[ من مقدّمة "مصطفى السباعي" لكتابه: "هكذا علمتني الحياة" ]




إن هذه الخواطر هي خلاصة تجاربي في الحياة، وأعتقد أن من حق الجيل الذي أتى بعدنا أن يطّلع على تجاربنا، وأن يستفيد من خبرتنا إذا وجد فيها ما يفيد، وهذا خير ما نقدمه له من هدية. إننا لا نستطيع أن نملي عليه آراءنا إملاءً، وليس ذلك من حقنا، وإنما نستطيع أن نقدم له النصح والموعظة. وخير النصح ما أعطته الحياة نفسها، وأبلغ الموعظة ما اتصل بتجارب الحياة ذاتها. والناس وإن اختلفت مشاربهم وعقولهم وطباعهم، فإنهم يلتقون على كثير من حقائق الحياة، ويجتمعون على كثير من الرغبات والحاجات والأهداف.
ولا سبيل إلى إنصاف مخالفك في الرأي إلا أن تستمع إليه وترى ما عنده، فقد تجد فيما تسمع – إن كنت طالباً للحق – بعض الصواب الذي كنت تظنه خطأ، وبعض الحق الذي كنت تراه باطلاً، وقد مدح الله عباده المؤمنين (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنَه).






"هكذاعلمتني الحياة"

خداع الشيطان باسم الطاعة

يغريك الشيطان بالمرأة عن طريق الرحمة بها، ويغريك بالدنيا عن طريق الحيطة من تقلباتها، ويغريك بمصاحبة الأشرار عن طريق الأمل في هدايتهم، ويغريك بالنفاق للظالمين عن طريق الرغبة في توجيههم، ويغريك بالتشهير بخصومك عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويغريك بتصديع وحدة الجماعة عن طريق الجهر بالحق، ويغريك بترك إصلاح الناس عن طريق الاشتغال بإصلاح نفسك، ويغريك بترك العمل عن طريق القضاء والقدر، ويغريك بترك العلم عن طريق الانشغال بالعبادة، ويغريك بترك الجهاد عن طريق حاجة الناس إليك، ويغريك بترك السنَّة عن طريق اتباع الصالحين، ويغريك بالاستبداد عن طريق المسؤولية أمام الله والتاريخ


لا يخدعنك


لا يخدعنّك من إنسان شكواه من الفساد؛ فقد يكون هو من أكبر أسبابه، ولا يخدعنك منه تحامله على المفسدين؛ فقد يكون هو من أساطينهم، ولا يخدعنك منه تأسفه على ضياع الدين؛ فقد يكون هو أول من أضاعه، ولا يخدعنك منه ترحمه على المصلحين؛ فقد يكون هو أول من قضى عليهم.


خذ مئة وأعطني واحداً


خذ من أمتنا مئة مصوّر، وأعطها طياراً واحداً، وخذ منها ألف مغنّ وأعطها مخترعاً واحداً، وخذ منها كل العابثين واللاهين وأعطها مُجِدّاً واحداً.


ميادين الاختبار


في المآزق ينكشف لؤم الطباع، وفي الفتن تنكشف أصالة الرأي، وفي الحكم ينكشف زيف الأخلاق، وفي المال تنكشف دعوى الورع، وفي الجاه ينكشف كرم الأصل، وفي الشدة ينكشف صدق الأخوة.


دعاية العمل أبلغ!


لو عمل المسلمون بآداب قرآنهم للفتوا الأنظار إلى روعته أكثر من ألف جمعية، وألف خطاب، وألف كتاب.


بخل الزعماء


أسوأ أنواع البخل: بخل الزعماء والرؤساء؛ إلا أن يكون بخلاً بمال الدولة فذلك هو الحرص الذي يحبه الله ورسوله، ويقدره العقلاء ويحفظ به المجتمع.


بمَ ينمو العقل؟


لا ينمو العقل إلا بثلاث: إدامة التفكير، ومطالعة كتب المفكرين، واليقظة لتجارب الحياة.


للنجاح في معترك السياسة


سلامة القلب، ونظافة اليد، وصحة العقيدة، واستقامة الأخلاق، لا تكفي وحدها للنجاح في معترك السياسة ما لم يضف إليها: ألمعية الذهن، ومرونة العمل، وحرارة الروح، وتفهم مشكلات المجتمع وطبائع الناس.


أساس نكبة أمتنا


أساس نكبة أمتنا في القديم والحديث: حكامها الظالمون، وأذكياؤها المنافقون، وعلماؤها الغافلون.


خمسة لا أمان لهم


خمسة لا أمان لهم: ملحد ينكر وجود الله، ومتسلط لم يصل إلا بالغدر والجريمة، ومغمور نشأ في بيئة فاسدة ثم ساعدته الظروف على الظهور، ومغرور حاقد متعطش لسفك الدماء، وكذاب أوصله كذبه إلى الشهرة والمجد.


السياسي الناجح


السياسي الذي يعتمد على الجماهير الجاهلة وحدها سياسي دجال، والسياسي الذي يعتمد على المثقفين وحدهم سياسي فاشل، والسياسي الناجح هو الذي يستطيع أن يجمع حوله المثقفين والجاهلين.




الأخلاق والسياسة
الأخلاق أولاً ثم العلم والدهاء، هذا ما تنتفع به الأمة ممن يتصدون لسياستها.




أخطر على الدين


الذين يسيئون فهم الدين أخطر عليه من الذين ينحرفون عن تعاليمه، أولئك يعصون الله وينفّرون الناس من الدين وهم يظنون أنهم يتقرَّبون إلى الله، وهؤلاء يتبعون شهواتهم وهم يعلمون أنهم يعصون الله ثم ما يلبثون أن يتوبوا إليه ويستغفروه.


شتان!


انتماؤك إلى الله ارتفاع إليه، واتباعك الشيطان ارتماء عليه، وشتان بين من يرتفع إلى ملكوت السموات، ومن يهوي إلى أسفل الدركات.


من عيشة المؤمن


ثلاث هنّ من عيشة المؤمن: عبادة الله، ونصح الناس، وبذل المعروف.


جنود الدعوة الأوائل وجنودها الأواخر


جنود الدعوة الأوائل كانوا يُقِلّون من الجدل، ويُكثرون من العمل، وكانوا يبخلون بالأقوال، ويجودون بالأموال، وكان عزمهم على الجهاد مستعلناً، وإخلاصهم فيه مستخفياً. وجنود الدعوة الأواخر يُكثرون من الجدل، ويقلون من العمل، ويجودون بالأقوال، ويبخلون بالأموال، وإعلانهم للدعوة مجلجل، وهم في الجهاد من أجلها على وجل.


أخطاء الأصدقاء


لا تهجر أخاك لأخطائه ولو تعددت، فقد تأتيك ساعة لا تجد فيها غيره.


أقوال المبغضين


اصبر على ما يشيعه عنك مبغضوك من سوء، ثم انظر فيما يقولون، فإن كان حقًّا فأصلح نفسك، وإن كان كذباً فلا تشك في أن الله يظهر الحق ولو بعد المدى. (إن الله يدافع عن الذين آمنوا).


كيف تسلم أعصابك من التلف؟


عامل القدر بالرضى، وعامل الناس بالحذر، وعامل أهلك باللين، وعامل إخوانك بالتسامح، وعامل الدهر بانتظار تقلباته، تسلم أعصابك من التلف والانهيار.


يا رجال الدعوة


إنكم تتألمون اليوم لاستغلال بعض الناس دعوة الإسلام والأخلاق، إلى جر المغانم لأنفسهم من جاه أو مال أو جرهما معاً، مما آذى سمعة الإسلام، وأضر بالدعوة إلى الأخلاق الإسلامية الصحيحة، لا تتألموا من ذلك يا إخواني؛ فإن استغلال الدين واستغلال ذوي السلطان والقوة للمتظاهرين بالدعوة إلى الله، لم ينقطع في كل عصور التاريخ، وبخاصة في تاريخ الإسلام، ولقد قرأتم في تاريخ المصلحين كيف كانوا في كل عصر يقاوَمون في دعوتهم من قبل المستغلين للدين أكثر من أعدائه، وأنكم لتعلمون أن أولئك الذين كانوا يقاومون المصلحين كانوا أكثر قوة ونفوذاً في الجماهير ممن يقاومون دعوتكم اليوم أو يستغلونها، حتى إنكم لتجدونهم أقزاماً بجانب أعداء الإصلاح في الماضي، ومع ذلك لقد ذهب أولئك الدجالون جميعاً إلى الجحيم، وبقي المصلحون وحدهم هم الخالدين.




حوار مع السعادة


قيل للسعادة: أين تسكنين؟
قالت: في قلوب الراضين.
قيل: فبمَ تتغذين؟
قالت: من قوة إيمانهم.
قيل: فبمَ تدومين؟
قالت: بحسن تدبيرهم.
قيل: فبمَ تُستجلَبين؟
قالت: أن تعلم النفس أن لن يصيبها إلا ما كتب الله لها.
قيل: فبمَ ترحلين؟
قالت: بالطمع بعد القناعة، وبالحرص بعد السماحة، وبالهمّ بعد السرور، وبالشك بعد اليقين.


بمَ فتحنا الدنيا؟


نحن لم نفتح الدنيا بأمَّهات ماجنات متحلّلات، ولكننا فتحناها بأمهات عفيفات متدينات، ولم نرث خلافة الأرض بأدب الجنس الشره الجائع، ولكننا ورثناها بأدب الخلُق الثائر والتهذيب الوادع.


الثمرات


لكل فضيلة ثمرة تدلُّ عليها. فثمرة الإيمان العمل، وثمرة الحب الخضوع، وثمرة العلم الخشوع، وثمرة الأخوة التراحم، وثمرة الإخلاص الاستقامة، وثمرة الجهاد التضحية، وثمرة الزهد الكرم، وثمرة اليقين التسليم، فإن لم تكن مع هذه الفضائل ثمارها كانت دعاوى.


خمسة لا يَنْصُرون


لا تنتصر الأمة في معركتها مع أعدائها بخمسة: متهالك على الشهرة، وجبان عند العمل شجاع عند القول، ومغرور يقدر نفسه أكثر مما هي ويقدر أعداءه أقل مما هم، ومُؤثر للسلامة على التضحية، وللحياة على الموت.


خبث النية


خبث نية القائد تقود الجنود إلى الهزيمة ولو كانت نواياهم حسنة، وهذا غير المكر والدهاء والحيل في الحروب؛ فإنها من وسائل النصر على الأعداء.


ذُلّ الشهوة والطمع


كم أذلت الشهوة كرامة الرجال، وكم أذل الطمع أعناق الأبطال!


الإفراط


الإفراط في الحزم ظلم، والإفراط في اللين ضعف، والإفراط في العبادة غلو، والإفراط في اللذة فجور، والإفراط في الضحك خفة، والإفراط في المزاح سفاهة، والإفراط في النوم خمول، والإفراط في الكرم تبذير، والإفراط في الاقتصاد شح، والإفراط في الاحتراس وسواس، والإفراط في الاطمئنان غفلة، والإفراط في الجد يبوسة، والإفراط في الراحة كسل، والإفراط في محاسبة الناس عداء، والإفراط في التسامح معهم ضياع، والإفراط في الغيرة جنون، والإفراط في الإغضاء جريمة.




حبّان لا يجتمعان


حبان لا يجتمعان في وقت واحد:
حب الله، وحب المعاصي.
حب الجهاد، وحب الحياة.
حب التضحية، وحب المال.
حب الحق، وحب الرئاسة.
حب السلام، وحب الانتقام.

حب الإصلاح، وحب السلامة.
حب الكفاح، وحب الراحة.
حب العدل، وحب الاستبداد.
حب الشعب، وحب الطغيان.
حب الخير، وحب الخداع.


لا يجتمعان في قلب أبداً


لا يجتمع حب الله وموالاة الظالمين في قلب عالم أبداً.
لا يجتمع حب الدين وموالاة المفسدين في قلب داعية أبداً.


المصلح الأحمق!


المصلح الأحمق هو الذي يحاول أن يقطع الأمة عن جذورها الممتدة في أعماق التاريخ.


حوار بين الحق والباطل


تمشَّى الباطل يوماً مع الحق
فقال الباطل: أنا أعلى منك رأساً.
قال الحق: أنا أثبت منك قدماً.
قال الباطل: أن أقوى منك.
قال الحق: أنا أبقى منك.
قال الباطل: أنا معي الأقوياء والمترفون.
قال الحق: (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها. وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون).
قال الباطل: أستطيع أن أقتلك الآن.
قال الحق: ولكن أولادي سيقتلونك ولو بعد حين.



شرار الناس


شرار الناس صنفان: عالم يبيع دينه لحاكم، وحاكم يبيع آخرته بدنياه.


لكي يحبك الناس


لكي يحبَّك الناس أفسح لهم طريقهم، ولكي ينصفك الناس افتح لهم قلبك، ولكي تنصف الناس افتح لهم عقلك، ولكي تسلم من الناس تنازل لهم عن بعض حقك.