بسم الله الرحمن الرحيم



لم يكن أحد أشد غضبا مما حدث في صلح الحديبية من عمر بن الخطاب، وانعكس هذا الغضب في شكل حوارين مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر الصديق.. لكن سعة إدراك ا"لأثنين ورؤيتهما المستقبلية لتلك المعاهدة أنهت غضب عمر مؤقتا.. وبعدها بسنوات قال قولته المشهورة: "والله لقد أعددت صياما وقياما وعتقا كي يغفر الله لي ما قلته لرسول الله".

لم يكن الصلح مهادنة أو ضعفا، ولكنه كان أعظم فتح في تاريخ الإسلام، إذ أسلم في العامين التاليين له أعداد تساوي الذين أسلموا منذ بدء الدعوة.

في الصلح كانت هناك شروط وبنود.. كتبها بخط يده على بن أبي طالب... وأكدت – بعد رضا الطرفين – أنها بالفعل أول معاهدة سلام في تاريخ الدعوة الإسلامية.

أول اعتراف بالمسلمين

كانت رؤية النبي واضحة لصلح الحديبيه .

وافق النبي على هدنة مدتها عشر سنوات بين قريش والمسلمين، واعتبر النبي – صلى الله عليه وسلم- أن هذا اعتراف أمام الدنيا من قريش بالمسلمين لأول مرة.. لكن كانت هناك شروط رأي فيها الصحابة أنها مجحفة وقبلها النبي، مثل: أن المسلم من قريش الذي يأتيك مؤمنا بك، ترده إلينا، وأن المسلم الذي يأتي من جيش المسلمين إلى قريش لا ترده قريش إلى المسلمين، في مقابل إبرام هدنة بين المسلمين وقريش مدتها عشر سنوات كان النبي يرى هدفه الاستراتيجي ألا وهو الانطلاق في الجزيرة العربية لتوصيل الدعوة.

ماذا كان رد فعل قريش على توقيع المعاهدة؟

ترك عمرو بن العاص مكة، و قال وهو يغادرها لقد انتهت قريش.

شروط أول معاهدة

من كتب المعاهدة وبم نصت؟

كتبها علي بن أبي طالب... وأملاه الصحابة بنودها، قالوا اكتب يا على: بسم الله الرحمن الرحيم.

فقال سهيل بن عمرو مندوب قريش معترضا: اكتب ما نعرفه من قبل، اكتب باسمك اللهم.

فقال النبي: امحها يا على، واكتب باسمك اللهم، هذا ما عاهد عليه رسول الله فاعترض مندوب قريش قائلاً: من قال أنك رسول الله؟ لو نعلم أنك رسول الله لما حاربناك، اكتب اسمك واسم أبيك.

فقال: نعم والله إني لرسول الله وإن كذبتموني امحها يا على، فقال على:

والله لا أمحوها أبدا، فقال النبي: امحها يا على فقد يأتي يوم تكون في مثل هذا الوطن وأنت مضطهد "يتحدث عن الفتنة وكأنه وحي"، فقال على: والله لا أمحوها أبدا.

فقال النبي: أرنيها يا علي، فأشار على علي العبارة، فمحاها النبي بأصابعه.

بدأ النبي - صلى الله عليه وسلم – يملي شروط المعاهدة الأربعة.. وكان الصحابة يتهامسون في دهشة وغضب أسيكتب هذا؟.. أسيكتب هذا؟

الوفاء بالعهد.. أولا

وخلال كتابة المعاهدة تزداد الفتنة. إذ يأتي أبو جندل ابن سهيل بن عمرو مندوب قريش في التفاوض ليعلن إسلامه، وكان يعذب في مكة، فجاء فارا من عذاب قريش وهم يطاردونه، وكان يصيح: يا رسول الله يا معشر المسلمين أدركوني، فقال النبي: نعم تعال نحن لم نوقع المعاهدة بعد، فقال سهيل: هذا أول العهد بيني وبينك والله لو أخذته فلا عهد بيني وبينك.

قال النبي: يا سهيل أجزه لي "أي أتركه لي" قال: لا أجيزه لك أبدا، قال له النبي: يا سهيل نحن لم نوقع بعد فصمم على رفضه، فقال النبي: يا أبا جندل اصبر لعل الله يجعل لك وللمستضعفين من المؤمنين فرجا ومخرجا، فقال أبو جندل: يا رسول الله اتتركونني يقتلونني في ديني؟

قال النبي: يا أبا جندل بيننا وبين القوم عهد وإنا لا نغدر.

فجلس أبو جندل بعد أن قيده الكفار، وانتظر توقيع أبيه على المعاهدة.

الله لن يضيعنا

غضب عمر بن الخطاب، وحمل سيفه ثم ذهب وجلس إلى جوار أبي جندل وأخذ يهز سيفه ويقول محرضا: إيه يا أبا جندل إن الرجل ليقتل أباه في سبيل الله.

فسكت أبو جندل، فقال له عمر: أضننت بأبيك يا أبا جندل؟ والله لو كان الخطاب حيا ووقف هذا الموقف لقتله عمر بن الخطاب، فنظر إليه أبو جندل وقال: فلم لا تقتله أنت؟

قال: أنا لا أعصي رسول الله

فقال أبو جندل: وأنا كذلك لا أعصي رسول الله.

وينهض أبو جندل للعودة إلى مكة، فيذهب عمر إلى أبي بكر الصديق ويقول له: يا أبا بكر ألسنا على الحق؟

قال: بلى، قال: أليسوا على الباطل؟

قال: بلى، قال: أليس هو رسول الله؟

قال: بلى

قال: ألسنا المسلمين؟

قال: بلى

قال: أليسوا المشركين؟

قال: بلى

قال: فلم نعطي الدنية في ديننا؟

فقال أبو بكر:

يا عمر ألزم غرسك، هو رسول الله والله لن يضيعه.

ثم ذهب عمر بن الخطاب إلى النبي قائلا ألست رسول الله؟

ألست على الحق؟

أليسوا على الباطل

ألسنا المسلمين؟

أليسوا المشركين؟

فلم نعطي الدنية في ديننا؟

فقال النبي: يا عمر إني رسول الله ولن يضيعني.

دروس صلح الحديبية

ما الذي يحمي المسيرة في موقف كهذا؟

ثقة القائد بنفسه وإيمانه بالله ولإصراره على تحقيق الهدف الذي يقاتل من أجله.

ما الذي يمكن أن نتعلمه من صلح الحديبية؟

الثقة بالقيادة وعدم الانزلاق في الرؤية المحدودة.

ذهب عمر بن الخطاب إلى النبي بعد توقيع المعاهدة وقال له: ألم تقل لنا إننا سندخل المسجد الحرام؟ فقال له النبي: أو قلت لكم إنه هذا العام؟

كيف واجه النبي العصيان

ونزلت سورة الفتح "إنا فتحنا لك فتحا مبينا" الغزوات والمعارك لم يطلق عليها الله سبحانه كلمة "فتح".. لكن صلح الحديبية وصفه الله بـ "الفتح".

وهذه هي نظرة القرآن الكريم إلى السلام..

ذهب عمر بن الخطاب إلى النبي وسأله: أفتح هو؟.. بعد أن أمر النبي الصحابة بحلاقة شعورهم وذبح الهدى، فلم يفعلوا.

كان الأمر صعبا بالنسبة للصحابة، لقد خرجوا لأداء العمرة، فكيف يعودون دون أدائها؟، كان النبي يرى فيما حدث فتحا له نتائج شديدة الأهمية بالنسبة لتوصيل الرسالة ونشر الإسلام.

ودخل النبي على زوجته "أم سلمه" وقال لها: هلك الناس.

فقالت: يا رسول الله هون عليك ولكن أخرج أنت فاحلق أمام الناس، فإنهم، إن رأوك تحلق سيقلدونك يا رسول الله فكانت مشورة رائعة أنقذت الصحابة من عصيان أمر النبي – صلى الله عليه وسلم، فعمل النبي بمشورتها وهذا دليل على أن الحديث المزعوم "شاوروهن وخالفوهن" حديث مغلوط وغير صحيح

"خرج النبي أمام الصحابة وحلق، فقام الصحابة يحلقون لبعضهم "يجزون رأس بعضهم" كما ورد في الرواية.

بعد نظر الرسول

يقولون: فما عرفنا بعد نظر النبي إلا بعد سنة، حين بدأت القبائل تدخل الإسلام، فأسلم في العامين التاليين للحديبية مثل الذين أسلموا منذ بدء الدعوة حتى يوم الصلح، فقد خرج عند صلح الحديبية 1400 مسلم، وخرج يوم فتح مكة عشرة آلآلف مسلم، أليس هذا فتحا؟

قال عمر: كان أعظم فتح في تاريخ الإسلام، والله لقد أعددت صياما وقياما وعتقا كي يغفر الله لي ما قلته لرسول الله.

ومع كل ما حدث يوم الحديبية، مدحت سورة الفتح الصحابة، رغم لومهم في بدر، لأن الصحابة حين غضبوا، غضبوا من أجل الرسالة.

تمرد أبي بصير!

هناك قصة أريد أن أرويها حدثت في ذلك الوقت، فقد خرج من مكة هاربا رجل اسمه أبو بصير.

ذهب أبو بصير إلى النبي وقال له: يا رسول الله، أريد أن أكون معك، فقال النبي: لقد وقعت عهدا ولا أستطيع أن أصحبك معي.

في أثناء ذلك أتى اثنان من قريش لأخذ أبو بصير، فسلمه النبي إليهما.

وفي الطريق أخذ أبو بصير يمزح معهما ثم قال لأحدهما: ما أجمل سيفك هل استطيع فحصه؟ فقال له الرجل: نعم يمكنك ذلك.

فأخذ أبو بصير السيف منه ثم ضرب عنقه وعندما شاهد القريشي الآخر ذلك فر هاربا من أمامه، وذهب يشكوه إلى النبي، فقال له النبي: قد سلمته إليكما.

ثم جاء أبو بصير إلى النبي وقال له: يا رسول الله قد أديت عهدك ولم يعد لي بك شأن وإني سأفعل ما أريد، فأمره النبي أن يبتعد ويفعل ما يريد بعيدا حتى لا ينقض الاتفاقية.

وهذا درس يمكن أن ينفعنا في هذه الأيام، حيث تحاول بعض الفصائل من المقاومة نقض ما تتفق عليه القيادة مع العدو، وهو ما يحرج القيادة ويدمر مصداقيتها أمام المجتمع الدولي.

ويغادر أبو بصير المنطقة الموجود بها الصحابة، ويجلس على ساحل البحر، فيقول النبي: ويل أمه، مسعر حرب، أي "إنه سيتسبب في مشكلة لقريش" لو كان معه رجال "ثم يصمت النبي" فيخرج كل الضعفاء في مكة إلى أبي بصير، ومنهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو، وأخذوا يردون القوافل الآتية من مكة ويمنعون عبورها. فيزيدون الحصار الاقتصادي على مكة وقريش، فيهرول أبو سفيان إلى النبي ويقول له، هل يمكن أن نعدل بنود الاتفاقية؟

فيسأله النبي: كيف؟

فيقول له: الذي يرغب في الإسلام تأخذه ولا يعود إلينا.

فينظر النبي إلى عمر بن الخطاب ويبتسم ويقول: ألم أقل لكم اصبروا.

يقول عمر: رأيك فوق رأيي يا رسول الله فيصل كتاب النبي إلى أبي بصير: "الحق بي أنت ومن معك".

فيصل الكتاب إليه حين كان أصحابه يقومون بدفنه.

فدفن أبو بصير ووضع كتاب النبي فوق صدره. أما ما تعلمناه من صلح الحديبية فهو أن تضع أمامنا الهدف الأصلي الكبير، أو الهدف الاستراتيجي بلغة العصر، ونعيش لهذا الهدف ولا نترك الأهداف الهامشية أو الجانبية تنسينا الهدف الأساسي.

وعلينا أيضا أن نتعلم من تلاحم الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم .