قال تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 261].


يروي ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أجودَ الناس، وكان أجودَ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيُدارِسُه القرآن، فلَرسولُ الله أجودُ بالخير من الريح المرسَلة[1].


أرأيت كيف أن علوَّ نفس رسول الله في درجات الروحانيَّة مع روحانية لقاء جبريل عليه السلام، مع روحانية تلاوة القرآن الكريم، فيجود صلى الله عليه وسلم كالريح المرسلة، لا يُبقِي على شيء، وكذلك أثر العبادة الخالصة في نفوس العابدين.

ما سُئِلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ شيئًا فقال : لا

الراوي : جابر بن عبدالله | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الأدب المفرد
الصفحة أو الرقم: 213 | خلاصة حكم المحدث : صحيح
التخريج : أخرجه البخاري (6034) وفي ((الأدب المفرد)) (279) واللفظ له، ومسلم (2311)
كانَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحْسنَ الناسِ خُلُقًا، وأَجْوَدَهم وأكَرَمهم؛ وفي هذا الحديثِ أنَّه "ما سُئِلَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شَيْئًا قَطُّ"، أي: ما طُلِبَ مِنهُ شيءٌ مِن مَتاعِ الدُّنْيا، وغيرِها ممَّا يَسْتطيعُ في أيِّ وقتٍ تقديمَهُ، "فقال: لا"؛ فإمَّا أن يُعْطِيَ ما يُطْلَبُ مِنهُ إن كانَ عِندَهُ، وإلَّا سَكَتَ.
وفي الحديث: بيانُ كَرمِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وحُسْنِ خُلقِه..


وشهر رمضان موسم للمتصدِّقين، وفرصة للباذلين والمعطِين.

اللهُ أعطاك فابذُلْ مِن عطيَّتِه
فالمالُ عاريةٌ والعمرُ رحَّالُ
المالُ كالماء إن تحبس سواقيه
يَأْسِنْ وإن يجر يعذُبْ منه سلسالُ

إن الصيام يدعو إلى إطعام الجائع، وإعطاء المسكين والفقير.


وصحَّ عن رسول الله أنه قال: ((إن لله ملَكينِ يُناديانِ في كل صباح، يقول أحدهما: اللهم أَعطِ منفِقًا خلَفًا، ويقول الآخر: اللهم أَعطِ ممسكًا تلفًا))[2] ، فكلما أنفَق العبد أخلَفَ الله عليه ببَسْطة في الجسم، وراحة في البال، وسَعة في الرزق، وشفاء من الأمراض، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ [سبأ: 39].





حال الصحابة والسلف مع الصدقة:

♦ كان أبو بكر الصدِّيق يتصدَّق بماله كلِّه، وعمرُ ينفق نصف ماله، وعثمانُ جعل ماله في مرضاة الله، جهَّز جيش العُسرة، واشترى بئر رومة، وكان عليٌّ كرم الله وجهه يقول: "لأنْ أجمع ناسًا من أصحابي على صاعٍ من طعام أحبُّ إليَّ من أن أخرج إلى السوق فأشتري نسمة فأعتقها".


♦ وكان عبدالرحمن بن عوف غنيًّا موسرًا، فتصدَّق مرة واحدة بسبعمائة جمل على فقراء المدينة.


♦ وكان زين العابدين يحمل الدقيق ليلًا على كتفه؛ ليطرق بيوت الفقراء بعد أن يترك الدقيق، فإذا خرجوا وجدوا الدقيق ولم يجدوا المتصدِّقَ، ولم يعرف الناسُ هذا الرجلَ إلا بعد أن مات.


♦ وكان الليث بن سعد فقيهُ مصر لا يتكلم كلَّ يوم حتى يتصدق على ثلاثمائة مسكين.


هذا هو شأن الصحابة والسلف، فما هو شأنك أنت مع الصدقة والإنفاق؟ أليس من العجيب أن يجود بعضُ الناس في الأمر التافه والضار بدم قلبه، وعرق جبينه، وعصارة روحه، ويبخل بالنذر اليسير لتفريج كربات المسلمين في فلسطين وسوريا وبلاد إفريقيا؟!


تذكَّرْ أيها الحبيب أن:

♦ في الناس صائمًا لا يجد كِسرةَ خبز، ولا مذقة لبن، ولا تمرة.

♦ في الناس صائمًا لا يجد بيتًا يؤويه، ولا ملابس تستره، ولا غطاءً يدفئه.

♦في الناس صائمًا لا يجد ما يُفطِر به، أو يتسحر عليه.


فوائد الصدقة:

1) أنها طهارة للمال: قال تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ [التوبة: 103]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((حصِّنوا أموالَكم بالزكاة)).


2) أنها تُطفِئ غضب الله: فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الصدقة تُطفِئُ الخطيئةَ كما يطفئ الماء النارَ))، الخطايا لها حرارة في القلوب، واشتعال في النفوس، ولا يطفئ هذه الحرارةَ إلا الصدقةُ؛ لأنها باردة على القلب، طيِّبة على الروح، تَحُسُّ الخطايا حسًّا.


3) أنها علاج للأمراض والأزمات: قال صلى الله عليه وسلم: ((داوُوا مَرْضاكم بالصدقة)).


4) أنها باب واسع من أبواب الغِنى: قال تعالى: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ [سبأ: 39]، وصح عن رسول الله أنه قال: ((ثلاثة أُقسِم عليهن، وعدَّ منها: ما نقَصَ مالٌ من صدقة)).


5) أن العبد يستظل بها يوم القيامة: فقد صح عن رسول الله أنه قال: ((كل امرئ في ظِلِّ صدقته يوم القيامة، حتى يقضى بين العباد يوم القيامة))، وكل بحسب ظله الذي أنتجته صدقته في الدنيا.


6) الفلاح في الدنيا والآخرة: قال تعالى: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر:9].


أيها الصائم، إنك ببَذْلِك وعطائك تقرض ربَّك ليوم فقرك وحاجتك يوم الفقر والمسكنة.

أيها الصائم، شربة ماء، ومذقة لبن، وحفنة تمر، وقليل من الطعام والمال، تسديها إلى محتاج هي طريقُك إلى الجنة.

أيها الصائم، تالله لا يَحفَظُ المالَ مثلُ الصدقة: ((ما نقَصَ مالٌ من صدقة))، ولا يزكِّي المالَ مثلُ الزكاة.

مات كثير من الأثرياء وتركوا من الأموال والدُّور والقصور والكنوز ما اللهُ به عليم، وأصبح كل ذلك حسرةً عليهم؛ لأنهم ما قدَّموا لأنفسهم، وما أنفَقوا في مرضاة الله، فقدِّم أنت لنفسك.


وقد صحَّ عن رسول الله أنه وقَفَ أمام الصحابة فقال: ((أيُّكم مالُ وارثِه أحَبُّ إليه من ماله؟))، قالوا: لا أحد، قال: ((إنما مالُك ما قدَّمتَ، ومالُ ورثتك ما أخَّرتَ)).


واجب عملي:

حدِّد مبلغًا معينًا من بداية شهر رمضان، وقسِّمه على مدار الشهر، وتصدَّق كلَّ يوم على فقير أو مسكين أو محتاج.. إنها أفضل الصدقة، كما جاء في الحديث:
((أفضلُ الصدقة صدقةُ رمضان)).



عصام محمد فهيم جمعة

شبكة الالوكة