سجل عضوية جديدة

أهلاً بكـ في شبكة فلسطين للحوار... شاركنا وبادر بالتسجيل ...





النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. #1
    عـضـو الصورة الرمزية maysam
    تاريخ التسجيل
    05 2008
    الدولة
    عرس التحرير سيشهده واقيم بيافا اعيادي
    العمر
    32
    المشاركات
    487

    رسالة موسوعة مرشدي جماعة الإخوان المسلمين

    موسوعة مرشدي جماعة الإخوان المسلمين



    قال تعالي :* من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا )
    لقد سجل رجال الدعوة الإسلامية في عصرها الحديث بطولات، وكانت، وما زالت لهم مواقف، ونستطيع أن نقول مطمئنين : بأنها ترقى إلى مستوى ما سجله حملة المنهج الإلهي من الرعيل الأول من المسلمين، وواجب الحركة الإسلامية أن تكرم أبطالها، وأن تحتفي بشهدائها ؛ ليكونوا قدوات يسترشد بها العاملون، وكل من يسلك هذا الطريق.
    سنضع هنا قصص و نبذة عن حيات قادة الإخوان يرجى التثبيت

    و بعض قصص البطولة


    نبدأ بالمؤسس










    حسن البنا


    المولد و النشأة

    هو حسن أحمد عبد الرحمن البنا ، ولد في المحمودية، من أعمال محافظة البحيرة بدلتا النيل، وذلك يوم الأحد 25 شعبان سنة 1324هـ الموافق 14 أكتوبر سنة 1906م، وهو ينتسب إلى أسرة ريفية متوسطة الحال من صميم الشعب المصري، كانت تعمل بالزراعة في إحدى قرى الدلتا هي قرية ""شمشيرة"" [قرب مدينة رشيد الساحلية. ومطلة على النيل في مواجهة بلدة إدفينا، تابعة لمركز فوة بمحافظة البحيرة].


    كان جده عبد الرحمن فلاحاً ابن فلاح من صغار الملاّك، وقد نشأ الشيخ أحمد - أصغر أبنائه ووالد حسن البَنّا - نشأةً أبعدته عن العمل بالزراعة؛ تحقيقًا لرغبة والدته، فالتحق بكتاب القرية حيث حفظ القرآن الكريم وتعلّم أحكام التجويد، ثم درس بعد ذلك علوم الشريعة في جامع إبراهيم باشا بالإسكندرية، والتحق أثناء دراسته بأكبر محل لإصلاح الساعات في الإسكندرية حيث أتقن الصنعة، وأصبحت بعد ذلك حرفة له وتجارة، ومن هنا جاءت شهرته بـ ""الساعاتي"".


    وقد أهّل الشيخ نفسه ليكون من علماء الحديث، فبَرَع فيه، وله أعمال كثيرة خدم بها السنة النبوية أشهرها كتابه ""الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني""، وفي كنفه نشأ ""حسن البَنّا"" فتطبع بالكثير من طباعه، وتعلم على يديه حرفة ""إصلاح الساعات"" وتجليد الكتب أيضًا.




    بداية الرحلة

    بدأ ""حسن البَنّا"" تعليمه في مكتب تحفيظ القرآن بالمحمودية، وتنقل بين أكثر من كُتّاب حتى أن أباه أرسله إلى كتّاب في بلدة مجاورة للمحمودية. وكانت المدة التي قضاها في الكتاتيب وجيزة لم يتم حفظ القرآن خلالها؛ إذ كان دائم التبرم من نظام ""الكُتّاب""، ولم يُطِق أن يستمر فيه، فالتحق بالمدرسة الإعدادية رغم معارضة والده الذي كان يحرص على أن يحفّظه القرآن، ولم يوافق على التحاقه بالمدرسة إلا بعد أن تعهّد له ""حَسَن"" بأن يتم حفظ القرآن في منزله.

    وبعد إتمامه المرحلة الإعدادية التحق بمدرسة ""المعلمين الأولية"" بدمنهور، وفي سنة 1923 التحق بكلية ""دار العلوم"" بالقاهرة، وفي سنة 1927 تخرج فيها، وقد قُدّر له أن يلتحق بها وهي في أكثر أطوارها تقلبًا وتغيرًا، خاصة في مناهجها الدراسية التي أضيفت إليها آنذاك، دروس في علم الحياة، ونظم الحكومات، والاقتصاد السياسي، فكان نصيبه أن يتلقى تلك الدروس إلى جانب الدروس الأخرى في اللغة والأدب والشريعة وفي الجغرافيا والتاريخ.

    وكان لديه مكتبة ضخمة تحتوي على عدة آلاف من الكتب في المجالات المذكورة، إضافة إلى أعداد أربع عشرة مجلة من المجلات الدورية، التي كانت تصدر في مصر مثل مجلة المقتطف، ومجلة الفتح، ومجلة المنار وغيرها، ولا تزال مكتبته إلى الآن في حوزة ولده الأستاذ ""سيف الإسلام"".

    أمضى البَنّا تسعة عشر عامًا مدرسًا بالمدارس الابتدائية؛ في الإسماعيلية، ثم في القاهرة، وعندما استقال من وظيفته كمدرس في سنة 1946 كان قد نال الدرجة الخامسة في الكادر الوظيفي الحكومي، وبعد استقالته عمل لمدة قصيرة في جريدة ""الإخوان المسلمون"" اليومية، ثم أصدر مجلة ""الشهاب"" الشهرية ابتداءً من سنة 1947؛ لتكون مصدراً مستقلاً لرزقه، ولكنها أغلقت بحل جماعة الإخوان المسلمين في 8 ديسمبر 1948.




    مؤثرات و تأثيرات

    تأثر الشيخ حسن البَنّا بعدد كبير من الشيوخ والأساتذة، منهم والده الشيخ أحمد والشيخ محمد زهران – صاحب مجلة الإسعاد وصاحب مدرسة الرشاد التي التحق بها حسن البَنّا لفترة وجيزة بالمحمودية – ومنهم أيضاً الشيخ طنطاوي جوهري صاحب تفسير القرآن""الجواهر""، ورأس تحرير أول جريدة أصدرها الإخوان المسلمون سنة 1933، عَمِلَ حسن البَنّا بعد تخرجه في دار العلوم سنة 1927 مدرسًا بإحدى المدارس الابتدائية بمدينة الإسماعيلية، وفي السنة التالية 1928 أسس جماعة الإخوان المسلمين، ولكنه قبل أن يؤسسها كان قد انخرط في عدد من الجمعيات والجماعات الدينية مثل ""جمعية الأخلاق الأدبية""، و""جمعية منع المحرمات"" في المحمودية، و""الطريقة الحصافية"" الصوفية في دمنهور، وشارك أيضاً في تأسيس جمعية الشبان المسلمين سنة 1927، وكان أحد أعضائها. أما جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها فقد نمت وتطورت وانتشرت في مختلف فئات المجتمع، حتى أصبحت في أواخر الأربعينيات أقوى قوة اجتماعية سياسية منظمة في مصر، كما أصبح لها فروع في كثير من البلدان العربية والإسلامية.

    وكان البَنّا يؤكد دومًا على أن جماعته ليست حزبًا سياسيًّا، بل هي فكرة تجمع كل المعاني الإصلاحية، وتسعى إلى العودة للإسلام الصحيح الصافي، واتخاذه منهجًا شاملاً للحياة.

    ويقوم منهجه الإصلاحي على ""التربية""، و""التدرج"" في إحداث التغيير المنشود، ويتلخص هذا المنهج في تكوين ""الفرد المسلم"" و""الأسرة المسلمة""، ثم ""المجتمع المسلم""، ثم ""الحكومة المسلمة""، فالدولة، فالخلافة الإسلامية، وأخيرًا يكون الوصول إلى ""أستاذية العالم"".

    قاد البَنّا جماعة الإخوان المسلمين على مدى عقدين من الزمان [1928-1949]، وخاض بها العديد من المعارك السياسية مع الأحزاب الأخرى، وخاصة حزب الوفد والحزب السعدي، ولكنه وجّه أغلب نشاط الجماعة إلى ميدان القضية الوطنية المصرية التي احتدمت بعد الحرب العالمية الثانية، ونادى في ذلك الحين بخروج مصر من الكتلة الإسترلينية للضغط على بريطانيا حتى تستجيب للمطالب الوطنية. وفي هذا السياق قام الإخوان بعقد المؤتمرات، وتسيير المظاهرات للمطالبة بحقوق البلاد، كما قاموا بسلسلة من الاغتيالات السياسية للضباط الإنجليز، ولجنود الاحتلال، وخاصة في منطقة قناة السويس.

    وقد أولى البَنّا اهتمامًا خاصًّا بقضية فلسطين، واعتبرها ""قضية العالم الإسلامي بأسره""، وكان يؤكد دومًا على أن ""الإنجليز واليهود لن يفهموا إلا لغة واحدة، هي لغة الثورة والقوة والدم""، وأدرك حقيقة التحالف الغربي الصهيوني ضد الأمة الإسلامية، ودعا إلى رفض قرار تقسيم فلسطين الذي صدر عن الأمم المتحدة سنة 1947، ووجه نداءً إلى المسلمين كافة - وإلى الإخوان خاصة - لأداء فريضة الجهاد على أرض فلسطين حتى يمكن الاحتفاظ بها عربية مسلمة، وقال: ""إن الإخوان المسلمين سيبذلون أرواحهم وأموالهم في سبيل بقاء كل شبر من فلسطين إسلاميًّا عربيًّا حتى يرث الله الأرض ومن عليها"". واتخذت الهيئة التأسيسية للإخوان المسلمين قرارًا في 6 مايو سنة 1948 ينص على إعلان الجهاد المقدس ضد اليهودية المعتدية، وأرسل البَنّا كتائب المجاهدين من الإخوان إلى فلسطين في حرب سنة 1948. وكان ذلك من أسباب إقدام الحكومة المصرية آنذاك على حل جماعة الإخوان في ديسمبر سنة 1948؛ الأمر الذي أدى إلى وقوع الصدام بين الإخوان وحكومة النقراشي.

    كان للبَنّا آراء سديدة ونظرات ثاقبة في قضية النهضة التي تشغل المسلمين منذ قرنين من الزمان وما زالوا ينشدونها. فقد ربطها بقضية التحرر من الاستعمار والتبعية لأوربا من ناحية، وبالتقدم العلمي الذي يجب أن يحققه المسلمون من ناحية أخرى، وفي ذلك يقول: ""لن تنصلح لنا حال، ولن تنفذ لنا خطة إصلاح في الداخل ما لم نتحرر من قيد التدخل الأجنبي""، ويقول: ""لا نهضة للأمة بغير العلم وما ساد الكفار إلا بالعلم""، وكان يرى أن تبعية المسلمين لأوروبا في عاداتها وتقاليدها تحول بينهم وبين استقلالهم ونهضتهم، يقول: ""أليس من التناقض العجيب أن نرفع عقائرنا (أصواتنا) بالمطالبة بالخلاص من أوروبا، ونحتج أشد الاحتجاج على أعمالها، ثم نحن من ناحية أخرى نقدس تقاليدها، ونتعود عاداتها، ونفضل بضائعها؟!



    ويرى كذلك أن قضية المرأة من أهم القضايا الاجتماعية؛ ولذلك فقد اهتم بها منذ بداية تأسيسه لجماعة الإخوان، فأنشأ لها قسمًا خاصًّا باسم ""الأخوات المسلمات"". وأكد كثيرًا على أن الإسلام أعطى للمرأة كافة الحقوق الشخصية والمدنية والسياسية، وفي الوقت نفسه وضع لها ضوابط تجب مراعاتها عند ممارسة تلك الحقوق.

    ولم يَدْعُ البَنّا قط إلى إقامة نظام حكم ديني ثيوقراطي بالمعنى الذي عرفته أوروبا في عصورها الوسطى، بل دعا إلى إقامة حكم إسلامي على أساس الشورى والحرية والعدل والمساواة. وقبل قبولاً صريحًا بصيغة الحكم الدستوري النيابي، واعتبره أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام، ورأى أن تلك الصيغة إذا طبقت كما ينبغي فإنها تضمن تحقيق المبادئ الثلاثة التي يقوم عليها الحكم الإسلامي، وهي ""مسئولية الحاكم""، و""وحدة الأمة""، و""احترام إرادتها"".



    مقتل الإمام


    المكان: القاهرة - منطقة الحلمية.

    الزمان: بعد منتصف الليل يوم 12 فبراير من عام 1949.
    الوقائع: تتقدم قافلة من عربات الشرطة في سكون الليل، تصل إلى أحد شوارع الحلمية بمدينة القاهرة، تتوقف السيارات، يندفع الجند بأسلحتهم لحصار الشارع كله، وتُشدد الحراسة، حول بيت متواضع في منتصف الشارع، تتقدم إحدى سيارات الشرطة إلى هذا البيت، صف من الجنود ينقُلون جسد ميتٍ من السيارة إلى البيت في سرعة، يطرقون بابًا في أعلاه، يفتح الباب شيخ جاوز التسعين من عمره، يدخل عدد من الضباط إلى البيت قبل دخول الجثمان للتأكد من عدم وجود آخرين به، التعليمات صارمة للشيخ، لا صوت، لا عزاء، ولا حتى أحد من المتخصصين في إعداد الموتى، فقط أنت وأهل البيت، في تمام التاسعة صباحًا يتم دفن الميت.

    كان الشيخ هو والد المتوفّى، ورغم الفجيعة، ورغم شيخوخته، قام بإعداد ابنه للدفن، ويمسح الشيخ دماء ابنه من أثر الرصاصات التي سكنت جسده.

    ويأتي الصباح، ويأتي الضباط في موعدهم، هلمّ بابنك لتدفنه، فيصرخ الأب ذو التسعين عامًا، كيف لي بحمله؟ فليحمله الجنود! فيرفض الضباط، ويكون الرد فليحمله أهل البيت، وكان المُتوفّى له بنات وصبي صغير.

    ويتقدم الجثمان في الطريق تحمله زوجته وبناته، وخلفه فقط والده، ومن تجرأ على السير في الجنازة كان المعتقل مآله، وتصل الجنازة إلى المسجد للصلاة على الفقيد، فإذا به خاليًا حتى من خدمه، فيصلي الوالد ومن خلفه أهل البيت من النساء، ويقومون بإنزاله إلى قبره، ويعود الجميع إلى البيت في حراسة مشددة، هذه هي جنازة الإمام الشهيد ""حسن البَنَّا""، ويتم إلقاء القبض على كثير من الجيران، لا لشيء إلا لمجرد كلمة عزاء قالوها لهذه الأسرة، ويستمر الحصار ليس على البيت خشية ثورة من يأتي للعزاء، ولكن أيضًا يستمر الحصار حول القبر، خشية أن يأتي من يُخرج الجثة ويفضح الجريمة، بل وانتشرت قوات الشرطة في المساجد؛ لتأمر بغلقها عقب كل صلاة، خشية أن يتجرأ أحد بالصلاة على الفقيد.

    وعلى الجانب الآخر كان ملك البلاد قد أجّل الاحتفال بعيد ميلاده من 11 فبراير إلى 12 فبراير؛ ليحتفل مع من يحتفل بموت هذا الرجل، ويروي أحد المفكرين أنه شاهد احتفالات في أحد الفنادق في الولايات المتحدة الأمريكية، وعندما تقصّى سبب هذا الاحتفال، عرف أنه ابتهاجٌ بموت هذا الرجل. وإن كان الحق ما يشهد به الأعداء فإن مراكز الأبحاث في فرنسا وأمريكا اشتركت في وضع قائمة بأهم مائة شخصية أثّرت في العالم في القرن العشرين، فكان من العالم العربي اثنان هما: الإمام الشهيد ""حسن البنا""، والآخر هو جمال عبد الناصر.



    مؤلفاتة

    ولا تُعرف لحسن البَنّا كتب أو مؤلفات خاصة سوى عدد من الرسائل مجموعة ومطبوعة عدة طبعات بعنوان ""رسائل الإمام الشهيد حسن البنا"" ، وهي تعتبر مرجعًا أساسيًّا للتعرف على فكر ومنهج جماعة الإخوان بصفة عامة. وله مذكرات مطبوعة عدة طبعات أيضًا بعنوان ""مذكرات الدعوة والداعية"" ، ولكنها لا تغطّي كل مراحل حياته وتتوقف عند سنة 1942، وله خلاف ذلك عدد كبير من المقالات والبحوث القصيرة، وجميعها منشورة في صحف ومجالات الإخوان المسلمين التي كانت تصدر في الثلاثينيات والأربعينيات، بالإضافة إلى مجلة الفتح الإسلامية التي نشر بها أول مقالة له بعنوان ""الدعوة إلى الله"".









    القسم الثاني

    حسن الهضيبي


    ... الحامل الثاني للواءالجماعة والدعوة









    نشأته


    ولد حسن الهضيبي في "عرب الصوالحة" مركز "شبين القناطر" سنة 1309 هجرية، الموافق لشهر ديسمبر 1891 ميلادية. قرأ القرآن في كتاب القرية، ثم التحق بالأزهر لما كان يلوح فيه من روح دينية، وتقى مبكر، ثم تحول إلى الدراسة المدنية، حيث حصل على الشهادة الابتدائية عام 1907م. التحق بالمدرسة الخديوية الثانوية، وحصل على شهادة البكالوريا عام 1911م، ثم التحق بمدرسة الحقوق، وتخرج منها عام 1915م. قضى فترة التمرين بالمحاماة في القاهرة حيث تدرج محاميًا. عمل في حقل المحاماة في مركز "شبين القناطر" لفترة قصيرة، ورحل منها إلى سوهاج لأول مرة في حياته دون سابق علم بها ودون أن يعرفه فيها أحد، وبقي فيها حتى عام 1924م حيث التحق بسلك القضاء. كان أول عمله بالقضاء في "قنا"، وانتقل إلى "نجع حمادي" عام 1925م، ثم إلى "المنصورة" عام 1930م، وبقي في "المنيا" سنة واحدة، ثم انتقل إلى أسيوط، فالزقازيق، فالجيزة عام 1933م، حيث استقر سكنه بعدها بالقاهرة. تدرج في مناصب القضاء، فكان مدير إدارة النيابات، فرئيس التفتيش القضائي، فمستشار بمحكمة النقض. استقال من سلك القضاء بعد اختياره مرشدًا عام للإخوان عامًا 1951م. اعتقل للمرة الأولى مع إخوانه في 13 يناير 1953م، وأفرج عنه في شهر مارس من نفس العام، حيث زاره كبار ضباط الثورة معتذرين. اعتقل للمرة الثانية أواخر عام 1954م حيث حوكم، وصدر عليه الحكم بالإعدام، ثم خفف إلى المؤبد. نقل بعد عام من السجن إلى الإقامة الجبرية، لإصابته بالذبحة ولكبر سنه. رفعت عنه الإقامة الجبرية عام 1961م. أعيد اعتقاله يوم 23 / 8 / 1965 م في الإسكندرية، وحوكم بإحياء التنظيم، وصدر عليه الحكم بالسجن ثلاث سنوات، على الرغم من أنه جاوز السبعين، وأخرج لمدة خمسة عشر يومًا إلى المستشفى، ثم إلى داره، ثم أعيد لإتمام مدة سجنه. مددت مدة السجن - بعد انتهاء المدة - حتى تاريخ 15 أكتوبر 1971م، حيث تم الإفراج عنه. انتقل إلى رحمة ربه - تعالى - في الساعة السابعة صباح يوم الخميس 14 شوال 1393هـ الموافق 11 نوفمبر 1973 م. رحمه الله، وتغمده بواسع رحمته.

    ملامح شخصية الأستاذ "حسن الهضيبي"

    حسن الهضيبي هو المسلم الذي يحفظ القرآن منذ الحداثة، والذي نشأ في طاعة الله، فلم يفتر يومًا عن أداء الفرائض والواجبات الدينية. وهو الإنسان الكريم الذي لم يُرَ قط في موطن ريبة منذ كان تلميذًا إلى أن صار مستشارًا. وهو المثل المضروب بين زملائه، وعارفيه على الاستقامة، ومتانة الخلق وقوة الشخصية، وإباء المجاملة في الحق أو الخشية إلا من الله. وقد طبع بيته بطابع الإسلام في آدابه، عاداته، وأزيائه بصورة قل أن تراها في بيوت الذين يتصدرون دعوة الدين، بل الذين تقلدوا باسم الدين أرفع المناصب والألقاب. و حسن الهضيبي هو الذي استنفر كبار المستشارين ؛ للانقضاض على القانون المدني الجديد، لمخالفته أصول الشريعة، فلما انقطعت أنفاسهم دون ملاحقته بالهجوم السافر، مكتفين بتقديم مذكرة نقد رقيق، انطلق وحده إلى مقر لجنة القانون، وسجل في مضبطتها الرسمية أنه يستنكر كل قانون لا يُستَمد من الشريعة الغراء، أو تتضمن مواده حكمًا يتعارض مع نص في الكتاب والسنة. وقد كان ذلك الموقف موضوع حديث الصحف المصرية ؛ حتى نقلته جريدة الإخوان بعنوان "الهضيبي ينصر الله" عن جريدة "أخبار اليوم". وإذا كان أكبر ما في حسن الهضيبي - رحمه الله - هو صموده وتحديه للباطل، والمبطلين، ووقوفه أمام قوى البغي، والطغيان، رغم كبر سنه ومرضه، فإن أبرز ما اتسمت به شخصيته هو كراهيته الشديدة للظهور، وإيثاره البعد عن الأضواء ما استطاع، لقد كان يرفض أن تؤخذ له صورة أحيانًا، كما رفض أن يسجل مذكراته ؛ إيثارًا لما يحتسبه عند الله من أجر. وإذا كان الإمام يؤثر الصمت، والبعد عن الأضواء، فإن ذلك تواضعًا منه، وفضلاً، ولكن من حقه - رحمه الله -، ومن حق الإمام البنا، وكل من حمل الأمانة من بعدهم إلى اليوم أن يكونوا جميعًا أسوة وقدوة، بل ومنارات على الطريق، يلتمس العاملون للإسلام طريقهم في ضوئها، فالشباب اليوم يقلد من هنا وهناك، ويتلمس العظمة في بعض الرجال، إذا قيسوا بعظمة هؤلاء الأبطال، يصبحون أقزامًا بكل المقاييس.

    جهاده


    أما جهاده في محيط عمله، وتخصصه، فلقد سأله يومًا رئيس محكمة النقض والإبرام : يا حسن :ألست معي أن أكثر أحكام التشريع المدني الحديث تقابل أحكامًا مماثلة في الفقه الإسلامي؟ قال الأستاذ الهضيبي ! بلى. قال الرئيس : فما هو إذاً الأساس الكبير والمطالبة المحلة من جانبك بالرجوع إلى الشريعة الإسلامية، وتطبيق أحكامها؟ قال : هو أن الله - تعالى - قال : "وأن احكم بينهم بما أنزل الله" ولم يقل : أن احكم بمثل ما أنزل الله، وأن تحكيم شريعة الله في عقيدة المسلم عبادة تؤدي امتثالاً لأمر الله، وذلك هو مصدر بركتها، وسر قوتها في نفوس المؤمنين بها، وفي كيان الجماعة المؤمنة. وحين عرض مشروع تنقيح القانون المدني المصري عام 1945م على الأستاذ الهضيبي، سجل كتابة أنه يرفض مناقشة هذا المشروع من حيث المبدأ ؛ لأنه لم يقم أساسًا على الكتاب والسنة. وفي عام 1947م نشر الأستاذ الهضيبي - رحمه الله - مقالاً في جريدة "أخبار اليوم" المصرية، وذلك حين عرض عليه تعديل مشروع القانون المدني المصري قال فيه "إن أحسن تعديل في نظري هو سن قانون من مادة واحدة، يقضي بتطبيق الشريعة الإسلامية في الأحوال الجنائية والمدنية" وقال :"لقد أعلنت عن رأيي أمام لجنة تعديل القانون المدني في مجلس الشيوخ فقلت : يجب أن يكون قانوننا هو القرآن والسنة في جميع شؤون حياتنا، وليس في الشؤون التشريعية وحدها. إن الإسلام دين متماسك متكامل غير قابل للتجزئة، فيجب تطبيق جميع أحكامه في كل أمة تدين به" "هذا هو الرأي الذي جاهرت به، وأود أن أؤكد أنني قد انتهيت من مراجعة الشريعة، ودراستها إلى أنه ليس فى تشريعات الأجانب، وقوانينهم ما لا يتضمنه القرآن الكريم، والحلال بين والحرام بين، وكلاهما واضح المعالم والحدود إلى يوم الدين" "وهذا ما قلته أمام اللجنة، وإنني على يقين أنهم لن يأخذوا به، ولكن لا حرج عليَّ في ذلك ما دمت مؤمنًا بما أقول، ولكن ظني أنه بعد فترة قد تمتد إلى عشرين أو ثلاثين سنة سيتجه الرأي إلى الأخذ بما أقول، كلما شرح الله صدور الناس بالقرآن قرب اليوم الذي يسود فيه هذا الرأي". لقد رأينا أن جميع القوانين التي أخذناها عن الأجانب لم تصلح من حال بلادنا، ولم تحقق ما كان يرجى منها، فهذه السجون ملأى بالسجناء، والجرائم تزداد، والفقر ينتشر، والحالة الخلقية، والاجتماعية تسوء كل يوم عن سابقه، ولن يصلح الحال إلا إذا نظمنا علاقتنا بالسنن الكونية التي تنزّل الوحي بجملة أسرارها، ومعالمها في القرآن، وإلا إذا عشنا في بيوتنا، وبين أهلينا، وأولادنا، ومع الناس أجمعين عيشة قرآنية" , "وفي العاشر من ديسمبر 1952م أعلن الدستور المصري القديم، وبعد يومين عُيِّن مائة عضو ؛ لوضع دستور جديد كان بينهم ثلاثة من الإخوان، ونشرت مجلة "الدعوة" مقالاً تدعو إلى وضع الدستور على أسس إسلامية، طالب الهضيبي بالاستفتاء ؛ ليتبين : أتختار مصر شرائع الإسلام أم شرائع الغرب؟ فإذا رأت أن تحكم بالإسلام كان على لجنة الدستور أن تنفذ ذلك، وإذا أرادت الأخذ بشرائع الغرب ـ وهو رأي لا يمكن أن يقول به مسلم - عرفنا أنفسنا وعلمنا الأمة أمر ربها، وما يجب عليها".
    تعرُّف الأستاذ الهضيبي على الإخوان المسلمين
    ويذكر الهضيبي - رحمه الله - أن علاقته بالإخوان قد بدأت منذ عام 1942م، وقد اقتنع بهذه الدعوة بالطريق العملي قبل الطريق النظري، وذلك حين لمس من بعض أقاربه الفلاحين إدراكًا لمسائل كثيرة في الدين والسياسة ليس من عادة أمثالهم الإلمام بها، وخاصة أنهم كانو شبه أميين، ولما علم أن ذلك يعود إلى الإخوان، أعجب بهذه الدعوة أيما إعجاب، وأخذ يحرص على حضور خطب الجمعة في المساجد التي كان يخطب فيها الأستاذ البنا - رحمه الله. فمن هذا العام 1942م بدأت صلته بالدعوة، فقد كان بمدينة الزقازيق وكانت المدينة على موعد مع الإمام الشهيد "حسن البنا" حيث يقوم بزيارتها، وكان الإخوان يحتشدون، ويهتمون بهذه الزيارات، ويوسعون نطاق الدعوة إلى هذا الاجتماع، فلا يتركون طائفة ولا هيئة، ولا جماعة إلا وجهوا إليها الدعوة ؛ بشهود الحفل الجامع الذي يحاضر فيه الإمام رحمه الله. من أجل ذلك وصلت بطاقة الدعوة كل باب، غشيت كل مجلس ونادٍ، وطرقت باب محكمة الزقازيق ؛ لتدعو رجال القضاء ؛ ليستمعوا إلى ما يقرره "حسن البنا" عن عظمة الإسلام، وكفالة النظام الإسلامي، والمبادئ القرآنية ؛ لإقامة مجتمع عالمي، وإحياء أمة، وبنا ء دولة على أساس القواعد، وأعظم الأسس. وكان بين الذين تلقوا الدعوة رجلان من كبار المستشارين يتميزان بخلق، واستقامة، ونزاهة، وأدب كبير. أما أحدهما فقد سبق إلى جوار الله، وهو المرحوم "محمد بك العوارجي" وأما الآخر، فهو رائد الدعوة، وقدوة العاملين، وحارس الحق، وعنوان الصابرين المحتسبين الأستاذ حسن الهضيبي. ولا أحدثك عما وراء الاستماع إلى "حسن البنا" حين تصفو النفوس، وتتفتح المشاعر، وتهفو الأرواح، حين يتم هذا يشعر المستمع بتيار جارف من روح الرجل، يغمر روحه، وعقله، وقلبه، ومشاعره، فلا يحتاج إلى جهد وعناء، بل يندفع إلى الانقياد لدعوة الحق، والعمل بها، والتعلق بها، والالتزام بالجهاد في سبيلها، ولقد كان الإمام الهضيبي تتملكه الحسرة على مصير أمة الإسلام، ويتقد غيره على إنقاذها، وكانت غيرة الرجل في صدره، يعرفها كل من سمعه يتحدث، من الأصفياء والجلساء. لقد حمله التأثر هذه الليلية - بعد أن استمع للإمام البنا - على تقديم نفسه له، وبعد حديث قصير كان العهد والميثاق، والبيعة. نعم كانت بيعة ربطت حياته إلى الأبد بمصير هذه الدعوة، ومستقبلها، وهذا شأن الصادقين من أصحاب الدعوات. إنهم يربطون ماضيهم، حاضرهم، ومستقبلهم بهذا الحق، ولقد حفلت شخصية الإمام الهضيبي بنفاذ البصيرة، وقوة النفس، وصفاء الروح، لقد كشفت بصيرته بمجرد سماعه للإمام البنا حرارة الصدق، وقوة الإخلاص، وعمق التجرد، أيقن في لحظات أنها الدعوة التي أضنى الظمأ إليها قلبه، ومشاعره، ومواهبه أكثر من ثلاثين سنة.


    بيعة الأستاذ "حسن الهضيبي


    في الثاني عشر من شهر فبراير 1949م اغتال زبانية "فاروق" الشهيد "حسن البنا" - رحمه الله - فشغر بذلك مركز المرشد العام للدعوة، ولما كانت القيادة ركنًا من أركان هذه الدعوة، وخاصة في الظروف العصيبة التي كان الإخوان يمرون بها في ذلك الوقت، فقد أخذ الإخوان يبحثون عن قائد آخر يقود سفينة الدعوة إلى شاطئ السلام، ورشحوا لهذا المنصب أكثر من أخ من الإخوان العاملين إلا أن الأغلبية في الهيئة التأسيسية أجمعت على انتخاب "حسن الهضيبي" مرشداً عامًا. وبقي الهضيبي - رحمه الله - يؤدى عمله سرًّا نحو ستة شهور، كما أنه لم يترك العمل في القضاء خلالها. ولما سمحت حكومة النحاس باشا ؛ للهيئة التأسيسية للإخوان بالاجتماع، طلب أعضاؤها من الهضيبي أن يرأس اجتماع الهيئية بصفته مرشدًا للجماعة، ولكنه رفض طلبهم إذ اعتبر انتخابه من قبل الهيئة التأسيسية في المرحلة السرية من الدعوة لا يمثل رأى جمهور الإخوان، وطلب منهم أن ينتخبوا مرشداً آخر غيره، ولكن الإخوان رفضوا طلبه، وقصدت وفود الإخوان من جميع مصر بيته، وألحت عليه بالبقاء كمرشد عام للجماعة، وبعد أخذ ورد وافق على مطالب وفود الإخوان، وقدم استقالته من القضاء ؛ ليتفرغ للعمل لدعوة الله. وفي 17 اكتوبر 1951م أُعلن "حسن الهضيبي" مرشدًا عامًا لجماعة الإخوان المسلمين. ومع ذلك قام رحمه الله بجولة على جميع شُعب الإخوان ؛ ليتأكد أن الوفود التي حضرت إليه تمثل رأي جميع الإخوان في الشُعب، وفعلاً كان....، فبايعه كل من التقى به من الإخوان. وحين قبل البيعة كان يقول : "إني أعلم أنني أقدم على قيادة دعوة استشهد قائدها الأول قتلاً، واغتيالاً، وعذب أبناؤها، وشردوا، وأوذوا في سبيل الله، وقد ألقى ما لاقوا، وإني على ما أعتقده في نفسي من عدم جدارة بأن أخلف إمامًا مصلحًا مثل حسن البنا رحمه الله، لأقدم وأنزل عند رغبة الإخوان، أداء لحق الله جل وعلا، لا أبتغي إلا وجه الله، ولا أستعين إلا بقدرته وقوته"



    ماذا قدم الهضيبي للجماعة؟

    - أما عن دعمه للجماعة، ودفاعه عنها فإن للرجل جهدًا مشكورًا، ومساهمة طيبة في شراء دار المركز العام. - وأنه أدى مثل هذه المؤازرة للدعوة أثناء غضبتها ؛ لنجدة فلسطين. - وأوعز إلى عشيرته، وهم أفاضل كثر، بإنشاء شعبة للإخوان في قريتهم في "عرب الصواحة"، وفيما يجاورها من القرى. - وأنه وفق أسلوبه الخاص، وتوجيهه الهادئ إلى إحياء الدعوة في منطقة شبين القناطر. - الأستاذ الهضيبي لم تفتر صلته بالإمام الشهيد، ولم يقصر يومًا في إمداده بالرأي، والعون المثمر في كل موقف يقتضي ذلك قبل المحنة الأولى وبعدها على السواء، بل كان يشارك في جلسات خلصاء الإخوان المسؤولين التى ترسم فيها سياسة الجماعة قبل استشهاد المرشد رحمه الله، وبعد استشهاده. - ولقد بادر عقب قرار الحل بلقاء المرشد الشهيد حيث وضع نفسه وبيته وأولاده، ومنصبه، وماله جميعاً تحت تصرف الدعوة، ورهن إشارة المرشد بصفة خاصة. - وكان وحده الصدوق للدعوة في محيطه القضائي حتى لا جزم بأنه العامل الأول والأوحد في تنظيف سُمعة الجماعة، وإلحاق مسؤولية الحوادث بأشخاص فاعليها، وتحرير دائرة القضاء من التأثر بحملة الأكاذيب والمفتريات التي عمدت الحكومة إلى تحويل القضاء بها عن جادة العدل، وإغوائه بإصدار أحكام جائرة ظالمة فيما لفقت الحكومة من اتهامات. - وكان الهضيبي يتابع نشرات الإخوان المؤقتة بعد استشهاد الإمام، ويزودها بالنصائح التي تجعلها بمنأى عن إثارة الحفيظة، وسلطان القانون، وأكثر إصابة للهدف الواجب، وهو إحكام تنظيم الصفوف، وتدعيم الثبات، والثقة بالله بين الإخوان العاملين. - وكان له في العناية بأسر المعتقلين، والسجناء جهود لا يستحب الكشف عنها بأكثر من هذه الإشارة.



    الهضيبي في رحاب السجون


    بدأ المرشد العام حياته الجديدة في مكابدة لا تهدأ، ومعاناة لا تنقطع، وقد امتحنت الجماعة وهو على رأسها مرات، وسجن هو، وعذب، وحكم عليه بالإعدام، ثم بدل ذلك بالأشغال الشاقة، وكان يقول : "أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم على أرضكم" وكان في موقف العواصف الهوج - وهو سجين أعزل، وإخوانه، وأبناؤه من حوله يعذبون، ويجلدون - يشد من أزرهم، ويدعوهم إلى الاستعلاء بإيمانهم. يقول الدكتور "أحمد العسال " عنه : "كان يتقدمهم جميعًا بقلب ثابت، وأعصاب هادئة ؛ ليقول كلمته في وجه السفاح : إن هؤلاء خيرة شباب مصر، فاحففظوهم ذخيرة لها، وخذوا مني ما تريدون". وما أكثر ما مرت به أزمات صحية، ونقل في بعضها إلى المستشفى، فما تزول الأزمة إلا وطلب بنفسه أن يعود إلى حيث كان ؛ ليظل مشاركًا إخوانه، وأبناءه ويقول : "إن السجن حالة نفسية، وليس هو الجدران والأسلاك". ويقول عنه أيضًا : وسوف لا أنس ما حييت ما قصه علينا، وقد فاضت عيناه تأثرًا من قصة ذلك الأخ الفقير الذي وجد ساعة ثمينة لأحد الباشاوات بينما كان ينظف دورة المياه في أحد المعتقلات، وذهب الأخ ليردها، فاقترح أحد زملائه أن يدفع له شيئًا من المال جزاء أمانته، ورده للساعة. فقا الأخ في نفس عاليه : "إنني ما زدت أن رددت أمانتك إليك، ولا أريد بذلك إلا وجه الله، ولا حاجة لي في ذلك" ثم قال الأستاذ رحمه الله : "ولقد كنت أعلم أنه في أمس الحاجة، ولكنها العفة والطهارة" ثم فاضت عيناه ويقول عنه الأستاذ "أحمد حسين" زعيم مصر الفتاة - رحمه الله - "لقد ضمنا السجن الحربي في مارس 1954م، وأشهد أنه كان معي كريمًا، وبي عطوفًا، وأحسب أن أعظم تكريم له هو في تكريم الإخوان المسلمين، ولقد سألني صحفي ما رأيك في الإخوان في معركة فلسطين؟ فأجبته بأنه كان أعظم الأدوار ؛ حتى لقد كانوا هم الذين أنقذوا الجيش المصري من الوقوع في كارثة، عندما حموا مؤخرته وهو يتراجع، ويجب أن تعرف الدنيا كلها مني أنا، أن من حارب الفقيد، وحارب الإخوان بالحديد والنار، إنما كان يفعل ذلك لحساب الشيطان، ولا تظنوا يا أحبائي أنني أقول هذا الكلام الآن فقط، فقد غادرت مصر عام 1955م ؛ احتجاجًا على ما حل بالإخوان، وكان آخر لقاء بيني وبين عبد الناصر يدور حول هذا الموضوع، ثم يقول : "إن شهيدكم، وشهيد الإسلام إذ ينعم الآن بالحياة إلى جوار ربه، فسوف يسجل له التاريخ أنه كان كابن حنبل، رفض أن يساوم أو يتزحزح عما يتصوره حقَّا"





    براهيم المقادمة..


    فيلسوف الشهداء









    عشرون حمامة تحلق فوق الجثمان، وتقترب رويدًا رويدًا من جسده الطاهر في ملابسه المنداة بدمه.. تقترب الطيور إلى مستوى رؤوس المشيعين بالقرب من الجثمان، ثم ترتفع، ربما تبشره بما رأت من منزله الجديد.. أو كأن الفضول قادها لتشاهد هذا الذي تستقبله السماء بكل هذا الفرح.. طوّفت الحمامات في جو معبق برائحة المسك الفوَّاح.. هذه الرائحة التي تسابق المشيعون إلى تنسمها من الجثمان، بل ووضع المناديل على الجسد القوي علَّها تتشبع ببعض من ريح الجنة.

    لم تُروَ هذه الكرامات في أحد كتب السلف الصالح، ولا هي جزء من التراث الصوفي، وإنما شهدها ربع مليون فلسطيني في جنازة أحد رجالهم الأفذاذ..

    ما كان ذلك المسجّى على الأعناق إلا الدكتور إبراهيم المقادمة في مشهد عرسه الذي امتد إلى مسيرة الـ100 ألف في البريج والمنطقة الوسطى، ومسيرات حاشدة في اليمن وسوريا ولبنان والسودان؛ لتحيي ذكرى القائد المقادمة، ولترفع علم الجهاد والمقاومة..

    إنه نفس الرجل الذي تعود جيرانه أن يروه في المسجد الملاصق لمستشفاه، ممسكًا بمسّاحة لتنظيف أرضية الحمامات، رافضًا بإصرار شديد أن يقوم واحد من الشباب بتحمل هذا العمل عنه.

    وهو ذاته الذي فقد ولده الأكبر أحمد عام 1990 أثناء وجوده في سجون الاحتلال، ولم تفتّ هذه المحنة في عضده؛ فحين أبلغه أحد المعتقلين بالنبأ الحزين، واقترح أن يفتحوا بيتًا للعزاء في السجن، طلب منه المقادمة تأجيل ذلك لحين إتمام درسه اليومي الذي يلقيه بعد صلاة المغرب.

    من هو؟

    الدكتور إبراهيم أحمد المقادمة، العقل المفكِّر لحركة الإخوان المسلمين في فلسطين، القائد المؤسس لحركة المقاومة الإسلامية حماس، القائد الأول للجهاز الأمني لحركة المقاومة الإسلامية حماس، وهو القائد العسكري لكتائب الشهيد عزّ الدِّين القسَّام عام 1996، الذي أجبر العالم على الاجتماع في شرم الشيخ؛ لينقذ الكيان الصهيوني من ضربات القسَّام التي أعقبت استشهاد القائد المهندس يحيى عياش.

    لم يكن إبراهيم المقادمة مجرد شخصية عسكرية أو سياسية فحسب، وإنما كان له من العلم نصيبُ الذين فتح الله عليهم.. في العقيدة كان عالمًا، وفي التفسير كان مجتهدًا، وفي الحديث له نظرات، ومع الفقه له وقفات، كما كان شاعرًا (طالع بعض شعره) ومفكرًا، وصاحب نظرية في التربية، رغم أنه حاصل على بكالوريوس في طب الأسنان!!

    لذلك كله اغتالته قوات الاحتلال الصهيوني أثناء توجهه إلى عمله في مدينة غزة، مع ثلاثة من مرافقيه صبيحة يوم السبت 8 مارس 2003..

    المقادمة.. سيرة جهادية

    وُلِد المقادمة عام 1952 في مخيم جباليا بعد أربع سنوات من تهجير أهله إلى قطاع غزة من قريته "بيت دراس" على يد المغتصبين الصهاينة عام 1948، إلا أن الحقد الصهيوني لاحق والده، وأجبره على الرحيل، فانتقل للعيش في مخيم البريج وسط قطاع غزة، وذلك عام 1970 يوم أن كان إريل شاورن حاكمًا لغزة، وانتهج يومها سياسة تدمير المنازل للقضاء على ثورة الشعب الفلسطيني المقاوم للاحتلال.

    حصل المقادمة على الثانوية العامة، وكان الأول على مدرسته، ثم التحق بكلية طب الأسنان في مصر، وكان في ذلك الوقت قد التحق بجماعة الإخوان المسلمين؛ فكان إلى جانب تحصيله للعلم يقوم بمهام الدعوة مع الإخوان المسلمين؛ فكان أحد أهم المسئولين عن النشاط الطلابي الإسلامي الفلسطيني في الجامعات المصرية.

    أنهى المقادمة عام 1976 بكالوريوس طب الأسنان، وعاد إلى قطاع غزة بعد أن تزوج من ابنة عمه المقيمة في مصر، وفور عودته عُيِّن في مديرية الصحة زمن الاحتلال الإسرائيلي، وعمل في قسم الأشعة بمستشفى العريش الذي كان تحت الاحتلال الإسرائيلي قبل أن يعود إلى مصر، ثم انتقل للعمل في مستشفى النصر للأطفال والشفاء بغزة.

    في مخيم جباليا عاد المقادمة وفتح عيادة لطب الأسنان حتى يقدم خدمة لأهل مخيمه الذي عاش سنين طفولته وشبابه فيه، ورغم النجاح الذي حققه في عمله، فإنه تفرغ فيما بعد لعمله الإسلامي ودعوته التي وهب لها عمره.

    إلى فلسطين.. مرحلة جديدة

    عندما عاد المقادمة عام 1976 إلى قطاع غزة التحق بقيادة الإخوان المسلمين، وكان على مقربة من الشيخ أحمد ياسين الذي أحبه حبًّا لا يوصف، وشكَّلا معًا القيادة الفاعلة لحركة الإخوان في فلسطين، كما شكَّل المقادمة مع الشهيد القائد صلاح شحادة وبعض الكوادر الأخرى النواة الأولى للجهاز العسكري للإخوان المسلمين في قطاع غزة، وعمل على إمداد المقاتلين بالأسلحة، وفي عام 1983 اعتقل مع الشيخ أحمد ياسين بتهمة الحصول على أسلحة، وإنشاء جهاز عسكري للإخوان المسلمين في قطاع غزة، وحكم على الشيخ أحمد ياسين بثلاثة عشر عامًا، وعلى المقادمة بثماني سنوات. بعد أن أنهى فترة عقوبته حكم عليه بستة أشهر إضافية "إداريًّا" (أي بدون محاكم) بعد أن كتب حول اتفاقية أوسلو ومخاطرها على القضية الفلسطينية، وعندما خرج عام 1992 علقت الصحف العبرية بأنه تم الإفراج عن نووي حماس في غزة، واصفة إياه بأنه أخطر المعتقلين على إسرائيل.

    نشط الدكتور المقادمة في الفترة الأخيرة من حياته في المجال الدعوي والفكري لحركة حماس، وكان يقوم بإلقاء الدروس الدينية والفكرية والسياسية والحركية بين شباب حماس وخاصة الجامعيين منهم، وكان له حضور كبير بينهم.

    الخفي التقي

    حرص المقادمة على عدم نشر صوره؛ فكان يعمل في صمت.. عملاً يريده خالصًا لوجه الله؛ فقد كان المقادمة من أكثر الشخصيات القيادية في حركة حماس أخذًا بالاحتياطات الأمنية، قليل الظهور أمام وسائل الإعلام، ويستخدم أساليب مختلفة في التنكر والتمويه عبر تغيير الملابس والسيارات التي كان يستقلها، وكذلك تغيير الطرق التي يسلكها، حتى عُرف عنه أنه كان يقوم باستبدال السيارة في الرحلة الواحدة أكثر من مرة.. وعلى الرغم من كل هذه الاحتياطات فإن قدر الله في اصطفائه واتخاذه شهيدًا كان هو الغالب.

    الشهيد واتفاق أوسلو

    كان المقادمة من أشد المعارضين لاتفاق أوسلو، وكان يرى أن أي اتفاق سلام مع العدو الصهيوني سيؤدي في النهاية إلى قتل كل الفلسطينيين وإنهاء قضيتهم، وأن المقاومة هي السبيل الوحيد للاستقلال، حتى لو أدى إلى استشهاد نصف الشعب الفلسطيني.

    وقد عبَّر الشهيد الدكتور عن مرارة نفسه عندما تم توقيع الاتفاق الذي فرط في 80% من أرض فلسطين، في كتاب أسماه "اتفاق غزة أريحا.. رؤية إسلامية".

    ونتيجة لموقفه هذا تم اعتقاله في سجون السلطة الفلسطينية، ثم فصله من وزارة الصحة الفلسطينية، وداخل السجن تعرض للتعذيب الشديد من الضرب وصنوف العذاب حتى انخفض وزنه نتيجة للتعذيب أكثر من 40 كيلوجرامًا، وكُسـرت أضلاعه، ونقل إلى مستشفى الشفاء سرًّا بين الموت والحياة مرات عديدة.

    ورغم كل ذلك كان المقادمة حريصًا على الوحدة الوطنية الفلسطينية، وعدم الانجرار إلى الحرب الأهلية، حريصًا على توجيه الرصاص فقط إلى صدور الأعداء الصهاينة، وتحريم توجيهه إلى صدور أبناء الشعب الفلسطيني الصابر المجاهد. ويصف إسماعيل هنية أحد قادة حماس تلك الفترة من حياة الشهيد بقوله: "كم كان ذلك الوقت مخزيًا ومؤلمًا أن يكون الدكتور المقادمة يضرب بالسياط حتى لا يستطيع الوقوف على قدمه، في حين كان هو يوقف العدو الصهيوني على قدميه.. كم هي مفارقة عجيبة!!".

    كان الشهيد المقادمة يرى أن الجهاد هو الحل.. يقول أحد القريبين منه: "كان رحمه الله متحمسًا لمواصلة الجهاد، مهما بلغت العقبات؛ فكان يردد: لا بد من الرد على تضحيات الجهاد بمزيد من الجهاد"، كما كان المقادمة يرى أن يعيش السياسي بروح الاستشهادي، حتى يكون قويًّا اجتماعيًّا فاعلاً؛ فكان يصف الذين يريدون جهادًا بلا دماء وأشلاء وتضحيات بأنهم أصحاب "جهاد الإتيكيت".

    المقادمة مفكرًا..

    يعتبر الدكتور إبراهيم المقادمة أحد مفكري الإخوان المسلمين وحركة حماس في فلسطين؛ حيث أكسبته قراءاته واطلاعه على شتى التخصصات ثقافة ووعيًا، حتى وصفه كل من عرفه بأنه كان عالمًا في كل شيء، ولكن ظروف حياة المقادمة الصعبة وقضبان السجن الطويلة لم تمكنه من طباعة الدراسات التي أعدها والكتب التي ألفها والمحاضرات التي كان يلقيها.

    وقد اضطر المقادمة -لظروف السجن- أن يصدر عدة كتب ودراسات بأسماء مستعارة، ككتابه الشهير "الصراع السكاني في فلسطين" الذي ألّفه في سجن عسقلان في عام 1990 تحت اسم الدكتور "محسن كريم".








    يتناول المقادمة في هذا الكتاب بالتفصيل عمليات الهجرة اليهودية إلى فلسطين منذ عام 1881 وحتى عام 1990، ودوافعها وآثارها، ثم عرج على النمو السكاني الطبيعي عند اليهود والفلسطينيين، ثم ينتهي إلى الحديث عن مسؤولية الحركة الإسلامية في إدارة الصراع السكاني.

    بالإضافة إلى دراساته: "معالم في طريق تحرير فلسطين"، و"الصراع السكاني في فلسطين"، وكتب عن أوسلو وعن الجهاد وعن الأمن، وعن أحكام التجويد... وغيرها من القضايا، إضافة إلى حرصه على كتابة مقالات أسبوعية في الصحف والنشرات والمواقع الإلكترونية الإسلامية.

    وفي كتابه الأكثر أهمية "معالم في الطريق إلى فلسطين" يوجّه المقادمة حديثه إلى الشباب المسلم في كل مكان؛ فكان يقول: "إن عليهم يرتكز الأمل في تفهم أبعاد القضية الفلسطينية، والانطلاق بها في الطريق الصحيح".

    ويضيف: "إن واقعنا تعيس إذا ما قيس بقوة أعدائنا وما يدبرونه لنا من مؤامرات، غير أن لي في الله أملاً أن يتولى دينه وينصر جنده ويخذل الباطل وأهله.. وبشارات القرآن الكريم وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تجعل هذا الأمل يقينًا راسخًا أراه رأي العين".

    ويكمل: "ولي أمل في شباب الحركة الإسلامية أن يقوموا وينفضوا عن أنفسهم غبار النوم والكسل، ويواصلوا العمل ليل نهار جهادًا في سبيل الله وتضحية بكل ما يملكون من جهد ونفس ومال ووقت، ويخلصوا توجيه هذا الجهد لله سبحانه، ويوطّدوا العزم على السير على طريق الإسلام، متحدين على طريق الإسلام لتحرير فلسطين وكل الأرض من رجس الطاغوت".

    كما كتب عشرات المقالات، وقام بإلقاء مئات المحاضرات في مختلف المساجد والمعاهد والجامعات. فأصدر عدة أشرطة كاسيت تتضمن بعض محاضراته، منها: سلسلة "بناء الشخصية"، و"حسن المعاملة" و"الأخوة الإسلامية"، و"العمليات الاستشهادية والروح الجهادية"، "أساس الدعوة"، و"توبة كعب بن مالك"، و"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

    [grade="00008B FF6347 008000 4B0082 FF0000"]ومن مقالاته الأخيرة[/grade] "الدور الأمريكي وخارطة الطريق"، و"عن المبادئ والمصالح"، و"أين الجماهير العربية؟"، و"استعينوا بالله واصبروا"، و"انفراد حماس بالمقاومة لا يعني العزلة"، و"طلابنا والثقافة"، و"فرصة الذبابة وفلسفة المقاومة". وكان آخر ما كتب المقادمة "الحل الأمريكي الصهيوني أسوأ من الحرب".

    طالع: مقالات الشهيد

    نظارة الدكتور المقادمة

    مقادمة اليوم.. وعمر المختار الأمس، والدرب واحد يحتاج من يسير عليه غدًا...

    جاء طفل إلى إسماعيل هنية أحد قادة "حماس"، وأحضر له نظارة المقادمة من مسرح الجريمة، كما أحضر ذلك الطفل الليبي قديمًا نظارة الشيخ عمر المختار من مسرح إعدامه، وهكذا فنظارة المختار ما زالت باقية، وكلمات المقادمة ما زالت باقية "لن نستسلم.. سنقاتلكم حتى النصر أو الشهادة".

















    مقتطفات من شعر المقادمة

    أنا للجنة يا إلهي

    في سبيل الحق فاقبضني شهيدًا

    واجعل الأشلاء مني معبرًا

    للعز.. للجيل الجديد

    ...............

    يا إخوتي يا رهط خير الناس يا نور المشاعل

    يا إخوتي يا ملح هذي الأرض يا نسل البواسل

    يا إخوتي يا بدر هذا الليل للظلماء قاتل

    صونوا أخوتكم وأحيوا ليلكم فالظلم زائل

    .............

    يا فتية القسّام هذا دربكم شوك الصعاب

    درب القنابل والرصاص سبيلنا وهو الخطاب

    لن ينقذ الباغي الفرار ولو تعلق بالسحاب

    ..............

    قد تناثر

    في انشطار لا تناهي تكاثر

    في قلوب الناس ألقى خصبه

    أشعل النور وسافر

    غدت أشلاؤه لما تناثر

    لقوافل الشهداء في الدنيا مثائر

    ورمى النور ضياء في قلوب العاشقين



    المرشد الثالث


    عمر التلمساني









    توطئة


    من العلامات المضيئة في مسيرة دعوة الإخوان المسلمين ، أن الله يختار لها قادتها ، ويضفي عليهم خصائص تناسب المرحلة التى تعيشها الدعوة ، فيحقق الله بهم استمرار العمل الإسلامي ، وتقدمه ، إلى أن يتحقق موعود الله بالنصر والتمكين . قال تعالى : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً)(النور: من الآية55) . والأستاذ "عمر التلمساني" – تغمده الله بواسع رحمته – من هذا الطراز الفريد ، الذي تحمل المسئولية في فترة من أصعب الفترات في عمر دعوة الإخوان المسلمين مع مطلع السبعينيات من القرن العشرين بعد غياب في السجون والمعتقلات لأكثر من عشرين عامًا ، وكأني بهم يصدق فيهم قول الحق تبارك وتعالى : (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ) (آل عمران:172)


    عمر التلمساني في سطور

    - اسمه "عمر عبد الفتاح عبد القادر مصطفى التلمساني" . - ولد في حارة حوش قدم بالغورية قسم الدرب الأحمر بالقاهرة في 4 نوفمبر عام 1904م ، وتوفي في يوم الأربعاء 13 من رمضان 1406هـ الموافق 22 مايو 1986 عن عُمْر يناهز 82 عامًا . - دخل السجن عام 1984م ثم في عام 1954م ثم في عام 1981م فما زادته الابتلاءات إلا صلابة وثباتًا . - نشأ في بيت واسع الثراء ، فجده لأبيه من بلدة تلمسان بالجزائر ، جاء إلى القاهرة ، واشتغل بالتجارة ، وفتح الله عليه بالمال الوفير ، فلجأ إلى القرآن يعتصم به ، وتدثر بالانطواء على نفسه يزكيها بجهد صامت ، واجتهاد كبير . - في سن الثامنة عشرة تزوج – وهو لا يزال طالبًا في الثانوية العامة ، وظل وفيًا لزوجته؛ حتى توفاها الله في أغسطس عام 1979م ، بعد أن رزق منها بأربعة من الأولاد "عابد و عبد الفتاح ، وبنتين ". - حصل على ليسانس الحقوق ، واشتغل بمهنة المحاماه ، وفي شبين القناطر كان مكتبه ، وظل يدافع عن المظلومين ؛ حتى جاءت سنة 1933م التى التقى خلالها بالإمام الشهيد "حسن البنا" في منزله ، وبايعه ، وأصبح من الإخوان المسلمين وكان أول محامٍ يدخل الدعوة المباركة .


    بيعة الأستاذ "عمر التلمساني يقول :


    "كانت صلتي بالإخوان المسلمين ، وعلاقتي بالإمام الشهيد قصة ظريفة دلت بدايتها على منتهاها . أول ما اتخذت لي مكتبًا في شبين القناطر ، كنت أقيم في عزبة التلمساني ، وفي يوم جمعة من أوائل العام 1933م ... كنت أجلس في حديقة الزهور فجاءني خفير العزبة يقول : "فيه أتنين أفندية عايزين يقابلوك" ، فصرفت حرمي وأولادي وأذنت لهما بالمجيء ... وجاء شابان أحدهما "عزت محمد حسن" وكان معاون سلخانة بشبين القناطر ، والآخر "محمد عبد العال" ، وكان ناظر محطة قطار الدلتا في محاجر "أبي زعبل" . ومضت فترة في الترحيب ، وشرب القهوة ، والشاي ، وثمة فترة صمت قطعها معاون السلخانة قائلاً : ماذا تفعل هنا ؟ فأثارني السؤال ، واعتبرته تدخلاً فيما لا يعنيه ، فقلت ساخراً : أربي كتاكيت ! ولم تؤثر إجابتي الساخرة على أعصابه ، بل ظل كما هو موجهًا أسئلته قال : هناك شيء أهم من الكتاكيت في حاجة إلى التربية من أمثالك . وقلت ، ومازلت غير جاد في الإجابة : وما ذلك الشيء الذي هو في حاجة إلى تربيتي ؟ قال : المسلمون الذين بعدوا عن دينهم ، فتدهور سلطانهم ، حتى في بلادهم ، وأصبحوا لا شيء وسط الأمم . قلت : وما شأني بذلك ؟ هناك الحكومات والأزهر الشريف بعلمائه يتولون هذه المهمة . قال : إن الشعوب الإسلامية لا تكاد يُحَسُّ بوجودها . هل يرضيك أن تدعى هيئة كبار العلماء ليلة القدر من كل رمضان للإفطار إلى مائدة المندوب السامي البريطاني ، وإلى جانب كل شيخ سيدة إنجليزية في أبهى زينتها ؟ قلت : طبعًا لا يرضيني ، ولكن ماذا أفعل ؟ قال : إنك لست اليوم بمفردك ، فهناك في القاهرة هيئة إسلامية شاملة اسمها "جماعة الإخوان المسلمين" ويرأسها مدرس ابتدائي اسمه "حسن البنا" وسوف نحدد لك موعدًا ؛ لتقابله ، وتتعرف إلى ما يدعو إليه ، ويريد تحقيقه . شبت العاطفة الدينية الكامنة في دخيلة نفسي ، فملت إلى الرضا ووافقت على مقابلة الرجل ، وانصرفا بغير ما استقبلا به . وعلمت منهما قبل أن ينصرفا أنهما يؤديان مهمة في كل يوم جمعة بعد صلاة الفجر ، يجوبان القرى والعزب التابعة لمركز شبين القناطر يبحثان عن رجل يصلي ، ويصوم ، ويؤدي فرائضه ، فيتعرفان إليه ، ويعرضان الدعوة فإن قبل ، اعتبراه نواة لشعبة في موقعه . وكان في كل مركز من مراكز القطر من يقوم بمثل مهمتهما من الإخوان المسلمين . وبعد أيام حضرا إلى مكتبي وأخبراني بأنهما حددا لي موعدًا مع فضيلة المرشد العام ، وكان يسكن في حارة عبد الله بك في شارع اليكنية في حي الخيامية ، وفي الموعد المحدد طرقت باب الرجل ، وفتحت سُقْاطة الباب ، ودفعته ، ودخلت إلى حوش المنزل ، وصفقت فرد علىَّ صوت رجل يقول : من ؟ قلت : عمر التلمساني المحامي من شبين القناطر . فنزل الرجل ، وفتح باب غرفة على يمين الداخل من الباب الخارجي ، ودخلتها من ورائه ، وكانت مظلمة ، لم أتبين ما فيها ، ولما فتح النافذة الوحيدة في الحجرة المطلة على الطريق تبينت أن في الغرفة مكتبًا صغيرًا غاية في التواضع ، وبعض الكراسي من القش يعلوها شيء من التراب ... وجلس إلى المكتب ، وقدم لي كرسيًا ؛ لأجلس . وعز على أن أجلس على مثل ذلك الكرسي بالبدلة الأنيقة ، فأخرجت منديلاً من جيبي ، وفرشته على الكرسي ، لكي أستطيع الجلوس هادئًا في غير تضجر ، ولا قلق . وكان ينظر إلى ما أفعله ، وعلى فمه ابتسامه واهنة ظننتها تتعجب مما أفعل ، ومما أدعى إليه . وشتان ما بين رجل يحافظ على أناقته ، ورجل على وشك أن يدعى للعمل والجهاد في سبيل الله . وحق له أن يتعجب إذ إن مظهري كان يدل على الرفاهية التامة ، وعدم تحمل مشاق العمل في سبيل الله ، الأمر الذي يحتاج إلى الكثير من خشونة العيش مع عدم الانغماس في بلهنية الحياة ، وشيء من التجرد .. ورغم هذا المظهر الذي لا يطمئن كثيرًا ، فقد مضى الرجل يتحدث عن الدعوة ، وأن أول مطلب لها ، وآخره هو المطالبة بتطبيق شرع الله ، وتوعية الشعب ، وتنبيهه إلى هذه الحقيقة التي لن يتحقق الخير إلا عن طريقها . ويكون التحول عن القوانين الوضعية إلى القوانين الإسلامية لا بد أن يأخذ طريقة المشروع دون عنف أو إرهاب . وأفاض فضيلة الإمام الشهيد "حسن البنا" في لقائنا الأول – في أهداف الدعوة ، ووسائلها المشروعة ، وكان يتكلم في صدق المخلصين ، وأسى المحزونين على ما يصيب المسلمين في كل أنحاء الأرض ، والطعنة التي أصابت المسلمين بالقضاء على الخلافة ، وأنه إذا كان بعض الخلفاء قد أساءوا أو انحرفوا ، فليس معنى ذلك أن الخلافة هي التي أساءت أو انحرفت ، وهذا الأمر لا يجهله إنسان منصف ، فالنظرية شيء والتطبيق شيء آخر . ولما أنهي حديثة الذى لم أقاطعه فيه مرة سألنى : هل اقتنعت ؟ وقبل أن أجيب قال في حزم : "لا تجب الآن" وأمامك أسبوع تراود نفسك فيه ، فإني لا أدعوك في الأسبوع القادم للبيعة ، وإن تحرجت فيكفينى منك أن تكون صديقًا للإخوان المسلمين . وما كان لمن جلس هذه الجلسة ، وسمع ما سمعت أن يتوانى عن البيعة لحظة ، وعدت في الموعد ، وبايعت ، وتوكلت على الله ، وإنها لأكبر سعادة لاقيتها في حياتي أن أكون من الإخوان المسلمين منذ أكثر من نصف قرن ، وأن ألقى في سبيلها ما لقيت ، مما أحتسبه عند الله ، وأن يكون خالصًا لوجه الله تعالي . هذه قصة اتصالي بالإمام الشهيد "حسن البنا" والإخوان المسلمين . لم يعدنا إمامنا فيها بالدنيا وإقبالها ، والورود وازدهارها ، والأزاهير ونعومتها ، ولكنه أوضح أن طريق الدعوة مليء بالأشواك والمتاعب ، والصعاب ، فمن يقبل عن بصيرة ، ولا يلومن أحدًا ، فلم يخدعه أحد بالمرة. وهكذا لما قبلوا راضين ، ألف الله بين قلوبهم أجمعين ، حتى تعجب الناس جميعًا من قوة الروابط التى تربط بين قلوب الإخوان جميعًا ؛ حتى قال قائلهم : لو عطس أحد الإخوان في الإسكندرية لشمته الذين في أسوان ، وأقول : لو تمنى أحد الإخوان في أوروبا أمنية لحققها له أخ في كندا ، ما دام في حيز الإمكان ، وما دام الأمر لم يكن فيه ما يغضب الله
    .
    عمر التلمساني بين المال ... والدعوةيقول : "قابلت أحد رؤساء الوزارات المصرية – ولا يزال حيًّا – لعمل خاص بالإخوان في زمن السادات ، وبعد أن تبادلنا الحديث ، إذا به يعرج على الناحية المالية ، ويفاجئني قائلاً بأن الدول تدعم كل الصحف والمجلات المصرية ، ومجلة الدعوة كمجلة إسلامية أحق المجلات بهذا الدعم ، وأدركت ما يهدف إليه الرجل ، فتملكت أعصابي ، وأجبته في لغة عامية دراجة "يا شيخ ... سايق عليك النبي ما تكلمنيش في هذه الناحية" وانتهت المقابلة ، وانصرفت . - وذات مرة دعتني إحدى المجلات الدينية التى لا تزال تصدر حتى اليوم ، إلى ندوة دينية تعقد في دارها .. وحضرت وأثناء الحوار بالندوة ذهبت إلى دورة المياه ، وعند خروجي من الدورة وجدت أحد موظفي المجلة يقدم لي ورقة ويطلب مني التوقيع عليها . قلت : ما هذا ؟ ولماذا ؟ قال : هذا مقابل حضورك الندوة . قلت : لو كنت أعلم أن الدعوة إلى الله تدفعون لها مقابل لما حضرت قال : مصاريف الركوب والانتقال ... قلت : عندي سيارة أعدها الإخوان لمثل هذه الأمور : قال : ولكنهم جميعًا يأخذون . قلت : إنني لست من هذا الجميع أنا رجل على باب الله ، وانصرفت طبعًا دون قبض أو توقيع . - ومرة كنت أؤدي فريضة الحج وفي (جدة) قابلني الأخ (م.ص) ، وما يزال حيًّا – أطال الله في حياته وقال : إن كبيرًا يريد مقابلتي ليس من الأسرة السعودية وإن كان له بها صلة ، فرحبت مؤملاً في خير الدعوة ، وتحدد الميعاد ، وذهبت قبل الميعاد بخمس دقائق على الأقل ، وحل الميعاد ، واستدعى الكبير سكرتيره ، ودعاني للدخول ، فوجدت أحد أبناء المرحوم الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود موجودًا معه ، ولم يتحرك الرجل من مكانه ؛ حتى وصلت إليه أمام كرسيه ، فوقف ، ولعله فعل ذلك محرجًا ، وسلم وقد كنت ألبس شبشبًا وجلبابًا أبيض غير وجيه . - وجلس الكبير يتحدث عن الدعوة الإسلامية ، ثم عرج على مجلة الدعوة ، وكانت لم تصدر بعد وقال : إنه يريد تدعيمها ، فأدركت هدفه ، وقلت له مقاطعًا : سيادتكم طلبتم مقابلتي كداعية لا كجابٍ ، ولو كنت أعلم أنك ستتحدث معي في مسألة نقود كنت اعتذرت عن المقابلة ، ولذلك أرجو أن تسمح لي سيادتكم بالانصراف ، فتلقى الرجل هذه الغضبة في هدوء ، وقال : إني لم أقصد ما ذهبت إليه ، ولكني كمسلم أردت تدعيم عمل إسلامي وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال ما معناه : (واستغن عمن شئت تكن أميره) . - ولما انتهت خرج والكبير الآخر معي ؛ حتى أوصلاني إلى باب المصعد ، ولما ينصرفا إلا بعد أن أخذا المصعد في النزول . - وأذكر كذلك مرة أنني ذهبت إلى أحد بلاد المنطقة العربية بمناسبة افتتاح موسم ثقافي ، وبعد أن تحدثت في حوالي عشرة أمكنة جاءني أحد الرسميين ، ومعه ظرف به خمسة وعشرون ألف درهم . فقلت له ما هذا ؟ وظن الرجل أنني أستصغر المبلغ . فقال : إن غيرك يأخذ نصف هذا المبلغ . فقلت له : إنك في وادٍ وأنا في وادٍ آخر أنا لا آخذ أجر على كلمة ألقيها في سبيل الله ، وإن كان لا بد من دفع هذا المبلغ فضعه في بنك من البنوك لحساب مجاهدي أفغانستان الأبرار. - وطلبت بعض الصحف أن أكتب فيها متواصلاً بأجر ، فرفضت ؛ لأني لست صحفيًا أولاً. - وسواء أكنت مصيبًا أو مخطئًا ، فإنه أفضل دائماً أن يكون كلام الدعاة بلا مقابل ، فذلك أدعى لاحترامهم ، وأدعى أن يكون الكلام يبتغى به وجه الله ، والله من وراء النية ، والقصد .


    صفات تهم الدعاة والمربين



    ترك الأستاذ "عمر التلمساني" آثارًا طيبة لدى كل من عرفه ، أو اتصل به ؛ لما يتمتع به من صفاء النفس ، ونقاء السريرة ، وطيب الكلام ، وحلو الحديث ، وجمال العرض ، وحسن الحوار والمجادلة . وفي هذا يقول عن نفسه : "ما عرفت القسوة يومًا سبيلها إلى خلقي ، ولا الحرص في الانتصار على أحد ، ولذلك كنت لا أرى لي خصمًا ، اللهم إلا إذا كان ذلك في الدفاع عن الحق ، أو دعوة إلى العمل بكتاب الله تعالى على أن الخصومة من جانبهم لا من جانبي أنا ... لقد أخذت على نفسي عهدًا بألا أسيء إلى إنسان بكلمة نابية ؛ حتى لو كنت معارضًا له في سياسته ، وحتى لو آذاني .. ولذلك لم يحصل بيني ، وبين إنسان صدام لمسألة شخصية" . ومن هنا نرى أنه لا يخرج من مجلس التلمساني إنسان إلا وهو يحمل في نفسه الإكبار ، والتقدير والحب لهذا الداعية الفذ ، الذي تتلمذ علي يد الإمام البنا ، وتخرج في مدرسته ، وانتظم في سلك جماعته داعية صادقًا مخلصًا . وكان شديد الحياء ، كما لا حظ فيه ذلك كل من رآه عن كثب ، وكان جليسه ومحاوره يشعر بأن الأحداث القاسية والطويلة التى غرسته في ظلمات السجون قد صهرت نفسه ؛ حتى أنها لم تدع فيه مكانًا لغير الحقيقة التى يؤمن بها ، حيث ظل خلف الأسوار أكثر من سبعة عشر عامًا ، حيث دخل السجن عام 1948م ، ثم في عام 1954م ، ثم في عام 1981م ، فما زادته الابتلاءات إلا صلابة وثباتًا . وفي حديث له مع مجلة "اليمامة" السعودية بتاريخ 14 / 1 / 1982م قال : "إنني بطبيعتي التى نشأت عليها أكره العنف بأي صورة من صوره وهذا ليس موقفًا سياسيًا فقط ، ولكنه موقف شخصي يرتبط بتكويني الذاتي ، وحتى لو ظلمت فإنني لا ألجأ إلى العنف ، من الممكن أن ألجأ إلى القوة التي تحدث التغيير ، ولكني لا ألجأ إلى العنف أبداً"





    مواقف من حياة الأستاذ "عمر التلمساني"



    - دعي الأستاذ عمر التلمساني إلى ندوات ولقاءات بالشباب في السجن عام 1982م نظمتها أجهزة الدولة . واتفقت معه هذه الأجهزة على تكرار هذه الندوات ، وكانت لها مآرب ، ولكن ما كان لله دام واتصل . فعرض الأستاذ المرشد الأمر على إخوانه ، فكان المؤيد ، وكان المعارض ، وانتهى الأمر بالموافقة . فذهب الأستاذ عمر ، وتحدث مع الشباب حوالي ساعتين على اختلاف اتجاهاتهم وانتهى اللقاء بأمر عجيب ، فقد أقبل الشباب على فضيلة المرشد مصافحين ، ومعانقين ، ومقبلين الأيدي ، وشاكرين النصيحة ، وكشف الغشاوة . إنه توفيق الله . فقطعت الأجهزة هذه اللقاءات معه أبداً !! لأن الرياح جاءت بما لا يرضي الملاح . - يقول الأستاذ "عمر التلمساني"رحمه الله : كان الإمام الشهيد يدعوني إلى السفر معه في بعض رحلاته داخل القطار ويسألني : هل السفر على حسابك أو على حسابنا ؟ فإن كانت (متريشًا) من أتعاب قضية دسمة قلت : السفر على حسابي ، وأقطع الهم تذاكر السفر في الدرجة الثانية . أما إذا كنت (مفرقع) الجيب قلت : السفر على حسابكم . فكان يقطع التذاكر في الدرجة الثالثة . فكنت أجلس ، ورأسي إلى الأرض ؛ حتى لا يراني أحد من معارفي ، وأنا أركب الدرجة الثالثة ، التي كنت آنف ركوبها ، وكان الأستاذ يبتسم لمنظري الخجل . حتى إذا ما طالت عشرتي للإخوان أصبح ركوب الدرجة الثالثة عندي كركوب الأولي الممتازة دون حساسية أو تحرج . - يقول الأستاذ "عمر التلمساني" رحمه الله : ذهبت مع الإمام الشهيد يومًا إلى شبين الكوم في حفل إخواني ، وبعد صلاة العشاء وجدت الإخوان يجلسون كما يجلس الناس في سماط . وجاء الطعام فإذا به بيض مقلي ، وجبن قديم . فملت على أذنه قائلاً : هل جئت بي إلى هنا لتجوعني ؟! فقال هامساً : اسكت الله يسترك . ونادي أخاً فأحضر لي لحمًا مشويًا ، وشيئًا من العنب . - عندما أفرج عن الأستاذ عمر التلمساني في آخر يونيو 1971م جاءه ضابط المعسكر وقال : لقد أفرج عنك ... فاجمع حاجتك لتخرج ، وكان الوقت بعد العشاء . فقال للضابط : ألا يمكن أن أبيت الليلة هنا ، وأخرج صباحًا فإني قد نسيت طرقات القاهرة. فدهش الضابط وقال : ماذا تقول ؟ ألم تضق بالسجن وتود الخروج منه فوراً ؟ قال : بل أفضل أن أبيت هنا هذه الليلة ، وأخرج صباحًا . قال : هذه مسئولية لا أستطيع تحملها ، تفضل اخرج من السجن ، ونم على بابه إلى أي وقت تشاء ، فطلبت تاكسي فأحضره . وعاد الأستاذ إلى منزله فيقول : والعجيب حقًا أنني عندما التقيت بأهلي وأقاربي لم أحس بتغير كبير في مشاعري ، وكأني لم أفارقهم إلا بالأمس ، ما السر في هذا ؟ لست أدري! - وجه أحد المراسلين في لندن له سؤالاً : لماذا تتهرب من الإجابات عن أسئلة واضحة ؟ فكان جوابه : "إن التهرب ليس من خلقي ، ولكن طباعي تأبى عليَّ أن أنقد حكومتى خارج وطني ، ولا أشنع عليها في الخارج ، بل أوجه مآخذي إليها مباشرة داخل مصر ، وهو مبدأ وليس سياسة" . - في إحدى الندوات التي عقدها الصحفيون بدولة الإمارات مع الأستاذ "عمر التلمساني" عام 1982م بعد حملة الاعتقالات الساداتية ،وجه إليه أحد الصحفيين هذا السؤال : ما رأيكم في حكام مصر ، ومعاهدة "كامب ديفيد" ؟ فأجاب الأستاذ : أحب أوجه نظر الأخ السائل إلى أنني لم آت هنا ؛ لأشتم حكامنا ، ورأينا نعلنه بكل صراحة ووضوح أول ما نعلنه على صفحات الجرائد والمجلات المصرية . فقد تعلمنا من الإسلام الصراحة مع عفة اللسان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء"
    .
    عمر التلمساني ... وداعًا

    لقد اختاره الله إلى جواره يوم الأربعاء 13 من رمضان المبارك عام 1406هـ الموافق 22 / 5 / 1986م حيث توفي بالمستشفي بعد معاناة مع المرض عن عمر يناهز 82 عامًا ، ثم صُلِّي عليه بجامع "عمر مكرم" بالقاهرة ، وكان تشييعه في موكب مهيب شارك فيه أكثر من ربع مليون نسمة – وقيل نصف مليون – من جماهير الشعب المصري فضلاً عن الوفود التى قدمت من خارج مصر . لم تشهد مصر ، على مدى نصف القرن الأخير وداعًا مثل الوداع الذى كان عند رحيل الأستاذ عمر التلمساني ، في ضخامته ، وتلقائيته ، ومصداقيته وعاطفة المودعين الجياشة . لن ننسى منظر الشباب دون العشرين ، وفوق العشرين ... الذين جاءوا من مدن مصر ، وقراها ، يشاركون في الوداع ، وهم يجرون حفاة الأقدام خلف السيارة التي تحمل الجثمان ، ودموعهم تكسو وجوههم ، يبكون فيه الداعية ، والرائد ، والقائد ، والمرشد ، والرمز ... حامل لواء الدعوة الإسلامية على مستوى العالم ، الذى استطاع على مدى السنوات العشر الأخيرة ، أن يعيد للحركة الإسلامية المعاصرة – وطليعتها الإخوان المسلمون – صفاءها ، ونقاءها ، وسماحتها ، ويرد عنها كل السهام المسمومة التي وجهت إليها ، والتهم الباطلة التى ألصقت بها ، ويدحض كل الافتراءات التي افتراها ضدها المفترون ، على مدى ثلث القرن الأخير، ويستل السخيمة من قلوب الأعداء ؛ حتى صاروا له أصدقاء . لقد استطاع الأستاذ "عمر" رحمه الله بأدبه ، وحيائه ، ودماثة خلقه ، ولينه ، وصدقه ، وتجرده ، وإخلاصه ، وصراحته ، وشجاعته ، تواضعه ، ودأبه ، وإصراره ، وحكمته أن يحقق لجماعة الإخوان الوجود الفعلي والواقعي ، وأن يعيد لها ثقلها في المسرح السياسي على المستوى المصري والعربي ، والإسلامي والعالمي . مات المجاهد عمر التلمساني .... فقال الشعب المصري من جديد : نعم للإخوان المسلمين!! .. ولم تُخف الحكومة ثقتها في الإخوان المسلمين .. فشاركت في تشييع الجثمان ، وحضر رئيس الوزراء ، وشيخ الأزهر ، وأعضاء مجمع البحوث الإسلامية ورئيس مجلس الشعب ، وبعض قيادات منظمة التحرير الفلسطينية ، ومجموعة كبيرة من الشخصيات المصرية والإسلامية إلى جانب حشد كبير من السلك الدبلوماسى .. العربي والإسلامي . حتى الكنيسة المصرية قالت : نعم للإخوان المسلمين ، وشارك وفدها رئاسة الأنبا نمريعريوس في تشييع الجثمان . هدمت الكنيسة القول الظالم والشائعات المغرضة بأن الإخوان المسلمين ضد الوحدة الوطنية !! وعلى استحياء قالت وسائل الإعلام : نعم للإخوان المسلمين .. فنشرت خبر الوفاة .. وأثنت على الراحل .. حتى أن إبراهيم سعده رئيس تحرير أخبار اليوم قال بالحرف الواحد : مات عمر التلمساني .. صمام الأمان .. لجماعة ... وشعب ... ووطن !! . وقال اليساريون المصريون أيضًا ... نعم ... فحضروا وشيعوا الجثمان !! وقالت إذاعة راديو أمريكا : إن هذه الجنازة أظهرت قوة وفعالية التيار الإسلامي في مصر خاصة وأن أغلبية من حضروا كانوا من الشباب . وكتبت مجلة "كريزنت إنترناشيونال" في عددها الصادر في 1 / 6 / 1986م "بوفاة التلمساني تفقد الحركة الإسلامية جمعاء واحدًا من أبرز رجالها العاملين وستظل تضحياته للإسلام محلاً للذكرى إلى أمد بعيد"

    مؤلفات الأستاذ "عمر التلمساني"

    1) ذكريات لا مذكرات . 2) شهيد المحراب . 3) حسن البنا الملهم الموهوب . 4) بعض ما علمني الإخوان . 5) في رياض التوحيد . 6) المخرج الإسلامي من المأزق السياسي . 7) الإسلام والحكومة الدينية . الإسلام ونظرته السامية للمرأة . 9) قال الناس ولم أقل في عهد عبد الناصر . 10) من صفات العابدين . 11) يا حكام المسلمين ... ألا تخافون الله ؟! 12) لا نخاف السلام ولكن . 13) الإسلام والحياة . 14) حول رسالة نحو النور . 15) من فقه الإعلام الإسلامي . 16) أيام مع السادات . 17) آراء في الدين والسياسة .


    المرشد الرابع .....



    محمد حامد أبو النصر







    نشأته

    المولود يولد على الفطرة، وهي وحدانية الله - تعالى -، والبيئة عنصر هام في تكوين الإنسان.

    الأسرة التي نبت فيها محمد حامد أبو النصر أسسها جده المرحوم السيد/ على أحمد أبو النصر العالم الأزهري، والشاعر الأديب أحد رواد النهضة الأدبية في مصر في عصر الخديوي إسماعيل، السياسي الذي اشترك في التجهيز للثورة العرابية، حتى قرر الخديوي توفيق تحديد إقامته في منزله بمنفلوط، وبعد فترة تخلص منه بدس السم له فمات في أواخر عام 1880م إذا كان المعروف آنذاك أن الشنق للعلماء ذوي النفوذ والجاه مما يثير غضب الشعب على حكامه.

    هكذا كانت بيئة (محمد حامد أبو النصر) مزيجاً من الدين والأدب والسياسة يترجم ذلك اشتراكه في تأسيس الجمعيات الدينية، والمحافل الأدبية، والاشتراك في الأنظمة السياسية إذ كان أمين صندوق جمعية الشبان المسلمين، ورئيساً لجمعية الإصلاح الاجتماعي، وعضواً بلجنة الوفد المركزية بمنفلوط.


    الأستاذ محمد حامد في سطور :


    - ولد (6 من ربيع الآخر 1331هـ الموافق 25 من مارس 1913م) بمنلفوط التابعة لمحافظة أسيوط.

    - وهو سليل أسرة كريمة تعود إلى الشيخ علي أحمد أبو النصر من رواد الحركة الأدبية في مصر.

    - تلقى تعليمه مدنيًا في المدارس، وحصل على شهادة الكفاءة سنة 1933م.

    - تميز في مطلع عمره بالمشاركة الاجتماعية والعمل الإسلامي، فكان عضوًا في جمعية الإصلاح الاجتماعي في منفلوط سنة 1932م، وعضوًا في جمعية الشبان المسلمين سنة 1933م.

    - انضم إلى جماعة الإخوان المسلمين سنة 1934م.

    - اختير عضوًا في مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين.

    - تعرض للمحنة العاصفة التي حلت بالجماعة سنة 1954م، فقبض عليه مع زملائه من مكتب الإرشاد وغيرهم من أفراد الجماعة، وحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة.

    - ظل في المعتقل حتى خرج في عهد الرئيس محمد أنور السادات.

    - بعد خروجه من المعتقل عاود نشاطه الدعوي في جماعة الإخوان.

    - اختير مرشدًا عامًا للإخوان بعد وفاة الأستاذ عمر التلمساني في سنة 1986م.

    - في فترة توليته مرشدًا للجماعة دخل أكبر عدد من الإخوان في مجلس الشعب المصري، وشهدت الجماعة نموًا مطردًا.

    - توفى سنة 1996م عن عمر يناهز الثلاثة والثمانين.



    أبو النصر... والبيعة الأولى في الصعيد

    قد بدأ تعرفه على جماعة الإخوان المسلمين، من خلال الصداقة التي نشأت بينه، وبين فضيلة الشيخ المرحوم/ محمود سويلم الواعظ السلفي الأزهري الذي كان يحدثه بين ألفينة والأخرى عن الإمام الشهيد/ حسن البنا - رحمه الله – وعن جهاده في سبيل رفعة الإسلام، والمسلمين، إذ ربي كثيراً من الشباب في مختلف البلاد، ابتغاء تحقيق هذا الهدف العظيم.

    وفي عام 1934 – 1935م أخبره صديقه الأستاذ المرحوم/ محمد عبد الدايم بوجود فضيلة الإمام الشهيد بجمعية الشبان المسلمين بأسيوط، فنتناول الهاتف وطلبة في ذاك المكان، فتفضل – رحمه الله – واستجاب إلى ندائه، ودار الحديث الآتي بينهما:

    فضيلة الأستاذ/ حسن البنا.... قال: نعم.. قلت له: لقد أنار الصعيد بزيارتكم فهل لمنفلوط أن تحظى بمثل هذه الزيارة؟ فقال فضيلته – رحمه الله –: هل الأرض صالحة؟ فقلت بملء فمي: نعم تنتظر البذر… فسر لهذه الإجابة.. فقال: إذن سنلقاك باكراً بمشيئة الله – تعالى – في منزلكم قبل الغروب.

    يحكي الأستاذ/ محمد حامد أبوالنصر قائلاً :

    عندما انتهى الحفل الذي حاضر فيه الأستاذ البنا بمنفلوط، وانصرف الجميع، وفي نفس كل منهم تقدير، وإكبار، وإعجاب بالإمام الشهيد، مؤملين النفس أن يلتقوا به مرة أخرى فيستزيدوا من معينه الذي لا يغيض، ومن روحه الفياضة، ثم انتقل إلى داري مرة أخرى حيث هُيئت له حجرة خاصة للنوم، ودخلها باسم الله، وجلس على الفراش متربعاً وقال: هيه....هيه يا سيد محمد اجلس، ماذا أعجبك الليلة؟

    فقلت له ما يجول بخاطر كل شاب في ذاك الوقت من حسن خطبته، وجمال توقيعها، وموقفه كخطيب فقال لي يمكن ما رأيك في المعاني التي ذكرت؟ قلت له: إن المعاني التي ذكرتها فضيلتك كثيراً ما تجري على ألسنة الخطباء، والوعاظ والعلماء... لكن ليس هذا هو السبيل للرجوع بالمسلمين إلى عهدهم، وأمجادهم السالفة. قال إذن ماذا ترى؟ وكنت في ذاك الوقت متوشحاً مسدسي الذي لا يفارقني في مثل استقبال ذلكم الزائر الكريم الذي أحببته قبل أن أراه. فقلت له: إن الوسيلة الوحيدة للرجوع بالأمة إلى أمجادها السالفة هو هذا... وأشرت إلى مسدسي فانبسطت أساريره كأنما لقي بغيته، وعثر على مطلبه، وقال لي: ثم ماذا؟...تكلم.... فعشت في هذه الكلمات برهة قطعها فضيلته باستخراج المصحف الشريف من حقيبته قائلاً: هل تعطي العهد على هذين مشيراً إلى المصحف والمسدس؟ فقلت: نعم بدافع قوي أحس به، ولا أستطيع أن أصفه، اللهم إلا الفيض الإلهي الغامر، والسعادة الأبدية التي أرادها الله لي في سابق علمه.

    وبعد أن تمت البيعة بهذه الصورة، قال فضيلته مهنئناً: مبارك إنها الأولى في صعيدكم.

    ومن ذلك الحين ارتبطت بالرجل ارتباطاً خاصاً وثيقاً... ارتباطاً نسيجه الحب والوفاء، وفيه كل معاني الرجولة الصادقة. ومن هذا المنطلق ابتدأت أعمل في محيط الإخوان كأحدهم، وفي حقل الدعوة كأحد عمالها الذي أرجو أن أكون من الصادقين منهم. وبهذه المناسبة أحب أن نوضح أنه ليس المقصود من وجود المصحف بجوار المسدس هو القتل والاغتيال، إنما هو إشارة إلى حماية الحق بالقوة مصداقاً لقوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ) نسأله تعالى الثبات على الحق، والعمل له غير مبدلين، ولا مغيرين.


    أبو النصر... وتأسيس الشعبة الأولى للإخوان المسلمين بمنفلوط

    يحكي الأستاذ أبو النصر قائلاً:

    وفي اليوم التالي لزيارة الإمام الشهيد لمنفلوط طلب مني فضيلته أن أستدعي له بعض الشباب من الذين حضروا الحفل بدار الشبان المسلمين بالأمس، حتى يلتقي بهم على الدعوة، فقلت له: لا بأس – على أني لا أستطيع أن أترك جمعية الشبان المسلمين التي أعمل فيها الآن، ولا بأس من أن نلتقي بهؤلاء الشباب الذين – سأحضرهم لدى فضيلتكم في حجرة صغيرة ضمن حجرات دار الجمعية فوافق فضيلته وقال هذا يكفي. المهم اللقاء على الفكرة دون النظر للمسميات وفعلاً دعوت لفضيلته حوالي عشرين شاباً أغلبهم من مدرسي المرحلة الأولية في ذاك الوقت وتناولوا مع فضيلته طعام الغذاء على طريقة مبسطة سعد بها حيث فرش بساط على الأرض واجتمعنا عليه في شكل حلقة ويظهر أن هذا الوضع المبسط وقع في نفسه موقعاً جميلاً مما يدل على أن هذه البساطة مبدأ بارز من مبادئه في تربية النشء وتهيئة الجماعة، وتحدث حديثاً عذباً فياضاً، ونظر إليهم نظرة جعلتهم يكبرون في نظر أنفسهم من حيث إنهم مسئولون عن الإسلام وعن دعوة الناس للنهوض به من جديد، فلما أحسوا بهذا المعنى في أنفسهم تهيأوا لتلقي البيعة في سبيل هذه الدعوة قائلاً لهم يكفي أن نرتبط على هذه المعاني، وعليكم أن تجتمعوا مرة واحدة كل أسبوع وتتذكروا سيرة الرسول والصحابة رضوان الله عليهم وأشار عليهم بقراءة كتاب حماة الإسلام، وقرأ معهم سورة العصر وانفض الاجتماع.

    ومن ذلك الحين التقت هذه المجموعة في أماكن مختلفة من أبرزها مكتب تحفيظ القرآن الكريم الملحق بمسجد "أبو النص" بمنفلوط. ونذكر أنه عندما زار الإمام الشهيد تلك الشعبة في أيامها الأولى كتب بيده هذه العبارة تسجيلاً لزيارته الكريمة:

    (دعوتنا قصة من قصص القرآن الكريم فيها عبرة وعظة وهداية ونور، إن بدا اليوم أحدوثة في أفواه الناس فهي في الغد حقيقة في مجتمعاتهم – وفي دار الأرقم بن أبي الأرقم نبتت الدعوة الأولى، وفي مثل هذه الدار يعيد التاريخ سيرته، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون).

    (الفقير إلى الله حسن البنا)

    وقد تحققت الآمال فقد أسس الإخوان المسلمون بمنفلوط داراً خاصة منسقة بميدان أبو النصر، جمعت أوجه الأنشطة المختلفة للجماعة، وقد صودرت هذه الدار وما فيها مع غيرها من دور الإخوان المسلمين في أنحاء البلاد بقرار من مجلس قيادة الثورة ثم احتلتها هيئة التحرير.

    التوجيه الرباني:

    (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ). صدق الله العظيم



    أبو النصر... ومرافقة البنا

    ورد عن الأستاذ محمد حامد أبو النصر قوله:

    دعاني الإمام الشهيد لزيارة الإسكندرية بصحبته، ومن ميدان محطة مصر ركبنا حافلة حتى وصلنا ميدان المنشية بها وعندما أخذنا مقاعدنا أخرج فضيلته من حقيبته الصغيرة المصحف الشريف وأخذ يسر القراءة فيه طوال مدة الركوب وكانت هذه عادته في السفر وحذوت حذوه، وفي ميدان الخديوي إسماعيل نزلنا بفندق صغير شعبي بالدور الثاني أمام البوستة العمومية، وما أن تعرفنا على حجرتنا حتى توضأنا وصلينا الظهر، ثم أبدي فضيلته رغبته في تناول طعام الغذاء فسألت فضيلته أي أنواع الطعام ترغب فقال اشتر لنا خبزاً وجبناً وعنباً فلبيت رغبته وتناولنا طعامنا واسترحنا القيلولة واستيقظنا على أذان العصر فأديناها، ومن ميدان المنشية استقللنا ترماي إلى القباري حيث كان – هناك موعد مسبق مع فضيلة إمام المسجد ليلقي الإمام الشهيد درساً بعد صلاة المغرب، وعندما وصلنا إلى محطة النزول بالقباري توجهنا إلى المسجد وبعد صلاة المغرب قدم فضيلة إمام المسجد الشهيد لإلقاء الدرس، وتم ذلك وانصرفنا.

    ومما استرعى انتباهي حادث وقع أثناء الطريق وهو أن المحصل لم يحضر إلينا ولم يطلب منا ثمن أجرة الركوب، وقد سألني الإمام الشهيد.. هل جاء الكمساري؟ وهل أعطاك التذاكر؟ فقلت... لم يحضر بعد. فقال إذن لابد من ندائه وإعطائه الأجر، وطلب التذاكر منه لأن هذا ما يمليه الضمير، قلت لفضيلته لعله يريد أن يعفينا من طلب الأجر.. قال ليس هذا من حقه بل هو حق الشركة وليس لإنسان أن يتبرع من مال الغير فناديت الكمساري وطلبت منه التذاكر فقال أنا عارف يا سيدي.. وأنا شايف ضروري يعني..؟ خليها على الله ده شركة أجنبية فسمع الإمام الشهيد فابتسم وقال لو.. لابد من أن تأخذ ثمن التذكرتين وشكر الله لك، فأبرزت إليه الثمن وقدم إلى التذكرتين.

    وقد عشت في هذه المعاني الكريمة المتلاحقة والمبادئ التي أشرب بها قلب الرجل الذي أبي أن يستبيح مال الغير مهما كان الأمر. وهكذا كان سلوكه في معاملته للناس على اختلاف أديانهم وأجناسهم، فهي لفتة كريمة من مرب عظيم ينهج قواعد الحق والعدل بين بني الإنسان.

    التوجيه الرباني:

    (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). صدق الله العظيم






    ومع الأحبة يطول للحديث لذا فلنا عودة للحديث عن السيرة المشرقة والمشرفة لوالدنا وأستاذنا حامد ابو النصر







    يتبع بأذن الله








  2. #2
    عضو نشيط الصورة الرمزية alghazzawi
    تاريخ التسجيل
    11 2006
    الدولة
    بلاد الفرنجة
    المشاركات
    1,843

    رد : موسوعة مرشدي جماعة الإخوان المسلمين

    بارك الله فيك
    من حق أولئك القمم الشوامخ علينا أن نذكرهم فقد كانوا نموذجا معاصرا لرجال كنا نحسب أنه لن يتكرر بعد الصحابة
    و لا يذكر فضل أهل الفضل إلا أهل الفضل

  3. #3
    عضو جديد
    تاريخ التسجيل
    12 2006
    المشاركات
    33

    رد : موسوعة مرشدي جماعة الإخوان المسلمين


    جزاك الله كل خير








 

 


تعليقات الفيسبوك





ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •