الطيبات وتوأم الروح

سبق وأن تكرر ذكر مصطلح توأم الروح في كتابنا هذا وذلك عندما ربطناه بالطيبات من النساء والطيبين من الرجال، لذلك وجب علينا هُنا تفسير مصطلح توأم الروح وتفنيده بالأدلة والبراهين العلمية والدينية حتى لا يجد الإنسان أي صعوبة في التعامل مع توأم الروح الخاص بهِ والذي هو قدر أزلي لكل إنسان طيب بشكل خاص، ولا نجد لهُ معنى مع الإنسان الخبيث.
فمما لا شك فيهِ أن مصطلح توأم الروح قد وجد في نفوس البشر أجمعين تأثيراً كبيراً بالرغم من كون الغالبية العظمى من الناس لا يعرفون معنى محدد لهذا المصطلح مع كونهُ ذو أهمية كبيرة في علم الإجتماع وفي دراسات المتخصصين وبحوث الفلاسفة، لكن على الرغم من ذلك لا نجد أو نلحظ أي إتفاق على تفسير هذا المصطلح وتفنيده بصورة واضحة بحيث يقتنع بهِا العقل ويستجيب لهُ الفؤاد.
ولا أريد هُنا أن أكرر أقوال وتفاسير العلماء والفلاسفة بشتى أطيافهم والخاصة بمصطلح توأم الروح ثُم أعود وأنتقدها وأفندها حتى لا أُظهر جهل هذا العالم وغباء ذلك الفيلسوف، فحينها سوف نُقحم أنفسنا بمواضيع تبعدنا عن الهدف الرئيسي في معرفة حقيقة مصطلح توأم الروح وسبب تأثيره الكبير على الناس في كل مكان وكل زمان من على كوكب الأرض، أما بخصوص إتهامي للباحثين العلماء بشأن توأم الروح بالجهل والفلاسفة بالغباء فهذا يعود إلى الإجماع بكون الروح شيء مختلف عن الجسد وبأنَّ الروح باقية خالدة لا تفنى بفناء الجسد، وعليهِ فإنَّ تعريف توأم الروح يجب أن يتصف بالأزلية وبالبقاء إلى ما بعد موت الجسد وفناءه وهذا ما لا نجده في كل التفاسير الرومانسية المتداولة حالياً بهذا الشأن، والدليل الثابت في موضوع توأم الروح هو أنَّ الروح بما تحتويه من مشاعر وعواطف وأحاسيس غير مادية تبقى هي نفسها عند الصغير والكبير، وهذا الأمر يدركهُ ويحسَّهُ بل ويشعر بهِ جميع البشر دون إستثناء لأحد، فلا نحتاج إلى تجارب وأبحاث أو دراسات لنثبت أنٍّ توأم الروح خالدة.
نعود إلى تفسير وتفنيد مصطلح توأم الروح ونقول أنَّ كثيرٌ من الأديان وبعض الفلسفات ومنها علوم الأحياء المادية تُقر بأنَّ الإنسان في بداية نشأتهِ كان مخلوقاً بشرياً أحادي الجنس، بمعنى أنَّهُ لم يكن بذكر أو أنثى، وهذا ما ذكره القرآن الكريم بكل وضوح في قولهِ تعالى من سورة الحِجر : (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (28))، والسبب في إدعائنا بكون البشر هُنا هو مخلوق أُحادي الجنس إنما يعود إلى عدم وجود أي تحديد لجنس هذا البشر، فكيف يكون ذكر ولا وجود للأنثى أو تكون أنثى من دون ذكر؟
وبعد أن تمَّ خلق الإنسان، شاء الخالق أن ينفخ روحٍ واحدة في ذلك الجسد الواحد، كما جاء في قولهِ تعالى من سورة الحِجر: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29)).
ثُم شاء المولى أن يخلق من هذا البشر أُنثى حتى يتحول الأول بديهياً إلى ذكر، وفي هذهِ اللحظة إنقسم الجسد الواحد إلى جسدين وتحولت الروح الواحدة إلى توأمين، فالجسد كما نعلم قد تمَّ تجزأتهِ إلى جسد ذكوري وجسد إنثوي، وكل منهما يختلف عن الآخر بتركيبة الجسد من ناحية المظهر والجوهر ولكن لا يختلفا من ناحية كونهُم بشر، فمنهما مجتمعين يخلق الله أجساد الرجال والنساء على حد سواء.
أما بخصوص الروح فهي لا تتجزأ بل تُستنسخ بدليل أنَّ المشاعر والأحاسيس الروحية والغير مادية عند كلا الجنسين متشابه تماماً ولا يوجد أي فرق بينهما كالحُب والكره والغيره والسعادة أو الحزن وغيرها كثير، وبما أنَّ الروح منسوخة عند المخلوق الآخر سواء كان ذكر أم أنثى، حينها يُفضَّل أن يُطلق على الروح المستنسخة من الجسد الواحد بأنها توأم للروح الأولى كعادة التوائم في كونهُم متشابهين في المظهر والجوهر على الأغلب، وهذا ما نجد تأكيده في سورة النساء من قولهِ تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1))، كما نلاحظ في هذهِ الآية الكريمة بأنَّ الخالق جلَّ وعلا قد خلق البشر جميعاً من نفس واحدة، فتعريف النفس هي الكائن البشري المتكون من جسد وروح كما تشير الآية، وقد تأتي كلمة النفس لتشير إلى الجسد فقط كقولهِ تعالى في سورة النساء: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ( 29 ))، أو إنها تأتي لتشير إلى الروح فقط لقولهِ تعالى في سورة الفجر: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27))، إذاً أصل الرجل والمرأة هو من جسد واحد فأصبح جسدين، ومن روح واحدة فأصبحت روح وتوأمها، ومع تكرار عملية الخلق عند البشر يتم تكرار المبدأ نفسهُ مع الأجساد والأرواح كذلك، فالأجساد تتوالد من أجساد الأمهات أما الأرواح فتتناسخ من أرواح الآباء بدليل حاجة سيدنا عيسى عليهِ السلام لروح القدس لتتم ولادتهِ من أمهِ العذراء التي وهبتهُ الجسد فقط، فتناسخ الأرواح يكون مقروناً بتوالد الأجساد وليس العكس.
وبما أنَّ الأصل يقول لنا بأنَّ أول رجل وإمراة كانا زوجين ولم يكونا صديقين أو رفيقين بصريح الآية من سورة الروم في قولهِ تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21))، إذاً توأم الروح هُنا هو جسد المرأة وذلك لتتم السكينة بين جسد الزوج وجسد الزوجة فيهدئا ويستقرا، كذلك توأم الروح هنا هي روح المرأة لتتحقق المودَّة والرحمَة بين روح الزوج وروح الزوجة، وهذهِ بشارة ليعرف الأزواج حقيقة زوجاتهِم والعكس بالعكس، ففي حالة حدوث سكينة الجسد وظهور المودة والرحمة بينهما يكون الزوج الطيب قد وجد الزوجة الطيبة والزوجة الطيبة قد وجدت الزوج الطيب ليسعدا في الدُنيا والآخرة وإلى الأبد، كما جاء في سورة يس (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56)).مثالنا على ذلك نجدهُ في زوجات الرسول الكريم محمد عليهِ الصلاة والسلام، فزوجاتهُ في الدُنيا هُن زوجاته في الآخرة بدليل تسميتهم إمهات المؤمنين في الدُنيا والآخرة، فلا يجوز لأي إنسان أن يتمنى الإقتران بأي من زوجات النبي لا في الدُنيا ولا في الآخرة، كيف لا وزوجات النبي أطيب النساء لأطيب رجل عليهِ الصلاة والسلام، كما جاء في الآية الكريمة من سورة الأحزاب: (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ۗ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (6)).
أما إذا حدث وكان مطلب الرجل من شريكتهِ أو الأنثى من شريكها شيء آخر غير السكنا الجسدية أو غير المودة والرحمة الروحية كما جاء تحديدهُ في الآية الكريمة سابقة الذكر يكون الرجل حينها خبيثاً من دون شك وقد وجد المرأة الخبيثة، كذلك المرأة الخبيثة الباحثة عن الملذات المجردة قد وجدت الرجل الخبيث ليتعسا معاً في الدُنيا والآخرة وإلى الأبد، حينها تكون روح كِلا الشريكين قد ضلَّت عن توأم روحها الحقيقي، وبالتالي فهؤلاء لن يجدا السعادة والمحبة الحقيقيتين في حياتهما مهما إدعيا غير ذلك، فكيف يمكن أن يدعي أي إنسان بحبهِ وعشقهِ لشريكه وهو يعلم يقيناً بأنَّ أرواحهُم مفارقه لبعضها البعض بعد الموت، أما أجسادهم فسوف تتلاقى بعد الموت ولكن لتتعذب في جهنَّم وإلى الأبد لا لشيء آخر، مثالنا نجدهُ في قصة أبا لهب وأمرأتهُ المذكورة في القرآن من سورة المسد: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ (5))، فمهما كانت سعادة أبا لهب وزوجتهُ في الدُنيا كزوجين إمتلكوا المال والغِنى لكن مصيرهُم في الآخرة هو الخلود في النار وفي المسد لا محالة، وهو ما تأكدهُ سورة الصافات في قولهِ تعالىهَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22)).
يبقى أن نذكر الحالة التي يكون فيها الزوج طيباً وقد إرتبط بالزوجة الخبيثة كما جاء ذكرهُ في سورة التحريم من قولهِ تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10))، أو أن يكون الزوج خبيثاً وقد إرتبط بالزوجة الطيبة كما جاء في السورة نفسها من قولهِ تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11))، فكما نفهم هُنا أنَّ طيبة الزوج لم تتأثر بخبث الزوجة كذلك خبث الزوج لن يؤثر على طيبة الزوجة، وبالتالي فتوأم روح الزوج الطيب والمتمثلة بالزوجة الطيبة سوف تنتظرهُ بكل شوق ليدخلا الجنَّة معاً، كذلك توأم روح الزوجة الطيبة والمتمثلة بالزوج الطيب سوف ينتظرها بكل شوق ليدخلا سوياً إلى جنَّة الخُلد، فتوأم الروح للطيبين فقط من الناس وإن لم يتلاقا في الدُنيا فاللقاء بالآخرة بكل تأكيد.
مما سبق نتيقن من أنَّ وجود الخبائث في حياة الإنسان الطيب لا يمنعهُ من الزواج بتوأم الروح والخلود معهُ في جنَّة الخُلد وإن كان بعد حين، كذلك لن يغير وجود الطيبات في حياة الإنسان الخبيث من إرتباطهِ بجسد خبيث ليخلدا في عذاب جهنَّم وبئس المصير.
إذاً توأم الروح حقيقة مؤكدة وواقع نعيشهُ كل يوم ونتعامل معه في كل حين، فوجود توأم الروح في حياتنا سواء بالواقع أم الخيال يمنحنا القوة والعزيمة والأمل بمستقبل سعيد كلهُ راحة وتفائل وإستقرار وسكينة كذلك مودة ورحمة بين الطيبين من ذكر أو أنثى.
وبخصوص مسألة تعدد الزوجات الطيبات هُنا فكما أوضحنا سابقاً أن وجود توأم الروح مرتبط بتوفير السكينة لجسد الإنسان والمودة والرحمة لروحهِ، وهذين الأمرين لا يتوقفان على عدد، المهم هُنا هو أن وجود توأم الروح يلبِّي هذا الغرض، والمهم أيضاً أن الخالق العزيز القدير سوف يقوم بإسعاد كل من يسكن جنَّته، والرضى سوف يطال كل المخلوقات المتواجدة في جنَّاة الرحمن.
فلا يقلق أي إنسان طيب أو طيبة على مستقبلهِما، فربنا هو أعلم بما في النفوس من النفوس ذاتها، وهو الأقدر سُبحانهُ على إسعاد وإرضاء جميع الطيبين وإلى أبعد الحدود من دون أدنى شك، فإذا حدث وأن تحدث الخالق سُبحانهِ في القرآن الكريم عن بعض طرق إسعاد الطيبين في الجنَّة بوجود توأم الروح في قرآنهِ الحكيم، فلتعلم الطيبات من النساء بأنَّ سعادتهُنَّ في الجنَّةً سوف تكون أضعاف مضاعفة من الرجل، ولكن أخلاق القرآن تعلمنا بأللا نتحدث عن نسائنا في أمور المتعة والإمتاع، فما بالك عن الكيفية التي سوف يتم إسعادهن بها؟

محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)