اعترافات ثوري مهزوم



بقلم سعيد الغزالي – صحفي فلسطيني من القدس



سأكون صادقا مع نفسي، ومعكم، وأعترف، إنها لحظة صدق نادرة، وهي نتاج العدوان المتوحش على قطاع غزة، ذلك العدوان الذي يحتم عليّ أن أنزع قناع الوطنية المزيفة عن وجهي، وأكشف لكم حقيقتي كما هي، وأتمنى أن تنزع الأقنعة عن وجوه الكثيرين من أمثالي، فتظهر سحناتهم الصفراء، الجشعة والماكرة المخادعة، فيراها كل الناس.

ولا يضيرني أن أعترف لـ شعبي، لأكون مثالا يحتذى، وعبرة لمن اعتبر. أعترف لأشجع غيري على الإعتراف، إن لم يكن أمام الناس، إن لم يكن بحضور وسائل الإعلام، فعلى الأقل، ليعترفوا أمام أنفسهم وضمائرهم، وأمام الله، الذي لا تخفي عنه واردة ولا شاردة.

أعترف أنني ثوري مرتزق ومهزوم، وسأمعن في صدقي وأقول أنني لا زلت مهزوما، أنا مهزوم وأكره النصر، ولدي تبريراتي، ولو كانت غير مقنعة، فهي تبريرات أتشدق بها في تصريحاتي وخطاباتي، وأزعم أنني أنتمي إلى ثقافة الحياة، وأعادي ما أصفه بـ "عصابات المقاومة" التي تنشر ثقافة الاستشهاد، أقصد الموت.

أنا مرتزق، وصلت إلى منتصف العمر، كنت في أيام شبابي ثوريا، حملت الكلاشنكوف، وأطلقت النار وشاركت في انطلاقة "ثورة الرصاصة الأولى"، وأنشدت أناشيدها، لكني ترهلت مع الزمن، وترهلت شعاراتي، وازداد بطني انتفاخا؟

أعترف الآن بأنني لم أعد ثوريا. انهزمت، وانا الآن ادافع باستماتة عن هزيمتي. تغيرت، كيف حدث ذلك؟ سأسرد عليكم حكايتي، وهي ليست فريدة من نوعها، إنها حكاية بضعة مئات أو آلاف من المتسلقين، أمثالي، الذين حولوا الوطن إلى مشروع استثمار.

أعترف بأنني خائن وأنني فعلت ذلك عن قصد. أعترف أيضا أنني بررت خيانتي بانعدام "توازن القوى" وانخفاض المعنويات، وكان لدي نظريات ونظريات.

أنا مسيلمة الكذاب، المثقف الثرثار، واعبد الدرهم والدينار، أعترف.

وأقول لكم إنني كاذب حتى في اعترافي، فالخديعة والنفاق في دمي. ولن أتزحزح عن موقفي ولو خربت مالطة، أو تهدم المعبد على من فيه، فأنا أتشدق الآن بالوحدة الوطنية، لأسوق المقاومة إلى قبرها.

أعترف أنني سأخسر كل امتيازاتي وصلاحياتي التي حصلت عليها من الاحتلال، إن أيدت المقاومة ولو بالكلام فقط، وسيقطع الإحتلال رقبتي وينشر عظمي.



في السابق، أقصد منذ عقود طويلة، ربما منذ نكبة عام 1948، و"نكسة" (أعني هزيمة) عام 1967، ربما منذ اتفاقات كامب ديفيد، وأوسلو، ووادي عربة، وسقوط بغداد، أصبحت الهزيمة قدرا مفروضا عليّ، هكذا أقنعت نفسي، الهزيمة تعشش في روحي، منذ يوم ولادتي، ولن أتخلى عن هزيمتي، ولو انتصرت كل شعوب الأرض، ولو اعتقد العدو أني انتصرت، فأنا مهزوم مهزوم مهزوم.

أعترف. انهزمت مع المهزومين ولعنت الثورة والثوار، وانضممت إلى معسكر الفذلكة والحوار، حول قضايا الإذعان والاستسلام، وتغيرت خطاباتي ومفرداتي، فالإحتلال ليس احتلالا، والاستقلال شعار وهمي، والصمود معاناة غير ضرورية، والنصر أمنية لا سبيل إلى تحقيقها.

أعترف. أصبحت والحمد لله "واقعيا" و"عقلانيا" و"معتدلا". أهلت نفسي، بعبارة أخرى، لأكون ليبراليا، وإن فتح الله عليّ، أفوز بنعمة من النعم الوفيرة، كمنصب مدير عام من فئة ألف، أو وكيل وزارة براتب سخي وميزانية من تحت الطاولة وفوقها، أو ناطقا إعلاميا متخصصا في الردح.

أعترف أنني نلت ما تمنيت وفتحت مكتبا للحوار مع الطرف الآخر، وأعلنت عن مبادرة للتخلي عن حقوق شعبي، كبرهان على تبعيتي وإخلاصي للإحتلال، وحصلت على دعم وفير وتشدقت بتاريخي النضالي. أنا مفجر ثورة الرصاصة الأولى، أنا المتمسك بالثوابت، أنا الرافض للإحتلال، أنا، أنا، وأنا. أنا مسيلمة الكذاب.

أصبحت مهما، وحصلت على بطاقة ال VIP ، وكتبت "البروبوزلز" الوهمية، ونلت من الدعم الكثير، ونافقت، وضمنت سلامتي إلى أبد الآبدين، فتحسنت أحوالي، وارتفعت مكانتي، فارتديت بذلة ووضعت ربطة عنق، وشرقت وغربت وحضرت المؤتمرات والحوارات، وخطبت وتطبعت.

أعترف بأن اعترافي جاء متأخرا، كان من المفروض عليّ، أن أتمترس حول إيماني بعدالة قضيتي، وأن أرفض التنازل عن حقوق شعبي، وأن أتمسك بثورة "الرصاصة الأولى".

ثم كانت الحرب. وقصفت إسرائيل "قواعد حماس"، فحمدت الله على ذلك، وتوقعت "اندحار الإرهابيين". توالى القصف والضرب من الجو والبر والبحر، استخدمت إسرائيل أسلحة محرمة، رأيت أطفالا قتلى، محروقين، قَطعت أطرافهم وسملت عيونهم، فحزنت أو تحازنت، وبكيت أو تباكيت وشكوت ظلم اسرائيل وقهرها للشعب الشجاع، ولكني لعنت المقاومة.

أعترف بأن اعترافي جاء متأخرا، لكنه جاء، بعد وقوع الكارثة، فتصلبت وتعنترت، وتحدثت بلغة أهل الصمود والتحدي، ولعنت إسرائيل، لكني شكرت أمريكا وأوباما صاحب القلب الأبيض، والوجه الأسود وشتمت المقاومة، وقلت أخ، أصابني وجع الصمود، وأسقمني التحدي.

بعد 23 يوما من الحرب على غزة، لم أعد أعتبر نفسي مهزوما، لأول مرة في حياتي، بعد أن أدمنت الهزيمة، وشربت من ترياقها عقودا طويلة، لم أصدق أن الجيش الذي لا يقهر قهر، فاعتبرت نفسي منتصرا، ولم أعد أرتدع بقوة الجيش القاهر. سبحان الله.

بلحظة واحدة أصبحت ثوريا، وتذكرت كلمات الصمود والمقاومة، والاحتلال البغيض، ومصادرة الأراضي وعزل القدس، والجدار العنصري، تذكرت كل الجرائم، وقلت كل شيء يحب شعبي أن يسمعه، وفعلت عكس ما أقول. منافق أنا ومحتال.

الحمد لله، أعرف أنكم لن تصدقوني، إن صرخت بالعبارات الجوفاء، ولكني متورط حتى عظامي، وهناك امتيازات، لا يمكنني التخلي عنها، فليذهب الشعب إلى الجحيم، المهم أنا وعصابتي، فالنصر يخيفني، لأنه يتطلب مني تقديم التضحيات، والنصر لا يأتي من دون تضحيات وفواجع، ولأني لا أحتمل الفواجع، ولا أقدر على تحمل آلامها، فضلت أن أبقى مهزوما، فالهزيمة مع السلامة، وبدون كرامة، أفضل من النصر مع الكرامة، وضياع المال والعيال.

وبحثت عن أسباب تفجر مشاعري الخطرة والمدمرة، وعرفت مكمن الداء، كنت أتابع قنوات المقاومة، التي بثت في نفسي روحا جديدة لم أعهدها من قبل، فلا زالت في قلبي جذوة ثورة "الرصاصة الأولى."

عندما بدأ العدوان على غزة، قررت ألا استمع وأشاهد وأقرأ الإعلام الإسرائيلي، وكان ذلك خطأ استراتيجيا، أورثني مرضا جديدا وهو الايمان بأن جيش إسرائيل قد خسر قوة الردع.

كثيرون غيري خدعتهم قنوات المقاومة، عفوا قنوات المقاولة، كالجزيرة والمنار والأقصى والقدس، وغيرها فصدقوا ان قوة الردع تلك قد اضمحلت بعد العدوان الوحشي على غزة.

أعترف أن المهم عندي هو السلامة، وحسابي البنكي السمين، وسيارتي الفخمة، ومنزلي ومكتبي الكبير، بصراحة أريد سلامة وطمأنينة واحتلالا، مثل كثيرين غيري من المثقفين والجاهلين من العرب والعجم المهزومين، حياهم الله، ومثل المؤسسات والهيئات ومجلس الأمن، والجامعة العربية، وجمعيات الأنجزة، والزعماء وأصحاب الفخامة، والكروش وفصائل التبرير والتضليل.

يا لخيبتي، كيف سمحت لنفسي أن أصدق المغامرين الإرهابيين، وكبيرهم خالد مشعل، فأعتقد أن قوة الردع الإسرائيلي قد اهتزت وتخلخلت، لماذا لم يعزز العدوان شعوري بالهزيمة، وأنضم إلى الطابور الخامس وألعن اليوم الذي انطلقت فيه "المقاومة" وأشتم رصاصتها الأولى لأنها أورثتنا مقاومة إسلامية أحملها الآن مسؤولية كل المجازر.

ما هذا الخطأ الإستراتيجي الذي ارتكبته؟ كيف لي أن أصدق شعارات المقاومة، وبياناتها وأهدافها المرهونة لاجندات أجنبية مثل "إيران الصفوية"؟ و"تركيا العثمانية"، وقطر النفطية؟

كيف يجوز لي أن أتضامن مثل الملايين من البشر في كافة أقطار المعمورة الذين خرجوا إلى الشوارع منددين بالعدوان على غزة؟

لماذا لا أنهزم مع المهزومين وأخشى قوة الردع الاسرائيلية؟ لماذا لا أصف الأشياء بأسمائها، فهذا الصمود في غزة انتحار، والاعتماد على الله، الذي ورد على ألسنة الرجال والنساء والأطفال المقصوفين والمشردين ليس إلا وهم وغباء، أي والله وهم وغباء، لا ينبغي أن أصدقه، مثلما فعل كثيرون من "عقلاء العالم" الذين فهموا أن هذا الصمود الاسطوري، وذلك الصبر الإيماني، "إرهاب" من المقاومة.

أعترف أنني زعمت أن الناس في غزة، كان بودهم أن يخرجوا إلى الشوارع رافعين رايات الاستسلام، منددين بالمقاومة التي جلبت لهم الحصار والدمار والقتل والجوع والتشرد، لكني أؤكد أن "المقاومة الإرهابية" التي أصرت على التصدي للغزاة، هي المسؤولة عن الدمار.

كان ينبغي عليّ أن أشق ثوبي، وأنتف شعري، وألطم خدي، وأنهزم، وأعبر عن هزيمتي بخطوات عملية، وهذا ما فعلت، بعد الاسبوع الأول من القصف الجوي والبري والبحري، تابعت قنوات "الاعتدال" واعتدلت وارتدعت.

وعندما أعلنت إسرائيل وقف إطلاق النار من جانب واحد، أدركت أنها قد حققت كل أهدافها، دمرت غزة، وكافة أنفاقها، و"صواريخها العبثية"، وقتلت "الإرهابيين"، وألقت في قلوبهم الرعب، وهزمت جيلا من الأطفال الذين اكتووا بنيران القصف الرادع، وحرقت القذائف الفسفورية أجسادهم الغضة، هؤلاء الأطفال الذين سيكبرون، وتكبر فيهم الهزيمة، ويشكرون إسرائيل، لأنها أنقذتهم من شرور أبائهم وإخوانهم الإرهابيين الصامدين الذين لم يرتدعوا من قوة الجيش الذي لا يقهر.

وعندما أعلنت المقاومة قبولها بوقف النار، ولكن بعد أن أطلقت صواريخها، خشيت على نفسي أن أنحرف وأصبح صامدا، ففتحت على قناة من قنوات الاعتدال التي لا أحب أن أذكر اسمها، حفاظا على السرية، وقرأت الخبر العاجل عن قيام إرهابيين بالتسلل عبر الحدود وزرع عبوة ناسفة أطاحت بدورية عسكرية لجيش الردع الذي لا يقهر.

استمعت إلى تصريح قائده إيهود باراك الذي وعد بالرد القاسي، ولكني لم أرتعب، واصبت بداء الصمود وهستيريا التحدي، وتدهورت روحي المعنوية، فلجأت إلى صديق قديم من الطرف الآخر، وشرحت له أعراض صمودي، وطلبت منه أن ينصحني، فحول لي بسرعة البرق ملفا بالصوت والصورة، وكان عبارة عن مؤتمر صحفي لرجل السلام الشهير ياسر عبد ربه، الذي هو على شاكلتي، لكنه لم يعترف مثلي.

استمعت إلى أقواله وزالت من نفسي كل أعراض الصمود، ومنذ ذلك الوقت أصبحت مؤيدا للقتل والدمار والحصار وإبقاء المعابر مغلقة، إلى أن يرتدع الارهابيون، رجالا ونساء وأطفالا ويكفوا عن هسترات الصمود وشعوذات التحدي.

وأعجبني قوله، بأنه قادر على الردح بالصوت العالي، وتحذيراته "للمقاومة الإرهابية"، واستهزائه بكبير الإرهابيين خالد مشعل. ففعلت مثل فعلته، وحملت المقاومة مسؤولية قتل 1500 مواطن، وجرح خمسة آلاف آخرين، وتدمير عشرين ألف منزل ومدرسة ومشفى ومسجد.

وارتاحت نفسي وتعزز إيماني بانكسار المقاومة، عندما استمعت إلى تصريح مدير مؤسسة بكدار محمد اشتيه الذي أكد أنه لن يُسمح بدخول حتى كيس واحد من الإسمنت إلى غزة ، ففرحت، وازددت يقينا بأن البنيان لن يعلو في غزة، والهامات ستركع، فالحصار لا يزال مفروضا، والردع لا يزال قائما.

أعترف بأن يدي ملوثة بدماء المقاومة. وأنا صامد، صامد، صامد، وإيماني بهزيمتي لن ينكسر