(للعلامة الأستاذ الشيخ عبدالكريم الدَّبَان التكريتي (1328-1413) -رحمه الله تعالى- "فتاوى" تبلغ (172) فتوى وهي غير مرتبة على الموضوعات، إنما دوَّنها الشيخُ على حسب ورود الأسئلة إليه، ومنها "فتاوى تفسيرية" تبلغ أربع عشرة فتوى.

وكان قد أهدى إليَّ نسخة مصورة منها بخطه -جزاه الله خيراً-.
وهذه الأسئلة كانت تحولها إليه إدارةُ مجلة التربية الإسلامية في بغداد، ثم تنشر الإجابات في المجلة المذكورة(الفتاوى الثلاث الأخيرة لم تُنشر).

وقد رأيتُ من المفيد استخراجَها، وترتيبَها على حسب تسلسل الآيات المسؤول عنا، ونشرَها، تعميماً للفائدة، وإظهاراً لطريقة الشيخ في الفتوى والكلام على الآيات.
وهذه الفتاوى كانت ما بين سنة (1397) وسنة (1401).
وهي غير ما جاء في رسالته: "رسالة في التفسير على صورة أسئلة وأجوبة"، وهذه الرسالة متأخرة عن تلك. تلميذه عبدالحكيم الأنيس).

السؤال الأول:


قال اللهُ تعالى عن القرآن إنه {هدىً للمتقين الذين يؤمنون بالغيب} [البقرة:2] فما المقصودُ بالغيب في هذه الآية؟


الجـواب:


الغيبُ هو الذي لا يتناوله الحسُّ بالمشاهدة ونحوِها، ولا يدركُه العقلُ بالبداهة. وقد يدركُ العقلُ بعضَ ذلك بالاستدلال ولا يدركُ البعضَ الآخر، لأنَّ العقلَ محدود والغيبَ مطلق، ومن البديهي أنَّ المحدود لا يدرِك المطلق. وعدم إدراك الإنسان للأمور التي هي وراء محسوساته لا يدلُّ على عدم وجود تلك الأمور. وليس من الحقِّ القول بأنَّ عدم إدراك المجهول ينفي وجود ذلك المجهول.

قسمٌ من الغيب استأثر اللهُ تعالى بعلمه: قال تعالى: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو}. وقال: {قل لا يعلم من في السموات ومن في الأرض الغيبَ الا الله}.وقسمٌ آخر أخبر اللهُ به بعض رسله: قال تعالى: {عالم الغيب فلا يُظهِر على غيبه أحداً إلا من ارتضى مِنْ رسول}.
وقسمٌ آخر لا يُدرك بالحس ولا ببداهة العقل كما قلنا، لكن يُمكن أنْ يُدرك بالاستدلال إدراكاً إجمالياً، كالاستدلال بالموجودات على مُوجدها، وبوحدة التنظيم في أجزاء الكون، مِنْ أكبر جرمٍ الى جزيئاتِ أخفِّ ذرةٍ يُستدل بذلك على أنَّ مُوجدها واحد قادر عالم، إلى غير ذلك من الصفات الثابتة لله عز وجل.

والمؤمنُ بل كلُّ عاقل ينبغي أنْ يُؤمن بأنَّ هذا الكون الواسع الشاسع لم يُخلق عبثاً، وأنَّ ما يفعله الإنسانُ لا يذهب سُدىً وضَياعاً، وأنَّ هذه الحياة الدنيا ليستْ آخر المطاف، بل لابد مِنْ دارٍ أخرى فيها تلاقي كلُّ نفس جزاءَ أعمالها. (لها ما كسبتْ وعليها ما اكتسبتْ). (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره). (ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى).وأحوال الآخرة ونحوها كلُّها من الغيب.
***


السؤال الثاني:

في القرآن الكريم: {في كل سنبلةٍ مائةُ حبة} [البقرة:261]، فما المقصود بذلك، وهل حصل أنْ يكون في سنبلة واحدة مئة حبة؟
الجـواب:

قال الله تعالى: {مَثَلُ الذين يُنفقون أموالَهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبعَ سنابل، في كل سنبلة مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء، والله واسع عليم}. وهذا مثلٌ لمضاعفة ثواب النفقة في سبيل الله تعالى، وأنَّه يصل إلى سبعمئةِ ضعف. وقد ورد ما يصرح بذلك كما في صحيح مسلم: جاء رجل بناقة فقال: هذه في سبيل الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لك بها يوم القيامة سبعمئة ناقة. وللترمذي والنسائي: مَنْ أنفقَ نفقة في سبيل الله كُتبتْ له بسبعمئة ضعف.ولا يُشترط في الممثَّل به أنْ يكون موجوداً في الواقع، بل يكفي أنْ يكون مفهوماً مقصوداً عند المخاطِب والمخاطَبين. قالوا في مدح بعض الأسخياء: جفنته جبلٌ مِنْ لحم. وقالوا: هذا كجبلٍ مِنْ زمرد وبحر مِنْ زئبق أو ذهب. ولو لم يكن ذلك موجوداً في الواقع.وقبل مدة رأيتُ في "تفسير" لأحد المعاصرين -وهو أحمد مصطفى المراغي المصري- قال في 3/30 ما خلاصتُه أنَّ أحدَ مفتشي جمعية زراعية بمصر عثر في سنة 1942م على سنبلة فيها سبعٌ ومئةُ حبة، فعرضها على الاختصاصيين في حفلٍ جامعٍ فرأوا تلك السُّنبلة وعدُّوها عدّاً!
***

السؤال الثالث:

إنَّ الله تعالى ذكر في سورة النساء حصصَ الورثة ثم قال: {مِنْ بعد وصيةٍ يُوصى بها أو دَيْن} [12، فالذي نفهمه مِنْها تنفيذ الوصية أولاً وتسديد الدَّيْن ثانياً والتوزيع على الورثة ثالثاً. فكيف قال العلماءُ إنَّ تسديد الدَّيْن مُقدَّمٌ على الجميع؟
الجـواب:

أمّا السؤال فوارد، وقد بحثَ فيه العلماء. وأمّا الترتيب الذي ذكره السائلُ فغير صحيح، ولا يُفهم من الآية الكريمة، إذ ليس فيها إلا ترتيب واحد وهو تأخير الإرث عن الوصية والدَّيْن معاً. أي إنَّ توزيع السهام على الورثة لا يجوز إلا بعد الانتهاء مِنْ أمرين: تنفيذ الوصية إنْ كان الميت قد أوصى بشيء وتسديد الدَّيْن إنْ كان الميت مديوناً.الحق أنَّ هذا الجواب وحده يؤدّي بنا إلى نتيجةٍ وهي جواز تنفيذ الوصية قبل تسديد الدَّيْن، وجواز العكس. وهذا ما تفيدُه كلمة (أو). ولكن المطلوب إثباته هو وجوب تسديد الدَّيْن أولاً.للتدليل على ذلك نقول: أجمع علماءُ المسلمين سلفاً وخلفاً على تقديم تسديد الدَّيْن، لأنَّه حق ثابت ومطلوبٌ تسديده مِنْ مال المدين حياً كان المدين أم ميتاً، وطوعاً أم كرهاً. فإذا مات شخصٌ وتركَ مالاً وعليه دَيْنٌ يستغرقُ جميع ماله وجب دفعُه إلى الدائن. ولو نفذنا الوصية قبله، أو وزعنا على الورثة لأدّى ذلك إلى حرمان صاحب الحق مِنْ حقه، وهذا مخالفٌ لما أمر الله به.وقد استدل بعضُ المفسّرين على تقديم الدَّيْن بما روى الترمذي أنَّ رسول الله  قضى بالدَّيْن قبل الوصية. لكنَّ الترمذي نفسَه قال: إنَّ هذا الحديث لا يُعرف إلا مِنْ طريق شخص طعن فيه بعضُ أهل العلم. وابن كثير في "تفسيره" 1/459 ذكرَ الحديث ونقل كلام الترمذي فيه، ثم قال عن الشخص الذي طعنوا فيه: إنَّه كان حافظاً للفرائض مُعتنياً بها وبالحساب اهـ ولا يخفى أنَّ كلام ابن كثير هذا لا يعتبر تعديلاً للشخص.وقال صاحبُ "نيل الأوطار" عن الحديث المذكور: إنه وإن كان إسنادُه ضعيفاً، لكنه معتضد بالاتفاق الذي سلف اهـ 6/168 يقصد اتفاقَ العلماء على تقديم تسديد الدَّيْن.أمّا سببُ ذكر الوصية قبل الدَّيْن في الآية، فالظاهر أنَّ الدَّيْن لما كان مفروغاً مِنْه مِنْ حيث وجوب تسديده، وأنَّ الوصية نوعٌ من التبرع، فلئلا يتساهل الورثةُ في تنفيذها قدَّمها الله سبحانه على الدَّيْن، وعطف الدَّيْن عليها بأو ليدلَّ -والله أعلم- على أنَّها واجبةُ التنفيذ كالدَّيْن.
***


السؤال الرابع:

قال الله تعالى في سورة النساء: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والذين مِنْ بعده} [163] فلماذا لم يذكر الذين من قبل نوح؟
الجـواب:

قال العيني في "عمدة القاري" 1/16: فإنْ قلتَ: لمَ خصص نوحاً عليه السلام ولم يذكر آدم  مع أنَّه أول المرسلين؟ قلتُ: أجابَ عنه بعضُ الشرّاح بجوابين: الأول: أنَّه (أي نوحاً) أول مشرّع عند بعض العلماء. الثاني: أنَّه أول نبي عُوقب قومه. فخصصه تهديداً لقوم محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وفيهما نظر: أمّا الأول فلا نسلِّمُ أنَّه أول مشرّع، بل أول مشرّع هو آدم عليه السلام ، ثم قام بالأمر بعده شيث عليه السلام. وكان نبياً مرسلاً. وبعده إدريس عليه السلام . وأمّا الثاني فشيث أول مَنْ عُوقب قومه بالقتل. والذي يظهر لي من الجواب الشافي أنَّ نوحاً عليه السلام هو الأب الثاني، وجميع أهل الأرض مِنْ أولاده، لقوله تعالى: {وجعلنا ذريته هم الباقين}. انتهى كلامُ العيني. أقول: إنَّ الذي اختاره العينيُّ فيه نظرٌ كذلك، لأنَّ كون نوح هو الأب الثاني لا يتضح به سببُ عدم ذكر مَنْ قبله. وعلى كلٍّ فالذي بقي للناس بعد الطوفان إنما هو شرع نوح فقط وفي ضمْنِه ما أوحى الله للذين مِنْ قبله، فإنه إنما وصلهم عن طريق ما أوحى الله به إلى نوح. ولهذا خُصّص دون مَنْ كان قبله في قوله تعالى: {شرع لكم من الدِّين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا اليك، وما وصى به إبراهيم وموسى وعيسى أنْ أقيموا الدِّين ولا تتفرقوا فيه}.
وليس المرادُ بالآية المذكورة في السؤال وجوبَ الإيمان بما أنزل على نوح ومَنْ بعده دون الإيمان بمن قبله، فإنَّ الإيمانَ بالجميع واجبٌ. قال تعالى: {والذين يؤمنون بما أنزل اليك وما أنزل مِنْ قبلك}. وهذا يشمل ما أنزل على نوح ومَنْ بعده كما يشمل ما أنزل على مَنْ كان قبله.

