سجل عضوية جديدة

أهلاً بكـ في شبكة فلسطين للحوار... شاركنا وبادر بالتسجيل ...


النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. #1

    العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية

    العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية
    جميل هلال


    مقدمة
    يشير مصطلح "العلمانية" إلى وجود فصل واضح بين المؤسسات أو السلطة السياسية وبين المؤسسات أو السلطة الدينية. أما في المجال السياسي، فان المصطلح يشير إلى أن الأحزاب السياسية، والهويات والبرامج المعتمدة تستند إلى منطلقات، وديناميكيات وعوامل تختلف عن مثيلاتها في المجال الديني. وفرضيتي في هذه الورقة تتمثل في التالي: إن ديناميكيات تشكل الهوية وبنى التنظيمات والبرامج السياسية الرئيسية التي عملت داخل إطار منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها السياسية الرئيسة كانت في الواقع علمانية في أغلبها. لكن هذا لا يجب أن يحجب حقيقة مفادها أن معظم الفلسطينيين هم متدينون1 .


    وسأطرح هنا أن الحقل الوطني السياسي الفلسطيني الذي شكلته منظمة التحرير الفلسطينية تأثر بشكل أساسي بأيديولوجيات علمانية (القومية العربية، الاشتراكية، وأيديولوجيات حركات التحرر الوطني). وقد تم التعبير عن الهوية والحقوق الفلسطينية بعيد النكبة في العام 1948 على أساس "علماني". فقد كانت العمليات الاجتماعية-الاقتصادية والسياسية والثقافية التي أثرت في التجمعات الفلسطينية في أماكن وجودها الترجمة العملية لهذا التعبير. وقد صبغ ذلك الوطنية الفلسطينية بنزعة علمانية قوية، وهي لم تقتصر على المجموعات السياسية اليسارية، ولم تنتج عن الدور الخاص للاتحاد السوفييتي ،كنتيجة للعلاقة المميزة التي أقامها هذا مع منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها الرئيسة. لقد كانت هذه العوامل ذات علاقة ولكنها لم تكن هي العوامل الحاسمة. لقد تطورت العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية كاستراتيجية واعية ومتعمدة إلى حد كبير في المواجهة مع الحركة الصهيونية، ولاحقا مع إسرائيل، التي منحت الدين والهوية اليهودية أولوية في تشكيل الدولة لتوليد شرعية لعمليات التطهير العرقي للفلسطينيين. وقد عكست الثقافة السياسية العلمانية أيضا تأكيدا للتعددية الدينية التي اتسم بها المجتمع الفلسطيني لقرون مضت، وعكس ذلك بحد ذاته تكوّن الحركة الوطنية الفلسطينية التي بنت نفسها في العقود الأولى من القرن العشرين. وقد كان الوضع كذلك ما قبل عام 1948، واستمر بعد ذلك بإعادة انبعاث الوطنية الفلسطينية في الستينات. لذلك، بقيت عقيدة انبعاث الوطنية الفلسطينية (حق تقرير المصير، حق العودة، والحق في دولة مستقلة ذات سيادة) مستقلة عن أي منحى سلفي أو أسطورة دينية.


    ولم ينشأ التحدي الداخلي للعلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية إلا في عقد الثمانينات. فقد برز هذا التحدي بعد أن ضعفت منظمة التحرير الفلسطينية بفعل تلاقي عدد من الأحداث والتغييرات على الأصعدة المحلية، والإقليمية والدولية. فقد تم في تلك الفترة إخراج مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان بعيد الغزو الإسرائيلي للبلد وحصار عاصمته خلال صيف 1982. وتبع ذلك بعد فترة قصيرة مجزرة صبرا وشاتيلا على أيدي الكتائب اللبنانية وبدعم إسرائيلي. وقد شهد هذا العقد أيضا انقسام حركة فتح بدعم من بعض العواصم العربية، والذي أدى إلى انقسام منظمة التحرير الفلسطينية لفترة دامت خمسة أعوام. وقد شهدت الثمانينات أيضا حروبا ضد المخيمات الفلسطينية في لبنان، على أيدي حركة أمل. وشهد أواخر العام 1987 اندلاع الانتفاضة الأولى ضد الاحتلال الإسرائيلي. وجدير بالذكر أن أواخر السبعينات شهدت توقيع اتفاقية كامب ديفيد (1979)، ونجاح الثورة الإيرانية، حيث كان لهذين الحدثين أثرهما على القضية الفلسطينية. فيما شهدت بداية التسعينات انهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية، واللذين شكّلا الحليف الدولي الرئيسي لمنظمة التحرير الفلسطينية. أما حرب الخليج الثانية، فقد أدت إلى نشوء بنى لقوى إقليمية جديدة، التي كان لها انعكاساتها على مكانة ودور منظمة التحرير الفلسطينية.


    مثلت منظمة التحرير الفلسطينية مظلة سياسية للحركة الوطنية الفلسطينية منذ أواخر الستينات وحتى إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية. وقد أعادت بناء نفسها وشرّعت نفسها أساسا من خلال أهداف سياسية علمانية ومن خلال ترتيبات مؤسساتية علمانية أيضا. ولم تلجأ المنظمة في أي لحظة إلى الدين أو الأسطورة لتبرير ذاتها وتشريع سياساتها. وترك إنشاء سلطة وطنية فلسطينية أثره البالغ على الحقل السياسي الوطني. وهنا، أصبح استلام وتثبيت مقاليد السلطة مصدر اهتمام الفصيل السياسي الرئيسي في منظمة التحرير الفلسطينية. وعند تكون المعارضة الرئيسية على أساس الإسلام السياسي، اتخذت القوى العلمانية موقفا دفاعيا في مواجهة استخدام الإسلام السياسي الدين كأداة للتعبئة السياسية والاجتماعية. وبدأ الخطاب الديني يحتل مجالا أوسع بكثير من المجالات التي احتلها في العقود الثلاثة السابقة. ومع تراجع الدور الفكري والسياسي لليسار وبروز الإسلام السياسي (خاصة حماس) كقوة ذات قاعدة جماهيرية وتحول فتح إلى حزب سياسي حاكم قبل تشكل دولة وطنية مستقلة وذات سيادة، تولدت توترات جديدة في الحقل السياسي الوطني. وأحد هذه التوترات كان بين التوجهات العلمانية وتوجهات الإسلام السياسي.




    ولعل أبرز مثال على هيمنة الخطاب العلماني على الثقافة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية تمثل في إعلان الاستقلال الذي تم إقراره بالإجماع من قبل المجلس الوطني الفلسطيني في تشرين ثاني 1988. ويعتبر مفهوم الدولة الفلسطينية المستقبلية في هذا الإعلان علمانيا في الجوهر والشكل ومفردات اللغة، وسأعود إلى ذلك لاحقا.


    إن قيام سلطة فلسطينية ذات سمات دولانية تحمل مشروعا لدولة وطنية مستقلة جعل قضية العلمانية أمرا ملحا بعد أن أثارها، بشكل مباشر وغير مباشر، الإسلام السياسي الذي طرح إنشاء دولة إسلامية. لكن، الأحزاب السياسية العلمانية، بما فيها فتح، وخشية من تراجع شعبيتها ومساءلة لشرعيتها تبنت موقفا دفاعيا، في البداية خلال الانتفاضة الأولى، ثم بعيد إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية. وفي الواقع، وفي إطار الإلحاح السياسي، قامت الأحزاب السياسية اليسارية العلمانية (الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية) بالانضمام إلى حماس والجهاد الإسلامي في تحالف سياسي عارض وسعى لإفشال اتفاقيات أوسلو.


    تقول الفرضية التي أتبناها أن انحسار مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية الوطنية، والثقافة السياسية الفلسطينية (ثقافة التحرير، والنضال من أجل الحرية، وحماية والدفاع عن استقلالية صناعة القرار الوطني الفلسطيني) أعقبها تراجع في المنحى العلماني لهذه الثقافة. وقد جاء إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية ليعزز هذا الانحسار. وقد عمد الإسلام السياسي وتبعته السلطة الوطنية الفلسطينية لاستخدام التدين الشعبي والتضامن "التقليدي" في عملية الصراع على الحيز العام2 . تقوم الورقة هذه على الخطة التالية:


    أولا: تقديم موجز عن نشوء العلمانية في الثقافية السياسية في فلسطين قبيل عام 1948؛


    ثانيا: التطرق لبروز منظمة التحرير الفلسطينية كحقل سياسي وطني علماني وتشجيعها للثقافة السياسية العلمانية (ممثلة بالمبادئ التنظيمية، والقرارات والظروف السياسية ومفاهيم الحلول للمسألة الفلسطينية). والتطرق كذلك للتحدي الذي واجهته الثقافة العلمانية من قبل الإسلام السياسي.


    ثالثا: التطرق لإنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية (انتخاب المجلس التشريعي الفلسطيني ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية)؛ المعارضة العلمانية والمعارضة الدينية، المجتمع المدني ومجاله، انحسار مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، الصحافة المحلية (محاذير علمانية)، المحاولات لإضفاء صبغة الدين الإسلامي على القطاع العام.


    رابعا: الخلوص إلى بعض الاستنتاجات.


    أ: تعزيز الهوية الوطنية الفلسطينية (1917 – 1948)


    يرجع العديد من المؤرخين الفلسطينيين بداية تكون الهوية الوطنية الفلسطينية للأعوام التي تبعت الحرب العالمية الأولى. وخلال تلك الفترة، بدأ معظم الفلسطينيين ذوي الوعي السياسي والمتعلمون والمدنيون بالتفكير بأنفسهم من خلال هوية وطنية وسياسية جديدة. ولم تكن هذه الهوية الجديدة استثنائية حيث حافظت، بل شددت على، بعدها العروبي، كما حافظت الانتماءات الدينية والمحلية على معانيها. وقد أدى الوجود الاستعماري البريطاني في فلسطين والتوسع الاستيطاني الصهيوني في خلال فترة العشرينات، والثلاثينات، والأربعينات إلى تعمق وتجدد الهوية الوطنية، حيث تزايد الشعور بالمخاطر التي يحملها مشروع إنشاء دولة يهودية على أرض فلسطين. وقد عمل هذا التهديد مع عمليات قيام دول قطرية في المنطقة العربية بعيد الحرب العالمية الأولى على تسهيل عملية تبني هدف إنشاء دولة فلسطينية مستقلة من قبل الحركة الوطنية الفلسطينية. ولعبت عمليات التحضر، وانتشار التعليم، وبروز أحزاب سياسية ونقابات عمالية ومهنية ومنظمات أهلية، بالإضافة إلى توسع في وسائل الإعلام (الصحافة)، دورا في تعميق الهوية الجديدة بين المجموعات والطبقات الاجتماعية الجديدة.


    ويرجع الارتباط الديني للعرب بفلسطين إلى الفترة ما قبل الحرب العالمية الأولى. وقد شعر المسيحيون والمسلمون الذين عاشوا في فلسطين بذلك. فقد اشتركوا بفكرة أن فلسطين تشكل وحدة مترابطة، لكنهم نظروا إليها كوحدة دينية وليس كوحدة سياسية دولانية. وقد أثرت عوامل أخرى في كيفية صياغة شعب فلسطين لمفهوم دولتهم كوحدة جغرافية واحدة. ومن هذه العوامل سياسة الإدارة العثمانية، والتي ضمت منذ عام 1874، جزءاً كبيراً من فلسطين (محافظة القدس، بيت لحم، الخليل، بئر السبع، غزة، ويافا) ضمن حدود سنجق (مقاطعة) القدس الذي كان تحت سلطة اسطنبول المباشرة. وشكل الاستعمار الأوروبي عاملا آخر حيث تعاطى مع فلسطين وحدة مكان جغرافي، بالإضافة إلى الارتباطات المحلية القوية بالمكان3 . وقد تم تعزيز ربط هذه الولاءات المحلية عبر وعي التجمعات الأكبر من خلال انتشار وسائل النقل الحديثة والتعليم. وبذلك، يمكن القول إن رد فعل الفلسطينيين تجاه الاستعمار الصهيوني اعتمد على هويات سابقة وجدت قبل الصهيونية وما قبل فرض الاستعمار البريطاني. لكن ارتباط الفلسطينيين بأرض فلسطين ، الذي كان موجود قبل نشوء الصهيونية السياسية، اكتسب تعبيرا جديدا، بمعنى انه اكتسب مفهوما وطنيا حديثا عندما واجه الصهيونية واستعمار الدولة البريطانية. وقد أدخلت هذه المواجهة بعدا علمانيا إلى الهوية الفلسطينية أخذت تعبيرا وطنيا تجاوز الدين والولاءات المحلية. وقد "تصورت" الهوية الجديدة فلسطين على أنها تشكل مجتمعا فلسطينيا، وليس فقط وحدة إدارية أو مكانا مقدسا4.


    أنهت نتائج الحرب العالمية الأولى "العثمانية" كمجال أو بعد لهوية الفلسطينيين والعرب الآخرين. وقد بدأ هذا التأثير يضعف قبيل الحرب المذكورة مع تصاعد القومية التركية، واللامبالاة الواضحة من قبل السلطات في اسطنبول للخطر الصهيوني. وسارع الخطاب العلماني الواضح للقومية التركية في تراجع حدة وضوح الهوية الدينية في الإمبراطورية قبل وخلال الحرب5. كما ولّد اختفاء الهوية العثمانية (وارتباطها بالدين الإسلامي الرسمي) عند انتهاء الحرب العالمية الأولى تعزيزا للوطنية وتعميقا لوجودها. وقد أخذت الوطنية الفلسطينية كما تبلورت بعيد الحرب العالمية الأولى - بالرغم من تركيزها على فلسطين ولفترة قصيرة على فلسطين كسوريا الجنوبية6- بعدا قوميا واضحا. لكن التطورات التي تلت فرض الحكم البريطاني على فلسطين وارتفاع مد الهجرة اليهودية فرضت على الفلسطينيين الانشغال بالهموم الفلسطينية البحتة، وأعطت الأولوية للمشاعر الوطنية الفلسطينية على حساب الهموم والاهتمامات القومية.


    تظهر أنوية البنية التنظيمية للوطنية الفلسطينية في الجمعيات الإسلامية-المسيحية التي ُشكلت في أواخر عام 1910 وفي بداية عام 1920 في المدن والبلدات في فلسطين7. وقد كانت التسمية الأصلية لهذه المؤسسات "المؤسسات العربية"، لكن السلطات البريطانية طلبت من مؤسسي هذه المنظمات تسميها بـ "المؤسسات الإسلامية-المسيحية" في محاولة لابعادها عن سماتها الوطنية8. وفي كل الأحوال، فانه يبدو أن هذه المؤسسات اتخذت دور البنى التنظيمية الفرعية للحركة الوطنية الفلسطينية. فهذه المؤسسات أنشئت لمواجهة الاحتلال البريطاني وسياسته الداعمة للمشروع الصهيوني. واستهدفت هذه الجمعيات توحيد الفلسطينيين ضد محاولات البريطانيين والصهاينة تقسيمهم على أساس ديني أو أسس أخرى9.


    ولم ينحصر رد فعل الفلسطينيين تجاه الاحتلال البريطاني لفلسطين والاستيطان الصهيوني في مجرد إنشاء الجمعيات الإسلامية-المسيحية. فالأمر الأكثر أهمية في تشكيل الهوية الوطنية الفلسطينية، وربما أكثر دلالة من الهجمات على المستوطنات والأحياء اليهودية، كان تحويل المواسم الشعبية الدينية السنوية إلى مهرجانات فلسطينية عربية سنوية10. والأهم من ذلك كان المبادرة لعقد مؤتمرات وطنية بشكل منتظم خلال الفترة ما بين 1919 - 1928. وقد تم عقد ما يقرب من سبعة مؤتمرات خلال تلك الفترة ولم يعقد أي من هذه المؤتمرات على أساس ديني. وحضر ممثلو الجمعيات الإسلامية-المسيحية فقط المؤتمرات الثلاثة الأولى11. وجوى توسيع العضوية في المؤتمرات الأخرى لتضم شخصيات من هيئات ومجموعات خارج نطاق الجمعيات الإسلامية-المسيحية. وبعد عام 1928، شهدت الحياة السياسية الفلسطينية تعزيزا لظاهرة الأحزاب السياسية. فقد تم تشكيل سبعة أحزاب في نهاية عام 1936 عند بدء الثورة ذلك العام12. وقد حضر المؤتمر الذي عقد خلال الإضراب العام في عام 1936 ممثلون عن الأحزاب السياسية، بالإضافة إلى آخرين. وقد انتخب هذا المؤتمر اللجنة العربية العليا، والتي قادت الحركة الوطنية الفلسطينية، بشكل أو بآخر، لغاية النكبة في العام 1948.


    اهتمت الوطنية الفلسطينية بأن تبرز سمتها غير الدينية، أي تحديد هويتها الوطنية، واعتبرت ذلك ذا قيمة ومعنى للهوية الفلسطينية وللهوية العربية13. لذلك، فعندما ذهب وفد مسلم-مسيحي فلسطيني في خريف عام 1921 إلى لندن لوضع قائمة تفصيلية من المطالب للسلطات البريطانية، كان هذا الوفد حذرا في تضمين هذه المطالب – إضافة إلى إلغاء وعد بلفور، ووقف الهجرة اليهودية وتخفيف نقل الأراضي العربية أو أراضي الدولة إلى السيطرة اليهودية – إنشاء "دولة وطنية" ذات برلمان منتخب بشكل ديمقراطي من قبل المسلمين، والمسيحيين، واليهود في الدولة14. ويمكن القول إنه بالرغم من أن النخبة السياسية الفلسطينية (من المسلمين والمسيحيين) أنبتت نوعا من "الدين المدني"، إلا أنه من المبالغة وصف الحقل السياسي الوطني الذي برز قبل النكبة كحقل هيمنت عليه سياسات علمانية واضحة. لكن، ليس هناك أدنى شك من أن الفلسطينيين بنوا في الفترة ما بين الحرب العالمية الأولى والثانية هوية وطنية مستقلة، وهي هوية تعايشت مع هويات أخرى (محلية ودينية، وطائفية). وقد أدت التغييرات والتحديات التي واجهت المجتمع الفلسطيني والمشروع الوطني الفلسطيني إلى إضعاف تأثير الهويات الدينية والهويات الإرثية الأخرى. وعلى الجانب الآخر، فان التضامنيات الإرثية - بما فيها الأشكال المرتبطة بالعشيرة، والمنطقة، والدين - اكتسبت ديناميكيات ومصالح أبقت وأعادت إنتاج هذه الأشكال. وساهم في عمليات إعادة الإنتاج هذه لحكم البريطاني والتنافس بين مختلف العائلات الفلسطينية المتنفذة والمتصارعة على المكانة والامتيازات15. هذا بالإضافة إلى توترات أخرى مثل التوترات المتجددة بين القرية والمدينة، وبين ملاكي الأرض والفلاحين، وبين المدن الساحلية والمدن الداخلية.


    من المفيد التذكير في هذا السياق التذكير بأننا نتعامل مع دولة استعمارية (ممثلة بالانتداب البريطاني) كانت تسعى للحفاظ على البنى والمؤسسات التقليدية غير العلمانية (على أساس المكانة الشخصية، وقانون العائلة، والمحاكم الشرعية، والقانون العشائري). وبالنظر إلى هذا الوضع، لم يكن من السهل تبلور بشكل واضح ثقافة مدنية علمانية في ظل التعددية الدينية التي ميزت تاريخ فلسطين والتعامل مع هذه التعددية من قبل القوى التي حكمت البلاد. ويعتقد مفكرون فلسطينيون أن الحركة الوطنية الفلسطينية لم تقدم حلا ديمقراطيا (وعلمانيا) لمسألة الوجود اليهودي في فلسطين. وعندما تم اقتراح هكذا حل بعد انتفاضة عام 1936، تزايدت نسبة الجالية اليهودية من 7% من مجموع سكان فلسطين قبل الحرب العالمية الأولى إلى ما يقرب من ثلث السكان. إضافة إلى ذلك، أصبحت المؤسسات اليهودية قوية وذات تأثير كبير مقارنة بالمؤسسات الفلسطينية العربية16.


    وتلخيصا نستطيع القول إن الثقافة السياسية في فترة الانتداب البريطاني تأثرت بمنحيين سياسيين رئيسيين. المنحى الأول كان وطنيا وضع بشكل متسارع فلسطين العربية (وكان قد تم ترسيم حدودها من قبل القوى الاستعمارية) في صميم اهتماماته مع تزايد خطر المشروع الصهيوني الاستعماري. أما المنحى الثاني، الذي بقي هامشيا إلى حد ما، فقد كان علمانيا بشكل واضح وإن امتزج ببعد اشتراكي وهو منحى مثله الحزب الشيوعي الذي تم إنشاؤه في أوائل العشرينات من قبل المهاجرين اليهود، ولكن تم تعريبه لاحقا من ناحية العضوية ومن خلال تشرب توجهاته بالوطنية الفلسطينية. وقد مثل المنحى الأول، الذي بقى الأقوى، البعد الوطني الرافض بعناد للطائفية. وربما يفسر هذا وجود مسيحيين بين القيادات الأولى لجميع الأحزاب السياسية الفلسطينية التي برزت خلال تلك الفترة. ولم تشهد الفترة منحى إسلاميا سياسيا مستقلا بالرغم من أن الفلسطينيين تميزوا بالتدين بالمفهوم العام. وفي واقع الأمر، فان مجموعة الإخوان المسلمين ظهرت على الساحة في فلسطين فقط بعد عام 1946. لكن لا يمكن للمرء أن ينفي انه تم استخدام الإسلام لغاية التعبئة الوطنية والكفاحية (المثال الأوضح على ذلك هو حركة عز الدين القسام)، لكن من موقع الإقرار بأن الإسلام مكون من مكونات العروبة وليس بديل منها17.


    كان الخطاب السياسي المسيطر بين الفلسطينيين، بعد عام 1948 وحتى حرب حزيران 1967، يتمثل باستعادة فلسطين. وبذلك طغى هدف "العودة" بدل هدف "الاستقلال" الذي ميز فترة ما قبل العام 1948. ولم يكن هناك تفرقة واضحة في الخطاب الفلسطيني في الأعوام التي تلت النكبة بين الصهيوني واليهودي أو بين اليهودي والإسرائيلي. وبقي الوضع كذلك لغاية حرب 1967 وبروز حركة المقاومة التي سرعان ما سيطرت على منظمة التحرير الفلسطينية18. وقد أقام الشيوعيون التمييز بين اليهودية والصهيونية مبكرا، لكن المقاومة الفلسطينية تبنت هذا التمييز وجعلته جزءاً من أيديولوجيتها. ففي كانون أول 1968، طرحت حركة فتح موقفها في بيان صحفي كالتالي: فتح وكامل أفراد الشعب الفلسطيني يؤمنون بقضيتهم العادلة وفي نصرهم المؤكد. وهم يدركون أيضا انه في اليوم الذي سيرفع فيه علم فلسطين على الأرض المحررة والديمقراطية والمسالمة، ستبدأ مرحلة جديدة حيث سيستطيع اليهود الفلسطينيون أن يعيشوا مرة أخرى بانسجام وجنبا إلى جنب مع المالكين الأصليين للأرض، أي الفلسطينيون العرب19.


    ب- نشوء منظمة التحرير الفلسطينية؛ "مأسسة" ثقافة سياسية علمانية


    تركت هزيمة المشروع الوطني الفلسطيني في العام 1948 (التي باتت تعرف بعد ذلك بالنكبة)، ونجاح المشروع الصهيوني في إنشاء الدولة اليهودية على 78% من مناطق فلسطين، وتشرذم المجتمع الفلسطيني أثارها على الثقافة السياسية الفلسطينية. فقد اختفى الحقل السياسي الوطني الفلسطيني الذي شيدته الحركة الوطنية الفلسطينية والذي حاربته الدولة الاستعمارية وتبنت المشروع الصهيوني بديلا منه. أما الأراضي الفلسطينية التي لم يتم احتلالها من قبل إسرائيل، فقد تم ضمها (الضفة الغربية من قبل الأردن) أو أخضعت للسيطرة المصرية، الحكم المصري (لقطاع غزة)، وأصبحت منطقة الحمة تحت الإدارة السورية. وتولت الأنروا إدارة مخيمات اللاجئين الفلسطينيين الذين هجروا من فلسطين وأقيم معظمها داخل أو على مقربة من المدن العربية للدول المجاورة لفلسطين.


    وخلال الفترة ما بين 1948 و 1964، أي ما بين النكبة و تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية تحت إشراف عربي، كانت التجمعات الفلسطينية منشغلة في صراع مع تفاعلات وانعكاسات النكبة. فقد باتت هذه التجمعات المعزولة عن بعضها البعض (والتي باتت تعيش ظروفا اجتماعية-اقتصادية وقانونية متباينة) تخضع لحقول دولانية سيادية. وقد تولد عن اختفاء الحقل الوطني الفلسطيني (الذي تمحور حول هدف استقلال فلسطين في الصراع مع الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية) بروز عمليتين متناقضتين: تمثلت العملية الأولى في إعادة بناء الهوية الفلسطينية على ضوء ما حدث من تشرد، وتهجير، وتهميش، وإلحاق، وتمثلت الثانية في انخراط الفلسطينيين في الحركات السياسية والأيديولوجيات الأعم (قومية، أو أممية، أو إسلامية). وقد تحولت القومية العربية في صيغتها المهيمنة في ذلك الوقت القوة السياسية الأكثر انتشارا بين الفلسطينيين. أما الانتماءات للأحزاب، والأيديولوجيات، والحركات السياسية الشيوعية أو الإسلامية، فقد تمتعت بثقل ثانوي. وقد وعدت القومية العربية، في صيغتها الناصرية (بما فيها حركة القوميين العرب التي بقيت مؤيدة للناصرية إلى أن تبنت الماركسية بعد حرب 1967) والبعثية وحركة القوميين العرب بإنشاء الدولة العربية الموحدة وتحرير فلسطين. بمعنى آخر، فقد وعدت بإرجاع الفلسطينيين العرب إلى وطنهم المحرر وبحمايتهم من الاضطهاد والقيود من الدول العربية الإقليمية. وفي دولتين من هذه الدول (إسرائيل والأردن)، تم منح الفلسطينيين الجنسية ، لكن بشرط أو التوقع أنهم سيكبتون أي تعبير جماعي عن هويتهم الوطنية، وانهم سيوقفون تنظيم أنفسهم من إنشاء دولة فلسطينية مستقلة. وفي دول عربية أخرى، لم يمنح الفلسطينيون جنسية الدول التي هجروا إليها، وبقوا تحت درجات مختلفة من القيود والتمييز (قطاع غزة، لبنان، سوريا، مصر، ولاحقا دول الخليج).


    غلبت السمة العلمانية على الاتجاهات الرئيسية للقومية العربية من خلال تركيزها على المضمونين الثقافي والسياسي للوطنية وللانتماء القومي، ورهانها على الوحدة العربية المستقبلية. وقد ميزت الحركات والأحزاب القومية العربية خطابها السياسي عبر التعبئة ضد الإمبريالية والصهيونية (وإسرائيل ككيان صهيوني). وفي الخمسينات والستينات (ولغاية حرب الأيام الستة في عام 1967) تضمنت حملات التعبئة ما أطلق عليه بالرجعية العربية – والتي شملت الدول التي تشدد على الصبغة الإسلامية للدولة (السعودية، والعديد من دول الخليج) وتلك التي يدعي حكامها انهم من سلالة الرسول (الأردن والمغرب). ولم تركز القومية العربية في الخمسينات والستينات على الدين في خطابها. وفي واقع الأمر دخل عبد الناصر في صراع مباشر ضد الإخوان المسلمين وقام بقمعهم. وقد أقامت الدول التي تبنت التوجهات القومية علاقات جيدة مع الاتحاد السوفييتي ودول اشتراكية أخرى واستخدم العديد منها (سوريا، العراق، مصر، الجزائر، اليمن الجنوبي) الاشتراكية بندا محوريا في برامجهم المعلنة20.


    لا يمثل الميثاق الوطني الفلسطيني الذي أقرته الدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني (تموز 1968) وجهة نظر علمانية بشكل محدد. ويمكن تفهم ذلك حيث تحددت الوظيفة الرئيسية للميثاق في إرساء المطالب والحقوق الوطنية الفلسطينية. وقد ترتب على حرب الأيام الستة (حزيران 1967) إضعاف الأنظمة والأحزاب والحركات السياسية القومية في الشرق العربي وعززت، في الوقت نفسه، من موقف الوطنية الفلسطينية ومن الدور الخاص للفلسطينيين فيما يخص معالجة القضية الفلسطينية. كما ترتب عليها أيضا إعادة تشكيل وتنظيم مجموعات المقاومة (خاصة فتح التي بدأت العمل المسلح في عام 1965، والجبهة الوطنية الفلسطينية، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، بالإضافة إلى مجموعات كانت تشكل امتدادا لحزبي البعث في سوريا والعراق) في إطار منظمة التحرير الفلسطينية. وبعض هذه المجموعات (الجبهتان: الشعبية و الديمقراطية) نبتتا من تربة حركة القوميين العرب. وقد ارتفع عدد مجموعات المقاومة المسلحة لدرجة أنها شدت انتباه اجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني حول الحاجة لوقف هذه الظاهرة. وقد شهدت الدورة الرابعة للمجلس الوطني التي أعقبت حرب العام 1967 تغييرا في تركيبة المجلس (الذي أصبح تحت سيطرة مجموعات المقاومة) وتعديلا في الميثاق21. والأهم من ذلك، فقد أدت حرب 1967 إلى طرح قضية إنشاء الدولة الفلسطينية. وقد اكتسب هذا الموضوع أهمية ملحة بعد هزيمة منظمة التحرير الفلسطينية في الأردن، وبعد حرب تشرين العربية-الإسرائيلية في العام 1973.


    وقد ارتبطت التعديلات الأساسية في الميثاق (والذي سمي بالميثاق القومي) بالعلاقة بين القومية العربية والوطنية الفلسطينية، ودور الكفاح المسلح. ينص الميثاق الجديد على "يصر الشعب الفلسطيني العربي على أصالة واستقلالية ثورته الوطنية، ويرفض أي شكل من أشكال التدخل، أو الوصاية أو الإلحاق" (مادة 28). ويعتبر هذا مهما حيث تمثل العامل الحاسم في الحقوق الوطنية وليس في الهوية الدينية كما هو الحال في الصهيونية. واهتمت التعديلات بالكفاح بالنضال المسلح كاستراتيجية لتحرير فلسطين، وحق الفلسطينيين في تقرير المصير والسيادة في وطنهم.


    أما مستقبل اليهود في فلسطين، فقد بقي غامضا في الميثاق الذي بات اسمه الميثاق الوطني الفلسطيني. وترسي المادة السادسة في الميثاق المبدأ الذي يعتبر اليهود الذين سكنوا فلسطين بشكل دائم لغاية بداية الغزو الصهيوني فلسطينيين22. وقد أبقي على هذا الغموض لان الدورة الرابعة كانت دورة انتقالية، حيث لم تقم حركة فتح حتى تلك الفترة بصياغة موقف موحد حول مسألة الدولة الديمقراطية في فلسطين، كما أن بعض مجموعات المقاومة لم تشارك في تلك الدورة. وقد قامت الحركة بتوضيح موقفها حول هذا الموضوع بعد عدة أسابيع من جلسة الدورة الرابعة التي عدلت الميثاق عندما تم عقد المؤتمر العام الثالث لحركة فتح. وقد عرف مؤتمر فتح الدولة الفلسطينية المستقبلية كدولة ديمقراطية تقدمية غير طائفية يتعايش فيها اليهود، والمسيحيون والمسلمون معا في سلام ويتمتعون بالحقوق ذاتها23.


    تبنت الدورة الخامسة للمجلس الوطني الفلسطيني إنشاء دولة ديمقراطية في فلسطين، كهدف استراتيجي، بدون التطرق بالتفصيل لشروط ومعايير الجنسية. وقد كان عرفات، بصفته رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، هو الذي أزال الغموض الكامن في المادة السادسة للميثاق (فيما يتعلق بالفرد المرشح لأن يكون فلسطينيا من اليهود الإسرائيليين) بعد حوالي ستة أعوام من انعقاد تلك الدورة. ففي خطابه امام الجمعية العمومية للأمم المتحدة في تشرين ثاني 1974، أعطى عرفات تصوره المستقبلي لدولة فلسطين الديمقراطية "حيث سيعيش كل اليهود الذين يعيشون الآن في فلسطين واليهود المستعدين أن يعيشوا معنا في سلام وبدون تمييز24". لكن أبو إياد، أحد قيادي فتح، قال متذمرا بعد فترة "لم يُظهر أحد (أي من إسرائيل ومن القوى العظمى) أي قدر من الاهتمام في المقترح الفلسطيني حول دولة ديمقراطية في فلسطين"25. وفي عام 1970، أصدرت حركة فتح كراسا بعنوان "الثورة الفلسطينية واليهود"، وقد رفض هذا الكراس مقترح إقامة "دويلة" في الضفة الغربية وقطاع غزة، وقدم تصورا مبنيا على أساس دولة ديمقراطية في كل فلسطين. وقد ركز النص على أن هذه الدولة لن تكون عنصرية ولن تكون طائفية ولن تكون مثل لبنان أو قبرص. وقد انتقد الكراس أيضا الأشخاص الذين يطرحون هذا الموقف كشعار تكتيكي، وشدد نصه على الحاجة لتثقيف وتعليم ثوري للأجيال الشابة من الفلسطينيين. وقام بانتقاد المنظمات السياسية الأخرى (مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وجبهة التحرير العربية) التي تقبل بموقف فتح حول المشكلة اليهودية لكنها لا تريد التحدث عن دولة فلسطينية بل تتحدث فقط عن دولة عربية متحدة. بتعبير آخر الدولة الديمقراطية المقترحة مفتوحة لكل اليهود الإسرائيليين الذين يرغبون بذلك26. وقد قامت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بطرح مسودة قرار للدورة السادسة للمجلس الوطني الفلسطيني (أيلول 1969) تتضمن حلا يقوم على "إنشاء دولة فلسطينية ديمقراطية شعبية للعرب واليهود على حد سواء" خالية من التمييز والاضطهاد الطبقي أو القومي وتحترم حقوق العرب واليهود في الحفاظ على وتطوير ثقافتهم. ويقترح مشروع القرار أن تكون الدولة الفلسطينية الديمقراطية جزءا من الدولة العربية الفدرالية27.


    استمر النقاش حول موضوع إنشاء دولة فلسطينية ديمقراطية لبعض الوقت، لكنه فقد أهميته تدريجيا وانتقل الاهتمام إلى حل يقوم على أساس الدولتين، وذلك بعيد إقرار برنامج العشر نقاط من قبل المجلس الوطني الفلسطيني في عام 281974.


    بعيد الاشتباكات المسلحة مع النظام الأردني في عامي 1970 و1971، وخروج منظمة التحرير الفلسطينية من الأردن إلى لبنان، بدأت فكرة إقامة دولة فلسطينية على أي منطقة تنسحب منها إسرائيل تكسب التأييد داخل صفوف منظمة التحرير الفلسطينية. ويعزى ذلك إلى أن حرب عام 1973 كانت قد جعلت فكرة دولة فلسطينية على الضفة الغربية وقطاع غزة فكرة قابلة للحياة29. وقد أصبحت الفكرة أكثر قبولا بعد الإقرار - الإقليمي والدولي – على أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والتي تم تفسيره على أنها استوجبت إنشاء سيادة فلسطينية على أي منطقة فلسطينية محررة. وشكل ذلك جذر حل الدولتين وتزايد التأييد له وتراجع الاهتمام بفكرة دولة ديمقراطية على كامل تراب فلسطين30. وقد أبدى بعض المراقبين الأوروبيين إعجابهم بهذه الفكرة التي جاءت في وقت كانت منظمة التحرير الفلسطينية منخرطة في نضال صعب ضد إسرائيل وضد الدول العربية31.


    باختصار، جاءت الحرب العربية-الإسرائيلية في العام 1967 لتحفز الحركة الوطنية الفلسطينية لمنح استراتيجية تحرير فلسطين هدف إنشاء "دولة ديمقراطية علمانية" في حين جاءت حرب تشرين 1973 لتحفز منظمة التحرير الفلسطينية (في الدورة الثانية عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني التي انعقدت في القاهرة في تموز 1974) لتبني برنامج قوامه إنشاء "سلطة وطنية محاربة على أي منطقة فلسطينية يتم تحريرها من السيطرة الإسرائيلية"32. لكن صفات هذه "السلطة" المقترحة بقيت بدون تعريف محدد. فقد احتاجت إلى الانتفاضة الأولى لتحدد سماتها العامة.


    تفجرت الانتفاضة في أواخر الثمانينات – بعد غزو لبنان وحصار بيروت، وإنهاء وجود منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، وبعد مجازر صبرا وشاتيلا، وتشتت وتبعثر قوات منظمة التحرير الفلسطينية في العديد من الدول، وبعد الانشقاق داخل حركة فتح، والحرب ضد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وتدهور المكانة الإقليمية لمنظمة التحرير الفلسطينية – لتحث منظمة التحرير على تبني، بشكل أكثر وضوحا، حل الدولتين. وقد صاغ إعلان الاستقلال الذي تم تبنيه بالإجماع في المجلس الوطني الفلسطيني في تشرين ثاني 1988 مفهوما علمانيا واضحا للدولة الفلسطينية المستقبلية. ويؤكد هذا الإعلان:


    "إن دولة فلسطين هي للفلسطينيين أينما كانوا، فيها يطورون هويتهم الوطنية الثقافية، ويتمتعون بالمساواة الكاملة في الحقوق، وتصان فيها معتقداتهم الدينية والسياسية وكرامتهم الإنسانية، في ظل نظام ديمقراطي برلماني يقوم على أساس حرية الرأي وحرية تكوين الأحزاب ورعاية الأغلبية حقوق الأقلية واحترام الأقلية قرارات الأغلبية، وعلى العدل الاجتماعي والمساواة وعدم التمييز في الحقوق العامة على أساس العرق أو الدين أو اللون بين المرأة والرجل، في ظل دستور يؤمن سيادة القانون والقضاء المستقل على أساس الوفاء الكامل لتراث فلسطين الروحي والحضاري في التسامح والتعايش السمح بين الأديان عبر القرون."


    وانه لمن المفارقة انه في الوقت الذي كان المجلس الوطني الفلسطيني يحتفل بإعلان الاستقلال بالمفهوم العلماني الواضح للدولة الفلسطينية، كان هناك الحقل السياسي الفلسطيني يتعرض لاختراق من قبل الإسلام السياسي الذي نبت خارج مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية. أما الحركات الإسلامية الرئيسية التي برزت في الثمانينات لتتحدى منظمة التحرير الفلسطينية، فتمثلت في حركتي الجهاد الاسلامي33 وحماس34. وكان لدى الحركتين علاقات وثيقة مع حركة الإخوان المسلمين. وقد قامت الحركتان بانتقاد حركة الإخوان المسلمين لغيابها عن الصراع ضد إسرائيل، كما رفضتا الرؤية الوطنية العلمانية لمنظمة التحرير الفلسطينية وطرحتا مفهوما إسلاميا للدولة. أما أسباب نشوء الإسلام السياسي على الساحة الفلسطينية، فهو خارج نطاق هذه الورقة. وعلى كل الأحوال يجدر البحث عن تفسير لهذا النشوء في العمليات الاجتماعية-الاقتصادية التي نتجت عن الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة. ولانتشار التعليم العالي ارتباط بالموضوع أيضا فتح هذا المجال أمام الفئات الكادحة ومحدودة الدخل. ويجب النظر أيضا إلى التغييرات (البنيوية، البرنامجية، والأيديولوجية) التي دخلت على منظمة التحرير الفلسطينية في السبعينات والثمانينات، بالإضافة إلى المحاولات الإسرائيلية والأردنية لإضعاف منظمة التحرير الفلسطينية من خلال تشجيع بدائل تتحدى المنظمة ووحدانية تمثيلها35. وقد برز التحدي الإسلامي بشكل واضح من خلال انتخابات مجالس الطلبة والنقابات المهنية في الثمانينات. لكن كانت الشهور الأولى للانتفاضة، الفترة التي أصدرت فيها حماس تعليمات مستقلة عن تعليمات القيادة الموحدة للانتفاضة التي تشكلت من ممثلين عن المجموعات الرئيسة في منظمة التحرير الفلسطينية. وكان من الممكن ملاحظة أثر الحركة الإسلامية على الحقل السياسي الوطني في أكثر من مسار. وقد جرت محاولات لاستيعاب الحركة في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، لكن دون نجاح. كما أثرت الحركة الإسلامية على الخطاب الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية، حيث بدأ استخدام البيانات يحمل مضامين دينية والإكثار من اقتباس السور القرآنية36. وقد ترسمت هذه إلى حد كبير بعد إنشاء السلطة الفلسطينية في العام 1994 مع تصاعد التحدي الذي مثله الإسلام السياسي.


    منظمة التحرير الفلسطينية: حقل سياسي وطني تحت هيمنة فصائل ومؤسسات "علمانية"

    باستخدام التعريف الإجرائي للعلمانية، يمكن للمرء أن يقول إن منظمة التحرير الفلسطينية كانت منظمة علمانية منذ تشكلها في العام 1964، وبالأخص منذ سيطرت عليها فصائل المقاومة المسلحة وتأكيدها على درجة ملموسة من الاستقلالية بعيد عن تأثير الدول العربية في العام 1968. وقد كان هناك تجنب لاستخدام مصطلح "العلمانية" في الفكر السياسي الفلسطيني، جزئيا لتجنب استعداء الدول العربية الإسلامية التي قدمت دعما ماليا لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبسبب حقيقة أن منظمة التحرير الفلسطينية لم تكن بصدد تحديد هوية الدولة الفلسطينية العتيدة37 وتحديدا بعد أن فشلت فكرة الدولة الديمقراطية العلمانية على كامل تراب فلسطين في استقطاب أي دعم يذكر من اليهود الإسرائيليين. لكن هذا لا يجب أن يطمس السمة العلمانية في ثقافة منظمة التحرير الفلسطينية السياسية. ويمكن ملاحظة ذلك في أكثر من مجال، أبرزه:


    أولا: سيطرة اللغة العلمانية على خطاب منظمة التحرير الفلسطينية، وسيطرته على خطاب المنظمات السياسية التي شكلت منظمة التحرير الفلسطينية38. وقد هيمنت اللغة والأفكار العلمانية على نقاشات وقرارات مختلف اجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني ولجنته التنفيذية. ويجدر التذكر هنا أنه تم تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في زمن شهد بروز حركات تحرر وطني في إطار عالم ثنائي القطبية. وقد قدمت منظمة التحرير الفلسطينية نفسها وبشكل مقنع إلى الفلسطينيين، والى العالم العربي، والى دول عدم الانحياز والى الدول الاشتراكية كحركة تحرر وطني، أي كحركة تناضل ضد الاحتلال، وتناضل من أجل حقوق الفلسطينيين في المنفى للعودة إلى وطنهم، ومن أجل حق تقرير المصير، وبناء دولة فلسطينية مستقلة طبقا لقرارات الشرعية الدولية.


    ثانيا: أدركت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية مباشرة بعد هزيمتها في الأردن في 1970-1971 حجم القوى المصطفة ضد النضال الوطني الفلسطيني، مما جعل منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها (خاصة الفصائل التي لم تكن تابعة للأنظمة العربية) حساسة نحو الحاجة للدعم الدولي، و التحدث، بالتالي، بلغة الشرعية الدولية. وقد شجع هذا الميل الدعم (السياسي والديبلوماسي والمادي) الذي قدمه الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية ودول عدم الانحياز لمنظمة التحرير الفلسطينية منذ بداية السبعينات.


    ثالثا: قبول اليهود الإسرائيليين كمواطنين في فلسطين المستقبلية، ولاحقا تقسيم فلسطين إلى دولتين والتفرقة ما بين الصهيونية كأيديولوجية سياسية واليهودية كدين مهد السبيل لفتح الحوار بين منظمة التحرير الفلسطينية واليهود الإسرائيليين، وقد بدأ هذا الحوار مع الحزب الشيوعي الإسرائيلي "راكاح" ومن ثم توسع ليتضمن منظمات وشخصيات سياسية يهودية صهيونية39.


    رابعا: كان تأثير الأحزاب السياسية اليسارية داخل منظمة التحرير الفلسطينية أكبر من الحجم الحقيقي لمؤيدي هذه التنظيمات رغم أنه لم يكن صغيرا. وبسبب النزعة الوطنية العامة والسمة الشعبوية والبراغماتية للتنظيم الأكبر، فتح، فإنه لم يكن عدائية لليسار أو للأفكار العلمانية حيث تعايشت مختلف التيارات والأيديولوجيات داخل هذا التنظيم. وكما رأينا، اتخذت حركة فتح المبادرة في أواخر الستينات لطرح فكرة دولة فلسطينية مستقلة ديمقراطية تأكيدا على استقلاليتها عن الأيديولوجيات القومية العربية التي سيطرت على التيارات السياسية للفلسطينيين بعد النكبة. ولم تتمكن الأصولية الدينية من ترسيخ وجودها داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين التي اعتمدت عليها منظمة التحرير الفلسطينية كقواعد رئيسة لها خارج الأراضي الفلسطينية.


    خامسا: يمكن إضافة الطبيعة العلمانية للأدب والفن الفلسطينيين (الثقافة العليا)، بما فيها الشعر والروايات أو الفن التشكيلي أو على صعيد الأفلام السينمائية40. وقد سيطر هذا الاتجاه العلماني أيضا على المنشورات والإصدارات (المجلات، والمنشورات، والرسائل الإخبارية، والصحف، والكتب، والملصقات،..) التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها.


    سادسا: لم تبرز العلمانية كقضية داخل منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها. فقد كان هناك حقيقة مفادها أن الأذرع الرئيسية لمنظمة التحرير الفلسطينية والمنظمات السياسية المكونة لها وباقي التنظيمات والنقابات المهنية والشعبية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية متفقة على أن تبقى على حياد إيجابي تجاه قضية الدين. فقد تركت المعتقدات والممارسات الدينية للأفراد. أما العلاقة بين السلطة السياسية والدين، فقد أصبحت قضية مطروحة بعد تهميش مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، ومع تراجع تأثير اليسار، وكلاهما تزامن مع بروز الإسلام السياسي.


    ومع قبول منظمة التحرير الفلسطينية المشاركة في مؤتمر مدريد للسلام في عام 1991 ومع تشكل سلطة وطنية أثر اتفاقيات أوسلو، تمثلت مهمة منظمة التحرير الفلسطينية في التفاوض لتحديد حدود وسلطات الدولة الفلسطينية. وهنا، بات الاهتمام لا يخص مستقبل كل فلسطين وإنما البنى الدولانية والقوانين الواجب إرساؤها في الضفة الغربية وقطاع غزة. لقد ولد إنشاء السلطة الفلسطينية اعتبارات جديدة فيما يخص العلمانية بما هي قضية مرتبطة بعملية بناء الدولة الوطنية.


    ج- السلطة الفلسطينية والعلمانية: الصراع من الداخل


    أبقت اتفاقية أوسلو على سلطات وحدود الكيان السياسي الفلسطيني الدولاني ،كقضايا يتم التفاوض بشأنها بعد مرحلة انتقالية لمدة خمسة أعوام (انتهت في أيار 1999). وقد نصت الاتفاقيات بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية على انتخاب مجلس فلسطيني لفترة انتقالية وعلى تعديل ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية ليتماشى مع نصوص اتفاقية أوسلو. استدعت عملية إنشاء السلطة الفلسطينية بناء حقل سياسي جديد محوره إقامة دولة فلسطينية مستقلة. ويختلف هذا الحقل السياسي في عدة جوانب عن الحقل الذي شيدته وهيمنت عليه منظمة التحرير الفلسطينية. ومن أهم سمات هذا الحقل السياسي الجديد ما يلي:


    1- دخول حماس، بصفتها المجموعة الإسلامية الأكبر، في التسعينات الحقل الجديد كقوة سياسية ذات قاعدة جماهيرية. وقد خطت خطوات كبيرة منذ إعلانها كذراع للإخوان المسلمين في شباط 1988 وإصدار ميثاقها التأسيسي في آب من العام نفسه. والميثاق المذكور، مقارنة بالخطاب الحديث والمستخدم من قبل حزب الخلاص الإسلامي يبدو ساذجا، وتبسيطيا، ويميل إلى التحليل التآمري، ويقرب من أن من أن يكون عنصريا في تعميماته وتنميطاته41. ويعتبر الميثاق المذكور أن تحرير فلسطين واجب ديني وليس واجبا وطنيا. وينظر إلى أرض فلسطين باعتبارها أرضا اسلامية (وقف إسلامي). وهو، إضافة لرفع راية الجهاد، يدعو لنشر الوعي الإسلامي محليا وفي صفوف الشعوب المسلمة والعربية. وفي نهاية عام 1993، كانت حماس قد طورت البنية التنظيمية لحركة سياسية حديثة وبتسميات حديثة (مكتب سياسي، جهاز عسكري وأمني، ومؤسسات متخصصة،...)، وبدأت في تطوير خطاب سياسي يستخدم لغة حداثية.


    تعود بداية عملية التحول في الخطاب السياسي للإسلاميين الفلسطينيين للقرار الذي اتخذته حركة الإخوان المسلمين للانخراط في الكفاح المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي. وقد أدى هذا القرار إلى اعتماد أساليب جديدة من التعبئة وأشكال التنظيم. وترتب عليه تنمية الاستعداد لدى قادة وكوادر حماس للتعرض للسجن، أو النفي، والتعرض لأشكال أخرى من القمع والإرهاب بما في ذلك الاستشهاد. كما ترتب عليه الانخراط في الحقل الوطني الفلسطيني والتفاعل مع القوى الفاعلة في هذا الحقل. ومن هنا نجد أنه سرعان ما اخذ قياديي حماس في الضفة الغربية وقطاع غزة في استخدام مفردات اللغة الوطنية، أي لغة الحقل أو الحيز الذي شيدته منظمة التحرير الفلسطينية في أواخر الستينات وطورته في السبعينات، وبقي مؤثرا حتى بعد قيام السلطة الفلسطينية في العام 1994. لذلك، نستطيع أن نفهم على سبيل المثال كيف انتقد أحمد ياسين، الزعيم الروحي لحركة حماس، في نيسان 1989، منظمة التحرير الفلسطينية لعدم تبنيها الإسلام كمنهج ودستور وفي الوقت نفسه يتبنى خطابا يتحدث عن المستقبل على أساس دولة ديمقراطية متعددة الأحزاب تنتقل فيها السلطة للطرف الذي يفوز في الانتخابات. وفي عام 1990، تحدث الزهار الناطق الرسمي لحركة حماس عن منظمة التحرير الفلسطينية على أنها تمثل الجميع وأن حركته طالبت بالحصول على 40% من مقاعد المجلس الوطني الفلسطيني (معتبرا أن ذلك يمثل مدى وحجم التأييد لحركته في صفوف الفلسطينيين). وهذا يعني أن حماس أعلنت قبولها جزءاً من قوانين اللعبة في الحقل السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية (مثل نظام الكوتا) ومطالبة بتغيير أجزاء أخرى (على سبيل المثال طالب الزهار في نفس التصريح أن تلغي منظمة التحرير الفلسطينية البرنامج السياسي الذي تبنته في عام 1998 والذي دعا لحل على أساس دولتين42. وقد ردت القيادة الرئيسية لمنظمة التحرير الفلسطينية باتهام حماس بالوقوف خارج إطر منظمة التحرير الفلسطينية. أي باستخدام لغة علم الاجتماع، اتهمت حركة فتح حماس بأنها لا تتصرف وفق قوانين اللعبة السياسية التي تنظم، حتى اللحظة، الحقل السياسي الوطني، وأن حماس تسعى لتغيير هذه القوانين من خلال الادعاء أنها تمثل شريحة واسعة من الفلسطينيين (40%)، وأنها تحاول أن تشكك في شرعية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية التي تم استحقاقها عبر نضال شاق وسقوط عدد كبير من الشهداء. لقد تعاملت الحركة الإسلامية مع الحقل باعتبار أنها لاعب جديد في الساحة السياسية يحاول تعديل قوانين اللعبة السياسية فيها بما يحسن من قدراته على التأثير. أما قيادة حركة فتح (والسلطة الفلسطينية)، فقد كانت حذرة أن لا يتم تحدي واضعاف نفوذها من قبل اللاعب الجديد عبر تغيير قوانين اللعبة السياسية التي كانت، حتى تلك اللحظة، تتحكم فيها43.


    2- وجدت السلطة الفلسطينية نفسها في تحد سياسي ومؤسساتي من قبل الإسلام السياسي ومن قبل معظم (وفي معظم الأحيان من كافة) الفصائل العلمانية لمنظمة التحرير الفلسطينية. ومع الانقسام الفلسطيني حول اتفاقيات أوسلو، والشلل الذي أصاب مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، تم تشكيل تحالف من "مجموعة العشرة" في صيف عام 1992 (إشارة إلى المنظمات العشرة التي كان أغلبها من منظمات صغيرة وغير فعالة ومقيمة دمشق). وتقارب هذا التحالف مع حركتي حماس والجهاد الإسلامي والفصائل السياسية العلمانية لاتفاقية المعارضة والفصائل التي انشقت عن منظمات منظمة التحرير الفلسطينية. وبالرغم من عدم بروز تأثير ملموس لهذا التحالف على سياسات السلطة الفلسطينية، وبالرغم من فقدانه المصداقية على أثر الانتخابات العامة التي جرت في العام 1996، إلا انه منح حركتي حماس والجهاد الإسلامي شرعية جزء هام من المعسكر الوطني (العلماني) كأطراف مشاركة في الحقل السياسي الوطني. وقد تم قبول موقف الإسلاميين غير المتسامح من العلمانية (التي اعتبروها بشكل مخطئ على أنها مساوية للإلحاد) وموقفهم حول المرأة (بما فيه تحديد أدوار النوع الاجتماعي المقبولة، وأنماط السلوك العام بما فيها اللباس) والسماح لهذه المواقف أن تدخل إلى الثقافة السياسية عن طريق اليسار العلماني. وقد وجدت السلطة الفلسطينية نفسها – وحركة فتح كونها المشارك الرئيسي وفي كثير من الأحيان المشارك الوحيد في مؤسسات السلطة – في حالة دفاع أمام هجوم سياسي (اتفاقية أوسلو والاتفاقيات الأخرى مع إسرائيل) وهجوم أيديولوجي (ديني) من حركتي حماس والجهاد الإسلامي يتهمها بغياب النية على بناء الدولة الإسلامية. بالنسبة للإسلام السياسي، لا يجب أن تكون الدولة محايدة فيما يتعلق بالدين، وان الشرعية الإسلامية يجب أن تكون هي الحكم في الحقول السياسية والثقافية. لكن الإسلاميين كانوا على استعداد أن يساوموا فيما يخص ساحات معينة لكن ليس في الساحة الثقافية حيث لديهم حاجة لإبراز هوية متميزة44.


    3- من المتوقع أن تكون حركة فتح، كحزب حاكم لسلطة تسعى للتحول لدولة، مهتمة بالدرجة الأولى بالحفاظ على سير هذه العملية وأن لا تعطي أولوية لطبيعة هذه الدولة، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الطابع الوطني العام للحركة. وهذا يجعل حركة فتح على استعداد للتنازل في الحقل "الثقافي". ويبدو هذا منطقيا لعدة أسباب. أولا، السيطرة على وإدارة السلطة الفلسطينية يرتبط بامتيازات مادية ومعنوية. ولذا فإن السيطرة على مؤسسات السلطة (التشريعية والتنفيذية) والتحكم في عمليات الاقتصاد يعتبر من أولويات قيادة السلطة الفلسطينية. ثانيا، إن فتح كحركة لا تتمتع بتوجه أيديولوجي واضح المعالم ومتماسك خارج التوجه الوطني والشعبوي، وبفعل هذا فهي تتمتع بدرجة كبيرة من البراغماتية. ثالثا، إن غالبية القيادة التاريخية لحركة فتح كانت منخرطة، قبل تشكيل حركة فتح، في حركة الإخوان المسلمين، وهذا يجعلها أقرب إلى تقديم تنازلات في الحقل الثقافي أو الفكري.


    4- استعداد حركة فتح للتنازل في مجال يهم الإسلام السياسي (أي في مجال التعبئة الأخلاقية والفكرية) يتيح للإسلام السياسي أن يترك بصماته على الثقافة السياسية الفلسطينية وعلى بعض مناحي الثقافة الشعبية. ولم يتمكن اليسار الفلسطيني العلماني من التغلب على تهميشه السياسي من قبل السلطة الفلسطينية وحركة فتح. وركزت استراتيجية اليسار على محاولة استعادة الدور السياسي الذي لعبه في السبعينات والثمانينات (بما فيها فترة المرحلة الأولى من الانتفاضة). وقد حاول اليسار استعادة هذا الدور من خلال نسج نوع من التحالف مع حماس (تحت شعار إسقاط اتفاقيات أوسلو)، وعندما فشل ذلك، حاول التأثير على حركة فتح (تحت شعار استعادة الوحدة الوطنية عن طريق الحوار). وترتب على هذا ترك الساحة الثقافية ومجالاتها المتعددة والمهمة (التعليم، العمل، الصحة، الإعلام، التشريع، علاقة المرأة مع الإطار العام) بدون حراسة، الأمر الذي وسع الفرص أمام تيار الإسلام السياسي لفرض بعض أشكال الهيمنة على هذا الحقل. بكلمات أخرى، لم تستطع فتح، كتنظيم أو كسلطة، ولا اليسار العلماني من الصراع أو حتى إظهار الاستعداد للصراع من أجل منع هيمنة الإسلام السياسي على الساحة الثقافية. ويبدو ذلك واضحا من تزايد تأثير هذا التيار داخل الجامعات الفلسطينية. وقد بدا واضحا أيضا في انتشار ظاهرة التحجب بين النساء، وتأثير هذا التيار على المناهج المقترحة للمدارس الحكومية45، وفي تزايد السور القرآنية في البيانات والخطابات الرسمية، وفي الرقابة الذاتية المفروضة على مقالات الصحف46، وفي الإعلام الرسمي.


    5- تقاطعت جملة من العوامل على تدعيم جهود الإسلام السياسي، منها: فشل الاتفاقيات مع إسرائيل من أن تحرز تقدما ملموسا نحو المشروع الوطني الفلسطيني، مع القناعة الواسعة بوجود فساد في مؤسسات السلطة الفلسطينية، وتجزئة وضعف اليسار، وضعف النظام العربي الإقليمي، الدور الذي لعبته دول الخليج (بما فيها توفير الدعم المالي للإسلام الراديكالي) ودول أخرى (بما فيها الأردن لغاية إغلاقها لمكاتب حماس في عمان في عام 1999).


    6- أدركت قيادة حماس مبكرا انه لكي تصبح هذه الحركة طرفا نشطا في الساحة السياسية للسلطة الفلسطينية، فإنه يتوجب عليها أن تعيد صياغة خطابها وتكتيكاتها وأن تعطي الأولوية للهيمنة على المجتمع المدني. وقد بدا ذلك واضحا بعيد المواجهة العسكرية مع الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية ومع نشيطي حركة فتح في غزة في تشرين ثاني 1994، وبعد الاعتقال المتكرر لقياديي وكوادر حماس على أثر الهجمات داخل إسرائيل قبل اندلاع الانتفاضة الثانية. فقد أدركت حماس أن تكريس وجودها في الحقل السياسي الوطني يستدعي الهيمنة في المجال الذي يتطلب أقل قدر من المقاومة، ألا وهو لمجال الثقافي (بالمعنى الواسع لكلمة ثقافي).


    7- وبعد عدة مواجهات كانت تهدف السلطة الفلسطينية منها تثبيت احتكارها وسيطرتها على الاستخدام الشرعي لوسائل العنف، بدأت حماس بالتأقلم مع قوانين اللعبة السياسية للحقل الوطني الذي كان _ قبل تفجر الانتفاضة الثانية - إعادة تعريف وتوصيف. وقد تضمن ذلك وقف العلميات ضد إسرائيل بدون إذن من السلطة الفلسطينية، بالإضافة إلى إقرار حماس بوحدانية السلطة الفلسطينية. وبمقابل هذا، أتاحت السلطة لحماس حيزا واسعا في التحرك نحو أسلمة المجتمع الفلسطيني طالما لم يشكل هذا التحرك تهديدا لسلطة وشرعية السلطة الفلسطينية. وفي الوقت نفسه بدأت السلطة الاستخدام المنتظم والمتزايد للقاموس الإسلامي. وبذلك حصل افتراق عن اللغة العلمانية التي صبغت حياة وبرامج منظمة التحرير الفلسطينية في عقود الستينات والسبعينات والثمانينات.


    8- لا يوجد إجماع بين صفوف منظمات "المجتمع المدني" حول بناء دولة علمانية في فلسطين. هناك خلاف بين الأحزاب والحركات السياسية حول هذا الموضوع47. ويسري هذا الخلاف على الحركات الاجتماعية والمنظمات غير الحكومية. وكما ذكرت سابقا، فبالرغم من التوجه العلماني لحركة فتح، فقد باتت قيادة الحركة مهتمة بإدارة السلطة والتحول بها إلى دولة. أما اليسار الفلسطيني ذو الأيديولوجية والتنظيم والبرامج العلمانية فقد بقي مجزءاً ومهمشا لدرجة لا تمكنه من تحدي الإسلاميين ومطالبتهم بإقامة دولة إسلامية، ولا تمكنه من التأثير في برنامج البناء الدولاني الذي باتت تسيطر عليه حركة فتح. وباءت بالفشل كل المحاولات لتشكيل حزب أو كتلة سياسية ديمقراطية علمانية جديدة بالرغم من الدعم اللفظي للفكرة من قبل هذه الأحزاب اليسارية والعديد من الشخصيات الاجتماعية والثقافية المستقلة وغيرها.


    ويلاحظ أن الإسلام السياسي في فلسطين عاش مرحلة إعادة بناء في التسعينات، وكذلك في مرحلة الانتفاضة الثانية. ويتضح هذا من خطابه العام الذي سعى لأن يجمع بين اللغة الدينية ولغة المجتمع المدني وحقوق الإنسان، بالإضافة إلى تبني عدد من مصطلحات الوطنية الفلسطينية. وهذا لا يعني أن حماس أو الجهاد الإسلامي ستتخليان عن مشروع أسلمة المجتمع (الممثل في أسلمة المجال العام) أو الانسحاب من نشاطات تهدف إلى إقامة هيمنة أيديولوجية (بخاصة في مجالي التعليم وتعريف الأنوثة وعلاقة الدين بالسلطة المركزية).


    الملاحظة السابقة حول واقع الأحزاب السياسية العلمانية تنطبق على الاتحادات الشعبية والنقابات المهنية. ولهذه المنظمات نموذجان للعمل يتعايشان جنبا إلى جنب. النموذج الأول نموذج علماني من حيث الممارسة الفعلية وهو النموذج الذي ما زال مسيطرا داخل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها (اتحاد المرأة، نقابات العمال، الكتل الطلابية، نقابات المهندسين، المحامين الخ). ويعمل النموذج الثاني وفق أسس دينية واضحة ونجده في المنظمات التي أسسها ويديرها الإسلاميون. ويجب أن أضيف هنا أن المنظمات الشعبية والمهنية التي أسستها ورعتها منظمة التحرير الفلسطينية والمنظمات السياسية تبقى (مع بعض الاستثناءات القليلة) غير نشطة على المستوى التنظيمي وعلى مستوى النشاط الاجتماعي والمطلبي. وفيما اصبح الهيكل التنظيمي لمنظمة التحرير الفلسطينية متكلسا ومجمدا، أصبحت علاقة الاتحادات الشعبية والنقابات المهنية مع السلطة الفلسطينية علاقة إشكالية وباتت معظمها بدون قاعدة منظمة، وفقدت هيئاتها شرعيتها بعد أن توقفت عن عقد مؤتمراتها العامة وانتخاب هيئاتها القيادية منذ فترة تجاوزت، منذ سنوات العقد من الزمن.


    و- أوضاع معظم المنظمات غير الحكومية أكثر تعقيدا من أوضاع الأحزاب السياسية والاتحادات المهنية والنقابات. ويلاحظ أن المنظمات غير الحكومية الأنشط في الساحة هي منظمات علمانية (وبخاصة في مجال الصحة، والزراعة، والبحث، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والتنمية..). وفي واقع الأمر، أظهرت هذه المنظمات نشاطا وديناميكية وفعالية كمجموعة ضغط في الفترة الذي كانت مسودة القانون الذي يحكم عملها يناقش داخل المجلس التشريعي الفلسطيني. المشكلة تكمن في أن معظم المنظمات غير الحكومية تعتمد على الجهات المانحة الخارجية مما يعني حيازتها على قدرة محدودة على الاستمرارية وصياغة استراتيجيات بعيدة المدى قياسا بالمنظمات غير الحكومية التي تدار من قبل المجموعات الإسلامية والتي تبدو أكثر اعتمادا على العمل التطوعي والموارد المالية المحلية وبالتالي الأكثر استقرارا.


    تتولى الهيئات القيادية للسلطة الفلسطينية – مثل القيادة الفلسطينية، مجلس الوزراء، والمؤسسات والهيئات المتخصصة –رسم سياساتها وهيكلية مؤسساتها على أسس ومنطلقات علمانية. وهذا ينطبق على الغالبية العظمى من القوانين التي تم صياغتها وإقرارها من قبل المجلس التشريعي الفلسطيني. لكن المجلس التشريعي لم يتمكن من تجنب النص في القانون الأساسي على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع.


    إن حالة القانون الأساسي الذي تم إقراره من قبل المجلس التشريعي توفر مثالا مثيرا للاهتمام حول المحاولة لتركيب بعد وتوجه علماني48 مع بعد آخر يقر بأن الإسلام هو المصدر الرئيسي للتشريع49. ويتوقع أن يتبنى دستور الدولة الفلسطينية نفس المادة تماشيا مع ما هو سائد في الدول العربية الأخرى.


    د- خلاصة؛ التوتر المتواصل بين عملية بناء الدولة الحديثة وأسلمة المجال العام


    لم يكن هناك أي مجال للشك في صفوف منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها حول الوجه العلماني للثقافة السياسية في الستينات، والسبعينات ومعظم فترة الثمانينات. لكن الوضع تغير في التسعينات. فقد نجح الإسلام السياسي في تعبئة قسم كبير نسبيا من المواطنين مما يجعله صاحب أثر في الفكر السياسي والثقافة الشعبية. ويمكن ملاحظة ذلك من الانتشار الواسع والحجم الكبير لمؤيدي التنظيمات السياسية في الجامعات والكليات في الضفة الغربية وقطاع غزة50، وكذلك من التأييد الواسع نسبيا في صفوف المواطنين، ومن نجاحه في إعادة تعريف الأنوثة وفي فرض هذا التعريف على المجال العام. لا يتوقع من التيار الإسلامي، وليس من مصلحته، أن يعارض إنشاء دولة فلسطينية حديثة نوعا ما. فقد قاموا بتحديث خطابه ليتضمن مفاهيم مرتبطة بالحريات المدنية، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، وقد تأقلم مع قانون اللعبة في الحقل السياسي الوطني، وقام بتحديث بنيته التنظيمية و لحد ما برنامجه السياسي. ومن المتوقع يستمر هذا التيار في توجيه استراتيجيته نحو أسلمة الثقافة (تحت شعار تنمية وحماية الهوية الإسلامية)، والتقاليد (تحت شعار الأصالة ومحاربة التغريب). وسوف تسير في هذه الاستراتيجية قدما من خلال محاربة ما ينظر إليه "كمستورد" أو أفكار وأسلوب تصرفات غربية من خلال التركيز على الشعائر الدينية، وعبر الاستخدام السياسي للمساجد، والسيطرة على المؤسسات التعليمية.. الخ. ويتوقع أيضا أن يوجه جهوداً نحو إقامة الهيمنة في المجال العام. وغني عن القول بأن قدرة الحركة الإسلامية لإنجاز هذه الأهداف يعتمد على دور وقدرات واستراتيجيات الأطراف الأخرى الفاعلة في الحقلين السياسي والثقافي.


    إن الثقافة السياسية السائدة في صفوف التنظيمات السياسية الوطنية كانت وما زالت، إلى حد كبير، علمانية. بمعنى أن الأفكار المحركة، وشروط العضوية، والاعتبارات التي تدخل في عمليات اتخاذ القرار، وأشكال التنظيم لا تتحدد أو تتأثر بالمفاهيم أو التوجهات الدينية. لكن اعتبارات الحفاظ على السلطة من قبل الحزب الحاكم (فتح) بتوجهاته الوطنية العامة، وبراغماتيته51 سيجعله مستعدا للتخلي عن توجهاته العلمانية إذا ما رأت قيادته أن ذلك سيوفر لها سيطرة افضل على الدولة في طور البناء. لكن إذا ما شعرت بأي تهديد لموقفها، فمن المحتمل أن تقمع الحركة الإسلامية (خاصة إذا فرضت ضغوط من قبل إسرائيل والولايات المتحدة) وأن تتبنى في نفس الوقت بعضا من خطابها لتحييد بعض من مؤيديها. ولا يتوقع لليسار أن يلعب دورا مؤثراً في تحديد سمات وتوجهات الدولة العتيدة إذا ما استمر على وضعه الراهن. لا تتمتع الحركات الاجتماعية، خاصة الحركات النسوية والعمالية، بتأثير فعال على شكل وسمات الدولة المرتقبة. أما المنظمات غير الحكومية المهنية، فانه من السهل عزلها وتهميشها إذا لم تصبح ذاتية الإدارة والتمويل (الموارد المالية) لتتمكن من أن تطور صوتا وجسما ضاغطا. أما داخل عملية التشكيل الدولاني، ستكون تركيبة البرلمان الفلسطيني القادم (على افتراض أن الانتخابات ستتم قريبا) العامل الأكثر حسما. وإذا ما سيطرت عليه فتح والإسلاميون (وهو المتوقع)، عندها سيتم التضحية بالملامح العلمانية للمجتمع الفلسطيني.








  2. #2

    رد : العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية

    الهوامش:


    1- لا تعتبر استطلاعات الرأي حول المعتقدات الدينية أمراً شائعاً في الدول العربية. ولذلك، فان من الصعب قياس انتشار الأفكار العلمانية وتأثيرها في الجانب الشخصي. وتقول دراسة قامت بها مؤسسة فافو (أنظر: المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي في غزة، والضفة الغربية، والقدس العربية، عام 1993 أوسلو)، أن ما يقرب من 20% من الرجال برزوا كعلمانيين في أوائل التسعينات، والمثير للدهشة أن النسبة تصل إلى 30% بين النساء. وهذا يعزى إلى التعريف المستخدم لمصطلح "العلماني" في الدراسة (أي أن الشخص العلماني هو الفرد الذي لا يملي الدين سير حياته). أما كيفية تأثير الدين على مناحي معينة من السلوك في المجال الشخصي وعلى أوضاع العمل اليومية، فهي من الأمور التي لم تتعرض لدراسة جادة حتى الآن. ويمكن قياس مكانة الدين في تقرير أولويات الأفراد من خلال النظر إلى استطلاع قام به مركز الأبحاث والدراسات السياسية في تشرين أول 1995. فقد عبر ما يقرب من 71% من البالغين انهم يعتبرون تراجع المشاعر الدينية مشكلة اجتماعية خطيرة (من أجل تحليل نتائج الاستطلاع المذكور، انظر: نادر سعيد وريما حمامي (محررين)، دراسات تحليلية للمواقف السياسية والاجتماعية في فلسطين، مركز البحوث والدراسات الفلسطينية، آب 1997).

    2 مثال واضح على ذلك هو المنهاج الفلسطيني المقترح للمدارس الحكومية الذي يركز على الخطاب الديني، وكان المجلس التشريعي الفلسطيني قد أقر قانونا يتعلق بفلسفة التعليم مركزا على دوره في تعميق الإيمان بالله والتمسك بالدين الإسلامي.

    (3) بالنسبة للفلسطينيين المسيحيين، اعتمدت هذه الوحدة على تفسير الإنجيل للدولة حيث تمتد بين دان وبئر السبع، وعلى أساس حدود سلطات بطريركيات الأرثوذكس اليونان واللاتين، بالإضافة إلى أسقفية القدس للبروتستانت. وقد تضمنت صلاحياتهم كامل أجزاء فلسطين بغض النظر عن التقسيمات الإدارية العثمانية، التي كانت تتغير بين الفترة والأخرى. وهي أيضا متعمقة بالوعي الإسلامي لفلسطين كأرض مقدسة، وبالأدبيات الدينية التي تشيد بالقدس، والخليل، وأجزاء أخرى من فلسطين. وقد تم تعزيز ذلك بسبب الزيارات الدينية السنوية إلى الأماكن المقدسة المحلية، مثل مقام النبي موسى. لمزيد من التفاصيل عن هذا الموضوع وعن تكون الهوية الوطنية الفلسطينية الحديثة خلال فترة الانتداب، أنظر إلى كتاب رشيد الخالدي، الهوية الفلسطينية؛ بناء الوعي الوطني الحديث، نيويورك، دار نشر جامعة كولومبيا، 1997.

    (4) يمكن إيجاد مصطلح "أمة فلسطينية" في الصحافة المحلية في فلسطين لتاريخ يعود إلى عام 1914. وقد تم استخدام هذا المصطلح في إطار الوعي المتنامي لمخاطر المشروع الصهيوني (نفس المصدر أعلاه، ص. 155).

    5- نفس المصدر، ص. 157.

    6- وقد اضمحل التركيز على سوريا الكبرى كمركز لهوية الفلسطينيين عند اختفاء سوريا الجنوبية بعدما قام الفرنسيون بتدمير دولة سوريا المستقلة في عام 1920 (نفس المصدر، ص. 165).

    7 تم إنشاء أول جمعية إسلامية-مسيحية في يافا في شهر آذار 1918، وتبع ذلك بعد عدة شهور جمعية أخرى (الأكبر والأكثر تنظيما) في القدس. وبحلول عام 1921، كانت هذه الجمعيات قد تأسست في كل المدن والبلدات الرئيسية في فلسطين؛ القدس، يافا، نابلس، الخليل، طولكرم، وغزة (دافنا تسيمحوني، "المسيحيون العرب والحركة الوطنية الفلسطينية خلال سنوات التكوين"، في غابرييل بن دور (محرر)، الفلسطينيون ونزاع الشرق الأوسط، دار نشر تيرتلدوف، تل أبيب، 1976، ص. 73). وفي كانون أول 1919، تم تنظيم مؤتمر فلسطيني تحت رعاية الجمعيات الإسلامية-المسيحية للقدس ويافا. وقد رفض المؤتمر بشدة الأهداف الصهيونية وشدد على كون فلسطين دولة عربية وجزءاً من سوريا الاتحادية. لكن، ومع إزاحة فيصل من قبل الفرنسيين في عام 1920 أصبح من الواضح للنشطاء السياسيين الفلسطينيين أن فكرة فلسطين داخل دولة سوريا العربية قد انتهت (ب. كيمرلينغ و ج. س. ميجدال، الفلسطينيون؛ تكون شعب، دار نشر جامعة هارفارد، كمبريدج، ماساشوسيتس، 1993، ص. 78-80).

    8- يهوشواع بوراث، بروز الحركة الوطنية الفلسطينية-العربية، 1918 - 1929، لندن. فرانك كاس، 1974، مذكور من قبل سميح شبيب، الجذور الاقتصادية والاجتماعية للحركة السياسية الفلسطينية في فلسطين، 1920 - 1948، مؤسسة الأسوار، عكا و وزارة الثقافة، رام الله، 1998. ص. 79.

    9- الخالدي، مذكور أعلاه، ص. 169.

    10- كيمرلنغ و ميغدال، مذكور أعلاه، ص. 77.

    11- رسم المؤتمر الثالث الذي عقد في حيفا (كانون أول 1920) الأساس السياسي للحركة الوطنية الفلسطينية التي لم تتغير كثيرا في العقدين التاليين. وقد ركزت هذه الأرضية على العناصر التالية: اعتبار فلسطين وحدة سياسية مستقلة لشعبها؛ الرفض القاطع لأي حق سياسي أو أخلاقي لليهود في فلسطين؛ تأكيد وحدة الفلسطينيين وأولويتها على أية ولاءات قائمة على الدين، أو المنطقة، أو القرابة؛ دعوة الحكام البريطانيين وقف أي تحويل أراض عربية أو أراض حكومية لسيطرة الحركة الصهيونية؛ الدعوة لوقف هجرة اليهود إلى فلسطين؛ دعوة السلطات البريطانية للاعتراف باللجنة التنفيذية العربية (المشكلة بشكل رئيسي من الشخصيات، كبار التجار، ومالكي الأراضي والعقارات، وقد تم حل اللجنة في عام 1934) كالممثل الشرعي للفلسطينيين (كيمرلنغ و ميغدال، مذكور أعلاه، ص. 81).

    12-فيصل حوراني، الفكر السياسي الفلسطيني (1964 - 1974) مركز الأبحاث، منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت، 1980 ص. 9-13. تم عقد أول مؤتمر في عام 1919 في القدس، وعقد المؤتمر الثاني في عام 1920 (شباط) في يافا، وتم عقد المؤتمر الثالث في نهاية عام 1920 في حيفا، وعقد المؤتمر الرابع في عام 1921 في القدس ، والمؤتمر الخامس في عام 1922 في نابلس، والمؤتمر السادس في عام 1923، والمؤتمر السابع في عام 1928.

    13-هكذا وصفت إحدى الصحف الفلسطينية إنشاء المجتمع المسلم-المسيحي في غزة في عام 1920 (الخالدي، مذكور أعلاه، ص. 169).

    14- كيمرلنغ و ميغدال، مذكور أعلاه، ص. 82.

    15- أحد هذه العوامل كان قيام الحكم البريطاني بإنشاء المجلس الإسلامي الأعلى (وقد تم تعيين أمين الحسيني رئيسا لهذا المجلس)، وسيطرة بعض العائلات المعروفة على الأحزاب السياسية الأكثر تأثيرا (الحزب العربي الفلسطيني من قبل عائلة الحسيني؛ حزب الدفاع الوطني من قبل عائلة النشاشيبي؛ حزب الإصلاح من قبل عائلة الخالدي؛ وحزب الكتلة الوطنية من قبل عائلات نابلس...). وقد لعب البريطانيون على وتر الانقسامات بين العائلات الفلسطينية القيادية تسهيلا لسيطرتهم. وقد سعى المسيحيون الروم الأرثوذكس (أكبر طائفة مسيحية في فلسطين) الذين ناضلوا من أجل تعريب بطريركية القدس إلى طلب دعم هذا الهدف من القيادات الإسلامية. وربما يصح القول أنه كان لدى المسيحيين الفلسطينيين، كأقلية دينية، مصلحة قوية في تعزيز الوطنية كأيديولوجية علمانية وكأحد المكونات المهيمنة في تشكيل الهوية. وقد وفرت هذه الهوية الأمن والتكاملية بالنسبة لهم. وجعل توفر التعليم بشكل أكبر المسيحيين الفلسطينيين أكثر عرضة من المسلمين للأفكار الوطنية والعلمانية. ويجدر القول أن الصحيفتين الرائدتين في تلك الفترة، الكرمل وفلسطين، تم تأسيسها وإدارتها والكتابة فيها من قبل المسيحيين بشكل رئيسي. كما تولى عيسى البندك، وهو مسيحي ينتمي لطائفة الروم الأرثوذكس في بيت لحم، إدارة صحيفة صوت الشعب. وقد تبنت هذه الصحف موقفا وطنيا معاد للصهيونية بشكل قوي. وبقي المؤرخون والمربون المسيحيون، أمثال جورج أنطونيوس وخليل السكاكيني، في طليعة الحركة الوطنية الفلسطينية. وطبقا لإحصاء عام 1922 في فلسطين، شكلت نسبة الفلسطينيين المسيحيين 11% من السكان العرب، و 10% من مجمل سكان فلسطين. في عام 1997، لم تتعد نسبة المسيحيين في مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني 3%.

    16- الشريف، مذكور أعلاه، ص. 39.

    17- ماهر الشريف، البحث عن كيان: دراسة في الفكر السياسي الفلسطيني 1908 – 1993، مركز الدراسات والأبحاث الاشتراكية في العالم العربي، نيقوسيا، 1996، ص. 27-29.

    18 ألن غريش، منظمة التحرير، النضال من الداخل، لندن، كتب زد المحدودة، 1983، ص. 31.

    في مقابلة في أواخر عام 1967 مع أحد قادة فتح في إحدى الصحف الجزائرية قال هذا القيادي: "نحن لسنا أعداء اليهودية كديانة ونحن لسنا أعداء العرق اليهودي. إن معركتنا هي مع الكيان الاستعماري الإمبريالي الصهيوني الذي أحتل وطننا. نحن نؤكد أن وجود إسرائيل كدولة يمثل رأس جسر للاستعمار الإمبريالي الأمريكي في العالم العربي.." مقتبس من غريش، ص. 30.

    19 مقتبس من قبل غريش، مذكور أعلاه، ص. 31.

    20- في الأردن، أدى ظهور الأحزاب السياسية القومية و اليسارية في الخمسينات إلى قيام الملك حسين بحظر كافة الأحزاب السياسية في عام 1957، باستثناء الإخوان المسلمين، وقد استمر الحظر لغاية 1989.

    21 - في عام 1964، عندما انعقد الاجتماع الأول للمجلس الوطني الفلسطيني في القدس، سيطرت على ذلك الاجتماع أفكار الشقيري واتباعه (معظمهم كانوا من طبقة رجالا الأعمال ومن فئة الطبقة الوسطى العليا). وكان الشقيري حريصا على التقيد بقرارات الملك حسين فيما يتعلق بوضع الضفة الغربية، وتسليح وتنظيم الفلسطينيين في الأردن (أنظر حوراني، مذكور أعلاه، الفصل الأول والثاني).


    وقد بقي الميثاق الوطني الذي تم إعادة صياغته في عام 1968 بدون أية تغيرات لغاية العام 1998 حيث تم تعديله بما ينسجم مع اتفاقيات أوسلو.

    22 - حوراني، مذكور أعلاه، الفصل الثالث.

    23 - غريش، مذكور أعلاه، ص. 32.

    24 - مذكور أعلاه، ص. 212.

    25- أبو إياد، بيتي، وموطني: رواية النضال الفلسطيني، نيويورك، دار نشر التايمز، 1981، ص. 136.

    26- غريش، مذكور، أعلاه، ص. 41-43.

    27- مذكور أعلاه، ص. 40.

    28- شرح عرفات خلال مقابلة مع صحيفة "لوموند" الفرنسية في عام 1980 طبيعة التحول أو التغيير في الفكر السياسي الفلسطيني كالتالي: عند رفض فكرة دولة فلسطينية ديمقراطية حيث يعيش المسلمون، واليهود والمسيحيون على أساس متساو، اقترحت منظمة التحرير الفلسطينية إقامة دولة فلسطينية على كل المناطق التي تنسحب منها إسرائيل (مقتبس من قبل غريش، مذكور أعلاه، ص. 51).

    29- وقد أكدت الدورة الثامنة للمجلس الوطني الفلسطيني (شباط 1971) بعد اشتباكات أيلول الأسود في الأردن على فكرة الدولة الديمقراطية. فقد شددت الدورة على أن" النضال المسلح للشعب الفلسطيني ليس نضالا عنصريا أو دينيا موجها ضد اليهود". ولذلك، اعتبر قرار المجلس الوطني الفلسطيني أن الدولة المستقبلية في فلسطين ستكون دولة ديمقراطية، وستكون دولة حيث يستطيع كل من يرغب أن يعيش في سلام و بحقوق وواجبات متساوية في إطار طموح الأمة العربية نحو التحرر والوحدة (حوراني، مذكور أعلاه، ص. 176).

    30- يمكن للمرء أن يلحظ تكون مفهوم جديد لدور الثورة الفلسطينية ( ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية) بعد الصراع مع الأردن. فقد تضمنت الدورة الثامنة للمجلس الوطني الفلسطيني (شباط 1971) برنامجا اشمل من البرامج السابقة. فهناك أشار البرنامج لدور تقدمي لمنظمة التحرير الفلسطينية على الصعيد الاجتماعي، من حيث بناء مجتمع فلسطيني تسيطر عليه مبادئ الديمقراطية، العدالة، الحرية، والمساواة، وحيث يتم حظر العلاقات الإقطاعية والرجعية (حوراني، ص. 175).

    31-على سبيل المثال، غريش، ص. 44.

    32- لمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع، أنظر هيلينا كوبان، منظمة التحرير الفلسطينية؛ الشعب، والسلطة والسياسة، دار نشر جامعة كامبردج، كامبردج، 1984.

    33 برزت حركة الجهاد الإسلامي في أوائل الثمانينات. وقد لاحظ باحثون تأثير ثورة الخميني والوطنية الفلسطينية على العديد من أعضاء الحركة من الشرائح الدنيا للطبقة الوسطى. وتصر هذه الحركة على أن الجهاد – خاصة الكفاح المسلح ضد إسرائيل – بكل أشكاله واجب ديني لكل مسلم، ومتطلب لعودة المجتمع إلى الإسلام. وقد انتقدت الحركة موقف الإخوان المسلمين بسبب اختيارهم "طريق الإيمان" بدون الجهاد، وانتقدت أيضا منظمة التحرير الفلسطينية بسبب اختيارها "طريق الجهاد" بدون الإيمان (انظر يزيد صايغ، الكفاح المسلح والبحث عن الدولة؛ الحركة الوطنية الفلسطينية، 1949 – 1993، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، واشنطن، دي. سي. دار نشر جامعة أوكسفورد، 1997، ص. 627.

    34- حماس (اختصار لحركة المقاومة الإسلامية) هي أحد فروع الإخوان المسلمين. وقد كان هذا الفرع غير نشيط سياسيا وعمل من خلال الجمعيات الإسلامية في مدن الضفة الغربية وقطاع غزة. وتمثلت المهمة الرئيسية للحركة في تشجيع التقيد بالتعاليم الإسلامية وتوسيع قاعدتها الاجتماعية من خلال المدارس الدينية، ومراكز التدريب، والمنظمات الخيرية. وقد أصدرت حماس ميثاقها التأسيسي في آب 1988، بعد أن تشكلت كقوة فاعلة في الانتفاضة منذ شهر شباط من ذلك العام. ويحدد الميثاق حركة حماس كفرع من جماعة الإخوان المسلمين.

    35- يتطلب التفسير الكامل لبروز الإسلام السياسي التطرق للأمور التالية: أثر دول الخليج على الفلسطينيين العاملين هناك (العديد منهم كانوا يدعمون أقرباء لهم في الضفة الغربية وقطاع غزة)؛ الدعم الذي وفره عدد من الدول لحركات الإسلام السياسي لأسباب سياسية مختلفة، أثر الثورة الإيرانية، هزيمة منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان وتراجع قدراتها التعبوية. إضافة إلى ذلك، كان هناك انهيار للمشروع القومي العربي وللمشروع الاشتراكي؛ وحرب الخليج وتفكيك المجتمع الفلسطيني في الكويت. وهناك أهمية خاصة لانتشار التعليم في الكليات والجامعات في الضفة الغربية وقطاع غزة الأمر الذي فتح المجال للحراك الاجتماعي للشباب والشابات من المجموعات الاجتماعية المهمشة. ويجدر القول هنا أنه تم تأسيس الجامعة الإسلامية في غزة في عام 1978، وتم تأسيس دائرة فقه وقانون إسلامي في جامعة النجاح في عام 1980. وقد شهد نفس العام تأسيس الكليات الإسلامية في الخليل والقدس. وقد ازداد عدد الجوامع في الضفة الغربية وقطاع غزة من 600 إلى 1,350 في الفترة بين 1967 و1987. وقد قامت الجامعة الإسلامية والكليات الإسلامية الأخرى بتوفير الواعظين، وموظفي الوقف، وموظفي المحاكم والهيئات الإسلامية الرسمية الأخرى. وقد رافق انتشار التعليم الجامعي فترة ركود اقتصادي في النصف الثاني من 1980 في الاقتصاد الإسرائيلي واقتصاد دول الخليج، مما ترك تأثيره على الفئات المحدودة الدخل وفرصها للحراك الاجتماعي.

    36- كان أول استخدام للتعبير الديني "بسم الله الرحمن الرحيم" في بيان رسمي صادر من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في آذار من عام 1998، (صايغ، ص. 625).

    37- لم ترغب منظمة التحرير الفلسطينية في أن تترك قضية حدود الدولة الفلسطينية المستقبلية مفتوحة للمفاوضات. وهناك مشاكل في تحديد مواطني الدولة في المستقبل: هل ستتضمن كل الفلسطينيين بغض النظر عن الجنسيات التي باتوا يحملونها؟ وما هي طبيعة علاقات الفلسطينيين الإسرائيليين والفلسطينيين الأردنيين مع الدولة الفلسطينية؟ ويطرح هذا الموضوع أسئلة مرتبطة بقضية الجنسية المزدوجة، والعلاقات مع التجمعات الفلسطينية في المنفى، الخ. لذلك، كان هناك تجنب في الخطاب السياسي الفلسطيني لاستخدام مصطلح "علمانية"، والإشارة إلى تعايش التجمعات الدينية، وحتى التجمعات القومية أو شبه القومية.

    38-لم تحدث انشقاقات داخل صفوف منظمة التحرير الفلسطينية أو داخل فصائل منظمة التحرير الفلسطينية على أساس ديني أو طائفي. من الجدير ذكره أيضا أن فصيلين أساسيين في منظمة التحرير الفلسطينية (اللذين جاءا بعد حركة فتح من ناحية الحجم والتأثير داخل منظمة التحرير الفلسطينية، وهما الجبهتين الشعبية والديمقراطية) كانا بقيادة فردين من أصول مسيحية وقادا منظمتين سياسيتين علمانيتين. وقد استقال أحدهم في أيار 2000 (د. جورج حبش).

    39- ومنذ عام 1974، كان بعض القادة الفلسطينيين يظهرون تمييزا بين التيار اليساري والتيار اليميني الصهيونيين (غريش، ص. 161).

    40- أنظر سلمى الخضرة الجيوسي (محرر) موسوعة الأدب الفلسطيني المعاصر (باللغة العربية)، مجلد 1 و 2، المؤسسة العربية للدراسات والإصدارات، بيروت، 1997.

    41- يدعو الميثاق لقيام دولة إسلامية على كامل تراب فلسطين بدون تحديد الملامح الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لهذه الدولة المستقبلية. ويرفض الميثاق دعوة منظمة التحرير الفلسطينية (في عام 1969) لقيام دولة ديمقراطية علمانية. وعلى نقيض ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية، فان ميثاق حماس التأسيسي لا يخلو من وصف اليهود بكل الأنماط والتهم التآمرية (صايغ، ص. 631).

    42 نفس المصدر، ص. 651.

    43 بالنسبة لسرد زمني للعلاقة بين فتح وحماس ما بين 1989 و1993، انظر صايغ، نفس المصدر، ص. 638-662.

    44- لمزيد من النقاش حول الفرق بين الخطاب العلماني والإسلامي في مصر، انظر ميرفت حاتم، "الخطاب العلماني والخطاب الإسلامي حول الحداثة في مصر وتطور الدولة القومية ما بعد عصر الاستعمار" في ي. حداد و ج. اسبوزيتو (تحرير)، الإسلام، النوع الاجتماعي (الجندر) والتغير الاجتماعي، دار نشر جامعة أوكسفورد، 1998.

    45- على سبيل المثال يلاحظ في كتب اللغة العربية شيوع الخطاب الديني الرسمي وسيطرة النصوص التقليدية والعزوف عن الحداثة.

    46- يتذمر كتاب الافتتاحيات والأعمدة من الرقابة المتكررة من المحررين على المقالات التي تلامس الدين خوفا من أن تستفز الإسلاميين.

    47- ويظهر هذا من النقاش حول القانون الأساسي ولاحقا حول مسودة الدستور.

    48- إن البعد العلماني في القانون الأساسي موضح في العديد من مواده. على سبيل المثال، تنص المادة الثانية أن الشعب هو مصدر كل السلطات التي يتم ممارستها من خلال فصل السلطات ( التنفيذية، التشريعية، والقضائية). وينص أيضا أن نظام الحكم في فلسطين هو نظام برلماني ديمقراطي يعتمد على التعددية السيا








  3. #3

    رد : العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية

    شكراً لك أخي المسكين








 

 


تعليقات الفيسبوك



ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •