فاليأس هو: فقد الإنسان الرجاء في حصول المطلوب، أو زوال المكروه، وأعظم منه: القنوط، وهو: أشدّ اليأس، وهو داء قاتل، وتلاعب من الشيطان بالإنسان، ينبغي لكل مسلم أن يحاربه، مستعينًا بالله عز وجل، فالمسلم لا يقنط، ولا ييأس، لأنه يعلم سعة رحمه الله عز وجل، وعظيم قدرته، فخليل الله إبراهيم علية الصلاة والسلام لما بشرته الملائكة بغلام عليم قال لهم: ﴿ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ﴾ [الحجر:56] قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: " والمعني لا يقنط من رحمه الله إلا الضالون والضال: فاقد الهداية، التائه الذي لا يدري ما يجب لله سبحانه

إما من يعلم عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى، وواسع رحمته، فلا ييأس من أي شيء يرجوه ويتمناه، قال العلامة السعدي رحمه الله: من أنعم الله عليه بالهداية والعلم العظيم، فلا سبيل إلى القنوط إليه، لأنه يعرف من كثرة الأسباب والوسائل والطرق لرحمة الله، شيئًا كثيرا.ً
ومن الأمور التي لا ينبغي أن ييأس المسلم منها: هداية الضال، فمن كان كافرًا فيرجو هدايته للدخول في دين الإسلام، ومن كان ضالًا فيرجو هدايته للاستقامة على الدين، ولا يستعبد ذلك، فالتائه قد يهتدي بكلمة واحدة.
ذكر الإمام الذهبي رحمه الله في كتابه "تاريخ الإسلام" في ترجمة زاذان الكوفي، أنه قال: كنتُ غلامًا حسن الصوت، جيد الضرب بالطنبور، وكنت أنا وصحب لي، وعندنا نبيذ، وأنا أغنيهم، فمرّ ابن مسعود، فدخل فضرب الباطية فبددها، وكسر الطنبور، ثم قال: لو كان ما أسمع من حُسنِ صوتك هذا يا غلام بالقرآن كنت أنت أنت، ثم مضى، فقلت لأصحابي: من هذا؟ قالوا: ابن مسعود، فألقي في نفسي التوبة، فسعيت وأنا أبكى، ثم أخذت بثوبه، فقال: من أنت؟ قلت: أنا صاحب الطنبور، فأقبل عليَّ فاعتنقني وبكى، ثم قال: مرحبًا بمن أحبَّه الله، اجلس مكانك، ثم دخل فأخرج إليَّ تمراً.
قال زبيد: رأيتُ زاذان يصلي كأنه جذع خشبة.

وذكر في ترجمة عمر بن عبدالعزيز رحمهما الله، قوله: أول من أيقظني لشأني: مزاحم [مولى له]، حبست رجلًا فكلمني في إطلاقه، فقلت: لا أخرجه، فقال: يا عمر، احذرك ليلة تمخض بيوم القيامة، والله لقد كدت أن أنسى اسمك مما أسمع، قال الأمير، وأمر الأمير، فوالله ما هو إلا أن قال ذلك، فكأنما كشف عني غطاء، فذكروا أنفسكم رحمكم الله، قال له هذا وهو أمير على المدينة قبل الخلافة.


وقد تكون هداية الضال بسماعه آية من كتاب الله، قال الإمام الذهبي رحمه الله: كان الفضيل بن عياض شاطرًا يقطع الطريق، وكان سبب توبته أنه عشق جارية، فبينا هو يرتقى الجُدران إليها سمع رجلًا يتلو: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ [الحديد: 16] فقال: يا رب، قد آن، فرجع، فآواه الليل إلى خربة، فإذا فيها رفقة، فقال بعضهم: نرتحل؟ وقال قوم: حتى نُصبح، فإن فضيلًا على الطريق يقطع علينا فتاب الفضيل، وأمنهم، وجاور بالحرم حتى مات.
* فلا تيأس من هداية أحد، مهما كان حاله، ولو كان محاربًا للحق وأهله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن ثُمامة بن أثال دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، يا محمد، والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغضُ إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه كلها إليَّ، والله ما كان مِن دينٍ أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحبَّ الدين إليَّ. قال العلامة العثيمين رحمه الله: في هذا الحديث دليل على كمال قدرة الله عز وجل حيث تغير حال هذا الرجل بهذه اللحظة، وليس هذا على الله بعزيز، وقال الشيخ عبدالرحمن بن صالح الدهش في كتابه: " الأمالي على مختصر صحيح البخاري ": فهذه ثلاثة أشياء كان ثمامة رضي الله عنها يبغضها بغضًا شديدًا، ثم انقلب بُغضه إلى حب شديد، وهذا من آيات الله عز وجل، فإن الله تعالى يقلب القلوب انقلابًا تامًا، وهو يدل على أن الإنسان لا ينبغي له أن يقنط أو ييأس من إسلام أحد حتى وإن تفوه بكراهيته للدين، والشرع، فيقال: لا تيأس فهذا ثمامة كانت حاله كذلك، ثم منَّ الله عز وجل عليه فتغير، والواقع يشهد بذلك في غير ثمامة، إذ ما أكثر الذين كانوا على انحراف شديد، وكره للحق، ثم منَّ الله تعالى عليهم فأصبح الحق أحبَّ شيء إليهم.

وعمرو بن العاص رضي الله عنه أخبر عن حاله حين احتضاره أنه مرَّ بأحوال، منها أنه كان في الجاهلية والكفر يبغض رسول الله صلى الله عليه وسلم بغضًا شديدًا، يقول في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم: لقد رأيتني وما أحد أشدَّ بغضًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم منَّي...ولا أحب إليَّ أن أكون قد استمكنت منه فقتلته...فلما جعل الله الإسلام في قلبي...ما كان أحد أحبّ إليَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أجلّ في عيني منه، وما كُنتُ أطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له

وهند بنت عتبة رضي الله عنها جاءت إلى رسول صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله والله ما كان على ظهر الأرض خباء أحبَّ إليَّ من أن يذلوا من أهل خبائك وما أصبح اليوم على ظهر الأرض خباء أحبَّ إليَّ من أن يعزوا من أهل خبائك [أخرجه مسلم] قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: كانت رضي الله عنها أولًا لا شيء أحبُّ إليها من أن يُذلَّ بيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم...ثم قلَّب قلبها مُقلبُ القلوب جل وعلا حتى صار خباء النبي صلى الله عليه وسلم أحبَّ خباء يُعزُّ عندها

وخالد بن الوليد رضي الله عنه كان يحارب مع الكفار ضد المسلمين، ويثخن فيهم في المعارك، ثم إن الله عز وجل منّ عليه فأسلم، وأصبح سيفًا من سيوف الإسلام.

وعبدالله الزيعلي السهمي، رضي الله عنه، كان من أكبر أعداء الإسلام ومن الشعراء الذين استعملوا قواهم في هجاء المسلمين، ثم من الله عليه بالتوبة والإنابة والرجوع إلى الإسلام والقيام بنصره والذب عنه.
وعمير بن وهب الجمحي، رضي الله عنه، كان ممن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، ثم هداه الله للإسلام، وقال: يا رسول الله إني كنت جاهدًا على إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله وأنا أحب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله وإلى رسوله، لعل الله أن يهديهم وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أُوذي أصحابك في دينهم، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلحق بمكة...يدعو إلى الإسلام.
* ولا تيأس من هداية من يقول أنه لن يسلم أو يهتدي ففقد قال عمرو بن العاص ضي الله عنه: كنت للإسلام مجانبًا معاندًا، وأرى لو أسلمت قريش كلها لم أسلم
ومع هذا أسلم وحسن إسلامه
وخالد بن الوليد، لقي عكرمة بن جهل، فقال له: أما ترى ما نحن فيه، إنما نحن كأضراس وقد ظهر محمد على العرب والعجم، فلو قدمنا محمد واتبعناه، فإن شرف محمد لنا شرف؟ فأبي أشد الإباء وقال: لو لم يبق غيري ما اتبعته أبداً.
فعكرمة استبعد أن يسلم ومع هذا فقد أسلم رضي الله عنه وحسن إسلامه.

* ولا تيأس من هداية أحد ولو كان مكثرًا مسرفًا على نفسه من الذنوب والمعاصي، فقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري وسلم رحمهما الله، أن رجلًا قتل مائة نفس، ثم تاب وأناب


* ولا تيأس من هداية أحد، ولو كان ينتهج مناهج باطلة، يقول الشيخ تقي الدين الهلالي رحمه الله: أخذت الطريقة القادرية، وبقيت فيها زمانًا، ثم أخذت الطريقة الوزانية، وبقيت فيها زمانًا، ثم أخذت الطريقة التجانية، والتزمتها حتى صرت مقدمًا فيها، فلم أجد في هذه الطرائق فائدة، وتركتها كلها.

وقد ذكر الإمام الذهبي في كتابه: "تاريخ الإسلام" أن محمد بن علي بن هارون الموسوي، كان من غلاة الشيعة، ثم تحول شافعيًا، وتأسف على ما سلف منه.

* ولا تيأس من هداية أحد، ولو عاش سنوات كثيرة في دروب الضلالة، فالإمام الأشعري رحمه الله، كان على منهج المعتزلة أربعين عامًا، ثم إن الله عز وجل هداه فتاب منه، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: كان الأشعري معتزليًا، فتاب منه

والدكتور عبدالرحمن بدوي رحمه الله، أمضى أكثر من خمسين سنة ينتهج المذهب الفلسفي "الوجودية"، ثم منَّ الله عز وجل عليه بالهداية قبل موته بسنوات قليلة.
ومن تابوا فينبغي القيام بأمور نحوهم، قال حاتم الأصم: يجب على الخلق أربعه أشياء:
الأول: ينبغي لهم أن يحبوا هذا التائب كما يحبه الله تعالى.
الثاني: أن يدعوا له بالحفظ ويستغفروا له كما تستغفر له الملائكة.
الثالث: أن يكرهوا له ما يكرهون لأنفسهم.
الرابع: أن ينصحوا للتائب كما ينصحون لأنفسهم.
وختامًا فأبذل ما تسطيع من جهد ومال وقت في دعوة من تحب، مع الدعاء والتضرع إلى الله بطلب هدايتهم، فإن اهتدوا فالحمد لله، وإن لم يهتدوا فاعلم أن الله جل جلاله هو الذي يهدي، قال سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [القصص: 56] قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: الإنسان إذا جدَّ واجتهد في دعوة الناس إلى الهدى، فلم يهتدوا، فإن عليه أن يتلو هذه الآية: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ وإلا فكثير من الناس الآن عندهم أقارب، إما معهم في البيوت، أو خارج البيوت، يدعونهم إلى الهدى فلا يهتدون، فنقول: الحمد لله أن الله بين سبحانه وتعالى أن هذا الأمر ليس إلينا، إنما هو إليه، إن اهتدوا، فلهم ثواب دلالتهم، وإن لم يهتدوا، فلنا ثواب الدلالة والدعوة، وعليهم وزر الغي.
اللهم اهدِ ضال المسلمين، وثبّت طائعهم.

فهد بن عبدالعزيز الشويرخ

موقع مداد