سجل عضوية جديدة

أهلاً بكـ في شبكة فلسطين للحوار... شاركنا وبادر بالتسجيل ...



النتائج 1 إلى 5 من 5
  1. #1
    موقوف لعدم صلاحية البريد الالكتروني الصورة الرمزية presedant
    تاريخ التسجيل
    12 2007
    الدولة
    مستوطنة باب الزاوية
    العمر
    37
    المشاركات
    1,651

    المقالات «المحجوبة» للكاتب محمد حسنين هيكل

    هذه الرسالة الاولى, وهي واحدة من ستة رسائل لم اقراها بعد, راي الكاتب يعبر عنه


    المقالات « المحجوبة » للكاتب محمد حسنين هيكل
    ١٥/١/٢٠٠٨


    المقال الأول

    الرهان علي «مبارك»

    تمهيد

    هذا التمهيد كتب في شهر نوفمبر ٢٠٠٣

    كان «الهاجس الأمني» شاغل الرئيس «أنور السادات» في الفترة ما بين ١٩٧٤ وسنة ١٩٨١، خصوصاً أنه كان يستشعر حجم وعمق التغييرات التي يريد إدخالها علي استراتيجية العمل المصري في الداخل، وفي الإقليم، وفي العالم (وإلي حد كبير فإن ما تغير وقتها في مصر وفي المنطقة حسم إلي درجة مؤثرة نهاية الحرب الباردة بين القوتين الأعظم حينئذ: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي).. وكذلك كان شاغل الرئيس «السادات» في تلك الفترة هو تأمين حكمه ونظامه وتوجهاته الجديدة، كما كان هناك آخرون يحملون نفس الهم معه، وشاغلهم جميعاً تأمين وكفالة الاستمرار حتي تستقر التغييرات الجديدة وتترسخ!

    وهكذا فقد كان هناك تحفز عام ضد أي مقاومة أو معارضة في الداخل أو في المحيط الإقليمي (العربي) أو ما هو أوسع منه. والذي جري فعلاً أن الرئيس «السادات» وجد نفسه أمام مجموعة من الرهانات في الخارج وفي الإقليم وفي الداخل -لم تحقق مأمولها ومطلوبها- ثم زاد علي ذلك ما اكتشفه في زيارته الأخيرة لواشنطن (أبريل ١٩٨١) من أن الرئيس الأمريكي المنتخب «رونالد ريجان» لا يعتبر نفسه مسؤولاً عن تعهدات سلفه «جيمي كارتر»، بمعني أن «ريجان» ليس مهتماً بذلك «الرهان» الذي وضعه الرئيس «السادات» علي مائدة كامب دافيد -بقصد مساعدة «كارتر» انتخابياً، علي وعد بأن يرد له الجميل إذا نجح، فيباشر بالضغط علي إسرائيل كي «تتهاود» و«تلين»، ومن ثم تصبح التنازلات متوازية، لكن رهانات «كامب دافيد» ضاعت كلها واحداً بعد الآخر:

    * من ناحية خسر «كارتر» - ونجح المرشح الجمهوري (القادم من مدرسة السينما في هوليوود)، ودخل إلي المكتب البيضاوي في البيت الأبيض فعلاً علي مقعد رئيس الولايات المتحدة الأمريكية (يناير ١٩٧٧)، في حين خسر «كارتر» ولم يعد في مقدوره أن يرد للسادات جميله (علي فرض أن تلك كانت نيته).

    * ومن ناحية ثانية خسر «إسحاق رابين»، الذي كان الرئيس «السادات» قد راهن علي نجاحه في الانتخابات الإسرائيلية (مارس ١٩٧٧).

    وقد أدرك الرئيس «السادات» في الإسكندرية (يوليو ١٩٧٧) - وبعد أول لقاء بينه وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد «مناحم بيجين» - أنه لن يحصل منه علي شيء، والظاهر أن الاستنتاج الوحيد الذي توصل إليه هو أن «قبضة من حديد» أصبحت لازمة لقمع المعارضة المتزايدة «لمبادرة السلام» أو مغامرة النزول علي سطح القمر (في القدس) كما شاع التعبير أيامها!

    * ومن ناحية ثالثة فإن العالم العربي، علي اتساعه، تصاعد شعوره بالإحباط موجة عاتية تطغي علي ما بقي من دور وعطر نصر أكتوبر الذي كان بالفعل ملكية مشاعة للجميع.

    وفي داخل مصر ذاتها كان الشعور بالمرارة قاسياً منذ قسوة التعامل مع مظاهرات يومي ١٨ و١٩ يناير ١٩٧٧، والتي كانت آخر وقفة للطبقة المتوسطة التقليدية في مصر.

    وأخيراً حلت الكارثة الكبري حين تدافعت الحوادث من اعتقالات سبتمبر ١٩٨١ - إلي اغتيالات ٦ أكتوبر ١٩٨١.

    وفي لحظة مشحونة بالخطر علي مصر فإن دواعي السلامة الوطنية تخطت غيرها من الاعتبارات، ولعلها استنفرت وعي كل الناس كي يحيطوا بالرئيس الجديد حتي تمر الأزمة، وكذلك أمكن تفادي الفتنة والفوضي.

    بالإضافة إلي ذلك، فقد كان هناك اعتبار أن القوات الإسرائيلية مازالت في أطراف سيناء، وانسحابها مقرر بمقتضي الاتفاقيات بعد ستة شهور - أي في أبريل سنة ١٩٨٢، وكانت دعوي النظام أن اسكتوا جميعاً حتي لا تتخذ إسرائيل من أي «شوشرة» في الداخل حجة لتأخير الانسحاب، وقبل الجميع دون مناقشة مراعاة اعتبارات عليا لها الأسبقية علي أي اجتهاد.

    وكانت تلك «بداية رهان» علي «حسني مبارك».

    وفي تلك الظروف المفعمة بالاحتمالات، التقيت مع آخرين غيري بالرئيس الجديد لأول مرة منقولين إلي قصره من غياهب السجن، خارجين من لقائه إلي متسع الحياة، ثم كان أنه تفضل بدعوتي للقائه وحدنا بعد أيام، ثم مضي عام حتي كتبت هذه المجموعة من المقالات لمجلة «المصور» بطلب رقيق من رئيس تحريرها ذلك الوقت، وكانت كتابتها في نوفمبر ١٩٨٢، وها هي تنشر ٢٠٠٨- وهذا أولها.

    «من ١٩٨٢ حتي ٢٠٠٨ »..خطاب مفتوح إلي الرئيس «حسني مبارك»

    نوفمبر ١٩٨٢

    سيادة الرئيس

    لقد مر عام كامل علي ذلك اليوم الذي تفضلتم وأمرتم فيه بالإفراج عن الدفعة الأولي من المعتقلين الذين ازدحمت بهم السجون، ضمن إجراءات تلك العملية الغريبة في تاريخ مصر الحديث، والتي تطوع البعض -سامحهم الله- وأطلقوا عليها وصف «ثورة ٥ سبتمبر ١٩٨١»!

    كان لي الشرف أن أكون واحداً من المعتقلين في هذه العملية.

    وكان لي الحظ أن أكون واحداً من أفراد الدفعة الأولي بين المُفرج عنهم.

    ورأيتم يا سيادة الرئيس -وكان صواباً ما رأيتم- أن يكون الإفراج عملاً سياسياً وليس تصرفاً إدارياً - لتكون منه إشارة وبشارة، وهكذا فإن الذين أخذوا من بيوتهم بعنف السلطة عند منتصف ليل ٣ سبتمبر ١٩٨١ - أفرج عنهم بلطف نفس السلطة في عز الظهر يوم ٢٥ نوفمبر ١٩٨١، ومن مكتب رئيس الجمهورية، بعد لقاء كريم معه.

    وفهمت مصر كلها معني الإشارة ووافقت، وهدأت خواطرها بالبشارة وانتظرت.

    * * *

    وأتذكر -يا سيادة الرئيس- أنني حين خرجت من مكتبكم مع بقية زملاء وأصدقاء تلك التجربة المثيرة، وجدت ممثلي الصحافة العالمية المكلفين بمتابعة أحداث مصر يحيطون بي ويركزون علي، ولعل اهتمامهم كان تعصباً من أبناء المهنة الواحدة لبعضهم، أو انعكاساً لعطف واسع مبعثه أن عمل أي كاتب جزء من شواغل قرائه.

    وأتذكر أنني سُئِلت تلك اللحظة - وكانت الحوادث مازالت ساخنة والمشاعر التي أثارتها جياشة - عن رأيي فيما جري وسوف يجري.

    ورويت للسائلين جزءاً مما سمعناه منكم قائلاً:

    «إن الرئيس تحدث إلينا بأمانة عن أولوياته: قضية الأمن - وقضية العلاقات مع العالم العربي - وقضية مفاوضاته مع إسرائيل من أجل إتمام الانسحاب من سيناء».

    وكان الرئيس واضحاً في تحديد أولوياته، صريحاً في عرضه للمشاكل التي يواجهها في كل واحدة من تلك القضايا.

    ولقد طلب ما يريده في النهاية قائلاً:

    - «أريد فتح صفحة جديدة في تاريخ مصر».

    - «أريد حواراً مفتوحاً مع كل القوي الوطنية».

    - «أعطوني وقتاً كافياً حتي أفكر في خياراتي».

    وقد أجبناه جميعاً -وكنت بينهم- بنعم.

    وسألوني:

    - «وهل عرض عليك شيئاً».

    وأجبت:

    - «لم يعرض شيئاً، وأريد أن أقول لكم - هذه اللحظة وعلي الفور - إنني لست طرفاً في لعبة السياسة المصرية، ولا طرفاً في لعبة الصحافة المصرية، وليس هذا موقفاً جديداً، وإنما هو موقف قديم اتخذته منذ سنة ١٩٧٥، حين عرض علي الرئيس «السادات» - يرحمه الله- عدة مناصب في الدولة - بينها منصب نائب للوزراء أو منصب مستشاره للأمن القومي - إلي جانب عدة مناصب في الصحافة - بينها العودة إلي الأهرام - شريطة أن «ألتزم»، وكان ردي هو الاعتذار عن مناصب الدولة لأنها خارج مهنتي، وقد قبلت بمنصب الوزير مرة واحدة ولمدة محددة في ظرف استثنائي، وأما عن الصحافة فقد كان ردي أنني لا أستطيع الالتزام إلا بما أقتنع به، ولم أغير رأيي من يومها، وحتي اليوم.

    وفي كل الأحوال فإن الرئيس لم يعرض علي شيئاً، ثم إنني -من جانبي- لست علي استعداد لشيء».

    وسألوني أيضاً:

    - «وما الذي تنوي عمله؟».

    وأجبت:

    - «سوف أواصل ما كنت أفعله قبل السجن، أعيش في مصر وليس خارجها، وأكتب وأنشر كتبي في العالم (حتي وإن لم تنشر في وطني!)، وعندما كنت في السجن فقد خطرت لي فكرة كتاب جديد اخترت عنوانه فعلاً داخل الزنزانة وهو: «خريف الغضب»، وفيما عدا ذلك فإنني بالطبع لا أنوي مقاطعة الشأن العام، وأؤثر أن أتخذ لنفسي موضع وموقع المراقب المهتم، وهذا كل شيء».

    وسألوني أخيراً:

    - «ألم تتحدث برأي أثناء اجتماعكم بالرئيس؟».

    وأجبت:

    - «لقد اتفقنا ونحن في الطريق من السجن إلي قصر الرئاسة أن يتحدث عنا واحد منا فقط، ووقع اختيارنا علي الأستاذ «فؤاد سراج الدين»، باعتباره الأكبر سناً والأسبق عهداً بالعمل السياسي، وبالفعل فإنه هو الذي تولي الرد بالنيابة عنا فيما سمعناه من الرئيس».

    وصحيح أن الرئيس تفضل في لحظة فنظر إلي وبادرت القول:

    «إن مجرد حدوث هذا الاجتماع -وفي هذا المكان- أهم من أي كلام يقال».

    ولم أزد.

    ثم أضفت من عندي للسائلين:

    - «إنني أحسست بإخلاصه فيما قال، وأنني أؤيده فيما طلب منا».

    وأتاحت لي الظروف بعد ذلك -يا سيادة الرئيس- أن أسافر إلي لندن لعمل يتصل بنشر كتابي الذي جاءتني فكرته في السجن، ووجدت عنوانه في الزنزانة «خريف الغضب»، وفي لندن فتحت لي صحف الغرب وصحف العرب مساحاتها كما أشاء، وكنت أشعر أن ذلك دين في عنقي أؤديه إلي الذين وقفوا بجواري وحملوا قضيتي أثناء غيابي الإجباري عن الساحة، وتحدثت، وفي كل ما قلت هناك لم أخرج علي حدود ما سبق أن قلت هنا، وإن كنت توسعت -إلي حد ما - في التفاصيل. وحين عُدت من لندن وجدت حملة علي بسبب بعض ما قلت وبعض ما لم أقل، واكتفيت برسالة توضيح بعثت بها إلي «المصور».

    قلت كلمتي ومشيت!

    * * *

    وانقضي عام كامل - يا سيادة الرئيس.

    لم أتخل عن صمت فرضته علي نفسي - ولم أتخل في نفس الوقت عن اهتمام بالشأن العام يفرضه علي الواجب أولاً كمواطن، وثانياً -بعدها- كمواطن أتاحت له الظروف لسنوات طويلة أن يكون في صميم العمل الوطني والقومي، وبالقرب من القمة التي يصنع عندها القرار.

    وكذلك تفرغت بالكامل لكتابي الجديد، وكنت أرفع رأسي بين فترة وأخري مما أنا منكب عليه، ثم أتلفت علي المسرح حولي وأتابع ما يدور في الوسط وفي الأطراف ووراء الكواليس وحتي وراء الحدود، ثم أصغي إلي الأصوات، وأتتبع الإشارات والإيماءات، والأضواء والألوان - أحاول أن أتأمل وأفهم وأستوعب...!

    كانت الأحداث تسابق بعضها وأنا ساكت منتظر، وكانت المواقف تتغير وأنا ملتزم بمكاني وشاغلي.

    كان تأييدي لكم هو آخر ما قلته قبل الصمت، وآخر ما وقفت عليه عندما آثرت السكوت.

    وظل ذلك محسوباً علي وأنا قابل ومقتنع، ومازلت قابلاً ومقتنعاً حتي هذه اللحظة، ومن هنا -بالقطع- دواعي هذا الخطاب الذي أوجهه الآن مفتوحاً إليكم.

    * * *

    سيادة الرئيس

    سؤالان لابد من الإجابة عليهما -أولاً- دفعاً لأي تأويل أو ظن.

    أولهما: لماذا اتخذت لنفسي موقف الصمت والانتظار عاماً كاملاً؟

    والثاني: لماذا أيدتك ومازلت أؤيدك حتي هذه اللحظة؟

    إذا أذنتم لي -يا سيادة الرئيس- أن أحاول جواباً علي السؤال الأول، فإني سوف أختار أسلوباً يخرج علي المألوف، باستعمال النفي وصولاً إلي التأكيد، أي أنني سوف أركز علي ما لم يكن من أسبابي كي تظهر دواعي إلي اتخاذ موقف الصمت:

    ١- لم يكن من أسبابي للصمت أنكم تفضلتم بالإفراج عني، والحقيقة -وبدون تجاوز- أنني لا أعتبر ذلك ديناً علي لكم، فقرار الإفراج لم يختصني وحدي وإنما شمل الجميع غيري، ولم يكن عفواً خاصاً وإنما كان قرار سياسة عامة لها مقتضياتها التي تتعدي رغبات الأطراف.

    ولكي أكون صريحاً إلي أبعد مدي، فإن هذا القرار لم يستفد به طرف واحد من أطراف العلاقة فيه، وإنما استفاد الطرفان.

    صحيح أن القرار أعاد للمُفرج عنهم حقهم فيما فرض عليهم -لكنه من الصحيح أيضاً أن نفس القرار أعاد لسلطة الحكم نصيباً من شرعية ضيعتها بسلسلة من السياسات والإجراءات، آخرها مأساة «ثورة ٥ سبتمبر».

    إن شرعية النظم التي تعيش في ظلها معظم دول العالم الثالث لا تحققها -يا سيادة الرئيس- نتائج الاستفتاءات، لأن نتائج الاستفتاءات -علي افتراض صدقها- هي في الواقع شهادة صلاحية بدخول امتحان، ويجيء امتحان أي نظام بما يستطيع تحقيقه من منجزات تستحق القبول العام، وعندها تتبدي شرعية النظم.

    وفي العالم الثالث عادة -وحيث لا مؤسسات بسبب تعثر نمو القوي الاجتماعية التي هي البناء التحتي لقيام المؤسسات- فإن رجلاً واحداً -في الغالب ولسوء الحظ- يملك سلطة القرار، وهذا الرجل الواحد يجيء أحياناً بزلزال ثورة أو حادثة، أو بذهاب رجل سبقه.

    علي أن الوصول إلي قمة السلطة ليس شرطاً كافياً للشرعية، وإنما لابد لهذه السلطة أن تستجيب لحركة التاريخ، وتكون منجزاتها العملية بهذه الاستجابة أساس شرعيتها، مع ملاحظة أن شرعية رجل واحد ليست قابلة للإرث بواسطة رجل يليه علي كرسي الحكم. وهنا يصبح علي كل رجل جديد -وحتي تنمو القوي الاجتماعية في الوطن وتفتح طرقاً طبيعية، دستورية وقانونية للتطور والتقدم- أن يقدم الرجل الجديد موضوع -وليس مجرد شكل- شرعيته، وأن يؤكد هذه الشرعية بسياساته هو وليس بسياسات سواه.

    أقصد أن أقول -يا سيادة الرئيس- إن قراركم بالإفراج عن المعتقلين كان واحداً من أسباب الموضوع في التقديم لشرعية حكمكم وتأكيد هذه الشرعية، مع أننا -الذين أفرج عنهم- استفدنا منه شخصياً.

    أي أن العلاقة بين الأطراف متكافئة: لا ديون لأحد علي أحد، ولا كمبيالات، ولا شيكات بغير رصيد علي طريقة هذه الأيام!

    ٢- لم يكن من أسبابي للصمت أيضاً أنكم الآن في الحكم وفي موضع القرار. ولقد سمعتكم بنفسي تقولون إنكم «لم تفكروا في رياسة الجمهورية ولم تسعوا إليها»، وأعرف أكثر من غيري أنه الصدق والحق. فلقد فرضت الظروف عليكم تبعات المنصب ومسؤولياته في أوقات يعلم الله فيها هموم الرئاسة وأثقالها. ومن ناحية أخري -ودون أن أتجاوز حدي أو قدري- فأنا واحد من ناس ليس لديهم ما يطلبونه من حاكم.

    ولقد كنت أقول -ومازلت- ومرة أخري دون تجاوز -إن أي حاكم في مصر يملك في شأني قراراً واحداً هو اعتقالي إذا شاء، لكنه لن تكون لديه -عدلاً- مبررات لمثل هذا القرار، فأنا لم أخرج دقيقة واحدة في ممارستي لعملي العام علي حدود مهنة الصحفي دون خطوة واحدة بالزيادة، أو خطوة واحدة بالنقصان (فيما أتمني!).

    ثم إنني -وقد أثبتت الظروف عملياً- لا أريد أن أكون ضمن طراز معين من الصحفيين.

    لا أريد أن أكون ضمن هؤلاء الذين تنحني هاماتهم أمام الحكام في قصورهم، وترتفع هاماتهم أمام الحكام في قبورهم!

    ٣- لم يكن من أسبابي -كذلك- أنني أصبحت أخاف بعد أن دخلت السجن لأول مرة في حياتي، فقد كنت أدرك منذ بداية اشتغالي بالمهنة أن السجن -وربما أسوأ- قدر يتربص بأي صاحب رأي في العالم الثالث. فصاحب الرأي في بلدان هذا العالم وحيد في مواجهة السلطة، وليس هناك من يجيره: لا قبيلة ولا مدينة - ولا أمير ولا خفير - ولا حدود أو سدود - أي أنه بدون كل أنواع الحمايات التي كانت توفرها حتي عصور البداوة والإقطاع في الماضي، أو عصور الدستور والقانون حيث تهيأت الظروف - فعلاً لا مجرد قول- لسيادتهما.

    وفي خلافي مع الرئيس «السادات» بسبب اتفاق فك الاشتباك الأول، ثم تصاعد هذا الخلاف بعد فك الاشتباك الثاني، ثم وصول هذا الخلاف إلي الذروة بعد مبادرة القدس - فإن احتمال الاعتقال كان وارداً باستمرار، ونُصِحْت عشرات المرات أن أترك مصر وأعيش خارجها ولو لبعض الوقت، ولكني شكرت للناصحين حرصهم وبقيت في مصر حتي أغلقت علي بوابات السجن.

    ولم أخف من السجن وكان بالنسبة لي عالماً غامضاً، وربما قلت الآن إن التجربة عرفتني بهذا العالم الغامض وأجوائه الموحشة، وفي كل الأحوال فلقد اعتقدت دائماً أن هناك ترفاً واحداً ووحيداً لا يستطيع أي صاحب رأي أن يسمح به لنفسه، وهو ترف الخوف.

    وهكذا فإن داعي الخوف -علي فرض أن هناك ما يدعو إليه- لم يكن من أسبابي للصمت.

    ٤- وربما سمحت لنفسي أن أضيف سبباً آخر من دواعي الصمت.

    لقد كنت طرفاً في صدام طويل وعنيف مع الرئيس «السادات»، وكانت جبهة هذا الصدام واسعة تمتد إلي خياراته الداخلية والعربية والدولية بعد حرب أكتوبر، ولقد قلت رأيي فيها جميعاً، وفي حضوره، وأمام سلطته.

    وقد انتهي هذا الصدام بوضعي في السجن، ثم ـ لسوء الحظ ـ باغتياله.

    وتصورت أنني أحتاج إلي استعادة كل ما حدث ومراجعته.

    ثم تصورت أن القفز من الأبواب الواسعة التي تفتحت للكلام قد يبدو تزيداً يستحسن تجنبه.

    وتصورت أيضاً أن كلاماً كثيراً أقوله بعد الخروج من السجن قد يؤخذ مشوباً بمظنة تحامل، أو شهوة لتصفية الحسابات!

    ومن ناحية أخري فقد كنت واثقاً أن مر الأيام والحوادث سوف يضع كل شيء وكل رجل أمام امتحان الحقيقة، وساعتها يكون الكلم في موضعه وبمنأي عن الظنون والشهوات.

    ولقد لفت صمتي أنظار كثيرين، وتكرر علي سمعي سؤالهم عن بواعثه، وشاء بعضهم ـ بحسن نية ـ أن يجد تفسيراً يرضيه، فسألوني:

    - هل يمكن أن يكون هذا الصمت في حد ذاته إعلان موقف؟

    ـ وكان ردي أنني ـ بالطبيعة وبالمهنة ـ لا أستطيع إعلان موقف بأسلوب الصمت، لأن «الكلمة» ببساطة هي حياتي وعملي، وأنا أحاول أن أقولها موضوعية قدر ما أستطيع، وأحاول أيضاً أن أقولها بأسلوب لا يفتعل الحماسة ولا ينازل طواحين الهواء، عارفاً علي أي حال أن كل كلمة تحترم قارئها أو سامعها ـ لها إمكانية تأثير.

    وإذن، فإن الصمت لم يكن موقفاً أعلنه ـ أو أخفيه ـ أياً كانت الظروف!





    يتبع الجزء الثاني من الرسالة الاولى
    المصدر
    http://www.almasry-alyoum.com/articl...rticleID=90020







    التعديل الأخير تم بواسطة presedant ; 2008-01-16 الساعة 01:22

  2. #2
    موقوف لعدم صلاحية البريد الالكتروني الصورة الرمزية presedant
    تاريخ التسجيل
    12 2007
    الدولة
    مستوطنة باب الزاوية
    العمر
    37
    المشاركات
    1,651

    رد : المقالات «المحجوبة» للكاتب محمد حسنين هيكل


    التفاصيل الكاملة لتعيين مبارك نائباً لرئيس الجمهورية.. ولماذا قلت «لابد أن تتاح له الفرصة أولاً للتعرف علي مشاكل الناس»

    ١٥/١/٢٠٠٨

    لقد شرحت أمامكم سيادة الرئيس ما لم يكن بين أسبابي لاتخاذ موقف الصمت، ولعله من المناسب الآن ـ منطقياً ـ أن أحاول الرد علي السؤال الثاني الذي طرحته من قبل وهو: «لماذا أيدتك، وتركت هذا التأييد قائماً ـ صراحة وضمنا ـ حتي هذه اللحظة»؟
    ـ أستأذنكم مرة أخري في شرح أسبابي، وأكثر من ذلك ـ هذه المرة ـ أرجوكم ـ أن تفسحوا لي صدركم وصبركم، لأني أريد وضع بعض النقاط علي بعض الحروف حتي لا يكون هناك التباس تتشابك وتختلط به الأمور.
    ١ ـ إنني ـ يا سيادة الرئيس ـ تابعت سجلكم في الخدمة العامة بأقرب مما يخطر لكثيرين.
    وأقول ـ والله شاهد ـ كما أن هناك شهوداً من البشر أحياء ـ إني كنت موجوداً في مكتب «جمال عبدالناصر» حينما وقع الاختيار عليكم لرئاسة أركان حرب سلاح الطيران في الأوقات العصيبة من حرب الاستنزاف، والاستعداد بعدها لعبور قناة السويس بالقوة المسلحة طبقاً لخطة «جرانيت (١)».
    ولقد رأيت بنفسي وسمعت ـ كصديق مقرَّب ـ كيف استقر رأي «جمال عبدالناصر» عليكم لهذه المهمة في تلك الأوقات، وكان ذلك بناء علي ما ورد في التقرير السري بملف خدمتكم بأوصاف ـ «وطني ـ كفء ـ لديه ملكة القيادة».
    ثم كان لي بعد ذلك شرف الاشتراك في مناقشة الخطة العامة للعمليات. فقد شاءت المصادفات أن أكون وزيراً للإرشاد القومي وقتها، وأن أكون ـ بهذه الصفة ـ عضواً في مجلس الأمن القومي، وكان «جمال عبدالناصر» يناقش مع هذا المجلس مجتمعاً، ومع بعض أعضائه فرادي ـ كثيراً من مشاكله وشواغله.
    وفوق ذلك فقد كانت لدينا في الأهرام ـ تلك الأيام الخوالي ـ وحدة عسكرية ضمن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية ضمت صفوة من خيرة العسكريين المصريين، وكانت هذه الوحدة التي رأسها اللواء «حسن البدري» الذي كان مؤرخاً رسمياً للجيش المصري ـ وكما هو الحال في مثيلاتها في أي بلد يقدِّر العلم ـ طرفاً محاوراً في المناقشات الدائرة حول الخطوط الرئيسية لاحتمالات العمل المسلح وإمكانياته.
    وكان دور الطيران ـ بالطبع ـ نقطة مهمة في المناقشات الرسمية وغير الرسمية التي امتدت وتشعبت شهوراً طويلة وسنوات.
    وعندما جاءت لحظة الحق بمعارك أكتوبر، فإنني رُحت أتابع في الواقع كل ما كنا نتحدث عنه بالتصور، وقد وُضع للاختبار تحت لهب النار.
    وربما تذكرون ـ يا سيادة الرئيس ـ أنني أثناء تلك المعارك كتبت مقالاً رويت فيه طرفاً من حوار دار بينكم وبين طيار إسرائيلي أسير سقطت طائرته، وأنتم هناك في قاعدة المنصورة تراقبون وقائع غارة جوية.
    وجاءوا بالطيار الأسير أمامكم، وكانت لكم ملاحظات علي الطريقة التي تصرف بها إزاء الدفاعات الجوية المصرية، وقلتم له:
    - ماذا جري لكم هذه المرة، إنكم تغيرتم؟
    ورد الطيار الإسرائيلي عليكم:
    ـ نحن لم نتغير يا سيدي، ولكنكم أنتم الذين تغيرتم!
    كان الرئيس «السادات» نفسه هو الذي نقل إلي الواقعة، وكان هو الذي نقل إلي فيما بعد دهشتكم للطريقة التي وصل بها هذا الحوار إلي وبهذه السرعة، فنشرته ضمن مقالي الأسبوعي.
    تذكرون ذلك ـ يا سيادة الرئيس ـ وأنا أيضاً أذكره.
    أذكره لكي أدلل فقط علي أنني كنت أتابع عن كثب سجل «وطني ـ كفء ـ لديه ملكة القيادة».
    ٢ ـ إن التاريخ كان كريماً معي ـ يا سيادة الرئيس ـ عندما أتاح لي فرصا كثيرة رأيت فيها لمحات من وقائعه وهي لاتزال بعد في مرحلة الخلق الأولي.
    ومن هذه الوقائع علي سبيل المثال، واقعة اختياركم لمنصب نائب رئيس الجمهورية.
    تذكرون ـ ياسيادة الرئيس ـ أنني كنت قريباً من الرئيس «السادات» حتي اختلفنا بسبب فك الاشتباك الأول، فافترقنا وحلت بيننا قطيعة، تفضل هو وأنهاها بعد سبعة أشهر ـ أي في أكتوبر ١٩٧٤، وعُدت قريباً منه حتي وقع فك الارتباط الثاني في صيف ١٩٧٥، فكان فراقنا شبه النهائي!
    وبالتالي فإنني كنت هناك ـ يا سيادة الرئيس ـ خلال تلك الشهور الحاسمة من ربيع سنة ١٩٧٥.
    كنت هناك في الداخل شاهداً علي عملية صنع القرار.
    ولو أذنتم لي ـ يا سيادة الرئيس ـ فإنني أريد أن أروي لكم طرفاً من وقائع تلك الأيام، ولعلي أتجاسر ـ دون تجاوز ـ فأقول إن بعضه قد يكون جديداً عليكم، لكنني قبل أن أرويه أريد أن أقول لكم بإخلاص عبارة تبدو سابقة لموضعها، وأظن أن مغزاها الحقيقي لا يتضح بكامل أبعاده إلا في الختام، وليس في السبق والتقديم، وهذه العبارة هي:
    «سيادة الرئيس، إنك لست مديناً لأحد، لقد أرادوك لهم، ولكن المقادير أرادتك لنا، وهكذا يجب أن تكون دائماً».
    وإذا بدت لكم هذه العبارة في هذا الموضع من الحديث لغزاً، فلعلي أطمح أن يتسع صبركم وصدركم لصفحة من تاريخ مصر وثيقة الصلة بكم أعرض عليكم تفاصيلها.
    في بداية سنة ١٩٧٥، كان الرئيس «السادات» يري بوادر أزمة تتجمع سحبها من حول نظامه.
    كانت إسرائيل تعاند معه بعد فك الارتباط الأول وتلح عليه لتنفيذ تعهدات قطعها علي نفسه أثناء المحادثات السرية لفك الاشتباك الأول، ولم يكن هو بعد مستعداً للتنفيذ «وهذه حكاية سوف تكشف الأيام كثيراً من خباياها، وإن لم يكن هذا هو الوقت المناسب لها الآن».
    وكان الرئيس «السادات» أيضاً يواجه موقفاً صعباً في العالم العربي، لأن توقيعه منفرداً علي فك اشتباك للقوات علي الجبهة المصرية وحدها، أثار من حول تصرفاته شكوكاً راح جاهداً يحاول إسكاتها. وزاد الموقف العربي تعقيداً لأن «هنري كيسنجر» لم يقترب من الجبهة الأردنية بتحرك من أي نوع، ثم إن العقد استحكمت حين وافق مؤتمر القمة في الرباط ـ أكتوبر ١٩٧٤ ـ علي اعتبار منظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني.
    وفي داخل مصر، فقد بدأ شعور بالتململ يطفو علي السطح، تعبيراً عما كان يدور في الأعماق.
    كانت الحرب قد جاءت وانتهت، وحل فض الاشتباك الأول وتم توقيعه، وزار الرئيس الأمريكي «ريتشارد نيكسون» مصر، فلقي فيها استقبال أبطال، وعاد إلي أمريكا ليخرج مطروداً من البيت الأبيض، وبدأت سياسة الانفتاح ونشطت، لكن الآمال التي تعلقت بهذا كله علي مستوي المواطن المصري لم تتحقق، بل علي العكس فقد بدا أن ظروف الحياة تزداد صعوبة يوماً بعد يوم.
    وحدثت اضطرابات واعتصامات في المصانع، ثم خرجت مظاهرات إلي الشوارع كان بعضها نذيراً، كما أن بعضها بدا غريباً، ومن ذلك أن إحدي المظاهرات مثلاً كانت موجهة إلي رئيس الوزراء في ذلك الوقت ـ الدكتور «عبدالعزيز حجازي» ـ وكان الهتاف الذي رددته هو «حكم النازي ولا حكم حجازي»، وكان التشبيه لافتاً للنظر، فلم يكن منطوقه مما يخطر تلقائياً علي بال متظاهر مصري عادي. وبدأ رئيس الوزراء ـ وله الحق ـ يشك أن هناك من يوجه هذه المظاهرات لغرض لديه وهدف.
    وكان الواضح أن النظام يواجه حالة شبه انكشاف من خارجه،كما أنه يواجه شبه انشقاق من داخله!
    وكان الرئيس «السادات» يتابع هذا كله بمهاراته الخاصة التي اكتسبها من تجربته الذاتية، وكانت له ـ يرحمه الله ـ طريقة تفرد بها في حساب الأمور وتقديرها والتصرف حيالها!
    وقابلته في استراحة القناطر يوم الثلاثاء ٢٥ فبراير «١٩٧٥»، وكان قد فرغ لتوه من اجتماع مع رئيس وزرائه الدكتور «عبدالعزيز حجازي» الذي كان عائداً من زيارة رسمية للندن، ووجدت «السادات» في حالة «ضيق شديد» «هكذا سجلت يومها في أوراقي».
    وقادنا الحديث إلي الظروف الداخلية، وتكلم هو وتكلمت، وكان بين ما قاله: «هناك من يتآمرون علي النظام، هناك مؤامرة واسعة».
    واستطرد الرئيس «السادات» قائلاً:
    (إنني استدعيت «سيد مرعي» «رئيس مجلس الشعب وقتها ـ قابله يوم ١٨ فبراير»، وكان «سيد» متخوفاً «هناك مجموعة في مجلس الشعب «انفلت عيارها»).
    واستدعيت بعده «ممدوح سالم» «نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية وقتها ـ قابله يوم ١٩ فبراير»، وممدوح يري أن الحالة سيئة لأن الوزارة لا تعمل شيئاً.
    واليوم قابلت «حجازي» «رئيس الوزراء ـ المقابلة يوم ٢٥ فبراير»، وحجازي يقول إن الوزارة تعمل، ولكن هناك من يضعون العراقيل أمامها.
    وعندما جاء دوري للكلام اقترحت علي الرئيس «السادات» أن يعقد اجتماعات لكل أركان النظام، ويناقش معهم «علي المائدة» أسباب الأزمة، ويحاول التعرف علي الحقائق في حضورهم جميعاً بدلاً من مقابلة كل طرف علي حدة، فمقابلة كل طرف علي حدة لا تسفر إلا عن شكوي، أما اجتماع الكل «حول مائدة» فهو مناقشة يؤدي حوارها ـ ربما ـ إلي حلول، أو علي الأقل إلي حقائق بدلاً من الشكاوي.
    وأخذ الرئيس ـ مشكوراً ـ باقتراحي، ودعا الكل إلي اجتماع صباح يوم السبت أول مارس ١٩٧٥ ـ ثم دعاني إلي لقائه مساء نفس اليوم في استراحة القناطر «ونقلا عن أوراقي» بادرني بقوله: «ياه يا محمد»، لقد كنت جالساً علي بركان وأنا لا أشعر، واليوم فجرت الموقف، وفوجئت بهم جميعاً «تركبهم» العقد، إن حجازي شبط في ممدوح وكانت «حوسة»!
    وراح يروي لي بعد ذلك تفاصيل الاجتماع، ثم قال:
    إن «حجازي» يؤكد أن الموقف (الاقتصادي) طيب، وقد ذكر أنه سوف يكتب تقريراً عن الصورة العامة بتفاصيلها، ويقدمه لي في ظرف أسبوعين، وقد أجلنا استكمال المناقشة حتي يعد تقريره.
    وبعد خمسة عشر يوماً بالضبط أنجز الدكتور «عبد العزيز حجازي» ما وعد، فسافر إلي أسوان، لو كان الرئيس «السادات» قد ذهب إليها لاستكمال مفاوضاته مع «كيسنجر» (بهدف الوصول إلي اتفاق ثان لفض الاشتباك علي الجبهة المصرية)، وهناك قدم الدكتور «عبدالعزيز حجازي» تقريره المنتظر إلي رئيس الجمهورية (كان لقاؤهما يوم ١٥ مارس).
    وفي يوم ١٩ مارس استدعاني الرئيس «السادات» إلي أسوان ولقيته في الساعة الحادية عشرة صباح يوم ٢٠ (مارس) في استراحته في أسوان، وكان مهموماً، لأن محادثاته مع الإسرائيليين عن طريق «كيسنجر» تمر بمرحلة حرجة بسبب تعنُّت «جولدا مائير» حتي مع «كيسنجر».
    ورُحت أطمئنه إلي أن احتمال فشل محادثاته مع «كيسنجر» ليس فيه ما يدعو إلي الأسي، وكان بين ما قلته له:
    ـ «أنت أقوي بغير اتفاق، منك باتفاق سييء».
    وسألني:
    * «وماذا نقول للناس، وقد وعدت مجلس الشعب بأن أتحدث إلي أعضائه عن نتائج المحادثات؟»
    وقلت له علي الفور:
    ـ لا تحمل لذلك همَّاً، وإذا أردت فإنني علي استعداد لكتابة خطابك أمام مجلس الشعب».
    واتفقنا علي معظم نقاط هذا الخطاب، ثم اختلفنا علي نقطة واحدة وهي التردد بين فتح قناة السويس أو استمرار إغلاقها، وكان رأيي فتحها للملاحة لعدة أسباب شرحتها، بينما كان رأيه استمرار إغلاقها لأن «إخواننا» العرب قد يسيئون معني فتحها الآن!
    وقلت له: «إن فتحها مع فشل المحادثات، وبقرار مصري منفرد، خير ألف مرة من فتحها نتيجة لاتفاق يحمل ضمناً موافقة أطراف أخري».
    وانتقل فجأة إلي الموضوع الآخر ـ أي الشأن الداخلي، قائلاً:
    - «حجازي جاء إلي هنا وقدم لي تقريره، لم أقرأه، خذه أنت واقرأه، ثم قل لي أهم ما فيه».
    (وأخذت تقرير الدكتور «حجازي» بمقدمته المكتوبة بخط يده، ولايزال ضمن أوراقي حتي هذه اللحظة، ولم يسألني عنه الرئيس «السادات» فيما بعد، رغم أنه من أهم وثائق تلك المرحلة).
    ومرة ثالثة انتقل الرئيس «السادات» إلي موضوع آخر، وهو الاعتصامات التي قام بها العمال في مصانع المحلة الكبري، وكان ظنه أن «الشيوعيين» وراء هذه العملية، وأن تنظيمها يحمل بصماتهم، وكان لي رأي مختلف شرحته له.
    وعُدت إلي القاهرة يوم ٢١ مارس منشغلاً بإعداد مشروع خطاب الرئيس أمام مجلس الشعب، واتصل بي الرئيس من أسوان يقول لي إن «كيسنجر» لن يعود إلي مصر، وذلك معناه فشل المحادثات. ثم سألني «عن المدي الذي وصلت إليه في إعداد خطابه». وقلت «إن الخطاب جاهز، وإنني كتبته علي أساس إعادة فتح قناة السويس وليس علي أساس استمرار إغلاقها، وأنني فكرت طويلاً في الموضوع، وازددت اقتناعًا برأيي، وسوف أشرح له وجهة نظري حين يجيء إلي القاهرة».
    وفي اليوم التالي اتصل بي ليقول: «إن عاصفة رملية هبت علي أسوان وعاقت قيام طائرته».
    وفي صباح ٢٤ مارس توجَّهْت إلي مقابلة الرئيس «السادات» في استراحة القناطر التي قصد إليها مباشرة بعد عودته من أسوان، وتناقشنا طويلاً في كل الأوضاع.
    وفي مساء ٢٥ مارس كنت معه مرة أخري ضيف عشاء في استراحة القناطر أقرأ عليه - بحضور المهندس «سيد مرعي» - مشروعي الكامل لخطابه أمام مجلس الشعب. وكان لايزال مترددًا في اقتراح فتح قناة السويس، لكنه بدا مأخوذاً باستعداده للسفر في اليوم التالي إلي الرياض لتقديم العزاء في وفاة الملك «فيصل» (الذي اغتاله أحد أبناء أخ له)، وتقديم التهنئة للملك «خالد» (الذي خلف «فيصل» علي عرش السعودية). وغادرت استراحة القناطر بعد منتصف الليل مع المهندس «سيد مرعي»، الذي راح يسأني طوال الطريق إلي القاهرة عن سبب إصراري علي فكرة فتح قناة السويس، وتأثير ذلك ونتائجه، قلت لسيد مرعي:
    «عدا كل ما ذكرت أمامك وأمامه من أسباب فإني أشعر أن الرئيس يتعجل اتفاقًا ثانيا لفك الارتباط مع إسرائيل، وحجته استعادة دخل بترول سيناء، لكنه بهذا الاقتراح الذي طرحته عليه يستطيع فتح القناة، والحصول علي إيراداتها بقرار مصري مستقل ومنفرد، وهو بذلك يوفر لنفسه نصف مطالبه دون أن يوقع علي ورقة أتمثلها أمامي بالغة السوء»!!
    * * *
    سيادة الرئيس
    تري أنني أطيل في رواية التفاصيل، لكني أريد أن تكون الصورة كلها أمامك بكل خباياها لكي تعرف ولكي يعرف الكافة «أنك لست مدينا لأحد، وأنهم أرادوك لهم ولكن المقادير أرادتك لنا، وهكذا يجب أن تكون دائمًا».
    وأعود إلي ما كنت فيه - بإذنكم - وأعِدْ بأن أختصر.
    عاد الرئيس «السادات» من الرياض.
    وألقي خطابه في مجلس الشعب، آخذا بوجهة نظري في فتح قناة السويس.
    لكن بوادر الأزمة في الداخل راحت تضغط عليه، وأحسست من مناقشات طويلة معه حول ما يجري، أن الصورة الاجتماعية - الاقتصادية - وبالتالي السياسية ليست واضحة بالقدر الكافي، وأن تركيزه يبدو لي أكثر من اللازم علي «مسألة الأمن».
    ثم كان لقاء آخر بيننا يوم ٢ أبريل ١٩٧٥، وفي استراحة القناطر أيضًا. وأثناء هذا اللقاء قلت له:
    «إن النظام في اعتقادي يجتاز أزمة، وأعتقد أنه - شخصيا - مُطالب بالتفكير فيها بعمق. وبصراحة فأنا أظن أن النظام يواجه أزمة هوية، تتطلب منه أن يعيد تحديد القوي التي يمثلها بالضبط».
    وسألني الرئيس «السادات»:
    «ما الذي تقصده؟».
    وقلت:
    «إن أي نظام في الدنيا يمثل ويستند علي قوي اجتماعية معينة، فما هي القوي التي يمثلها ويستند عليها هذا النظام الآن؟».
    ومرة أخري سألني:
    «ماذا تقصد؟».
    وقلت له:
    «سوف أكون صريحًا إلي أبعد حد وأسألك بدوري سؤالاً محددًا: لماذا أنت الآن الرئيس (أنور السادات)؟.
    واستطردت مواصلاً السؤال: «لو أن الأمور كانت طبيعية - وكان حظك في الترقية طيبًا - لكنت الآن علي أكثر تقدير (العميد) أو (اللواء) أنور السادات، لكنك اليوم رئيس الجمهورية، فما الذي يعنيه ذلك؟».
    وأجبت علي سؤالي:
    إنه يعني ببساطة أن تغييرًا اجتماعيا كبيرًا حدث بعد ٢٣ يوليو ١٩٥٢، وبمقتضي هذا التغيير سقط نظام كانت له قواعده الاجتماعية والسياسية، وقام بدلاً منه نظام آخر يمثل ويستند إلي قوي اجتماعية تحمي شرعيته، بدلا من حماية الاحتلال البريطاني، وذلك ما كنا نسميه تحالف قوي الشعب العامل: الفلاحون والعمال والرأسمالية الوطنية والمثقفون والجنود.
    والسؤل الذي يجب أن نوجهه لأنفسنا الآن - خصوصًا بعد سياسة الانفتاح - ملخصه: «هل مازالت القاعدة الاجتماعية للنظام كما كانت، أم أنها تغيرت؟»، رأيي أنها تغيرت. ولست بذلك أصدر حكمًا في الموضوع، ولكني فقط أريد أن ألفت النظر إلي حدوث تغيير في التركيب الاجتماعي، الذي كان النظام يعتمد ويستند عليه، وإذا سألتني رأيي فإن النظام يواجه بالدرجة الأولي أزمة هوية لأن تمثيله للقاعدة السابقة - الآن - موضع شك، ثم إنني لست واثقًا أن التغييرات الطارئة جاءت للنظام بما يستطيع أن يستند ويعتمد عليه!.
    وأضفت:
    «ومع أن تلك تبدو قضية فلسفية، إلا أنني أعتبرها صميم الموضوع، لأن الهوية الاجتماعية لأي نظام هي جواز مروره إلي السلطة ومبرر بقائه فيها، لأننا لسنا مجتمعًا ملكيا تستمد السلطة فيه شرعيتها من الحق الإلهي للحاكم.
    وعليه فإنك إذا حددت من أنت؟ سهل عليك بعده أن تقرر ما الذي يتعين عليك أن تفعله».
    كنا ساعة هذا الحديث - يا سيادة الرئيس - في استراحة القناطر كما سبق وقلت، وكنا نجلس تحت ظلال شجرة «الفيكس» العتيقة وسط حديقة الاستراحة، وكان هو ممددا علي مقعد طويل «شيزلونج»، وكنت جالسًا علي مقعد أمامه، وأقداح الشاي والقهوة تروح وتجيء كما هي العادة.
    واعتدل في مقعده وراح يرد علي ما قلته، وشدنا حوار طويل ليس الآن مجاله، لكنه توقف لحظة ثم قال:
    «أنت تحدثت عن قوي الشعب العامل، وهذا التحالف الذي كانوا يتكلمون عنه بينها، فهل تريد أن تعرف رأيي في الموضوع؟ - وبدوره رد بنفسه علي سؤاله.
    الفلاحون في حالهم، والعمال لا يحركهم إلا الشيوعيون، والرأسمالية الوطنية سعيدة بسياسة الانفتاح، المشكلة كلها فيمن تسمونهم بالمثقفين، هؤلاء الأفندية الذين لا عمل لهم إلا إثارة المشاكل».
    واستطرد:
    «هذه المنشورات، من يطبعها ويوزعها؟ وهذه الإضرابات والاعتصامات، من يحركها وينظمها؟ وهذه الإشاعات، من ينشرها ويروج لها؟».
    وفجأة قال:
    «لكن هؤلاء جميعًا (يا خيبتهم الثقيلة) نسوا مسألة مهمة، نسوا القوة الخامسة فيما كانوا يسمونه تحالف قوي الشعب».
    تحدثوا عن الفلاحين والعمال والرأسمالية الوطنية والمثقفين، ثم نسوا الجنود.
    «فليتفضل» هؤلاء جميعًا ويواجهوا القوة الخامسة، وسوف نري النتيجة».
    وأبديت رأيا بشأن تلك القوة الخامسة باعتبارها جزءًا من تركيبة الشعب.
    وفي هذا الموضع من الحديث فقد انتابني إحساس غريب - يا سيادة الرئيس - إذ شعرت وكأن الرجل لم يكن يتحاور معي، وإنما كان يتحاور مع نفسه، أو كأن فكرة تطوف برأسه - وجدت ثغرة طفت منها دون قصد علي سطح الكلمات.
    يوم ٤ أبريل كنت عنده مرة أخري لحديث متصل عن الموقف الداخلي، وكان في خطابه أمام مجلس الشعب (يوم ٢٩ مارس) الذي تحدث فيه عن قصة محادثاته مع «كيسنجر»، وقرر في سياقه إعادة فتح قناة السويس - قد أعلن أنه سوف يعود قريبًا إلي المجلس بخطة لمواجهة مشاكل الداخل.
    وشرحت له ما أتصوره حول بعض النقاط التي يجب أن يتضمنها خطابه أمام مجلس الشعب بالنسبة للموقف الداخلي، وحددت ثلاث نقاط:
    * ضرورة أن يظهر أمام الناس أن الثورة ليست ثورتين، وأن العهد ليس عهدين، وأنه يستطيع أن يغير ما تقتضي الظروف تغييره مما كان - دون تناقض بين الأمس واليوم، لأن هناك قوي تحاول لصالحها ولأهدافها أن تفتعل معركة لا لزوم لها بينه وبين «جمال عبد الناصر».
    * ضرورة أن يحدد أمام الناس أنه يريد مجتمعًا للمنتجين وليس مجتمعًا لأصحاب الملايين، وأن يشير إلي ما يجري من أعمال الفساد والإفساد.
    * ضرورة أن يلمس أمام الناس مشكلة الغلاء وارتفاع الأسعار، الذي جعل من المستحيل علي أي أسرة متوسطة الحال أن تعيش وتواجه أعباءها، وبالتالي إظهار عزمه علي مواجهة هذه المشكلة.
    ووافقني الرئيس «السادات» علي ما اقترحت، وكانت له هذه الخاصية المدهشة، وهي «أن يترك من يشاء يقول ما يشاء ثم يتصرف هو كما يشاء»، وحتي لو ورد القول في النهاية علي لسانه هو، فإنه لم يكن يعتبر القول ملزمًا.
    وحين فرغت من عرض ما أردت ووافقني عليه، وجدته يطرح علي سؤالاً، أعترف أنني كنت بالإحساس أتوقعه، قال دون مقدمات:
    - إنني أفكر فى تغىىر الوزارة، ما رأىك؟ ومن تقترح لرئاستها؟
    وابتسمت، فقد درنا حول هذا الموضوع ضمنًا دون أن نقترب منه صراحة.
    وقلت له (مرة أخرى نقلاً عما سجلت فى أوراقى، فلست من أنصار الاعتماد على الذاكرة):
    «إنك تعرف رأىى فى قضىة التغىىر، وهو أن القضية ليست استبدال وجه بوجه غيره - دفعًا للملل، وإنما القضية في نظري هي:
    أولاً: مطلوب يراد تحقيقه.
    وثانيا: رجل - أو رجال يقدرون علي تحقيق هذا المطلوب.
    ولذلك فإني دائمًا أرجوك تحديد ما تريد، وعلي أساسه تختار من يستطيع».
    ورد علي بقوله:
    «إننا سوف ندخل في متاهات بهذا الشكل، وأن المسألة أبسط من ذلك، فـ (حجازي) لا يصلح للمرحلة القادمة».
    واختصرت الطريق، فقلت له:
    «أظنني أعرف، أنت تريد (ممدوح سالم) رئيسًا للوزراء؟!».
    وأصبحت الأوراق مكشوفة، وسألني:
    «وما اعتراضك علي «ممدوح»؟.
    وقلت له:
    «بالعكس، إنني لا أعرف الرجل عن قرب، وإن كان الذين عرفوه يشهدون له بمن فيهم أنت، لكن المسألة أكبر، لأن كل الناس سوف يفهمون مجيء (ممدوح سالم) إلي رئاسة الوزارة علي أنه - شئنًا أو لم نشأ - إجراء أمن. ومهما كانت مزايا الرجل، فإن وظيفته الأصلية سوف تعطي وزارته أمام الناس طابعًا لا يمكن إنكاره».
    وراح يهز رأسه، وشعوري أنه اتخذ قراره، وقلت مستسلمًا:
    «علي أي حال ليكن، مادام ذلك ما تريد. وعلي أي حال فإن مجيء «ممدوح سالم» إلي رئاسة الوزارة ينهي ازدواجية في الحكم عانينا منها طويلاً».
    ورمقني بنظرة مشهورة له تحمل مزيجًا من الاستنكار والاستفسار، وقلت:
    «أقصد أنه منذ بدء رئاستك كان تفويضك الرسمي - باستمرار - لرجل، وكانت ثقتك الفعلية - باستمرار - في رجل آخر.
    كان تفويضك الرسمي - مرة - للدكتور (محمود فوزي) - أول رئيس لوزرائك - وكانت ثقتك الفعلية في وزير داخليته (ممدوح سالم).
    وبعد وزارة الدكتور (فوزي) - كان تفويضك الرسمي للدكتور «عزيز صدقي» رئيسًا للوزراء، وكانت ثقتك الفعلية في نائبه ووزير داخليته (ممدوح سالم).
    وبعد ذلك تركت منصب نائب رئيس الوزراء للدكتور (عبد القادر حاتم)، وكانت ثقتك الفعلية في النائب الثاني ووزير الداخلية (ممدوح سالم).
    وأخيرًا كان تفويضك الرسمي للدكتور (عبد العزيز حجازي) رئيسًا للوزراء، وكانت ثقتك الفعلية مرة أخري في نائبه ووزير داخليته (ممدوح سالم).
    وكان ذلك يخلق حالة ازدواجية في السلطة تسببت في مشاكل وحساسيات.
    والآن فإن تعيين(ممدوح سالم) رئيسًا للوزراء يدمج تفويضك الرسمي وثقتك الفعلية في نفس الرجل الواحد، وبهذا تنتهي ازدواجية السلطة».
    وابتسم ابتسامة عريضة وقال:
    «برافو» (كلمته بالحرف) «برافو يا محمد، إنك فهمت ما كان في رأسي وما لم أقله لأحد». وأضاف: «كأنك نفذت إلي الكمبيوتر الموجود هنا»، وأشار إلي مؤخرة رأسه.
    وكنت واثقًا أن أسبابنا مختلفة، ولم يكن هناك ما يدعو إلي جدل لا فائدة منه!
    والتقينا - هو وأنا - مرة أخري - يا سيادة الرئيس - وفي استراحة القناطر أيضًا، وكان ذلك علي الغداء يوم ٦ أبريل، وواصلنا الحديث في الشؤون الداخلية، وخلال حوار متصل، توقف ثم انتقل إلي موضوع لم يكن متصلا بسياق ما كنا نتكلم فيه - قال:
    «لدي فكرة خطرت لي منذ أيام، وأدرتها في رأسي كثيرًا.
    (الحاج حسين) - نص تعبيره، وكان يقصد السيد (حسين الشافعي) - لم يعد ينفعني، وقد جاء الوقت لكي (يمشي) - نص تعبيره أيضًا - رجال هذا الجيل (جيل ٢٣ يوليو)، كانوا جميعًا عبئًا علي (جمال)، ولا أعرف كيف تحمَّلهم، أنا الآن أريد أن أفسح المجال لجيل ٦ أكتوبر».
    ونظر إلي ينتظر رد فعلي علي ما قال، ولم أنبس بكلمة، واستطرد هو:
    «لقد فكرت في تعيين نائب جديد للرئيس، وأريد واحداً من جيل القادة الذين حاربوا في ٦ أكتوبر، وهنا عد علي أصابعه أسماء القادة الخمسة الذين تصدروا معركة أكتوبر».
    ومرة أخري لم أنبس بكلمة، بينما هو يتفرس ملامحي. ويشرح ويفصل لعدة دقائق رأيه في كل واحد من الخمسة، بما في ذلك مزاياه وخصائصه، ثم توقف لثوان واستأنف ليقول:
    - يكاد رأيي أن يستقر علي «حسني مبارك».
    وكنت أصغي إليه بجوارحي، وألقي بورقته الأخيرة الرابحة، وهو يقول: «حسني» أفضلهم جميعاً، ثم «وقفة أخري واستطرد بعدها»، «محمد»، لا تنس الدور الخاص للطيران، نحن مقبلون علي أوقات صعبة، ومن يضمن الطيران يستطيع أن يواجه أي احتمالات في البلد».
    وجاء دوري لأتكلم، وكان بين ما قلت «إنني أعرف رأي جمال عبدالناصر» في «حسني مبارك»، كما أنني أعرف دور «حسني مبارك» في إعداد الطيران وقيادته في معارك أكتوبر، ولكني أخشي أنه بهذا التعيين يظلمه.
    أمام الناس قد تبدو دلالات هذه التعيينات مدعاة لكلام كثير، لأن رئاسة ممدوح سالم للجهاز التنفيذي سوف تبدو «بولسة» للوزارة.
    ونيابة «حسني مبارك» له سوف تبدو عسكرة للرياسة.
    وذلك كله سوف يعطي انطباعاً بأننا علي وشك دخول «مرحلة قمع» أو «مرحلة ضبط وربط» في أحسن الأحوال، وليس ذلك في صالح المرحلة ذاتها.
    (ومع ذلك فقد اقترحت ـ وأرجوك أن تغفر لي يا سيادة الرئيس ـ أن تتاح لك الفرصة قبل «نيابة الرئيس» لتتعرف علي جهاز الدولة وعلي مشاكل الناس، ويكون ذلك عن طريق توليك عدة مناصب وزارية تضعك وجها لوجه أمام ظروف الحياة المدنية، وبعدها يكون دخولك إلي قمة السلطة السياسية خطوة طبيعية).
    في يوم ١١ أبريل ـ كما تذكرون يا سيادة الرئيس ـ استقبلكم الرئيس «السادات» وعرض عليكم منصب نائب الرئيس.
    وفي يوم ١٤ أبريل صدر قراره بتعيين السيد «ممدوح سالم» رئيساً للوزراء.
    وفي يوم ١٥ أبريل صدر القرار الجمهوري بتعيينكم نائبا لرئيس الجمهورية
    * * *
    سيادة الرئيس
    عفوك إذا بدا أنني أنتقل الآن بهذا الحديث نقلة بعيدة، قد تبدو غريبة أو مستغربة، عائدا اثني عشر عاما إلي الوراء، لأذكر وأستذكر أنني في النصف الثاني من نوفمبر والنصف الأول من ديسمبر ١٩٧٩ ـ ذهبت لدواعي عملي إلي طهران.
    وأيامها كنت أكتب عن الثورة الإيرانية لمجموعة صحف «التيمس» البريطانية، وسألوني في «التيمس» ومعهم مجموعة الناشرين الدوليين الذين ينشرون كتبي، إذا كنت مستعدا لكتاب كامل عن هذه الثورة، ولم يكن ذلك ضمن جدول أعمالي في ذلك الوقت، فقد كنت فرغت من كتاب عن «العلاقات العربية السوفيتية»، صدر فعلا سنة ١٩٧٨، وكان برنامجي الطبيعي بعد ذلك أن أكتب عن «العلاقات العربية الأمريكية»،
    وبدا لي أن كتابا الآن عن الثورة الإيرانية يعترض السياق الطبيعي لعملي، لكن الثورة الإيرانية كان فيها ـ تلك الأيام ـ ما يستهويني، خصوصا بعد لقاءات مع الإمام «الخميني» في باريس، كتبت عنها في حينه مجموعة من المقالات «أربعة بالعدد»، وكحل وسط فقد اقترحت علي الناشرين أن يعطوني فرصة قبل أن أرد نهائياً علي عرضهم، طارحا أنني سوف أتصل بـ «آية الله الخميني» في «قم» أسأل «إذا كانوا مستعدين لفتح الملفات والوثائق عن عصر الشاه أمامي دون قيود» ـ في هذه الحالة أكتب الكتاب، وفي غيرها ألتزم ببرنامجي الأصلي الذي لا تدخل فيه الثورة الإيرانية، وجاءني الرد من «قم» بالموافقة. وهكذا مضيت إلي إيران أقابل من أريد، وأسأل وأسمع، وأقلب بين يدي ملفات القصور والوزارات في العصر الشاهنشاهي.
    وذات يوم في قصر «نيافاران»، وفي مكتب الشاه ظهرت أمامي وثيقة من محفوظات القصر، قرأتها وأعدت قراءتها مرات، ثم استأذنت في صورة منها. كانت هذه الوثيقة مذكرة أمريكية مقدمة لشاه إيران تنصحه بما يجب أن يفعله بعد القضاء علي ثورة «مصدق».
    إنني ـ يا سيادة الرئيس ـ نشرت نصوص هذه الوثيقة في مقالاتي تلك الأيام وأعدت نشرها في ذلك الكتاب عن الثورة الإيرانية، وكان شاه إيران لايزال بعد علي قيد الحياة في المنفي، وكان الرئيس «السادات» في عز سلطانه وهيلمانه. وأرجوكم ـ يا سيادة الرئيس ـ أن تتفضلوا بقراءة عبارات هذه المذكرة قراءة ربط ومقارنة.
    يقول نص الوثيقة، وهي منشورة بالكامل في صفحة ٦٧ من النسخة الأصلية الإنجليزية من كتابي عن الثورة الإيرانية، «عودة آية الله» ـ ما يلي:
    توصيات إلي جلالة الشاه:
    ١ـ لابد من بدء حملة مركزة لتقديم الشاه إلي شعبه باعتباره أبا لهذا الشعب، ويمكن «لزيادة الألفة» استعمال اللقب الإيراني التقليدي «فارمنده»، وهو يعني «كبير العائلة»!
    ٢ـ لابد من استعمال كل وسائل الدعاية لبناء مكانة وهيبة الشاه شخصيا أمام كل طوائف الأمة، وفي هذا الصدد فإن هناك طائفة من الأمة جاهزة في إيران، وهي علي استعداد لكي تعطي تعاطفها للشاه فورا، إذا هو حاول أن يقترب منها، وتلك هي كتلة المرأة في إيران ـ التي لم تصل بعد إلي درجة المساواة مع الرجل.
    (وضع الشاه أخته الأميرة «أشرف» علي قيادة الحركة النسائية تنفيذا لهذه التوصية، وحاولت «أشرف» لصالح شقيقها أن تصبح سيدة إيران الأولي، حتي أزاحتها «فرح ديبا» عن موقعها في معركة بالأظافر والأسنان تقريبا!).
    ٣ـ إن الشاه يجب أن يعمل علي توسيع نطاق طبقة الأغنياء التي هي أقرب بمصالحها إليه ـ منها إلي «مصدق»، ثم إن هذه الطبقة علمانية بالطبيعة، وهي تستطيع إذا أتيحت لها فرص الظهور والربح أن تكون قاعدة لنظامه.
    (ومع كل الاحترام لهذا التقرير فإن الطبقات لا تصنع «جاهزة للاستلام الفوري»، وإنما نمو الطبقات حقيقة ترتبط بنمو وسائل الإنتاج وتطور توزيع عوائده، وعملية الإسراع لخلق طبقة عن طريق الضخ الصناعي للنقد السائل لا يمكن أن تنتج غير مجموعات طفيلية لها كفاءة الخطف والنهب، دون كفاءة العمل وتراكم فوائض العمل، وذلك ما حدث في إيران وأدي إلي كارثة سقوط الشاه، ولقد تأخر الانفجار في إيران، لأن ذلك البلد كان واحدا من كبار منتجي البترول، وكان دخل في آخر سنة من حكم الشاه قرابة ٤٠ بليون دولار، وبالتالي فقد كانت الظروف تحتمل عمليات الخطف والنهب، ومع ذلك كانت النهاية محتومة).
    ٤ـ إن الشاه يجب أن يجد وجوها جديدة يقدمها للحياة السياسية ويكون ولاؤها له، مضمونا أكثر من الوجوه التقليدية القديمة مثل «قوام السلطنة» و«ضياء الطباطبائي»، لأن هؤلاء زيادة علي تقدم سنهم، ولا يمكن الاعتماد علي ولائهم، فقد تعاملوا مع والده وعرفوه وهو طفل وصبي وشاب ـ وليس إمبراطوراً!
    ٥ـ إن الشاه يجب أن يلعب دورا بارزا في السياسة الدولية سواء في منطقة الشرق الأوسط أو علي المسرح العالمي، فقد ثبت أن زعماء دول صغيرة استفادوا كثيرا في الداخل من الصورة التي ظهروا بها أمام العالم الخارجي.
    ٦ـ إن الشاه يجب أن يعطي اهتماما كافيا للمسائل الدينية ويستعمل عبارات ودلالات دينية، ويجب أن يظهر باعتباره حامي الدين، وينتزع هذه المكانة من آيات الله في «قم»، كما أنه لابد أن يظهر كثيرا لأداء الصلاة في المساجد، خصوصا في الأعياد والمناسبات.
    ٧ـ إن الشاه لابد أن يتابع بنفسه أجهزة السيطرة، كجهاز المخابرات وغيره من أجهزة الأمن الداخلي، خصوصا أن ما يجيء فيها من حكايات (وحتي فضائح) قوة مضافة إلي معرفة من يطلع عليها ويتابعها ـ والمعرفة بذلك «زيادة» سلطة وتحكم.
    ٨ـ وأخيرا، فإن الشاه عليه أن يولي اهتماما خاصا بسلاح الطيران بالذات، لأنه يملك ميزة محدودية الأفراد ـ ولا محدودية قوة النيران، وذلك إلي جانب إمكاناته الهائلة في الحركة السريعة، وبالسيطرة علي الطيران ـ وهي أسهل من السيطرة علي الجيش بأسلحته المتعددة والكبيرة والبطيئة في الوقت نفسه ـ فإن الشاه يستطيع ضرب أي تمرد ضده حتي إذا جاء من الجيش.
    (تطبيقا لهذه التوصية الأخيرة، فإن الشاه وصل إلي حد تزويج أخته الأميرة «فاطمة» إلي الجنرال «خاتمي» قائد الطيران في عهده).
    (نفس النصيحة قدمتها سلطات أمريكية للجنرال «ثيو» في «فيتنام» فعين مارشال الجو «كاوكي» نائبا له).
    * * *
    وثيقة غريبة ـ يا سيادة الرئيس ـ وربما تتذكرون أن شاه إيران كان في زيارة لمصر في بداية تلك السنة التي أحس فيها الرئيس «السادات» بتجمع السحب حوله، وهي سنة ١٩٧٥.
    لقد وصل الشاه «محمد رضا بهلوي» إلي مطار القاهرة يوم ٨ يناير ١٩٧٥، واجتمع عدة مرات بالرئيس «السادات» خلال هذه الزيارة، ولعله حدثه في شؤونه وشجونه كما تعود، ولعل الشاه قدم إليه نصائح سياسي مخضرم مجرب كما كان يفعل كثيراًَ!
    وتشاء مفارقات الأيام ـ وهذه نقلة أخري في الحديث، لكنها قريبة وليست بعيدة، ثم هي متصلة وليست منفصلة ـ أن يكون الرئيس «السادات» بعد ست سنوات في وضع يمكنه من رد النصيحة لشاه إيران الذي حضر لاجئا عنده بعد انهيار نظامه في «طهران».
    وأستأذنكم ـ يا سيادة الرئيس ـ في إشارة إلي مقال منشور في العدد الخاص الذي أصدرته جريدة «مايو» بتاريخ الجمعة ٨ أكتوبر ١٩٨٢ ـ الذكري الأولي لحادث المنصة ـ وفيه كتب الأستاذ «أنيس منصور» ـ صفحة ٨ ـ مقالا طويلا عن ذكرياته مع الرئيس «السادات» بعد أن أصبح أقرب الصحفيين إليه، وفي هذا المقال ينقل الكاتب عن الرئيس «السادات» قوله بالنص:
    «لقد أرسلت إلي الشاه بأن يبعث بكل سلاح الطيران إلي مصر قبل خروجه من إيران، ولكنه لم يأخذ بوجهة نظري، ولو فعل لتغير الموقف تماما، فالذي يملك سلاح الطيران يملك قوة جبارة لا يمكن أن يقهره أحد».
    * * *
    سيادة الرئيس
    تري أمامك اتصال الحلقات حتي وإن بدا بعضها بعيدا أو بدا غريبا. تري ـ سيادة الرئيس ـ تفسير عبارة ربما بدت لغزا في بداية هذا الحديث. ولم تعد لغزا قرب نهايته.
    «لقد أرادوك لهم، ولكن المقادير أرادتك لنا، وهكذا يجب أن تكون دائماً».
    أي أنك ـ سيادة الرئيس ـ لست مدينا لأحد.
    كنت ـ كما قلت لكم ـ قد تابعت سجلكم في الخدمة العامة منذ اختياركم لرئاسة أركان حرب الطيران، وحتي انتهاء معارك أكتوبر.
    ثم تابعت ـ عن كثب وباهتمام ـ طريقة أدائكم للمنصب الذي عهد به إليكم، وهو منصب نائب رئيس الجمهورية، وكنت أشعر من بعد أنكم تفهمون عملكم باعتباره مهمة في الدولة وفي الرئاسة، وليس في القصر والبلاد!
    ولقد أتاحت لي الظروف أن أسمع من أطراف أخري خارج مصر وداخلها عن أسلوبكم في تنفيذ ما يعهد به إليكم، وكان واضحا لي أنكم لا تقتربون من أمر إلا بتكليف واضح ومحدد، ثم إن تصرفكم فيه يكون دائما في إطاره وحدوده.
    وأحيانا ـ وأنا أراقب الساحة بنظرة درس وفحص ـ ألحت علي تساؤلات متشابكة، وانتهي رأيي إلي أن تطور الحوادث سوف يرد يوما ما عليها جميعا.
    وتابعت ما تلي حادث المنصة بقدر ما أتيح لي داخل السجن.
    وحين شاءت إرادة الله أن نلقاكم يوم الإفراج عنا، فلقد دخلت مستعدا بحواسي يقظي لالتقاط أي إشارة ورصد أي خلجة.
    وحين سمعتكم تقولون: «أريد صفحة جديدة في تاريخ مصر، وأريد حوارا مع كل القوي الوطنية، وأريد وقتا لأفكر» ـ فلقد تنفست الصعداء.
    وذلك كلام عكس شعور رجل يحس في أعماقه أنه ليس مدينا لأحد، وهو الآن أمام صفحة جديدة يكتب فيها بيده وبملء حريته تاريخ عهده كما يريد.
    * * *
    أطلت ـ يا سيادة الرئيس ـ لكن رسالتي إليكم لم تكتمل، لقد ذهبت بي مقدماتها بعيدا.
    ولم أفرغ بعد من عد أسبابي لتأييدكم، ثم الانتقال بعد ذلك إلي صلب ما أردت بهذه الرسالة أن أقوله لكم، عيبي أحيانا ـ يا سيادة الرئيس ـ أن مقدماتي مستفيضة، لكني واحد من هؤلاء الذين يعتقدون أنه لا سبيل للوصول إلي نتائج واضحة بدون مقدمات واضحة، مهما طال الحديث وتشعب.
    ولقد ترون ـ وأوافقكم ـ أن أتوقف عند هذه النقطة، ثم أستأنف بعد استراحة لالتقاط الأنفاس.
    ومع التحية ـ يا سيادة الرئيس
    لكم موفور الاحترام.



    المصدر
    http://www.almasry-alyoum.com/articl...rticleID=90025
    التعديل الأخير تم بواسطة presedant ; 2008-01-16 الساعة 01:11 سبب آخر: اضافة المصدر

  3. #3
    موقوف لعدم صلاحية البريد الالكتروني الصورة الرمزية presedant
    تاريخ التسجيل
    12 2007
    الدولة
    مستوطنة باب الزاوية
    العمر
    37
    المشاركات
    1,651

    رد : المقالات «المحجوبة» للكاتب محمد حسنين هيكل

    هذا الموضوع هو مقدمة لعدة مواضيع في انتظار الافراج عنها

  4. #4

    رد : المقالات «المحجوبة» للكاتب محمد حسنين هيكل

    مشكور يا ريس.

  5. #5
    عـضـو
    تاريخ التسجيل
    12 2007
    الدولة
    البلاد المحاصرة
    العمر
    28
    المشاركات
    338

    رد : المقالات «المحجوبة» للكاتب محمد حسنين هيكل

    شكرا عزيزي


    مبارك لا رهان عليه

 

 

تعليقات الفيسبوك







ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •