العلامة الشيخ صلاح عبد الفتاح الخالدي "رحمه الله"
بقية السلف في الخلف
بقلم عمار بدوي
تواردت الأخبار تنقل خبر وفاة العالم الكبير المُفسِّر العلامة الشيخ صلاح عبد الفتاح الخالدي رحمه الله تعالى. لقد ربطتني بالشيخ علاقة وطيدة، ومحبة في الله، بدأت هذه الرابطة الوجدانية يوم كنت طالباً في كلية الشريعة بالجامعة الأردنية. وكان الدكتور الخالدي، مدرساً غير متفرغ في كلية الشريعة ذات الصيت الشائع والاسم اللامع بمدرسيها النوابغ الفطاحل، عمالقة الشرع، وجبال العلم، أمثال المفسّر البلاغي العلامة فضل عباس، وإمام النظّارين العلامة راجح الكردي، وسيّد المتفقهين العلامة محمد أبو فارس، وجامع اللغة مع التفسير العلامة إبراهيم زيد الكيلاني، وفقيه الشرع واللغة العلامة عبد العزيز الخياط، وحافظ الحديث والسير العلامة محمود عبيدات، والمحدِّث المتعمّق العلامة همام سعيد. والعلامة العابد الزاهد عبد الله عزام، والصوفي الصافي العلامة عبد الجليل عبد الرحيم، وفقيه العصر الأحوذي العلامة مصطفى الزرقا، والمفكِّر المبدع الحواري العلامة محمد المبارك. رحمهم الله جميعاً. بين هؤلاء العمالقة طلّ علينا وجهٌ منير يدرِّس مساقين، تفسير (3)، وإعجاز القرآن. وكانتا من اختصاص الدكتور فضل عباس، وما أدراك من فضل عبّاس، أبو البلاغة العربية بلا منازع في عصره ومصره.
كنا في غرفة الدرس على المقاعد ننتظر الأستاذ الجديد، وكيف سيكون، وكيف نحن سنكون، دخل القاعة بالوقت بالضبط، واستهلك الوقت كله في الشرح، وأخذ عشر دقائق من الاستراحة بين المحاضرتين.
وحينما بدأ يتكلم في التفسير، نظر طلاب الشريعة إلى بعضهم، هل نحن أمام شيخ يدرسنا، أم أمام سيلٍ منهمرٍ من جبل العلم؟ ونبعةٍ رقراقة تفجّرت مياه العلم منها في قاعة الدرس. والعجيب كان يسجل كل محاضرته على دفتر ما زلت أذكر لون جلدته أزرق. لا يتوقف الخالدي عن الحديث حتى ينتهي الدرس. وهو يصول ويجول بين كتب التفسير، وأقوال المفسرين، ويناقش، ويجادل ويستدرك، ويخطِّئ ويصوب. كأنه في ورشة عمل نثر ما امتلأت به كتب المفسرين، وهو كالفارس الخيّال، ينتقي أطيب الثمار، ويقدمها لطلابه.
جمع بين غزارة العلم والتواضع الجمّ: حدِّث عن غزارة علمه، ولا حرج. وهذه الغزارة العلمية صحبها تواضع محبوب، يخفض جناحه لطلاب العلم،وكأنّ مسائل العلم فسائل يريد غرسها في نفوس طلابه. زرناه ذات ليلة في بيته، ففوجئنا بمكتبة لا طول لها يقاس من طول امتدادها، عامرة فريدة ضخمة، ولأستاذنا الفاضل ذوق خاص بانتقاء الكتب. وكنتُ محباً للكتب، أعرف اسم الكتاب من بعيد، لا لقوة بصري، ولكن لأني أرسم شكل الكتاب وحجمه في مخيلتي فاعرفه دون أن أقرأ اسمه.
أكثر أستاذ شجّع طلابه على التفوق ونقد الخطأ العلمي: كان يسمو بطلابه. زرناه ذات مرة في مكتبته البيتية العامرة. وبينما كنا نقلب الكتب سأله أحد الطلاب سؤالاً في اللغة عن معجم لسان العرب، فقال لي: أجبه، فاستحييت أن أجيب في حضرته العلمية. فأصرّ عليّ بالجواب، فأجبت عن المصادر اللغوية لابن منظور في لسان العرب. كان يصنع العلماء، ويبني هياكل العلم في نفوس محبيه.
من عرفه أحبه، ومن جهله لم ينصفه: الذي يتعرف على العلامة الخالدي، مباشرة من أول لقاء يلمس الصدق وطيبة القلب، وحب الناس، ينتصر للحق ولو كان وحيدا، ويعرض عن الباطل ولو شرع سيفاً صقيلا.
بقية السلف في الخلف: عاش الخالدي رحمه الله في عصرٍ، ظلمت في السلفية ظلماً فظيعاً، فقزمها بعضهم في فهمٍ سياسي مبتور، بأن تمدّ الظهور، وتبسط لسياط الحاكم الظالم، واختصرها بعضهم في ثوب قصير وسواك، ولخّص أعداء السلف سلفيتهم بنبز المخالفين بالتكفير والتفسيق، والتجهيل. ومنهم من شوهها بأنها ناطحة تناطح الأحزاب المخالفة. وغاب مفهوم حب الناس والعطف على المساكين، فكان الخالدي من تلك الرموز التي تحس بها ومعها أنها بقية السلف في هذا الخلف.
الخالدي والذاكرة الفريدة: تمتع العلامة صلاح الخالدي بذاكرة قوية، ودليل ذلك، بعد أن أنهيتُ دراستي بكلية الشريعة بالجامعة الأردنية التي ما زال حبها في قلبي كيوم ولد، غادرت إلى بلدي، ولم تكن وسائل الاتصال وفيرة. وبعد سنوات طوال ناهزت عقداً من الزمن، اتصلت بالتلفون على بيت أستاذنا الجليل، فقلت له يتحدث إليك شخص من بعيد، ربما يصعب تذكره، فأجابني بروعة أسلوبه، وقويّ ذاكرته: البعيد قريب يا شيخ عمار.
كتب لي مقدمة كتابي "حفص بن سليمان راوية أهل المشرق للقرآن": خطتْ يميني أول كتاب ألفته، عن حفص بن سليمان راوية أهل المشرق للقرآن. فطلبت من أستاذنا الكبير أن يراجعه، وأكرمني بكتابة تقديم للكتاب أعتز بها وأفتخر قال فيه: " عرفتُ الأخ عمار طالباً نابهاً في كلية الشريعة، وكان من القلائل الذين جمعوا بين جَلَد الشيخ وعقلية الفقيه، وبيان الأديب، وحساسية الشاعر.. كنتُ ألحظُ هذا فيه بالمواد التي درّستها له ولزملائه، ولكن معرفتي به كانت أوثق من خلال لقاءاتنا بعد أداء الصلاة، كنا نتحدث أحياناً وكنت ألمس في حديثه حساسية الشاعر ورهافة الفنان وحُرقة المُصلح وفهم الباحث ونفثة مصدور لواقع البحث العلمي..كنت أتوقع له دوراً وجهداً ومستقبلاً في مجال العلم والبحث العلمي"(كتاب حفص بن سليمان راوية أهل المشرق للقرآن. ص8).
رحم الله أٍستاذنا الجليل وحشره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.