مقدمة في إحياء الشعر العربي في فلسطين
بقلم: ياسر علي


كنت أودّ أن أواكب قضايا الشعر والأدب الفلسطيني في هذا القسم ودوره في ترسيخ الهوية الفلسطينية، غير أنه لا يستقيم الكلام عند العرب من دون مقدمات له؛ مقدمات تمهّد وتؤرخ لهذا الأمر.. ومن هنا نبدأ.

بدأ عصر النهضة الأدبية العربي في القرن التاسع عشر مع الشاعر محمود سامي البارودي في مصر، وجميل صدقي الزهاوي في العراق.. وهؤلاء كانوا طليعة من قادوا عملية "إحياء الشعر" حسب عنوان كتاب الباحث عارف حجاوي.

من أهم العوامل المؤثرة بعصر النهضة عموماً، كانت البعثات الأجنبية والتواصل والاحتكاك مع الغرب، وبداية عصر الثورة الصناعية هناك، وتسارع طباعة الكتب والإعلام المكتوب، وانطلاق عصر الإعلام الإذاعي، وسهولة الوصول والاتصال نسبة إلى العصور السابقة. فصارت تنتقل الآداب والفنون بسرعة.

هذه العوامل لم تقتصر على أدباء مصر والعراق وأدباء المهجر من لبنان وسوريا، بل كانت سمة عامة للشرق، ومنها فلسطين. فهل فعلاً تأخرت عن بقية الشرق النهضةُ الأدبية في فلسطين؟

من الشائع أن رواد النهضة الأدبية الفلسطينية هم: إبراهيم طوقان وأبو سلمى وجلال زريق (ولحق بهم الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود). وأن هذه النهضة تشكلت في ثلاثينيات القرن الماضي، متأخرة عن بقية الدول العربية. فهل كانت فلسطين خالية من الشعراء الكبار في ذلك الوقت؟

حقيقة الأمر، أن الشعر على مدى التاريخ كان يحتاج وسائل مساعدة، وأن معظم الشعراء البارزين كانوا في بلاط أمير أو في قبائل محاربة.. وفي القرون الأخيرة كان يحتاج تسليط الضوء عليه من المؤسسات الإعلامية أو السلطة الحاكمة، وأن هاتين الوسيلتين لم تلفتا الانتباه إلى الشعراء الفلسطينيين بالشكل المطلوب، حتى جاء إبراهيم طوقان بفكر جديد وشكل جديد، وعمل يساعده على الانتشار (في الإذاعة التي تبث في المنطقة العربية)، فبدأ يلمع الشعر الفلسطيني من أثير الإذاعة.

ومما شاع لاحقاً، أن الشعر الفلسطيني شهد نهضتين فقط، الأولى مع مجموعة إبراهيم طوقان، والثانية مع مجموعة محمود درويش.. والملاحظ أنهما يتميزان بثلاثة مؤثرات:

1 ـ البعد عن التدين: طوقان علماني، ودرويش شيوعي.

2 ـ كانا تحت احتلالات غربية: الانتداب البريطاني والاحتلال الإسرائيلي.

3 ـ واكبا تغييرات على المستوى الأدبي: طوقان واكب النهضة، ودرويش واكب الحداثة.

لقد كان لهذه النهضة بذور برزت على المستوى الفلسطيني، بموازاة شعراء جيلهم من المصريين، بل إن أحد الشعراء الفلسطينيين (أبا الإقبال اليعقوبي) كاد يتوّج أميراً لشعراء فلسطين على غرار تتويج أحمد شوقي أميراً للشعراء في مصر والعالم العربي.

إذن، لقد شهد العالم العربي كله نهضة أدبية وشعرية في القرن العشرين، تحررت من قيود الصناعة البديعية، وإحياء الأساليب العربية الكلاسيكية وغابت المواضيع التي سيطرت على القرون السابقة، وبرزت المواضيع الجمالية وروح العصر. وقد بدأت تبرز الشخصيات الأدبية في العالم العربي بشكل واضح، منهم من بدأ في القرن التاسع عشر ونضجت موهبته في مطالع القرن العشرين، ومنهم من نشأ في القرن العشرين.

من شعراء الفئة الأولى: محمود سامي البارودي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وجميل الزهاوي ومعروف الرصافي. ومنهم في فلسطين: الشيخ يوسف النبهاني وخليل السكاكيني وإسعاف النشاشيبي واسكندر الخوري البيتجالي والشيخ أبو الإقبال اليعقوبي والشيخ سعيد الكرمي وغيرهم.

ومن شعراء الفئة الثانية: علي محمود طه وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير. ومنهم في فلسطين: إبراهيم طوقان وأبو سلمى.

إذن لم تبدأ نهضة الشعر الفلسطيني بإبراهيم طوقان، بل كانت هناك بذور وجذور دوحته الشعرية، طبعا أنا هنا أتحدث عن التاريخ والشكل الفني، وهو أمر مهم لجهة الارتباط القوي بين رواد الحركة الإبداعية في العالم العربي، وأن فلسطين في قلب هذا العالم، لكنه لا يعني أن الشعراء الفلسطينيين هم رجع صدى لنهضة الشعر العربي الحديث والمعاصر، وإنما كانوا روادا في إبداع المعنى الشعري والأدبي، وتحويله إلى سلاح في مواجهة الاحتلال من جهة وفي تثبيت معالم الهوية الفلسطينية..

وللحديث بقية..

المصدر: عربي 21