والظاهر مِنْ قوله تعالى {كما أوحينا إلى نوح} هو التشبيه، أي تشبيه الوحي إلى نبيِّنا بالوحي الى نوح ومَنْ بعده من المرسلين صلواتُ الله عليهم أجمعين. ولعل طريقة الوحي إلى نوح ومَنْ بعده لا تشبهُ طريقة الوحي إلى مَنْ قبله، ولم أجدْ مَنْ أشارَ إلى هذا. والله سبحانه أعلم بالصواب.


السؤال الخامس:
قال الله تعالى: {قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجسٌ أو فسقاً أُهِلَّ لغير الله به. فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فإن ربك غفور رحيم} [الأنعام:145].

هذه الآية تنفي تحريمَ غير الأربعة المذكورة فيها وهي: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما ذُكر عليه غير اسم الله. فكيف هذا مع أنَّ هناك محرمات أخرى من المطعومات كالخمر، ولحم الحمار الأهلي، وغير ذلك؟
الجـواب:

الآية الكريمة المذكورة في السؤال هي مِنْ سورة الأنعام وهذه السورة مكية، نزلتْ ردّاً على المشركين الذين حرَّموا البحيرة والوصيلة وغيرهما، وزعموا أنَّ الله حرَّمها عليهم. فأمر اللهُ رسوله أنْ يُخبِر بأنَّ الله تعالى إلى حين نزول هذه الآية لم يحرِّمْ شيئاً من المطعومات سوى المذكورات. وأمّا المحرَّمات الأخرى كالخمر ولحم الحمار الأهلي ولحم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطيور فقد جاء تحريمُها بعد ذلك. ومعلوم أنَّ المحرَّمات لم تُحرَّمْ دفعة واحدة. وكذلك الفرائض لم تُفرضْ دفعة واحدة فالخمر مثلاً لم يُحرَّم إلا في السنة الثانية للهجرة. والصوم والزكاة والحج لم تفرض إلا بعد الهجرة. فلو قِيلَ قبل الهجرة: ليس الخمرُ حراماً وليست الزكاةُ فرضاً لكان ذلك صحيحاً. ومَنْ أراد التوسُّع في هذه المسألة فلينظرْ في كتب التفسير والحديث والفقه. وأمامي الآن:تفسير البيضاوي (بحاشية الكازروني) 2/212 وتفسير ابن كثير 2/183 وروح المعاني 8/45 وعمدة القاري 21/215 ونيل الأوطار 8/185 والمحلى لابن حزم 7/400 والإتقان للسيوطي 1/30. والله أعلم.
***

السؤال السادس:

قال الله تعالى: {وأذانٌ من الله إلى الناس يوم الحج الأكبر} [التوبة:3]. فما هو يـوم الحـج الأكبر؟
الجـواب:

اشتهر عند كثيرين أنَّ يوم الحج الأكبر هو الذي يكون فيه يومُ عرفة يومَ جمعة، فيكون يوم النحر يوم السبت. قال صاحب "الدر المختار": لوقفة الجمعة مزية سبعين حجة. فقال ابنُ عابدين تعليقاً على ذلك: الحديث: (أفضل الأيام يوم عرفة إذا وافق يوم جمعة، وهو أفضل مِنْ سبعين حجة)، هو حديث باطل، لكن الغزالي ذكر في "الإحياء" أنَّ بعضَ السلف قال ما يُشبِه ذلك. ثم قال ابنُ عابدين: إن بعض العلماء كتبَ رسالةً في تحقيق الحج الأكبر قال فيها إنه اليوم الذي حجَّ فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل: يوم عرفة جمعةً أو غيرها. وقيل: يوم النحر اهـ 2/622 مِنْ حاشية ابن عابدين. مع اختصارٍ وتصرُّف.وقال ابنُ كثير في "تفسيره" 2/332: هو يوم النحر اهـ ثم ذكرَ أقوالاً أخرى. وأصحُّ الأقوال أنَّ العمرة هي الحج الأصغر، والحج هو الحج الأكبر. ويوم الحج الأكبر هو يوم النحر، أي هو أول يوم مِنْ أيام عيد الاضحى.في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما: وقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج وقال: هذا يوم الحج الأكبر. قال في "عمدة القاري" 9/82: أي يوم النحر هو يوم الحج الأكبر اهـ.
***

السؤال السابع:

كيف نوفِّق بين قوله تعالى: {إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون} [يونس:49] وبين الأحاديث الدالة على أنَّ مما يزيدُ في العُمر الصدقة وصلة الرحم؟
الجـواب:

العُمر لا يزيد ولا ينقص، والأجل محدود، تدلُّ على ذلك النصوصُ الصريحـةُ القاطعةُ. والآية المذكورة في السؤال هي مِنْ سورة يونس. وكذا ما يقاربها في سورة الأعراف والنحل وسبأ ونوح وغيرها. وكما وردَ في الأحاديث أنَّ الآجال مضروبـة والأرزاق مقسومة، لا يعجل الله ولا يؤخر شيئاً مِنْها.أمّا ما وردَ مِنْ أنَّ العمر يزيد بالصدقة وصلة الرحم فقد أوّلَه المحققون من العلماء بأنَّ الله سبحانه يباركُ لبعض الناس في أعمارهم فيقومون بأعمالٍ كثيرةٍ ممّا لا يقوم بها مَنْ كان عمره مثل أعمارهم أو أطول مِنْها. كما هو مشاهَدٌ في كل زمان. أو أنَّ تأويل ذلك بأنَّ الناس يذكرونهم بالخير بعد موتهم، كما قيل: (الذكر الحسن عمرٌ ثانٍ).وحول هذه المسالة قال الإمامُ النووي في "شرح صحيح مسلم" 16/114: أجاب العلماءُ بأجوبةٍ الصحيح مِنْها أنَّ الزيادة بالبركةِ في عمرهِ والتوفيقِ للطاعات اهـ.وبعض العلماء حاولَ تأويلَ الأحاديث المشار إليها بأنَّ هناك قدراً محتوماً وقدراً معلقاً. وقال: إنَّ الشخص قد يكون عمره أربعين سنة فإذا تصدَّق مثلاً صار عمرُه خمسين سنة.والذي نقوله: إنَّ هذا التأويل غير مقبول عند التحقيق، لأنَّ الله يعلم بصورة قاطعة ثابتة أنَّ هذا الشخص يتصدّق أو لا يتصدّق مثلاً. ولا تردُّدَ في علم الله تعالى.وكذلك يُقال للمعتزلة الذين قالوا : أنَّ المقتول قد اختُرِم أجله، وأنّه لو لم يُقتلْ لعـاشَ مدة أطول، أي لعاش العمر المقدَّر له عند الله تعالى.. وقولُـهم مردودٌ بالنصوص القاطعـة الدالة على أنَّ الله سبحانه عالمٌ بكل شيء. وكما قدّرَ عمرَ الإنسان قدّرَ أسبابَ وفاته مِنْ مرضٍ أو قتلٍ أو سكتةٍ قلبيةٍ أو شيخوخةٍ، فالقتلُ لا يغيّر القضيةَ المقطوع بها. والله سبحانه أعلم.

***

السؤال الثامن:
في سورة (هود) من القرآن الكريم حول ضيف إبراهيم عليه السلام من الملائكة: {ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاماً قال سلام} [69] لماذا اختلفت اللفظتان ولم تتفقا بأنْ يقول: قالوا سلاماً قال سلاماً، أو يقول: قالوا سلامٌ قال سلامٌ؟

الجـواب:من المعلوم أنَّ الابتداء بالسَّلام سُنة، وأنَّ الاجابة فرض. والإجابة الجيدة أنْ تكون بالأحسن، قال تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن مِنْها أو ردوها}، وإبراهيم عليه السلام ردَّ التحيةَ بأحسن مِنْها. قال صاحبُ "الكشاف" 2/320: (سلاماً) أي سلمنا عليك سلاماً. (سلام) أي أمركم سلام اهـ ومعنى هذا أنَّ (سلاماً) مصدر لفعل محذوف فهو إذاً جملة فعلية، و(سلام) خبر لمبتدأ محذوف، فهو إذاً جملة إسمية. والمقرَّر في العربية أنَّ الجملة الفعلية تفيد التجدُّد والحدوث، والجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار فهي أقوى.وفي "الإتقان" للسيوطي 1/200 عن ابن عطية أنَّه قال: سبيلُ الواجبات الاتيان بالمصدر مرفوعاً كقوله تعالى: {فإمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإحسان}. وسبيلُ المندوبات الاتيان به منصوباً، كقوله تعالى: فضربَ الرقاب. قال أبو حيان: والأصل في هذه التفرقة قوله تعالى: {قالوا سلاماً قال سلام}، فإنَّ الأول مندوب، والثاني واجب اهـ باختصار. والله أعلم.
***

السؤال التاسع:


يُرجى توضيح ما ورد في القرآن الكريم من الآيات التي أُوتيها موسى عليه السلام، والتي وردتْ نصّاً أنَّها تسع [الإسراء:101].
الجـواب:


في سورة الإسراء: {ولقد آتينا موسى تسع آيات} وفي سورة النمل: {وألقِ عصاك، فلما رآها تهتز كأنَّها جانّ ولّى مدبراً ولم يعقّب} إلى أنْ قال: {وأَدخِل يَدك في جيبك تخرج بيضاءَ مِنْ غير سوءٍ في تسع آيات}. وفي سورة الأعراف: {فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاءُ للناظرين} وفيها: {ولقد أخذنا آلَ فرعون بالسنين ونقصٍ من الثمرات لعلهم يذكرون} وفيها: {فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع والدم}.إنَّ الله تعالى آتى موسى عليه السلام آيات كثيرة منذ ولادته، ثم عند إرساله إلى فرعون وقومه، ثم بعد خروجه مع بني إسرائيل إلى سيناء. مِنْ ذلك أنَّ اللهَ تعالى أوحى إلى أمه أنْ تضعه في تابوت وتلقيه في النهر لتخلصه من القتل. ومِنْ ذلك تسخيرُ الله للنهر ليدفعَهُ بأمواجه إلى الساحل قربَ منزل فرعون، وإلقاءُ محبته في قلوبهم، وتحريمُ المراضع عليه إلا أمه، ثم بتأييدهِ عند إرسالهِ إلى فرعون بالعصا التي تنقلب ثعباناً، وبيدهِ التي تخرج بيضاء مع أنَّه عليه السلام كان أسمرَ اللون، وبتأييده ببقية الآيات التسع التي سلطها اللهُ على فرعون وقومه. ثم بعد خروجه مع بني اسرائيل إلى سيناء بضرب الحجر بعصاه وانبثاقِ الماء من الحجر، وبإنزالِ المنِّ والسلوى، وتظليلِ الغمام، ورفعِ الطور.تلك آياتٌ كثيرةٌ، لكنَّ الظاهر أنَّ الآيات التسع هي ما أيّد اللهُ بها موسى في مقابلة فرعون وقومه. وممّا يدلُّ على ذلك قولُه تعالى: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات} وقولُه {فأرسلنا عليهم} أي على آل فرعون {الطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدم}.فالآياتُ هي على أصحِّ الأقوال: العصا، واليد، وفلق البحر، والسنين، والطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدم.وذكر ابنُ كثير في "تفسيره" 3/66 أنَّ ذلك قول ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والشعبي، وقتادة. ثم قال ابنُ كثير: وهذا القول ظاهر جلي حسن قوي اهـ.أمّا هذه الآيات فبعضها مفسَّر في القرآن الكريم كالعصا، واليد، وفلق البحر حتى اجتازه موسى وبنو اسرائيل. وبعضها واضح كالطوفان الذي جرف مزارعهم وقراهم. والقحط بسبب الجدب ونضوب المياه. وهذا هو المعبَّر عنه بالسنين. وإرسال الجراد الكثير عليهم فأكل مزارعهم وقلل الثمر في أشجارهم. وتكاثر الضفادع تكاثراً هائلاً حتى نغّص عليهم معيشتهم وكـاد يشل حركاتهم. أمّا القمّل فقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّه السُّوس الذي يكون في الحبوب وغيرها من الأقوات المخزونة فيأكلها حتى لا يكاد يبقى مِنْها إلا القشور. وأمّا الدم فقد يكون رُعافاً مِنْ أنوفهم خاصة أو نزيفاً مِنْ مناطق أخرى مِنْ أجسامهم. وقد نقل ابنُ كثير في "تفسيره" 2/242 عن ابن أبي حاتم أنه رُويَ عن زيد بن أسلم أنَّ المقصود بالدم الرُّعاف. وهناك روايات أخرى قد يكون بعضها صحيحاً وقد يكون من الإسرائيليات. والله أعلم.
***

السؤال العاشر:

كيف نوفِّقُ بين قوله تعالى في سورة النور: {رجال لا تُلهيهم تجارة ولا بيـع عن ذكر الله} [37] وقوله تعالى في سورة الجمعة: {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً}[11]؟الجـواب:الظاهر أنَّهم كانوا يُصلُّون الجمعة قبل الخطبة كما في العيدين، فقد أخرج أبو داود في "مراسيله" أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين. ذكر ذلك صاحبُ "روح المعاني" في 28/105 وكانوا يرون جواز الانصراف بعد الصلاة كما في العيدين ولم يسمعوا نهياً عن ذلك. كما كانوا يتكلمون في الصلاة فلما نزل قولُه تعالى: {وقوموا لله قانتين} انتهوا عن الكلام. يدلُّ على ذلك الحديثُ الثابتُ في الصحيحين. وذات يوم بينما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب سمعوا ضجيجاً في السُّوق وعلموا أنَّ قافلة وصلت المدينة كانت تحملُ طعاماً كانوا بحاجة شديدة إليه فانصرفَ أكثرُهم فنزل قولُه تعالى: {وإذا رأوا تجارةً أو لهواً} الآية. وجعلَ النبيُّ الخطبة قبل الصلاة كما هي الحال حتى اليوم، فلم ينصرفْ بعد ذلك أحدٌ مِنْهم واستحقوا أنْ يُقال فيهم: {رجالٌ لا تُلهيهم تجارة} الآية. وهناك مصادر كثيرة بحثتْ في ذلك مِنْها:1. تفسير ابن كثير 4/3672. روح المعاني 28/105، 1073. عمدة القاري 6/2454. نيل الأوطار 3/3445. فتح العلام 1/198
***

السؤال الحادي عشر:

