحيث تكون الثورة الصناعية بما تتضمنهُ من ذكاء إصطناعي وغيرها من تكنولوجيا متطورة عامل رئيسي في حماية البشر بل وسكان الأرض جميعاً من هذهِ الأوبئة الخطيرة على حياة الناس.
ومما لاشك فيهِ أنَّ الطريقة الوحيدة أمام البشرية للمضي في تقدمها بجني ثمار الثورة الصناعية الرابعة هي في تفعيل تلك الأفكار والمعتقدات الدينية المحصورة بدين محدد وهو الإسلام من دون شك والتي من شأنها أن تشجع الإنسان على الإبتكار والتطوير المادي من ناحية والتي تحفزه على الإبتعاد عن الإباحية في السلوك والمُعتقد وبصورة نهائية من ناحية أخرى.
فالإباحية (الحرية المُطلقة في التصرُّف مع الآخرين) هي العدو الأول للإنسان كونها تمنعهُ من تحصين نفسهِ ومجتمعهُ أمام مختلف الأوبئة والأمراض النفسية والجسدية، وذلك في رفضها للقيود التي يحددها دين الإسلام العظيم من لباس وإسلوب عيش وطريقة حياة من شأنها أن تُحصن الأفراد والمجتمعات من جميع الآفات الضارة بصحة الإنسان سواء كانت مادية كالفيروسات وغيرها، أو الإجتماعية كالعلاقات المحرمة وغيرها من سلوك غير سوي.
فإن تمَّ الإلتزام بدين الإسلام بما يفرضهُ من قوانين وشرائع تكون الثورة الصناعية الرابعة نقية وخالصة وصحية للبشر أجمعين، حينها سوف ينعم الإنسان بمنجزات ثورتهِ ويفرح الناس بمكتسباتها الحضارية والتقنية دون الخوف من جوانب سلبية قد تدمر كل إنجازات البشر تلك في لحظة ومن أتفه الأسباب كالفيروسات وغيرها.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين.
محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)