سجل عضوية جديدة

أهلاً بكـ في شبكة فلسطين للحوار... شاركنا وبادر بالتسجيل ...





صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 30 من 118
  1. #1
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    سنة الأولين
    تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها

    ابن قرناس

    منشورات الجمل
    [email protected]

    .....................................


    بسم الله الرحمن الرحيم
    وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ. وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ. كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ.(الحجر:10-13)

    ....................................

    المحتويات

    المحتويات 3
    توطئة 4
    الدين 9
    موقف الناس من الدين عبر العصور 22
    موقف بنو إسرائيل من الدين 41
    محمد الإنسان والرسول 50
    موقف الناس من دعوة محمد 63
    يثرب 64
    قريش 85
    المسلمون زمن الرسول 107
    دولة الإسلام 130
    الخلفاء الراشدون 174
    سقيفة بني ساعدة 176
    أبو بكر 181
    عمر بن الخطاب 189
    عثمان بن عفان 197
    علي بن أبي طالب 199
    كتابة القرآن وجمعه 203
    ولادة الفقه والحديث والتفسير 211
    الترجمة والدعوة 230
    دولة بني أمية 236
    معاوية بن أبي سفيان 238
    عبدالملك بن مروان 243
    الوليد بن عبد الملك 245
    دولة بني العباس 249
    حصاد الهشيم 259
    الخلاصة 265
    الملاحق 269
    أمثلة على التشريعات الفقهية ومخالفتها للقرآن 270
    أمثلة لأقوال المفسرين 364
    …......................................

    توطئة
    يقول القرآن الكريم بأن الوجود الإنساني على الأرض بدأ برجل وامرأة، ثم بعائلة صغيرة، ثم بمجتمع صغير. ويؤكد لنا القرآن الكريم أن ذلك المجتمع الأول كان يقوم على طاعة الله واتباع دينه القويم الصافي، أو دين الفطرة، كما سماه: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.(الروم:30).
    ولكن ذلك المجتمع الأول توالد وكثرت أعداده وانتشروا على مساحات أوسع من الآرض، مكونين عدة مجتمعات. ومع الزمن نسي الناس بعضاً من الدين ودخلت عليه تشريعات غريبة عنه ابتدعها البشر وتمسكوا بها على أنها من دين الله: وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.(يونس:19)
    فبعث الله سبحانه الرسل لتعيد الناس لدين الفطرة، أي دين النشأة الأولى للبشر: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ .....
    وكانت التشريعات الدخيلة يتم تبنيها ضمن دين الله بواسطة الذين يفترض بهم أن يُحكّّموا شرع الله بينهم، وهم الزعماء " وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ "
    ومن يفترض فيهم أنهم أكثر الناس معرفة بدين الله، وهم من نصبوا أنفسهم كرجال للدين: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ.(البقرة:213)
    وكلما ابتعد الناس عن الدين بعث الله سبحانه وتعالى الرسل لإعادتهم للسراط المستقيم: يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.(الأعراف:35)
    ولكن الناس كانوا لا يستجيبون لدعوة الرسول لأن زعماءهم ورجال دينهم ووجهاءهم أصبحوا ينتفعون من وضعهم الذي وجدوا أنفسهم عليه، والذي جاء الرسول يدعوا لنبذه والتخلي عنه، لذا لم يعد الرجوع للدين يستهوي الغالبية من الناس: ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَآؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ.(يونس:74)
    ولأن الرسول رجل عادي يدعوا لنبذ ملذات الدنيا مقابل ملذات بعلم الغيب تتمثل بحياة ما بعد الموت، فإن أغلب الناس ينظرون للرسول على أنه مجنون وأن من يتبعه قد فقد عقله أو غم عليه: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ.(الذاريات:52)
    ولذلك اقتصر الإيمان بالدعوة دائماً على قلة من الضعفاء، ومن يتطلعون لوضع أفضل من الوضع الذي هم عليه: قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ. قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ.(الأعراف:75-76)
    أما بقية أفراد المجتمع فلن يؤمنوا ولو بقي الرسول بينهم إلى الأبد، ولم يكونوا يكتفوا بعدم الإيمان بالرسول بل يحاولون قتله وصد الناس عن الدعوة والوقوف ضد انتشارها: قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ.(الأعراف:88)
    وفي النهاية يهلك الله سبحانه وتعالى أولئك الكبراء، كما سماهم القرآن، وينجي الرسول والقلة الذين آمنوا معه: فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِين.(يونس:73)
    والقرآن الكريم ذكر عدداً من الأمم السابقة التي كانت تعيش في جزيرة العرب، وكانت قريش تعرف مساكنهم: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى.(طه:128)
    ومن تلك الأمم ما جاء ذكرهم في قوله تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ. وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ. وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ.(ق:12-14)
    وكلهم وغيرهم كانت مواقفهم من دعوة الرسل ثابتة، حيث يبدأ المؤمنون القلة الذين نجوا مع الرسول يتحولون عن تشريعات الدين شيئاً فشيئاً مع الزمن، فيرسل الله سبحانه وتعالى رسولاً من بينهم يدعوهم للرجوع لدين الله القويم الذي بسبب التمسك به نجّا الله أجدادهم من الهلاك.
    فقريش كانوا ذرية لإسماعيل الذي يدين بدين ابيه إبراهيم، مثلما كان قوم عاد ذرية من نجا مع نوح: .... إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.(الأعراف:69)
    وثمود ذرية لمن آمن من قوم عاد: وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ.(الأعراف:74)
    ليتكرر المشهد بوتيرة واحدة لا تتغير، برغم إختلاف الزمان والمكان: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ.(الذاريات: 52-53)
    ولأن السنة هي الطريقة التي تُبتدع ثم يتبعها الناس، والتي قد تكون سنة ممدوحة أو سنة مذمومة. فقد أطلق القرآن على مواقف الأمم من الدين مسمى " سنة الأولين"، كطريقة سار عليها البشر بتوافق غريب، ومن هنا جاءت تسمية الكتاب...
    يتبع..








  2. #2
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    توطئة..1

    يقول تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ. وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ.(الحجر:10-13)
    وسنة الأولين شملت أيضاً أسباب رفض الناس للدين الذي اتفقت عليه الأمم، وقد بين القرآن أن من أهمها:
    صعوبة الإيمان بالغيب، والمتمثل بحياة ما بعد الموت: بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ. قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ.(المؤمنون:81-83).
    وصعوبة الإيمان بقدرة الرسول، وهو الرجل العادي، على مخاطبة السماء: إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ.(المؤمنون:38).
    ومحاربة الناس للتغيير وحب الإبقاء على الموروث: قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ.(هود:53)
    وعدم التنازل عن المكانة الإجتماعية والجاه: قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ.(يونس:78)
    وصعوبة التفريط بملذات الدنيا: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً.(مريم:59)
    واتباع الناس لزعمائهم: وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ.(هود:59)
    ورجال دينهم: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.(آل عمران:77-78)
    وأسباب أخرى
    وقد مرت دعوة موسى لبني إسرائيل بجميع المراحل التي مرت بها دعوات الرسل قبله دون إختلاف، فقد تبع قوم موسى سنة الأولين التي سار عليها من كان قبلهم من الأمم. بدءً من كونهم ذرية لمن آمن مع نوح: وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً. ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً.(بني إسرائيل:2-3)
    وتثنية بأن من آمن بموسى قلة من بني إسرائيل وليس كلهم، برغم إضطهادهم من قبل فرعون: فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ.(يونس:83)
    وبعد أن نجا الله موسى من فرعون، ونزلت عليهم التوراة بدأت تلك القلة القليلة الناجية من بني إسرائيل بالتحول عن الدين إلى معتقدات دخيلة، وموسى لا زال بينهم، وبعد موته عليه الصلاة والسلام إبتعد بنو إسرائيل أكثر عن دين ربهم، فبعث الله سبحانه وتعالى فيهم رسلاً آخرين لإعادتهم للسراط المستقيم، ومن أولئك الرسل عيسى ابن مريم، الذي بعث ليبين لهم ما اختلفوا فيه من تشريعات أدخلوها على دين الله: وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ.(المائدة:46)
    ولكن سنة الأولين جرت كالمعتاد، فلم يؤمن بدعوة عيسى للرجوع لدين الله القويم، سوى قلة من المستضعفين: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ.(آل عمران:52)
    وعندما رحل عيسى عن هذه الحياة أدخلت ذرية من آمن مع عيسى في الدين تشريعات ليست منه فاقت تشريعات من سبقهم طغياناً وكفراً. حيث إعتبروا مولد عيسى ابن مريم بدون أب دليل على أنه إبن لله أو أنه إله مع الله: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً.(النساء:171)
    ولم يرجع بنو إسرائيل عن غيهم، برغم تتابع الأنبياء عليهم الذين حاولوا إعادتهم لحكم التوراة والإنجيل، واستمروا بتمسكهم بمعتقداتهم التي أدخلوها على الدين، ووصل بهم الأمر لقتل الأنبياء: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ.(البقرة:87)
    وتتالت أجيالهم وكل جيل يضيف على الدين ما ليس فيه ويتمسك به: فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.(المائدة:13)
    وبكفرهم وإفسادهم سلط الله عليهم من لايخافه ولا يرحمهم: فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً.(بني إسرائيل:5)
    ثم توالت عليهم المحن والمصائب فقضى على ممالكهم، وخربت ديارهم: إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا.(بني إسرائيل:7)
    وقد أعطى القرآن صورة إجمالية لحال اليهود عبر التاريخ وما آلوا إليه في سور كثيرة منها قوله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ. وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مُّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ.(الإعراف:167-169)
    حيث قطّعوا في كل أرجاء الأرض وسلطت عليهم الأمم، منذ سقوط مملكة سليمان، كعذاب إلهي لهم، وهو أشد من عذاب الأمم السابقة التي كانت تهلك بكوارث طبيعية وينتهي حالها، أما اليهود فالعذاب مستمر فيهم جيلاً بعد آخر منذ آلاف السنين، في وضع مأساوي لم يتعرض له شعب آخر.
    ولو أنهم تمسكوا بدين الله لاختلفت أوضاعهم في الدنيا والآخرة: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ. وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ.(المائدة:65-66)
