سلطان في سطور

سلطان العجلوني .. وصفه الكاتب الفلسطيني و ليد الهودلي بأنه أسد شرقي النهر , أما هو فيصف نفسه بأنه عاشق من شرق النهر و جد من واجبه أن يدخل معترك الحياة باكرا ً ليؤدي واجبا ً يجهله الكثيرون , هو أصغر أسير في العالم يحكم بالمؤبد (مدى الحياة) , أمضى ما يقارب نصف عمره في السجون الإسرائيلية صابرا ًصامدا ً مجاهدا ً .. هو سلطان طه محمد العجلوني , من مواليد المفرق بتاريخ 1/1/1974م , من أسرة كبيرة عرفت بتدينها و التزامها و وطنيتها و حبها للعلم , له من الإخوة خمسة ومن الأخوات ستة هو أصغرهم جميعا ً . عندما اعتقل كان ما يزال طالبا ً في الصف الثاني الثانوي – الفرع العلمي - , و قد عرف في المدرسة باجتهاده و تفوقه و تعدد مواهبه , فقد حفظ قصيدة البردى , و تعلم التلاوة و التجويد و هو ما يزال في الصف الرابع الإبتدائي , ثم ظهرت من بعد ميوله العلمية , حتى أن المعلمين كانوا يسمحون له باستخدام المواد الكيميائية لإجراء التجارب و هو لما يزال طالبا ً في الصف الثامن الأساسي , فاستطاع أن يصنع بجهوده معجون أسنان و حلاقة , و كتب أيضا ً أبحاثا ً علمية مميزة منها بحث عن الأطباق الطائرة , أدهش مدرسه بجودته و شموله و توثيقه فعمل على طباعته و تعميمه على المدارس ليكون نموذجا ً و مثالا ً , أما رحلته مع الكتب و المطالعة فقد بدأت باكرا ً جدا ً إذ حصل على بطاقة عضوية في مكتبة بلدية المفرق في سن السادسة , و كان عضوا ً في نادي المراسلة في مجلة ماجد للفتيان و الفتيات , بل إنه كتب الشعر و القصة القصيرة , و كان متميزا ً بالإنشاء و الأدب . و على الرغم من نحوله و ضآلة حجمه إلا أنه كان معروفا ً بين أقرانه بإرادته الصلبة و عزيمته القوية , مما أهله لأن يكون عضوا ً نشيطا ً في الكشافة , بالإضافة لمشاركته في مختلف الألعاب الرياضية .

هكذا نشأ العجلوني في أجواء كانت تؤهله لحياة غير عادية , و الحدث الأبرز و الذي كان له تأثير كبير , بل شكل منعطفا ً في حياته هو مذبحة الأقصى في 8/10/1990م , عندما اقتحم جنود جيش الإحتلال الصهيوني المسجد الأقصى الذي كانت ساحاته ممتلئة بالآلاف من المخلصين الذين تداعوا لحمايته بعد إعلان جماعة ما يسمى بـ( أمناء جبل الهيكل) اليهودية المتطرفة عن نيتهم اقتحامه بالقوة لوضع حجر الأساس لهيكل سليمان المزعوم ! و اشتبك الجيش مع الشباب المسلم الذي استبسل في الدفاع عن الأقصى , و خلال ساعتين أصيب المئات و استشهد في ساحة الأقصى عشرون شهيدا ً اختارهم الله لجواره .

كان لهذا الحدث الجلل أكبر الأثر في نفس سلطان , بل لقد شكل منعطفا ً خطيرا ً غير حياته كلها !! و لم يكن سلطان وحده من تأثر بهذه المجزرة البشعة , لكن ردود فعل الآخرين لم تتجاوز الحزن و الإستنكار ! و رغم أنه كان ما يزال فتى لما يبلغ بعد السابعة عشرة من عمره الغض , إلا أنه أدرك بحسه الناضج و رجولته المبكرة و إيمانه الصادق الواعي بأن واجبه و مسؤوليته أمام الله توجب عليه عملا ً حقيقيا ً يفوق الشعور و الحزن و الإستنكار , فصمم على الثأر للشهداء , و أقسم : " و الله لأنزل عملية و لو بنكاشة أسنان "! ثم أتبع القول بالعمل , و اجتهد حتى استطاع الحصول على مسدس حيث لم يتمكن أن يحصل على سلاح رشاش كما كان ينوي . و من ثم بدأ يتدرب على الرماية في الصحراء , وحده كاتما ً سره حتى عن أقرب المقربين , و عندما شعر أنه أصبح مستعدا ً كتب وصيته التي يطلب فيها من والديه الصبر و الثبات و أن يحتسباه عند الله , و أن يقرؤوا له القرآن فجر كل جمعة , و يكثروا من الدعاء له , و أن يسددوا عنه دينه البسيط للبقال ! و هكذا عزم أمره و توكل على الله و انطلق إلى هدفه في صباح 11/11/1990م , فوصل قرية دامية قرب الحدود الأردنية الفلسطينية و من ثم عبر نهر الأردن , متجاوزا ً- بحفظ الله -نقاط التفتيش فوصل إلى معسكر للجيش الإسرائيلي بعد يومين من ذلك , فكانت عمليته مساء 13/11/1990م , و رغم أنه لم يخطط للعملية مسبقا ً إلا أنه برهن عن ذكاء و سرعة بديهة , فقد تمكن من اجتياز الأسلاك الشائكة و تجاوز نقاط الحراسة و اقتحم الموقع فقتل أحد جنود شرطة حرس الحدود برتبة رائد و هو المدعو "بنحاس ليفي" –و هو شقيق قائد لواء القدس في الشرطة الإسرائيلية سابقا ً "ميكي ليفي"- , ثم مال إلى زميله الذي ارتجفت يده على جهاز الإتصال لكن المسدس لم يطلق , فقد أصايه عطل ما و هكذا تم القبض عليه فنقل للتحقيق, لتبدأ مرحلة جديدة من الجهاد و المصابرة ثبت فيها ثبات الأبطال , و تجلت مواهبه في الحجة و الجدال و ظهرت روحه المتحدية الصلبة إذ كان جوابه طوال فترة التحقيق و التي دامت خمسين يوما ً من العذاب النفسي و الجسدي : (كنت في رحلة , ضللت الطريق, و جدت نفسي فجأة أمام جندي يريد قتلي , فسحبت مسدسي و دافعت عن نفسي !) فيصك المحققون أسنانهم بغيظ و يسألون : (هل الرحلة تحتاج إلى مسدس؟) فيجيب : ( نعم لأن المنطقة تكثر فيها الضباع!) , و هكذا استمر التحقيق حتى استسلم المحققون و هم يصيحون : ( ولد معتوه , مجنون , جن أزرق ... ألقوه في ستين داهية ) , هذه العملية التي تمت بذكاء كبير –باعتراف من المصادر الإسرائيلية –أصبحت تدرس في بعض المعاهد الإسرائيلية العسكرية لضمان عدم تكرارها !

و هكذا.. بدأت رحلة السجن و الأسر الطويلة القاسية , و التي ناهزت الآن نصف عمر العجلوني, قضاها صابرا ً محتسبا ً مجاهدا ً و لكن في ميادين جديدة أبرزها : العلم و الغربة و المرض , فهو كما يقول بنفسه رهين المحابس الثلاثة : الأسر و الغربة و المرض , أما جهاده في سبيل العلم فقد ابتدأ بدراسته للتوجيهي في السجن , و حصوله على معدل أهله للإنتساب للجامعة , لكن السلطات الصهيونية رفضت انتسابه لجامعة القدس المفتوحة , مما اضطره لإكمال دراسته في جامعة تل أبيب العبرية عن طريق المراسلة و قد نبغت عبقريته أثناء دراسته فقد كانت الجامعة تبعث يهودا ً من الأساتذة المختصين لمناقشته فيناقشهم و يلزمهم الحجة و لقد تمكن من الحصول على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية و العلاقات الدولية بامتياز , و عندما باشر بدراسة الماجستير الأنظمة السياسية /ديموقراطيات , منع من ذلك بحجة واهية . أما عذاب الأسر .. فقد وصفه سلطان بقوله : ( هو قبر.. نعم كالقبر) , و لقد تنقل سلطان بين عدة سجون خلال سنوات أسره الطويلة المريرة و هو إجراء يتخذه الصهاينة إمعانا ً في التعذيب النفسي لمنع الأسرى من الإستقرار و إنشاء صلات بين بعضهم البعض , و هو أيضا ً إجراء عقابي قد يتخذ دون مبرر !و من السجون التي قبع فيها أسيرنا البطل : عسقلان , نفحة , الرملة , مستشفى سجن الرملة , بئر السبع , و أخيرا ً قسم العزل في معتقل هداريم و الذي ما زال فيه حتى الآن .

أما بلاء المرض فقد ابتلي في السنة الخامسة من أسره بمرض التهاب الأمعاء المزمن , و ما زال يعاني منه حتى الآن , و إن كان لم يشكل بالنسبة له أي عائق عن اهتماماته و نشاطاته و هواياته المتنوعة المختلفة , و التي يملأ بها وقته و يغذي بها عقله و يقوي بها جسده , ويسمو بها بروحه، و من ذلك دراسته للعلوم الشرعية إذ أخذ نصيبا ً وافيا ً بداية أسره منها , إضافة لهواية المطالعة و التي يدعوها "دراسة" و يقوم منهجه فيها على مشاريع، بحيث يختار موضوعا ،ً أو مفكرا ،ً أو عالما ،ً و يقرأ كل ما يحصل عليه من إنتاجه، أو يصل إلى يديه في ذلك الموضوع، فهو ليس ممن يؤمنون بثقافة " من كل بستان زهرة" , بل أن لا يخرج من بستان قبل أن يشم كل زهوره، و يغرس فيه نبتا ً، أو يسقيه , (لأنك إن لم تزد فيه كنت زائدا ً عليه) , و بهذه المنهجية استطاع سلطان أن يحقق لنفسه ثقافة واسعة عميقة لم تقتصر على العربية كونه يتقن إضافة لها اللغتين الإنجليزية و العبرية , مما أهله لتدريس الأسرى الآخرين اللغة العبرية و غيرها من الموضوعات كالعلوم السياسية و التاريخ . ويصلح العجلوني لأن يكون خير مثال و قدوة للشباب على حسن استثمار الوقت، و مجاهدة النفس، و تغيير الواقع الصعب, مجسدا ً المثال الحي للقول : ( العاقل من جعل محنته منحته و حقق آماله بآلامه ) , إذ أنه إضافة لما ذكر، معروف بمواهبه و ميوله الرياضية , إذ يقضي ما لا يقل عن ساعة يوميا ً في أداء التمارين و الجري و الحديد و لعبة الكرة الطائرة , و ليس هذا كل شيء ... إذ أن أهم مواهب سلطان تتجلى في الكتابة و " التأليف" , و قد أنهى حتى الآن تأليف كتابين، أحدهما : "السهل الممتع" مختارات من الشعر العربي , و الثاني" إضافات : عوائق في وجه النهضة" حول بعض الأبواب الخفية للهزيمة و التبعية لكنهما لم ينشرا بعد , كما أن للعجلوني زاوية ثابتة بعنوان:" من خلف القضبان" في صحيفة السبيل الأسبوعية الأردنية , إلا أن ظروف الأسر تمنعه أحيانا ً من مواصلة الكتابة فيها كما حدث مؤخرا ً , إذ تشهد السجون و المعتقلات الإسرائيلية هجمة شرسة و إجراءات مشددة قاسية، تهدف إلى النيل من معنويات الأسرى و تعذيبهم و أهليهم , وقد تركزت هذه الحملة مع اندلاع انتفاضة الأقصى و تصاعدت حدتها مؤخرا ً حتى ذكر بعض قدامى الأسرى أنهم لم يشهدوا لها مثيلا ً !

و يعاني الأسرى الأردنيون و منهم سلطان ما يعانيه إخوانهم الفلسطينيون و ربما أكثر في بعض الأحيان , فقد استؤنفت زيارات الأهالي مؤخرا ً للمعتقلين الفلسطينيين , بينما لم يحظ إخوانهم الأردنيون بأي زيارة منذ خمس سنوات ، أويزيد! و إذا كان المعتقل الفلسطيني يحظى بزيارة كل أسبوعين- لأقارب الدرجة الأولى فقط- فإن الأسير الأردني لم يحظ إلا بزيارات معدودة على مدى سنوات أسره الطويلة التي تزيد على عقد من الزمان , فقد كانت أول زيارة للأسير العجلوني بعد سنتين من أسره أي في العام 1992م , ثم كانت بعدها زيارات معدودة على مدى سنوات كان آخرها في العام 2000م , لكن الأسير العجلوني –و كما جميع الأسرى العرب- تبنته عائلة فلسطينية من القدس تعرفت إليه من خلال أبنائها الأسرى منذ اعتقاله و ظلت تزوره من ذلك الحين و إلى الآن دون كلل أو ملل ، مجسدة صورة حية للأخوة والتلاحم بين الشعبين المرابطين الشقيقين. ولأن الأسرى هم طليعة المجاهدين، كان طبيعيا أن يقاوموا هذه الإجراءات الوحشية للسجان بما يملكون ، وما يستطيعون، فكانت الإضرابات المتكررة والتي اشترك سلطان و الأسرى الأردنيون فيها جميعا ً مع إخوانهم في الحركة الأسيرة على مدى سني أسرهم الطويلة ,هذا بالإضافة للإضرابات التي خاضوها كأسرى أردنيين احتجاجا ً على سياسة الإهمال لملفهم و للفت النظر لعدالة قضيتهم، كان أبرزها الإضراب المفتوح الذي أعلنوا عنه في آذار من العام 2004م تحت شعار " الحرية أو الشهادة " و خاضه الأسير العجلوني ابتداءً ، حيث كان من المتفق أن يقوم به الأسرى الأردنيون بالتتالي بتاريخ 25/3/2004م حيث امتنع عن تناول الطعام و الماء و الدواء لمدة تزيد عن الشهر، حتى ساءت صحته، و فقد ما يزيد على 12كغم من وزنه، و أدخل مستشفى سجن الرملة للعلاج، و اضطر حينها مرغما ً على فك الإضراب لشعوره بعدم جدواه , ثم كان الإضراب الأخير الذي قاموا به بتاريخ 1/3/2005م و استمر عشر أيام متواصلة و انتهى بطلب مشفوع بالوعود من السفارة الأردنية في تل أبيب، بتفعيل الملف و العمل على إنهاء القضية بأسرع وقت ممكن , و هذا ما يأمل به الأسرى الأردنيون و ينتظرونه من حكومتهم، خصوصا ً بعد ضياع العديد من الفرص التي كان يمكن أن تستغل لتحريرهم، إبتداءً من أوسلو، ثم معاهدة السلام الإسرائيلية الأردنية "وادي عربة "- و التي تجاهلت تماما ً قضية الأسرى- , لكن العجلوني يعتبر أهم الفرص الضائعة و أشدها إحباطا ً بالنسبة للأسرى الأردنيين هي محاولة اغتيال خالد مشعل في عمان , حيث كان الإعلان الرسمي من الحكومة أنه سيتم تبييض السجون الإسرائيلية من الأسرى الأردنيين , لكن الذي حدث كان الإفراج عن البعض من ذوي الأحكام الخفيفة إضافة للشيخ أحمد ياسين ,و ليس آخرا ً كانت صفقة تبادل حزب الله و التي أعلن فيها ابتداءً أن جميع الأسرى العرب سيخرجون ضمن الصفقة و منهم الأسرى الأردنيون , لولا تدخل الحكومة الأردنية عبر وزير خارجيتها آنذاك مروان المعشر الذي قال : " إن قضية الأسرى الأردنيين يتم حلها عن طريق الحكومة الأردنية و لسنا بحاجة إلى عملية تبادل لإطلاق سراح أسرانا "! , و هكذا تم استثناؤهم من الصفقة و ما زالوا حتى الآن ينتظرون الحل !

قصة الأسير المجاهد سلطان العجلوني قد تكون فصة فريدة , لكنها ليست الوحيدة فهناك آلاف القصص للأسرى الأبطال القابعين في سجون الإحتلال الصهيوني , و هي أيضا ً قصة مفتوحة .. ما زالت فصولها تتوالى بانتظار النهاية السعيدة و التي نسأل الله أن تكون قريبة لجميع الأسرى و المعتقلين الأبطال .



المصدر موقع الاسير الاردني سلطان العجلوني www.ajloni.net