في سورة (الأحقاف) أنَّ الجن لما سمعوا القرآن قالوا: {إنا سمعنا كتاباً أنزِل مِنْ بعد موسى مصدقاً لما بين يديه} [30]. فلماذا قالوا: مِنْ بعد موسى، ولم يقولوا: مِنْ بعد عيسى؟
الجـواب:


ذكرَ المفسِّرون وغيرُهم أنَّ السبب في ذلك هو أنَّ الإنجيل أكثره مواعظ، والأحكام فيه قليلة فهو كالتابع للتوراة. قال الله تعالى: {انا أنزلنا التوراة فيها هدى يحكم بها النبيون}. وقد ورد في الصحيحين حول بدء الوحي أنَّ ورقة بن نوفل قال عن جبريل عليه السلام: هذا الناموس الذي كان يأتي موسى. مع أنَّ ورقة كان ممَّنْ تنصّر في الجاهلية. وكان يقرأ الإنجيل ويكتبه بالسريانية. وهو يعلم أنَّه أنزل على عيسى عليه السلام. وهناك أقوالٌ أخرى ذكرها كثيرون، ومِنْهم ابنُ كثير في "تفسيره" 4/170 وصاحبُ "عمدة القاري" 1/52، 53.


السؤال الثاني عشر:

كيف نوفّق بين قوله تعالى: (كل مَن عليها فان ويبقى وجهُ ربك ذو الجلال والإكرام) [سورة الرحمن:26-27 ] وبين ما ندرسه في الفيزياء من النظرية القائلة أن المادة لا تفنى ولا تُستحدث؟
الجـواب:

الحقائقُ ثابتة لا تتغير، أما النظريات فما هي إلا تفسير لبعض الظواهر. وقد يكون هذا التفسير صحيحاً وقد لا يكون، وقد يكون مقبولاً في وقت، ثم يتبين خلله أو عدم شموله في وقت آخر. فالنظريات لا تعارض الحقائق. والنظرية التي ذكرها السائلُ كانت رائجة في وقت ما ثم تبين خللها. ذلك أنهم اعتقدوا أنَّ المادة لا يمكن إيجادها من العدم ولا يمكن إعدامها. وعبروا عن ذلك بقانون حفظ المادة. ثم اعتقدوا ولايزالون يعتقدون أن الطاقة كذلك لا يمكن إيجادها من العدم، ولا يمكن فناؤها ولا إفناؤها، وعبروا عن ذلك بقانون حفظ الطاقة. ثم وجدوا أنَّ بعض المواد يتحول -فعلاً- إلى طاقة، وأنَّ بعض الطاقات يتحول -فعلاً أو نظرياً- إلى مادة. وعلى هذا الأساس صاغوا القانون الذي ينص على أن المجموع الكلي للمادة والطاقة في الكون ثابت. فظهور طاقة جديدة إنما يعني اختفاءَ مادة، وظهـور مادة جديدة إنما يعني اختفاءَ طاقة. ومن المعلوم أن الجسم الصُلب يتحول إلى سائل أو غاز وبالعكس، ولكنه في كل ذلك لايزال مادة، لأن الحالات المذكورة من خواص المادة. أما إذا تلاشت المادة، أي خرجت عن كونها مادة فليس معنى ذلك أنها انعدمت وتلاشت إلى لا شيء، بل إنها تحولت -كما يقولون- إلى طاقة حركية أو حرارية أو كهربائية أو صوتية أو غير ذلك مما عرفه البشر ومما لم يعرفوه بعد. ونحن لا نقول ذلك على سبيل الجزم، ولا نريد أن نتطفل على المختصين بالموضوع، ولا ندّعي الاطلاع على تفاصيله، لأنه ليس من اختصاصنا. أما ما ذكرناه فلا يخرج عن كونه من المعلومات العامة التي قد يعرفها صغارُ طلبة الفيزياء، لكنا اضطررنا إلى عرض المفهوم العام للنظرية الواردة في السؤال لنتمكن من القول بأن اعتقاد ذلك جائز شرعاً أو غير جائز، لأنَّ هذا هو المقصود بالسؤال. أما من الناحية الدينية فإن علماء الكلام بحثوا فيما يتعلق بهذه المسألة في موضوع إثبات حدوث العالم، وفي موضوع إمكان فنائه، وفي موضوع المعاد والبعث بعد الموت. من المقطوع به أن المخلوقات لا بدَّ لها من خالق. وبعض الفلاسفة الأقدمين، مع اعترافهم بذلك، قالوا: إن العالم قديم. أي إن مادته قديمة. وقالوا بالحدوث الذاتي، أي إن العالم مسبوق بوجود الخالق سبقاً ذاتياً، لوجوب تقدم العلة على المعلول والمحتاج إليه على المحتاج، كما لو كان بيدك خاتم فإذا حرَّكت يدك تحرك الخاتم. فحركة الخاتم غير متأخرة بالزمان عن حركة اليد. وحركة اليد سابقة لحركة الخاتم سبقاً ذاتياً لا زمانياً. فلذلك قالوا: العالم قديم مع أنه مخلوق لله تعالى. وهذا القول يلائم القول بأن المادة لا تُستحدث، وعلماء الكلام قالوا بالحدوث الزماني، أي إن العالم كان مسبوقاً بالعدم ثم وُجِد. والجدلُ حول ذلك طويلٌ عريضٌ ودقيقٌ عويصٌ. وعلى كل فإن القول بأن المادة لا تستحدث مخالف مخالفةً صريحةً للقول بأن الله تعالى أوجد العالم من العدم. أما القول بأن المادة لا تفنى فهذا أمر آخر. نقول ذلك مع عدم غفلتنا عن أمور مسلّمة عند علماء الكلام، مثل: (ما ثبت قدمُه امتنع عدمُه) ومثل: (ما يجوز عدمُه يمتنع قدمُه). وحول المعاد الجسماني بحث علماءُ الكلام وبعضُ المفسِّرين في أنه هل يكون المعاد بإعادة الاجسام بعد انعدامها، أو يكون بجمع الأجزاء المتفرقة. فعلماء المسلمين بعضهم قال بالأول، وبعضهم قال بالثاني، ولم يعدّوا مَن قال بأحدهما مخالفاً لما ورد في الدين. فالقـول بهذا أو ذاك لا يُعَدّ خروجاً على الدين. وهذا مما يتعلق بالسؤال أيضاً. ويتضح ذلك ممـا يأتي: قال العلامة التفتازاني في "شرح النسفية" حول البعث: هو أن يبعث الله الموتى من القبور بأن يجمع أجزاءهم الأصلية ويُعيد الأرواح إليها. وأنكره بعض الفلاسفة بناءً على امتناع إعادة المعدوم بعينه، لكن دليلهم على هذا لا يُعتدّ به. ومع ذلك فإن مرادنـا أن الله تعالى يجمع الأجزاء الأصلية للإنسان ويعيد روحه إليه، سواء سُمي ذلك إعادة المعـدوم بعينه أم لا. وقال حول قوله تعالى: كل شىء هالك إلاّ وجهه الهلاك لا يستلزم الفنـاء، بل يكفي الخروج عن حد الانتفاع اهـ 181، 187 مع بعض التصرُّف. وتجد نحو ذلك في "شرح العضدية" لجلال الدين الدواني بحاشية إسماعيل الكلنبوي 1/167. وفي كتاب "المواقف" للعلامة عبد الرحمن الإيجي و"شرحه" للسيد الشريف حول المعاد وإعادة المعدوم: فإن المعاد الجسماني يتوقف عليها (أي على إثبات إعادة المعدوم) عند من يقول بإعدام الأجسام، دون من يقول بأن فناءها عبارة عن تفرق أجزائها واختلاط بعضها ببعض كما تدل عليه قصة إبراهيم عليه السلام في إحياء الطير. ثم قال: هل يُعدِم الله الأجزاء البدنية ثم يعيدها أو يفرقها ثم يعيد تأليفها؟ الحق أنه لم يثبت ذلك، ولا جزم فيه نفياً ولا إثباتاً، لعدم الدليل. وما يُحتَج به على الإعدام من قولـه تعالى: {كل شىء هالك إلاّ وجهه} ضعيف في الدلالة عليه (أي إن القول بأن الآيـة المذكورة تدل على الإعدام قول ضعيف)، لأن التفرق وزوال التأليف خروج للشيء عن صفاته المطلوبة منه، فيكون هلاكاً. ومثله يسمى فناءً عرفاً. ولنفس السبب لا يتم الاستدلال على الإعدام بقوله تعالى: {كل من عليها فانٍ} اهـ 2/440، 445 مع شيء من التوضيح. وقال الشيخ الدواني في "شرح العضدية" 1/165: إن العالم قابل للفناء، أي العدم الطارئ على الوجود اهـ فعلق على ذلك المحقق المرجاني بقوله: الفناء بهذا المعنى مسألة غير مأخوذة من الشرع. ومثلُ قوله تعالى: {كل من عليها فانٍ} قولُه سبحانه: {كل شىء هالك إلاّ وجهه} لا يدل عليه. ثم قال: والإجماع على عدم فناء الجنة والنار وكونهما مخلوقتين الآن، وعدم فناء الأرواح الانسانية يُنافيه، أي ينافي القول بالإعدام. وقد صح عن أبي حنيفة رحمه الله أن اللوح والقلم والعرش والكرسي والجنة والنار لا تفنى. انتهى كلام المرجاني. وفي "تفسير" ابن كثير 3/402 قال في قوله تعالى: {كل شىء هالك إلاّ وجهه}: إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم، تموت الخلائق ولا يموت. كما قال تعالى: {كل مَن عليها فان ويبقى وجهُ ربك ذو الجلال والاكرام} اهـ فابن كثير يفسّر الهلاك هنا بالموت لا بالإعدام. وفي 3/581 منه قال في قوله تعالى: {وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيى العظام وهي رميم ؟ قل يحييها الذي أنشأها أولَ مرة وهو بكل خلق عليم} أي إنه يعلم العظام في سائر أقطار الارض وأرجائها أين ذهبت وأين تمزقت. ثم أورد الحديث الصحيح الذي فيه أن رجلاً أوصى أهله إذا هو مات أن يحرقوا جثته ويذروّا رمادها في اليم. ففعلوا فجمعه الله تعالى (رواه مسلم). وتدل آيات كثيرة على جمع الأجزاء، منها عدا ما تقدم:{منها خلقناكم وفيها نُعيدكم ومنها نُخرجكم تارةً أخرى} (طـه: 55).{أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور} (العاديات: 9).{وإذا القبور بُعثرت} (الانفطار: 4).{أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه} (القيامة: 3).{والله أنبتكم من الأرض نباتاً  ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً} (نوح: 17-18).{ويوم يخرجون من الأجداث سراعاً} (المعارج: 43).{ونُفِخَ في الصورِ فإذا هم من الأجداثِ الى ربهم يَنسِلون} (يـس: 51).{يومَ تَشَقَّقُ الأرضُ عنهم سراعاً  ذلك حشرٌ علينا يسير} (ق: 44). هذا ما ظهر لنا من الإجابة عن السؤال المذكور الذي بعثه إلينا السيد خالد إبراهيم سعيد (من بغداد). وكان كثيرٌ من الطلبة قد سألوا نفس السؤال، لذلك تبسطنا في الجـواب نوعاً ما وحسب اطلاعنا المحدود. والله أعلم بالصواب.
***

السؤال الثالث عشر:

ما معنى قوله تعالى: {فإذا نُقِرَ في الناقور} [المدثر:8]؟
الجـواب:

ذكر المفسِّرون أنَّ الناقور هوالصُّور أي البوق الذي يُنفخ فيه يوم القيامة. وعلى هذا يكون قوله تعالى: (فإذا نقر في الناقور) مثل قوله: (فإذا نفخ في الصور). وذكر العلماءُ أنَّ إسرافيل عليه السلام ينفخ في الصور ثلاث نفخات:الأولى: نفخة الفزع، قال تعالى في سورة النمل: {ويوم يُنفخ في الصور ففزع مَن في السموات ومن في الارض إلا من شاء الله}.والثانية: نفخة الصعق التي يموت فيها الخلائق.والثالثة: نفخة الإحياء بعد الموت، وفي هاتين النفختين قال تعالى: {ونفخ في الصور فصَعِق مَنْ في السموات ومن في الارض إلا مَنْ شاء الله. ثم نفخ فيه أخرى فاذا هم قيام ينظرون}. أمّا حقيقة الصور وكيفية تأثير ذلك على كل ذي روح فذلك ممّا نؤمنُ به ولا نعلم كيف يتم. وعلى كلٍّ فذلك تصوير لأهوال القيامة ممّا إذا تدبَّره الإنسانُ ازداد لله خشيةً وله طاعةً وبه استعاذةً، كما كان سلفنا الصالح.ذكروا أنَّ قاضي البصرة (زرارة بن أوفى) رحمه الله كان يؤمُّ جماعةً في صلاة الفجر فقرأ فيما قرأ: {فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير} فشهق شهقةً وسقط ميتاً.قال راوي الواقعة: كنتُ ممَّنْ حمل جثتَه من المسجد إلى بيته. وردتْ هذه الواقعة في سنن الترمذي 2/232 وذكرها ابنُ كثير في "تفسيره" 4/442 والله سبحانه أعلم.
***

السؤال الرابع عشر:

في سورة (عَبَس) من القرآن الكريم: {فإذا جاءت الصاخة}[33] فما هي الصاخّة، وما هي القارعة، والغاشية؟
الجـواب:

مِنْ معاني الصاخّة في اللغة: الداهية. ويُقال: أصاخ له بمعنى استمع له. ومعنى الصاخة في الآية إمّا يوم القيامة بصورة عامة، وإمّا نفخة الصور الشديدة التي تحصلُ في ذلك اليوم.ووردَ في القرآن الكريم أسماء ليوم القيامة مِنْها: الحاقّة، والطامّة الكبرى، والصاخّة، والغاشية، والقارعة. والمعنى الوصفي في كل مِنْها مرادٌ.سُمِّيتْ بالحاقة لأنَّها لابدَّ أنْ تقع وتتحقق كما يتحققُ فيها غاية الوعد والوعيد، وعدُ الله المؤمنين بالفوز والنجاة والنعيم المقيم، ووعيدُه للكافرين بالخيبة والخسران والهلاك والعذاب المستديم. وسُمِّيتْ بالطامّة الكبرى لأنَّها داهية تطمُّ غيرها، ولقوتها تغلبُ ما سواها، وفيها من الأهوال ظهور جهنم ظهوراً بارزاً للعيان: {يوم يتذكر الإنسان ما سعى وبرّزت الجحيم لمن يرى}. وسُمِّيتْ بالصاخة لأنَّها صيحة شديدة تكاد تصمّ الآذان وتعقبها أهوال: {يوم يفر المرء مِنْ أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه}. وسُمِّيتْ بالغاشية لأنَّها تغشى الناسَ جميعاً بما فيها مِنْ مواقف مذهلة ومَشاهد مرعبة ومواقف مفرحة مريحة: {وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية، تُسقى مِنْ عين آنية. ليس لهم طعام إلا مِنْ ضريع لا يُسمِن ولا يغني من جوع. ووجوه يومئذ ناعمـة لسعيها راضية في جنة عالية لا تسمع فيها لاغية}. وسُمِّيتْ بالقارعة لأنَّها تأتي بغتةً كمن يطرقُ الباب طرقاً عنيفاً على حين غفلةٍ مِنْ أهل الدار. وتحدثُ عند القارعة أهوال فظيعة: {يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش}.


رابطة العلماء السوريين