من قتل زئيفي ؟ - قصة قصيرة

هذا كان يوم لم تتطرق له التقارير الأمريكية والصهيونية ، يوم أمطرت فيه بيوت مدينة البيرة بالقذائف ودكت بيوتها بجرافات الاحتلال ، يوم لم تتطرق له منظمات حقوق الإنسان ، ولم يدخل سجل المخالفات الخاصة بحقوق الأطفال .
أفاقت "زينة " من نومها فزعة من هول القصف القادم في الساعة الثانية صباحا ... وأخذت تصرخ وتصرخ وتصرخ .. أ فزع صراخها والقصف أخاها الصغير "خالد" فما كان من الصغير إلا أن إنفجر بالصراخ وأخذ يرجف مذعورا وحائرا وبدا لونه أكثر شحوبا ووقف في مكانه كأنما غدا غير قادر على السير ، وما كان من الوالدين إلا أن أسرعا به إلى أقرب طبيب ...
في الصباح ؛ سارت زينة إلى المدرسة برفقة أختها الأصغر منها سنا " روان" .. وربما لم تكن زينة تدرك ساعتها إلا تلك الطريق التي إعتادت على السير فيها ست سنوات وحرصها الشديد اليوم على أختها الصغيرة ربما في محاولة مستميتة للتخلص من ذنب الأمس .
في المدرسة كان جميع الأطفال يتحدثون عن ليلة من الذعر ... كان لقصص الأطفال عن عجائب ما رأوا في هذه الليلة – عزاء لهذه البريئة .
كانت الساعة العاشرة والنصف صباحا وثلاث حصص من الدروس المقررة كافية لتندمج زينة مع من حولها وتتناسى ولو لبعض الوقت فزع وذنب الليلة الماضية .
عندما دق جرس الإستراحة تدافعت التلميذات الألف عبر الممر الوحيد – الدرج الوحيد- الذي تحتويه بناية المدرسة ذات الطوابق الثلاث .
وصلت زينة ورفيقاتها إلى ساحة المدرسة وأخذن يلهين بالأحاديث واللعب و... . وفجأة صدع المكان بزخات من الرصاص الحي المتتابع ... أثار صوت الرصاص حالة من الهلع والذعر جعل التلميذات يتدافعن في أكثر من إتجاه .. أخذت المعلمات يقمن باجراءات الطواريء ويأمرن التلميذات بالدخول إلى الطابق الأول من البناية ... لكن وبعد قليل عاد الهدوء ؛ حيث علم أن ذلك الصوت لم يكن صوت رصاص هجوم – إجتياح – بل كان صوت رصاص أطلق في جنازة شهيد ؛ والمدرسة ملاصقة لمقبرة الشهداء في البيرة ...
أدخلت التلميذات كلّ إلا صفها ... وقامت إدارة المدرسة بتخصيص الحصص المتبقية لمناقشة التلميذات والسماع لهن حول ماتم وما يتم في الليل من قصف وفي النهار من إجتياح ورعب و...
في الصف السادس كانت زينة ... كان على المعلمة أن تستمع لآلام 46 تلميذة ... تبادل أعضاء الصف السادس النقاش حول القصف الليلي والطرق والجرافات والمجنزرات الملازمة لجدران المنازل ، وعلاقة ذلك بالتحضير للدراسة والإمتحانات .. وعن الفزع الذي حدث بالساحة وإطلاق النار في الجنازات ..
وقفت "صابرين"- إحدى طالبات الصف السادس- وأسكتت الجميع بحزم ، وقالت للمعلمة : قلت لهن .. قلت لهن ...
قالت المعلمة :ماذا يا صابرين ؟
صابرين : قلت لهن منذ الصباح أن اليوم جنازة لأحد أفراد قوات الأمن الوطني الفلسطيني ... هو من غزة .. ولن يدفن هنا ... هم فقط سيودعونه ... يطلقون النار لتحيته ... كان جريحا منذ مدة .. وبعيدا عن أهله ... كنا نحن أهله .. كنت أحبه كأخي الكبير ... كان يعمل مع والدي ... كان شابا طيبا جدا جدا ....
وانهارت صابرين وسقطت فوق مقعدها باكية .. وبكى كل من تواجد في غرفة الصف ...
زينة تنظر إلى هذا الجمع من الالام .. ثم تقف لترجو المعلمة أن تسمع منها ...
ماذا : يا زينة ؟
قالت زينة : أنا يا معلمتي صرعت أخي ؟ أنا السبب ؟ لقد أفزعته بفزعي ؟ ...
وقبل أن يعلق أحدا على قول زينة أو يضمد شيئا من جراحها ؛ رن جرس المدرسة وأمرت التلميذات بإخلاء المدرسة فورا تحسبا لأي ظرف ...
أمسكت زينة جيدا بيد أختها روان ، وأسرعت تعبر الشارع باتجاه المنزل ، كانت روان الصغيرة تصر على السير باتجاه المنزل من الجهة الغربية ، بينما كانت زينة ترى أن الأفضل أن يقمن بقطع الشارع للوصول إلى المنزل من الجهة الشمالية فهي وإن كانت طريق من بين بيوت حارةأخرى لكنها أسرع للمنزل ...
أصرت كل منهما على ما نوت عليه ... أمسكت زينة بيد روان وأخذت تجرها باتجاه قطع الشارع ... روان تعاند وترجع إلى الوراء وتدق رجليها في الأرض معاندة .. صراخ الأختن وعنادهما لم يقطعه سوى صواريخ جوية ضربت نحو سيارة كانت تمر في المكان إعتقد جيش الإحتلال أنها لمروان البرغوثي – أحد المستهدفين بالإغتيال - ... وقعت الصواريخ في نفس المكان ونفس الوقت اللذي كان يفترض أن تكون زينة قد جرت أختها إليه في تلك اللحظة ........
صرخت الطفلتين صراخ الذهول وأسرعن لا يدرين أين يتوجهن .... وأين الأمان ...
وروان تقول : كنت ستقتليني يا زينة ... كنت ستقتليني يا زينة ...
وزينة تقول : كنت سأقتل أختي .. كنت سأقتل أختي ............ كنت سأقتل أختي ...

وإلى اللقاء في القسم الثاني ...............
ربيحة علان علان 9-1-2002م ...