الصيف واعظ صامت
عبدالهادي بن صالح محسن الربيعي

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن الزمان بليله ونهاره وتقلبات أحواله، عبرة للمعتبرين وآية للمتأملين؛ قال سبحانه
: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران: 190، 191]، وفي تقلبات الزمان ما يجده الإنسان من شدة الحر في الصيف، ففي هذا الحر تذكرة لأولي الأبصار، ولذلك يقال: الصيف واعظ صامت، ففيه دروس بليغة يشهدها الأعمى والأصم، والسميع والبصير من الناس، لكن الموفق مَن اتَّعظ واعتبر، ونظر إلى ما يجد من حر الصيف نظرة إيجابية.

فشدة الحر تذكِّر المؤمن بيوم الحشر والنشور، يوم مقداره خمسون ألف سنة كما أخبر ربُّنا في كتابه العزيز، يوم يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور، يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، يوم تدنو الشمس من الخلائق قدر ميل، فمنهم من يبلغ العرق كعبيه، ومنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من يبلغ حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا؛ كما صح عنه صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام مسلم.

وهذا يذكر المؤمن بالاستعداد لذلك اليوم بفعل الطاعات واجتناب المحرمات، فماذا أعددنا لذلك اليوم العصيب والموقف الرهيب، لنستظل بظل الله تعالى يوم لا ظل إلا ظله، وننجو من عذاب الله؟


حر الصيف يذكر بحرارة نار جهنم أجارنا الله وإياكم منها؛ قال سبحانه: ﴿ فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴾ [التوبة: 81]، كل من يتذرع بالحر في مخالفة شرع الله، فعليه أن يتذكر حرَّ جهنم، فحر الدنيا محتمل ويمكن أن يتقيه الإنسان بأي وسيلة، لكن حر جهنم من يطيقه؟ وكل من يترك الصلاة بحجة الحر، والمرأة التي تترك الحجاب بحجة الحر، وكل من يعصي الله بحجة الحر، فعليه أن يتذكر قول الله تعالى: ﴿ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴾ [التوبة: 81].

كل حرارة يجب أن تذكرنا بحر جهنم، ونار الدنيا جعلها الله تذكرة ومنفعة للناس، تذكرنا بنار جهنم عياذًا بالله من جهنم؛ قال سبحانه في نار الدنيا
: ﴿ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ ﴾ [الواقعة: 73].

حري بك يا عبد الله، يا من تتقي حر الدنيا وحرارة نارها، أن تقي نفسك وأهلك نار جهنم ولهيبها، بفعل الطاعات واجتناب المحرمات؛ قال سبحانه
: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [التحريم: 6]؛ كان الصالحون رحمهم الله إذا مرُّوا على شيء فيه نار تذكروا نار الآخرة؛ مرَّ ابن مسعود بالحدادين، وقد أخرجوا حديدة من النار، فقام ينظر إليها ويبكي، ودخل أحد الصالحين الحمام، وفيه الماء المسخن يعلو بخاره، فتذكر يوم القيامة، وتذكر قوله تعالى: ﴿ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ﴾ [الحج: 19]، فأين نحن من هذه المواعظ المشاهدة والمحسوسة؟ وهل حرارة الدنيا تذكرنا بجهنم، أم أننا عنها غافلون؟

روى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اشتكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضًا، فأذِنَ لها بِنَفَسَيْنِ: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير))
.

فلشدة الحر سببان
: سبب شرعي، وسبب طبعي؛ فالسبب الشرعي أنها من حر وفيح جهنم، والسبب الطبعي أنها من حر الشمس، كما نقول في الخسوف والكسوف ونحوهما.

شدة الحر تذكر الإنسان بضَعفه، ولعله بذلك أن يتواضع لله ولخلق الله، فما أضعف الإنسان في هذا الكون الفسيح! ومع ذلك يتكبر ويتجبر إلا من رحم الله، فعلينا أن نتفكر في شدة الحر في ضعفنا وحاجتنا إلى عون الله وقوته؛ فنتواضع لله ولعباد الله.

وحين نبحث عن الظل ووسائل التبريد، ونستمتع بها يجب أن نشكر نعمة الله أن سخَّرها لنا لتقينا حرَّ الشمس ولهيبها، وقد امتن الله علينا بنعمة الظل؛ فقال سبحانه: ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾ [النحل: 81].

وشدة الحر مع وجود نعم ما يتقى به من وسائل تبريد، ينبغي أن تذكرنا إخواننا الفقراء الذين تلفحهم الشمس بلهيبها، فلا يجدون ما يقيهم؛ فنسعى في تخفيف المعاناة عنهم، وفي إعانتهم بما نقدر عليه، وهذا من شكر نعم الله علينا.

شدة الحر من قضاء الله وقدره، فيجب الصبر على ما نجد من مشقة، ولا يجوز التذمر والتسخط والاعتراض كما يفعل بعض الناس عند شعوره بالحر، بل ينبغي أن نحتسب الأجر في ذلك، فما يصيبنا من مشقة فهو تكفير للسيئات، والمؤمن في خير في جميع أحواله في السراء والضراء، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له؛ كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

جعلنا الله وإياكم من المعتبرين المتعظين الشاكرين الصابرين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين