برنامج لمسات بيانية

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33))


* قال تعالى (اتَّقُوا رَبَّكُمْ) ولم يقل اتقوا الله كما ورد في بعض آي القرآن الكريم فما دلالة اختيار كلمة (ربكم) تحديداً؟



ربنا سبحانه وتعالى أمر الناس أن يتقوا ربهم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ) أولاً بإفراد الرب (ربكم) وإضافة إلى ضمير (ربكم) يدل على أن لهم رباً واحداً وليست أرباب، رب واحد للخلق أجمعين وليس هو رب فئة دون فئة أو شعب أو دون شعب، قسم كانوا يقولون هو رب شعب دون شعب وكانوا يقولون هو رب إسرائيل، إذن هو رب الجميع (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ) رب واحد وهو رب الجميع، هم كانوا يعتقدون أن هنالك أرباباً (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ (31) التوبة) أيضاً فرعون قال (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) النازعات) (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ (127) الأعراف) (أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) يوسف) فإذن هو رب واحد لجميع الناس فقط وهو رب الناس جميعاً ليس رب شعب دون شعب ولا فئة دون فئة، رب واحد. ثم اختيار لفظ الرب له دلالته فهنا الرب هو المربي والسيد والقيم والمنعم إذن بيده النفع والضر لما كل هذه بيده هو الذي ينفع ويضر يمسك رحمته لأن الرزاق من معاني الرب والسيد والمنعم والقيم إذن بيده النفع والضر، (الله) إسم العلم، اللفظة في اللغة الله العلم في اللغة والرب والمنعم هذه صفات وكل واحدة لها دلالة الرزاق ليس معناها الرحمن، (إن لله تسعاً وتسعين إسماً) يسمونها أسماء وصفات (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى (8) طه) يعني هي أسماؤه وصفاته وإسمه العلم الله. الله يستعمل في غير الله نقول رب الدار (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ (42) يوسف) (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) يوسف) الرب ليست خاصة بالله ونقول من رب الدار؟ أي من مالكها؟

* هل تكون التقوى من الله أو من الرب؟

التقوى هي لله لكن بصفاته، لما فيه من صفات يتّقوه. أحياناً الناس يتقون شخصاً ويحذرونه لما له من صفة كرئيس أو غيره إما لكونه عزيزاً أو رئيساً فيتقونه لصفته. القرآن قال اتقوا الله، إذن السياق هو الذي يختار. إذن هو الآن (اتقوا ربكم) معناه بيده النفع والضر والناس يتقون من بيده ذلك يخشون أن يقطع عنهم النفع أو يدخل عليهم الضر، هذا واحد ثم قال بعدها (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ) والوالد هو المربي والرب أول معنى له هو المربي فإذن مناسبة، الرب الوالد هو مربي أولاده والرب هو المربي فتتناسب مع اتقوا ربكم. الرب هو المعلم والقيم والمرشد والمربي وهي مناسبة مع الوالد وهو القيم على أبنائه ويربيهم وهو المنفق عليهم إذن هناك تناسب، إذن اختيار الرب هنا مناسب لقوله تعالى (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ).

*في قوله تعالى (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ) هذه جملة صفة والقياس كما نعلم أنه في جملة الصفة لا يجزي فيه والد عن ولده كما قال (وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (281) البقرة) (يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) النور) فلماذا لا يأتي هنا بـ (فيه)؟

جملة الصفة يكون فيها عائد يعود على الموصوف ضمير قد يكون مذكوراً وقد يكون مقدّراً وهنا مقدر يعني النحاة يقدرون لا يجزي فيه هذا من حيث التقدير، هو جائز الذكر وجائز التقدير لأنه ذكرها في مواطن أخرى (وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ) يبقى لماذا اختار عدم الذكر؟ الأمران جائزان وقد ذكرا في مواطن. عادة الحذف يفيد الإطلاق عموماً يعني فلان يسمعك أو فلان يسمع، يسمع أعم، يقول الحق أو يقول، يقول أعم، عدم ذكر المتعلقات يفيد الإطلاق، يعطي المال أو يعطي، يعطي أعمّ. إذن هو الآن أظهر التعبير بمظهر الإطلاق لم يذكر (فيه) معناه أظهره بمظهر الإطلاق. حق السؤال لماذا لم يذكر هنا وفي مواطن ذكر؟ لو جزى والد عن ولده لو دفع في يوم القيامة هل هذا الجزاء يختص بهذا اليوم أو بما بعده؟ بذلك اليوم، لو جزى والد عن ولده (بدون فيه) لو جزى عنه يعني لو قضى عنه ما عليه، هذا الجزاء سيكون الجنة، لو جزى لى يكون في ذلك اليوم انتهى وإنما الخلود وسيدخل الجنة، إذن الجزاء ليس في ذلك الوقت وإنما أثر الجزاء سيمتد، الجزاء سيكون في هذا اليوم ولكن الأثر هو باق ولذلك حيث قال لا يجزي لم يقل (فيه) في كل القرآن مثال: (وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ (48) البقرة) ما قال (فيه)، (وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ (123) البقرة) بخلاف الآيات التي فيها (فيه) (وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (281) البقرة) توفى في ذلك اليوم وإما يذهب للجنة وإما إلى النار. (يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) في ذلك اليوم وبعدها ليس فيه تقلب لأنه يذهب للجنة، ذِكر (فيه) خصصها باليوم فقط لما قال (ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ) هذا في يوم القيامة وليس مستمراً يومياً، الذي في الجنة توفي والذي في النار توفي عمله، التوفي في يوم القيامة توفية الحساب في يوم هو يوم القيامة وأثر التوفية إما يذهب إلى الجنة وإما إلى النار، تقلّب القلوب والأبصار في يوم القيامة ثم يذهب الناس إلى الجنة ولا يعود هناك تقلب قلوب ولا أبصار، وأصحاب النار في النار. لو جزى والدٌ عن ولده لكان أثر الجزاء ليس خاصاً في ذلك اليوم وإنما تمتد إلى الخلود إلى الأبد ولذلك لم يذكر (فيه) وأخرجه مخرج الإطلاق. لذلك حيث قال لا تجزي لم يقل (فيه) لنفي المتعلق وما يترتب عليها فيما بعد.

*(لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ (233) البقرة) وفي سورة لقمان (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا (33)) فما دلالة هذه الصيغة؟

الولد يقع على الولد وولد الولد أي الأحفاد أما المولود لا يقع إلا على من ولِد منك. فقول عندي ولد غير قول عندي مولود والولد تستعمله العرب لمن ولِد منك ولمن بعده. الولد يعني ابني أو ابن ابني أما المولود فهو ابني. في الآية الولد لو شفع للأب الأدنى أي لأبيه الذي ولِد منه لن تقبل شفاعته فكيف بالآخرين؟!، (وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا) هذه خاصة، الأب الأقرب. (لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ) هذه عامة سواء كان ابنه أو حفيده ويقولون أحياناً الحفيد أعز من الولد. لكن المولود خاصة فجاءت (وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا) يعني لا يشفع لأبيه الأقرب فكيف بغيره؟! فإن كان لا يشفع للأقرب فلن يشفع لغيره. سؤال: أليست اللغة العربية تبدو عصيّة على الفهم من خلال ما تفضلتم به الآن؟ نزل بها القرآن الكريم ومعظمنا لا يجيدها فضلاً عن الأجانب الذين لا يتعلمون الفصحى فكيف يفهمون كتاب الله عز وجل؟ هناك الفهم العام المارد به العمل المكلف به هذا ليس فيه إشكال لكن النحو والاشتقاق مثلاً ففيه لكل واحد طريقة فطالب النحو غير طالب الصرف غير طالب الاشتقاق غير طالب البلاغة وهكذا كل واحد له طريقه في هذه المسألة وليس كل الناس مكلفون بهذا الأمر إنما هم مكلفون بسلامة الاعتقاد وحسن العمل. ومن أراد أن يتذوق كلام الله فعليه أن يتعلم اللغة العربية فهي متسعة ولكن ليست صعبة فنحن مهما تعلّمنا نجهل أكثر بكثير مما نعلم، هذا هو الواقع وكلنا تلاميذ وكل واحد في مرحلة.

* (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ) وفي البقرة قال (وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً (48) البقرة) فما الفرق بين الوالد والولد والنفس؟

لا ننسى أنه في هذه السورة نفسها في لقمان ذكر الوالدين والوصية بهما (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) والسورة تحمل إسم لقمان (والد) وهي مأخوذة من موقف وموعظة لقمان لابنه وكيف أوصاه ووصية ربنا بالوالدين وهي داخل وصية لقمان لابنه، إذن هذه أنسب أولاً مع إسم السورة ومع ما ورد في السورة من الإحسان إلى الوالدين والبر بهما ومصاحبتهما في الدنيا معروفاً، في البقرة لم يذكر هذا. فإذن ذكر الوالد والولد في آية لقمان مناسب لما ورد في السورة من الإحسان إلى الوالدين والبر ومع أنه قال (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) ذكّر هنا أن هذا لا يمتد إلى الآخرة وإنما خاص بالدنيا. في هذه الآية (لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ) هذا في الآخرة إذن المصاحبة بالمعروف والإحسان إليهما وما وصى به في السورة لا يمتد إلى الآخرة (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ) إذن الإحسان مرتبط بالدنيا فقط (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) إذن لا يتوقع الأب أن ولده سيجزي عنه في الآخرة، عليه أن لا يتوقع ذلك وأن هذه المصاحبة ستنقطع في الدنيا وهي في أمور الدنيا وليست في أمور الآخرة فإذن هذه مناسبة لقطع أطماع الوالدين المشركين أنه إذا كان ولدهما مؤمناً فلا ينفع عنهما ولا يدفع ولا يجزي عنهما شيئاً في الآخرة فإذن هي مناسبة لما ورد في السورة من ذكر الوالدين والأمر بالمصاحبة لهما ونحوه.

*في الآية (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا) قدم الوالد على الولد فلماذا؟

لأن الوالد أكثر شفقة على الولد فالوالد يتمنى أن ينقذ ابنه بأي سبيل من السبل، أية وسيلة بدافع الشفقة وليس بدافع التكليف، أي أب يتمنى أن يدفع عن ابنه الضر إذا رأى أنه سيصيبه فقدم الوالد بدافع الشفقة لأن الأب أحرص على ابنه وأحرص على نفعه وأحرص على دفع الضر عنه. سؤال من المقدم: في مكان آخر في نفس تصوير الموقف قال تعالى (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) عبس) المرء هو الذي يفر من والديه، فما الفرق؟ فرق بين الجزاء والفرار، هذا الإنسان يريد أن يخلو بنفسه وليس في موقف جزاء هذا ولا إنقاذ، حتى الآن في البيت أحياناً يقول أحدهم اتركوني وحدي، عنده ما يشغله، عنده شيء يفكر فيه (لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) عبس) فهذا موقف فرار يريد أن يخلو بنفسه، ماذا قدّم؟ ماذا هناك؟ كيف يفعل؟ هذا موقف آخر غير هذا الموقف، موقف ثاني هذا، هذا موقف جزاء وذاك موقف الفرار لينظر ماذا هناك؟ كيف سينجو؟ ماذا قدّم (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) عبس) والفرار المعلوم في الدنيا أولاً المرء يفر من الأباعد ثم ينتهي بأقرب الناس إليه، هكذا عندما تفرّ تفر أولاً من البعيد فالأخ هو أبعد المذكورين (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) عبس) آخر من يفر منهم هم الأبناء لأنهم ألصق الناس بقلبه. وقدّم الفرار من الأم على الفرار من الأب لأن الأب أقدر على النفع والدفع من الأم، في الدنيا الأب هو الذي يدفع أما الأم يمكن أن تبكي وتصيح والأب هو الذي يدفع، هذا الأعرابي الذي بشر بمولودة فقالوا جاءتك مولودة فقال والله ما هي بنعِم الولد نصرُها بكاء وبِرُّها سرقة (تأخذ من مال زوجها وتعطي). إذن الفرار رتب بهذا الترتيب، الفرار من أخيه لأنه أبعد المذكورين قد لا يلتقي به مدة طويلة ولو كانا في مكان واحد في مدينة واحدة وحتى مع الأم والأب هناك بيت شرعي وحده خارج عن امه وأبيه هو يومياً مع زوجه وبنيه لكن قد تمر أشهر دون أن يرى أمه وأبيه، فإذن يوم المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، الصاحبة هو يومياً يأوي إليها وبنيه لأنه قد يفارق الإنسان زوجته ولكن يبقى أولاده معه، الصاحبة هنا بمعنى الزوجة وأحياناً يصير خلاف على الأبناء، إذن البنين آخر من يفر منهم. كل كلمة في اللغة لها دلالة وقد يكون لها أكثر من دلالة مثل المشترك اللفظي والأضداد لكن السياق هو الذي يحددها حتى المترادفات توضع في سياقها.

* (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا) يجزي جاء بصيغة بالفعل وجازٍ بصيغة إسم الفعل فما دلالة اختلاف الصيغة؟


الأقوى هو الإسم لأنه يدل على الثبوت، ربنا وصّى الأبناء بالآباء إذن هذا تكليف شرعي يعني الإحسان إلى الأبوين تكليف شرعي ثابت. الأب ليس مكلفاً الإنفاق على الولد إذا بلغ سن الرشد فإذن بعد البلوغ يصير الإبن مكلفاً بنفسه وبأبيه، إذن بعد البلوغ الإبن هو المكلّف وهو المطلوب منه الإحسان إلى والديه وليس العكس فهذا والأب على وجه الشفقة،الإحسان إلى الأبوين الأبناء هم مكلفون فيه على وجه التكليف والآباء إحسانهم على وجه الشفقة وليس على وجه التكليف. بعد البلوغ الأب ليس مكلفاً شرعاً بالإحسان إلى أبنائه والإنفاق عليهم وإنما الإبن هو مكلف شرعاً بالإحسان إلى والديه إذن الأثبت هو الحكم الشرعي (وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا) بالإسمية الدالّة على الثبوت ولكن بدافع الشفقة أما هذه بدافع التكليف الشرعي ربنا أجبره وكلّف به الفرد. (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ) هذا بدافع الشفقة و (وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا) هذا بدافع التكليف لأن الإبن هو مكلّف بالإحسان إلى الأب. أصلاً المصاحبة ليست واحدة فلا يمكن أن يساوي بينهما، واحدة مصاحبة واجبة من الإبن لأبيه بدافع التكليف وواحدة بدافع الشفقة من الأب لابنه وليس مكلفاً شرعاً.

* هل هناك لمسات أخرى في هذه الآية؟

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا) ما معنى شيئاً؟ شيئاً فيها احتمالان إما شيئاً من الجزاء معناه سيصير (شيئاً) مفعول مطلق لفعل (يجزي) يجزي شيئاً من الجزاء أنا لا أجزيك شيئاً من الجزاء، هذه يسمونها البعضية والكُلية: ضربته كل الضرب، ضربته بعض الضرب، يسير الضرب، شيئاً من الضرب هذه كلها مفعول مطلق. (شيئاً) فيها احتمالان إما لا يجزي شيئاً من الجزاء أو لا يجزي شيئاً من الأشياء الملموسة مثل (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا (36) النساء) شيئاً فيها احتمالان وليست مثل (ولا يشرك به أحداً) أحداً يعني شخص. (شيئاً) فيها دلالتان إما شيئاً من الشرك لأن الشرك هو درجات هناك شرك أصغر وشرك أكبر أو شيئاً من الأشياء كل شيء سواء كان أحداً من الناس أو الأصنام أو غيره. إذن (لا تشركوا به شيئاً) فيها دلالتان: لا تشركوا به شيئاً من الشرك ولا شيئاً من الأشياء، لا شيئاً من الشرك بأن تستعين بغير الله فالشرك درجات كما أن الإيمان درجات ولا شيئاً من الأشياء. (شيئاً) إما لا شيئاً من الجزاء أو شيئاً من الأشياء مثلاً هو مدين لواحد أو تعدّى على واحد أو سبّ واحداً أو قذف واحداً هذا يتعلق بالأشخاص. اشتريت شيئاً من السوق (شيئاً هنا مفعول به)، (أنا لا أظلمك شيئاً من الظلم) يعني لا أظلمك ظلماً ولو كان قليلاً، كيف نعرب (ظلماً)؟ مفعول مطلق. لا أظلمك شيئاً إذا قصدت به شيئاً من الظلم فهو مفعول مطلق وإذا قصدت به شيئاً من الأشياء فهو مفعول به. بحسب ما يقصد من الكلام وهذا من باب التوسع في المعنى، هو لم يرد أن يحدد معنى واحداً ولو أراد لجاء بشيء يحدده لو قال شيئاً من الجزاء أو شيئاً من الأبناء لصار مفعول مطلق تحديداً هو أراد الإطلاق العام سواء في الجزاء أو في ما يجزى به من الأشياء. (شيئاً) نفهمها هنا للوالد والولد معاً. إذن يحتمل معنييان المصدرية والمفعول به وضربنا سابقاً مثلاً (فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (82) التوبة) وقلنا أنها تحتمل المصدر وتحتمل الظرف، وقتاً قليلاً أو ضحكاً قليلاً (بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (15) الفتح) هل قليل من الأمور أو قليل من الفقه؟ فِقهم قليل أو الأمور التي يفقهها قليلة؟

* أي المعنيين أفضل؟

أنت ماذا تريد؟ هل تريد الإطلاق؟ هل تريد كليهما أو تريد أن يخصص؟ إذا لم يوجد قرينة سياقية يجمع المعاني ويكون هناك توسع في المعنى ما لم يكن هناك قرينة تحدد أحدهما.

(إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33)) لا تغرنّكم هذا نهي عن الإغترار بالحياة الدنيا. وأولاً هو نسب الغر للحياة الدنيا أصلها فلا تغتروا بالحياة الدنيا فكأن الحياة الدنيا والشيطان ينصبان الشَرَك لغرّ الإنسان، لو قال لا تغتروا فقط سيكون النهي متعلقاً بالإنسان. (لا) ناهية، هو ينهي الحياة الدنيا عن أن تغرّ الإنسان وينهي الشيطان عن غرّه والمعنى لا تغتروا لأن الحياة الدنيا تنصب لكم الشرك كأنما الحياة الدنيا والشيطان هما قائمان على نصب الشراك لإيقاع الإنسان بالعداوة. المعنى لا يغتر الإنسان بهذه الحياة لكن والصيغة نهى الحياة الدنيا عن أن لا تغر المسلم. الغرور هو الشيطان وما قال الشيطان، هنالك فرق بين الغُرور والغَرور، الغرور مصدر والغَرور صيغة مبالغة على وزن فعول أي كثير الغرّ للآخرين فهو لم يقل الشيطان لأن الشيطان أشهر من يغرّ الإنسان لكن كل من يغرّ يدخل في ذلك قد يغر شخصٌ شخصاً آخر فيخدعه ويغره فإذن اختار الغرور وليس الشيطان حتى يشمل ويعم كل من يغر شخصاً آخر، ونلاحظ أنه أكّد الفعلين بالنون (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ) ، (وَلَا يَغُرَّنَّكُم) في خارج القرآن فلا تغرّكم أو تغرركم بفك الإدغام، هذه النون نون التوكيد الثقيلة مثل (ليسجنّنّ) والخفيفة مثل (وليكوننّ). المعنى أنه نهي مؤكد، لماذا نهي مؤكد؟ لأن الدنيا والشيطان يغرّان الإنسان قطعاً لا محالة إذن النهي ينبغي أن يكون مؤكداً فلما كان غرهما مؤكد ينبغي أن يكون النهي مؤكداً وقدم الحياة الدنيا على الشيطان لأنها مبتغى الإنسان الأول حتى لما يغرّه الشيطان يغرّه بالدنيا، هو يكدح من أجل الدنيا والشيطان قال (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى (120) طه) عموم ما في السعادة والراحة والدنيا، دنيا فقدمها لأنها مبتغى الإنسان والشيطان إذا أراد أن يغر الإنسان فبسببها. لم يقل لا تغرنكم الدنيا وإنما قال الحياة الدنيا لأن الحياة هي المطلب الأول.

فاضل السامرائي
تدارس القرآن الكريم