    وفي كل العصور كانوا رمزاً للخسة والدناءة، وكرههم الناس وجاهروا بعدائهم. ومع ذلك فقد سلطهم الله في هذا العصر على المسلمين، عندما زرعتهم القوى العظمى كخنجر في كبد بلاد العرب، لأن المسلمين بقيادة العرب، إختار الله لهم لقيادة العالم للهدى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ.... (آل عمرآن:110)
    ولكنهم إستحبوا العمى على الهدى، وأدخلوا في دين الله ما ليس فيه ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم: وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ.(آل عمران: 187)
    وقد مرت بالمسلمين نفس المواقف التي وقفتها الأمم السابقة من دين الله، فلم يؤمن بمحمد عليه الصلاة والسلام إلا قلة من الناس أغلبهم من الضعفاء والعبيد، وقد أهلك الله كبراء قريش واليهود وقضي على سلطة قبائل الجزيرة باستسلام زعمائها لدولة الإسلام، التي كانت عندما توفي رسول الله تسيطر على كامل تراب جزيرة العرب، وإن لم يمثل المؤمنون بالإسلام إلا قلة قليلة، أما الغالبية فقد بدأوا التحول عن الدين بمجرد وفاة رسول الله عليه الصلاة والسلام.
    ويكون ما أصاب المسلمون من تشرذم ومهانة وخذلان نتيجة طبيعية لما اقترفوه بحق دين الله سبحانه وتعالى الذي شرفهم بحمل مسئولية توصيله للناس، ولكنهم خانوا الأمانة وأصبحوا كاليهود الذين حملوا قبلهم التوراة ثم لم يحملوها " كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ".(الجمعة:5)
    ويكون المسلمون قد شابهوا اليهود عندما نزل عليهم كتاب من الله، القرآن، للعمل به ونشره بين الناس، مثلما نزل على اليهود التوراة، ولكنهم نبذوه وراء ظهورهم واستبدلوه بتشريعات من صنع رجال دينهم، كما اليهود: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ.(التوبة: 31)
    فكما أن اليهود قد قدسوا التلمود والمشنا وهي كتب كتبها رجال دينهم بأيديهم، وتركوا التوراة، حتى درست وضاعت معالمها، فإن القرآن قد هجره الناس إلى ما عرف بالفقه والحديث والتفسير، وكادت معالمه أن تدرس، ويختفي من حياة البشر، عندما ترك المسلمون نسخته الوحيدة التي كتبها لهم الرسول، مسجاة في المدينة، وخرجوا لمحاربة البلاد المجاورة في العراق وخراسان والشام ومصر. ولولا رحمة ربي لنسي الناس تلك النسخة الوحيدة من القرآن في دار أم المؤمنين حفصة إلى الأبد. ولكن إلحاح حذيفة ابن اليمان على عثمان ابن عفان بضرورة نسخ المصاحف وإحراق تلك المصاحف الشخصية التي انتشرت في العراق والشام واليمن وغيرها، والتي حلت محل كتاب الله، واعتمد من كتبها على الذاكرة. فجاءت خليطاً من بعض الآيات ممزوجة بعبارات أخرى ظنها الكاتب من القرآن وهي ليست منه.(وسوف يطلع القارئ على أمثلة لذلك في فصل استنساخ المصاحف – الباب التاسع)
    ولو تأخر المسلمون قليلاً عن نسخ المصحف فقد يجدون السعف التي كتبت عليها الايات القرآنية، وقد إختفت منها معالم الآيات إلى الأبد.
    ويكون الفارق بين اليهود والمسلمين، أن اليهود هجروا كتاب الله " التوراة " حتى درست معالم آياته وغابت عن الوجود، واتبعوا تشريعات إبتدعوها من عند أنفسهم، بينما تدارك المسلمون آيات القرآن ونسخوها قبل أن تضيع، لكن الآيات وإن بقيت حية بينهم في المصاحف، إلا أنهم هجروا العمل بها إلى تشريعات بشرية إبتدعوها من عند أنفسهم، كما اليهود.
    وقد جاء نسخ القرآن لعدة نسخ بعد أن دخل الإسلام ملايين الناس وتعاقبت الأجيال بعيداً عن تأثير كتاب الله. فكان البديل تشريعات بشرية خليط من كل ديانة ومعتقد كان يدين بها الناس في البلاد التي استولى عليها المسلمون في الربع الأول من القرن الهجري الأول، والتي عرفت طريقها لتكوّن التراث الإسلامي، لأن الناس لما دخلوا الإسلام ولم يعرفوا عنه سوى الشهادة والعبادات، لعدم وجود القرآن، أبقوا معتقداتهم السابقة، وجيلاً بعد جيل ظن الناس أن تلك المعتقدات إسلامية، فنسبوها للإسلام على شكل احاديث منسوبة لرسول الله، ولو كانت نصوصاً منقولة حرفياً من الكتاب المقدس لليهود أو المجوس أو الصابئة، أو أنها معتقدات وثنية أو خرافات وأساطير يونانية. ومع الأيام تحول ذلك التراث الهجين إلى ما يسمى بالفقه والتفسير والحديث، وتوارثه الناس على أنه شرع الله وإسلامه، وحورت معاني آيات القرآن الكريم لكي تتوافق مع التشريعات التي ابتدعها البشر.
    وقد أخبرنا جل وعلى بما سيحل بمن فعل ذلك يوم القيامة: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً. يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً. لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولاً. وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً.(الفرقان:27-30)

  3. #3
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    توطئة..2



    أما في الدنيا فقد سلط الله على المسلمين المحن والمصائب منذ قرون وبشكل فاق ما تعرض له بنو إسرائيل، لأن الأمتين تشابهتا في أنهما قد إختارهما الله لحمل أمانة الرسالة، وأودع فيهما كتابه. فاليهود قد أنزل عليهم الوحي على شكل توراة مكتوبة، والمسلمون على شكل قرآن مكتوب، فيما كانت الأمم السابقة ينزل عليها الوحي مشافهة ولا يكتب. وقد أخفق المسلمون كما أخفق اليهود قبلهم في حمل الأمانة. فكان لزاماً أن يصيبهم ما أصاب اليهود، من تشتت وفرقة وخذلان ومهانة، وما حل بهم من المحن والمآسي، وستبقى هذه حالهم ما لم يعودوا لشرع الله أو يقيض الله لشرعه من يتشرف بحمل مسئوليته من شعوب أخرى.

    هذا هو الموضوع الذي يدور حوله الكتاب، والذي يحتوي على إثناعشر باباً وخاتمة وملاحق، يتعرض الباب الأول إلى مفهوم الدين بشكل عام، وأن كل الأديان الموجودة بين الناس الأن قد تحدرت من دين واحد، حتى ما تعارفنا على نعتها بالأديان الوثنية، ليس فقط في التشريعات، بل وفي النصوص المنزلة بواسطة الوحي. لأن هناك نسخة أصلية واحدة لهذه النصوص محفوظة بآلية لا نعرفها، سماها القرآن، اللوح المحفوظ، وأم الكتاب، والكتاب المكنون، وكلما أرسل رسول من الرسل نزلت عليه نسخة من تلك النسخة الأصلية.

    وفي الباب الثاني استعراض لمواقف بعض الأمم السابقة والذين ذكرهم القرآن العظيم للتدليل على أن مواقف الناس من الدين واحدة في كل مكان وزمان منذ خلق الله البشر على هذه الأرض. وبيان أن الدين كان واحداً عند بدء الخليقة ثم تحور إلى عقائد فاسدة جيلاً بعد آخر، فبعث الله الرسل تترا لإعادة الناس إلى صافي العقيدة والدين الأول. لكن الطبائع البشرية الواحدة كانت تتشابه في مواقفها من الرسل، مهما كانت متباعدة عن بعضها في المكان والزمان، ولذلك تشابهت النتائج والنهايات.

    والباب الثالث يستعرض مثالاً حياً لتحول الناس عن الدين، تحدث عنه القرآن، والمتمثل بسيرة بني إسرائيل وموقفهم من الدين أثناء حياة موسى، وبعد رحيله عليه الصلاة والسلام، وكيف عذبهم الله بذنوبهم على مر العصور، ولم يهلكوا بحادثة واحدة كما الأمم الآخرى.

    ويتحدث الباب الرابع عن شخصية محمد عليه الصلاة والسلام، وأنه كان بشراً سوياً لا يختلف عمن سواه من الناس في المشاعر والأحاسيس والتصرفات والخطأ والنسيان، ولكنه أكثرهم مسئولية حيث إختاره الله سبحانه وتعالى ليكون رسولاً له لتبليغ الدين للناس، وذلك بعد أن خضع لبرنامج إلهي للتأهيل النفسي والبدني ليكون قادراً على تحمل أعباء الدعوة.

    والباب الخامس يستعرض موقف الناس من دعوة محمد، في يثرب: اليهود والأوس والخزرج، وفي خيبر، ومثله الباب السادس الذي يتحدث عن موقف الناس من الدعوة في مكة والطائف وبقية قبائل جزيرة العرب، وكيف أن سنة الأولين جرت على مواقف أولئك الناس من الإسلام بشكل مطابق تماماً لمواقف الأمم السابقة من رسلهم، وكيف كانت نهايات كبراء اليهود وقريش والطائف والقبائل العربية مطابقة لنهايات تلك الأمم أيضاً، وإن إختلفت أسباب الهلاك.

    والباب السابع يتطرق لحياة من أشهر إسلامه زمن رسول الله، والذين أطلق عليهم في عصور لاحقة مسمى " الصحابة ". وكيف أنهم لم يكونوا على درجة واحدة من التمسك بالدين، وأن محاولة بعض المؤرخين المسلمين تنزيههم من الخطأ والقصور تجريداً لهم من إنسانيتهم، مع التدليل على ذلك بما قاله القرآن عنهم.

    ويتحدث الباب الثامن عن دولة الإسلام في صورتها النهائية التي تركها عليه رسول الله عند وفاته، وبعد إكتمال التشريعات الإلهية بإكتمال نزول القرآن، والركائز الأساسية التي تقوم عليها تلك الدولة، ومن ذلك طريقة الحكم التي تختلف عن كل نظم الحكم التي عرفها العالم، قديمه وحديثه. فليس لها زعيم بشري، لأن ولائها لله وحده، والقرآن هو الدستور الذي بموجبه يحكم البشر ويحتكمون، لضمان ليس فقط نعيم الآخرة، بل ونعيم الدنيا، المتمثل بصيانة الحقوق العامة للرجل والمرأة واليتيم والطفل والمسن والعاجز والسليم، والمساواة، وحفظ الكرامة، والتكافل الإجتماعي والقضاء على الفقر والعوز، والمشاركة في صنع القرارات الإستراتيجية للدولة من قبل عموم المسلمين من الجنسين، والمحافظة على البيئة، والتعامل بإنسانية مع المسلم وغيره....إلخ

    ويظهر الباب التاسع المخصص للحديث عن عصر الخلفاء الراشدين، كيف بدأت العثة تنهش في جسد الدين وتشريعاته بدءً من اللحظة التي توفي فيها رسول الله، وكيف أن إختيار حاكم لدولة الإسلام قد هدم أول ركيزة قامت عليها دولة الإسلام، وكيف أن حروب الردة والفتح ليس فقط ساهمت بالقضاء على ضوابط الجهاد التي أقرها القرآن وأعادت الناس لعادات الحروب الجاهلية، بل وهيأت بيئة مناسبة لظهور مبادئ التشريعات البشرية على أيدي من عرف بالفقهاء فيما بعد، وتبني ثقافات متنوعة وإدخالها ضمن التراث الإسلامي، مع إبتعاد تأثير القرآن على المجتمع وانحساره في تراث المسلمين الديني.

    ومما سيعرض له هذا الباب، فتنة عثمان وكيف ساهمت في تحول الناس أكثر عن الدين، ومثلها الحروب التي دارت بين علي ابن أبي طالب ومعارضي توليه الحكم، وكيف فتحت الباب على مصراعيه للحكام لكي يستولوا على الحكم بقوة السلاح واستسهال قتال المسلمين وقتلهم.

    كما سيتعرض هذا الباب إلى نسخ المصاحف أيام عثمان وكيف أنه تأخر كثيراً، وكيف أن هذا التأخر ساهم بشكل كبير في دخول معتقدات من الديانات الآخرى لتراث المسلمين ونسبتها للإسلام. وهناك فصل خاص للحديث عن البيئة التي أوجدت المناخ المناسب لنشأة ما يعرف اليوم بالفقه والتفسير والحديث، التي بواسطتها دخلت المعتقدات الغريبة إلى التشريعات والتراث الإسلامي وانتسابها إليه. كما أن هناك فصل آخر يتحدث عن ترجمة القرآن إلى اللغات الأخرى ونشاط الدعوة التي يقوم بها

    المسلمون بين المسلمين وغير المسلمين لجذبهم إلى الإسلام، وكيف أنها تروج لإسلام مذهبي وليس للدين الذي نزل على محمد عليه الصلاة والسلام.

    وفي الباب العاشر يتم التعرف على عصر بني أمية، ثم التعرف على عصر صدر بني العباس في الباب الحادي عشر، لتكتمل بهما صورة أوضاع المسلمين الحالية التي استبعدت التأثير القرآني من حياتهم وتشريعاتهم، وعرفت الفقه وتقديس تشريعات الفقهاء، والحديث وتقديس الأخبار المنسوبة للرسول، والتفسير وتمكين الخرافة والأسطورة كجزء من العقيدة. إضافة لتسلط الحكام، واستغلال تشريعات الفقهاء للقضاء على المعارضين والمنتقدين السياسيين، وتحول المجتمع المسلم من حقل مزروع فيه نوع واحد من المزروعات، لا اختلاف بين نباتاته، كما أراد الله لهم أن يكونوا، إلى طبقية منتنة، تبوأ الحكام ومن حولهم قمتها مسيطرين على كل مداخيل الدولة، بعد أن حولوها إلى ملك شخصي لهم، وطبقة من المواطنين محرومين من أبسط حقوقهم وكرامتهم، يعيشون على التسول بالكلمة والجسد لمن يدفع لهم ما يسد رمقهم.

    ويلخص الباب الثاني عشر النتائج التي ترتبت على تحول المسلمين من دين الله وكيف أثرت في حياتهم ومعاشهم وموقف الناس منهم وتعاملهم معهم.

    ليأتي بعد ذلك ختام الكتاب بالتأكيد على أن ما يعيشه المسلمون من ضياع وتشتت ومهانة وضعف وفقر وجهل وتخلف، هو نتيجة حتمية لتخليهم عن دينهم إلى تشريعات إبتدعوها من عند أنفسهم. وأن خلاصهم لن يكون إلا بالرجوع إلى الإسلام، إن هم رغبوا العزة في الدنيا والنجاة من النار في الآخرة.

    وقد ألحق بالكتاب ملاحق قسمت إلى قسمين: القسم الأول لإعطاء أمثلة على التشريعات الفقهية وكيف أنها تخالف ما ورد في القرآن. والقسم الثاني يعطي أمثلة على ما أدخله التفسير على دين الله من خرافات وأساطير.

    هذا باختصار ما حوته صفحات سنة الأولين، مع الإشارة إلى أننا قد إعتمدنا كتاب الله ليكون كلمة الفصل في كل مناقشاتنا وتحاليلنا فيما اختلف فيه من الحق، كما ذكرنا أهم المراجع لكل باب من الكتب التي يسهل على أي قارئ في أي بلد أن يحصل عليها، وجعلنا أعدادها مختصرة ما أمكن.

    والله الهادي إلى سواء السبيل








  4. #4
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    الباب الأول
    الدين
    شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْ** وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ **بُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ.(الشورى:13)

     الدين يسبق الخرافة والأسطورة، وليس الع** كما يقول علماء تاريخ الأديان.
     القصص والأخبار التي نسجت عن الرسول من إبتداع القصاص ولم يعلم بها الرسول.
     كتب اليهود والنصارى وإن كانت في العصر الذي بعث فيه الرسول بصفتها التي هي عليه الآن إلا أنها لا تمت للتوراة والإنجيل بصلة، لأنها كتب تاريخية ألفها البشر، وهي تماثل كتب السير والتاريخ لدى المسلمين.
     الأديان كلها عبارة عن نسخ منقولة من النسخة الأصلية المحفوظة في اللوح المحفوظ.
     جميع الأديان الموجودة أصلها إلهي ولكنها تحورت مع الزمن.
     وحدة الأديان ليس فقط في التشريع ولكن في النصوص، ولو وجدت نصوص أصلية من أي ديانة فستبدوا وكأنها آيات قرآنية مترجمة إلى لغة أخرى.
     من العدل الإلهي أن تكون الأديان كلها متماثلة في التشريع وفي نص الوحي المنزل.

    .................................................. ..............

    عندما شرفني أخ كريم, بتقديم هذا الكتاب على النسق الذي أقدم فيه الكتب التي أرغب في تعريف الزملاء الكرام عليها, في المنتديات, كالكتاب الهام "التوراة جاءت من جزيرة العرب", والتي أعتقد بتواضع أنها تفيد في القضية المركزية للعرب والمسلمين " القضية الفلسطينية"..
    أولا في الإصرار على أن العدو هو إسرائيل, "اليهود"... إلا من استثنى منهم نفسه بملء إرادته, فنحن وفي حالة الاعتداء علينا , قد لا يكون تسامحا بل ضعفا, أن نستثني أحدا..
    وثانيا في رفض كل صراع مذهبي إسلامي _إسلامي, مهما غالت الفرق الإسلامية, وضيعت في "الشخصنة" و "التقديس" إسلامها.. خارج الصراع الفكري, وليس قبل استعادة فلسطين..
    ولكن أمام هذا الكتاب والذي يقدم النص الذي يخدم الهدفين معا, وجدتني أتنازل عن قاعدتين في طريقة تقديمي..
    الأولى: الاكتفاء بالاسم الرمزي للمؤلف, فالحقيقة المجردة تقول أن النص هنا يعرف عن صاحبه..
    الثانية: لا يمكن اختزال سطر واحد, أو تكثيف أي فصل أو حتى "صفحة" بعينها..
    ولا أعتقد أنني ومستقبلا أثناء التقديم سأقوم بأي اختصار, وقد تقتصر مشاركاتي كأي قارىء..
    أننا ممتن ومن عميق القلب للأخ الكريم الذي أعتقد أنني آهل لتقديم نص على هذه الدرجة من "الحكمة"..
    14/5/2006

  5. #5
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    لاحظ المستشرقون والمبشرون الذين قدموا للبلاد العربية والإسلامية وقرأوا القرآن، أن هناك آيات قرآنية تتحدث عن مواضيع وقصص وتشريعات وردت في كتب اليهود والنصارى المقدسة، فاتهموا محمداً بأنه قد قام بدراسة تلك الكتب ثم أعاد صياغتها بعباراته الشخصية وأضاف عليها بعض الآيات التي تخص قومه العرب وسمى كل ذلك قرآناً وادعى أنه قد أوحي إليه به من السماء.

    ومما ساعد المستشرقون في إدعائهم هذا ما وجدوه من قصص في كتب الأخبار التي كتبها المسلمون، والتي تؤكد أن الرسول قد إتصل برجال دين مسيحيين في رحلاته للشام عندما كان حدثاً يافعاً، ولو أن تلك القصص والحكايات يسهل الحكم على أنها مختلقة، وأن من إختلقها لم يتمكن من حبكها. ومن أشهر هذه الحكايات حكاية إجتماع محمد بالراهب المسيحي بحيرا، التي سنورد ملخصاً لها هنا كمثال على سعة خيال الإخباريين في إختلاق القصص حول شخص الرسول عليه الصلاة والسلام. والقصة تقول بأن محمداً عندما كان ابن تسع سنين صحب عمه أبا طالب في إحدى رحلاته التجارية للشام. وأن الركب عندما وصل بصرى الشام، مروا عن طريق الصدفة بجوار صومعة للرهبان المسيحيين، وكان كبير أولئك الرهبان وإسمه بحيرا، جالساً يتأمل في شرفة مطلة على المكان الذي أقبل منه ركب أبا طالب، فلفت نظره شيئ لم يلفت نظر كل رجال الركب ولم يروه. لقد رأى سحابة صغيرة ظلها لا يزيد عن حجم جسد الطفل، محمد، الذي تلاحقه في حركاته الكثيرة التي تتناسب مع عمره، لتقيه حر الشمس، مع أن حر شمس بصرى في الصيف أبرد من حرارة شمس مكة في الشتاء. فعرف بحيرا الراهب في الحال أن هذا هو الرسول المنتظر لأن ما رآه يتوافق مع ما يجده مكتوباً في كتابه المقدس، لذلك بقي في مكانه ليتأكد من حدوث بقية التفاصيل. وبالفعل وكما هو مدون في الكتب، توقفت قافلة الصبي ليستريح أفرادها تحت ظل شجرة تقع تحت الشرفة التي يجلس عليها الراهب, ولم يصب بحيرا بالدهشة عندما لاحظ كيف أن الشجرة قد هصرت أغصانها فوق الصبي ليستظل بها دون عمه وبقية رجال الركب الذين على ما يبدوا قد أصيبوا بالإعياء الشديد من طول الرحلة ولم يلحظوا أن الظل الذي استظلوا تحته قد إنحسر عنهم واجتمع فوق محمد دونهم، وإلا لاعتقدوا أن الجن تسكن تلك الشجرة، ولولوا الفرار لا يلوون على شيئ، لأن الخوف من الجن عقيدة راسخة لدى أهل جزيرة العرب. وكان هذا من حسن حظ بحيرا الذي هرول منحدراً من صومعته ودعاهم للنزول في ضيافته، فلبوا الدعوة غير مدركين مقصد الراهب الحقيقي، الذي بادر باستجواب الصبي، بمجرد أن وجد نفسه وحيداً معه. لأن القوم حالما فرغوا من تناول الطعام آثروا التمشية قليلاً أخذاً بالقول الصحي العامي المأثور: إتغدى وإتمشى وإتعشى وإتمدى. ولم يكتف بحيرا بأقوال محمد التي وافقت كلها وبلا استثناء صفاته المدونة في كتبه المقدسه، بل طلب منه أن يستدير إلى الخلف فلبى محمداً الطلب ورفع رداءه عن كتفيه، فلمع بريق خاتم النبوة المحفور بين كتفيه لمعاناً كاد يخطف بصر الراهب. ومع كل ما أدلى به الصبي من أقوال، فقد بقيت تفاصيل أخرى عن صفة النبي مكتوبة في كتب بحيرا يلزم التأكد منها، ولذلك بمجرد عودة أبا طالب بادره الراهب بحيرا بأسئلة كانت إجاباتها كافية لتأكيد أن الصبي هو الرسول المنتظر بلا شك ولا ريبة.

    عندها أبلغ بحيرا أبا طالب، الغافل، أن هذا الصبي يجب أن يعاد إلى بلده حالاً خوفاً عليه أن يراه أحد من اليهود، الذين سيتعرفون على شخصيته بمجرد رؤية السحابة التي تظله وبقية العلامات الأخرى المدونة عنه في كتبهم، وهنا يكمن الخطر، فقد يحاولوا قتله، لأن اليهود لن يرضوا أن يكون خاتم النبيين من غيرهم[1].

    ومن الواضح أن مبتدع القصة وجهها للمسلمين ولذلك لم يكن قلقاً من أن يكتشف أحد خلو كتب اليهود والمسيحيين المقدسة التي كانت موجودة زمن رسول الله من أي إشارة لمحمد أو لدعوته، لأن تلك الكتب ليست التوراة وليست الإنجيل، ولكنها كتب تاريخية كتبها أناس عاديون لم يروا موسى ولا عيسى، وعبر أجيال متتابعة.

    ومن الواضح أيضاً أن قصة بحيرا وغيرها قد حاكها أناس من نسج خيالهم في عصور لاحقة لعصر صدر الإسلام ضمن العديد من القصص والحكايات والمعجزات الحسية التي تغرق بها كتب السير والأخبار الإسلامية، والتي تدعي أنها حدثت للرسول أو أنه يتمتع بها، لإضفاء نوع من القدسية على شخصية الرسول، ظناً ممن كتبها أنها تزيد من تصديق الناس بدعوته. فحاولوا إظهاره في تلك الحكايات وكأنه ولد في جو محاط بظواهر غير اعتيادية، ورافقت نشأته معجزات حسية، وكان يحمل منذ ولادته صفات محسوسة لا يحملها إلا نبي، وكلها فد ذكرت في الرسالات السابقة. ولذلك فمن السهل على اليهود والنصارى التعرف عليها، بينما غفل عنها رجال قريش، القبيلة التي ينتسب لها محمد، وكل القبائل الوثنية العربية الأخرى.

    ومن هذه القصص، تلك التي تتحدث عن أن محمداً لم يعرف ما اعتراه في غار حراء إلا بعد أن أكد له ورقة ابن نوفل أنه قد أصبح رسولاً لله. ولكي تؤدي القصة مغزاها في التأثير على مشاعر الناس، نُسب لورقة ابن نوفل المكي القرشي الوثني أنه كان قد اعتنق العقيدة النصرانية حتى يكون لديه علم بالكتاب المقدس لليهود والنصارى الذي لم يغادر صغيرة ولا كبيرة من صفات النبي المنتظر إلا أحصاها.

    ومع أن بعض المستشرقين قد أعلن أن هذه الحكايات مختلقة وأن شخصيات مثل شخصية بحيرا لم يكن لها وجود على أرض الواقع، إلا أن هذا لم يمنع بعضهم من أن يستغل هذه القصص في تأييد الإعتقاد الذي ساد لدى الكثير منهم، بأن محمداً قد إستقى فكرة دينه الذي أسسه من إحتكاكه برجال دين مسيحيي الشام ويهود يثرب التي لابد أنه زارها في صباه لأنها موطن أخواله بني النجار.

    وطوال قرون أجهد المسلمون أنفسهم في محاولة يائسة للذود عن الإسلام وإثبات صدق رسالة محمد ونبوته السماوية عن طريق دحض كلام المستشرقين، القائل بأنه مصلح إجتماعي ثقف نفسه بقراءة الكتاب المقدس. ولم يلتفت إلا قليل من هؤلاء المدافعين لما يقوله القرآن في هذا الشأن، وإلا لعرفوا بأن كتاب الله لا ينفي أن يكون هناك توافق بينه وبين ما كان في التوراة التي زالت من الوجود بُعيد زمن موسى، ولم يبق في كتب اليهود المقدسة منها اليوم إلا خيال مشوش لبعض آياتها.

    وهنا لابد من إيراد حقيقة تخفى على بعض عامة المسلمين وبعض أهل الإختصاص منهم، تتمثل بأن كتب اليهود والنصارى المقدسة في العصر الذي بعث فيه الرسول كانت بصفتها التي هي عليه الآن، ولم يطرأ عليها أي تغيير يذكر منذ ذلك الوقت، بل ومنذ القرن الرابع الميلادي، أي قبل ولادة الرسول بثلاث مائة سنة تقريباً، وأن هذه الكتب تخلوا من أي وصف للرسول محمد أو ذكر للإسلام. والسبب يعود إلى أن هذه الكتب ليست هي التوراة التي نزلت على موسى، ولكنها كتب لا تمت للتوراة بصلة.

    فهي سجل إخباري بدأ في تدوينه على يد أحد كهنة اليهود، واسمه عزرا، قبل 450 سنة من الميلاد، عندما كانوا في الأسر البابلي. وذلك في محاولة لتدوين تاريخ اليهود وما جرى لهم من أحداث، حسب وجهة نظر من قام بتدوينها. ثم تتابع كتاب آخرون على ذلك السجل يضيفون وينقحون ويحذفون ويعدلون، حتى استقر شكل الكتاب المقدس على صورته الحالية في القرن الرابع للميلاد[2].

    وتكون كتب اليهود الحالية كتب إخبارية، احتوت القليل من الآيات التوراتية الأصلية، ولكنها ليست توراة محرفة كما يظن كثير من المسلمين، وهي بذلك كتب تاريخية كالطبري وسيرة ابن هشام عند المسلمين التي تحوي آيات قرآنية ولكنها ليست القرآن.

    كما أن ما يسمى بكتب المسيحيين المقدسة، ما هي إلا كتب كتبها إخباريون بعد وفاة يسوع، بل إن أول كتب كتبت منها قد قام بكتابتها شخص يدعى " باول " والذي أصبح ملهم المسيحية الأول، مع أنه لم ير يسوع في حياته ولم يجتمع به، وهو أول من بدأ الكتابة عن فترة حياة يسوع في فلسطين، بالطريقة التي رغبها، وذلك في الفترة ما بين 40 – 70 سنة بعد وفاة يسوع، ثم تتالى الإخباريون في تصنيف الكتب حول ما جرى في فلسطين إبان فترة وجود يسوع فيها. وقد تعرضت هذه الكتابات للتنقيح والزيادة والحذف على مدى عقود طويلة حتى استقرت على هيئتها الحالية في القرن الثالث والرابع بعد وفاة يسوع[3].

    وكتب النصارى المقدسة، كتب إخبارية تخلوا تماماً من أي نص من نصوص الإنجيل المنزل على عيسى ابن مريم، وكلها تتحدث عن حياة يسوع، ولا علاقة لها بعيسى ابن مريم وديانته. وهذه الحقيقة لا ينكرها دارسوا تاريخ الأديان من اليهود والنصارى، بل يؤكدون ذلك في دراساتهم وبحوثهم وكتبهم التي ألفوها.

    والفصل التالي يؤكد على أن نصوص القرآن يجب أن تماثل النصوص الأصلية لأي ديانة سماوية سابقة، وهذا لا يعني أن محمداً صلوات الله وسلامه عليه قد إطلع على كتب اليهود والنصارى في عصره واقتبس بعض نصوصها وأعاد صياغتها بعدما أضاف عليها نصوصاً من عنده ليخرج على الناس بدين من عند نفسه سماه الإسلام، ولكنه يعني أن نصوص أي ديانة سماوية أصلية نزل بها الوحي، يجب أن تتماثل مع نصوص أي ديانة سماوية أصلية أخرى، فالدين واحد، أنزله رب واحد، على جنس واحد من الخلق، لديهم قدرات عقلية واحدة.



    وحدة الأديان
    إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.(البقرة:62)



    الحقيقة التي لم يدركها بعض المستشرقين، ولم يرد البعض الآخر إدراكها، تتمثل في كون كل الأديان السماوية متماثلة التشريع، وهذا ما يؤكده القرآن بكل جلاء:

    شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ.(الشورى:13)

    فالدين الذي أرسلت به جميع الرسل منذ عصر آدم حتى محمد هو دين واحد سماه الله الإسلام:

    إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ.(آل عمران:19)

    ولو جاء كل رسول بتشريعات تختلف عن التشريعات التي جاء بها غيره من الرسل، فإن هذا سيكون مدعاة للتشكيك بمصداقيته. وبناءً على ذلك، فلو وجدت نصوص أصلية من أي عقيدة قديمة في الشرق الأدنى أو الأقصى أو أوروبا أو أمريكا أو أفريقيا أو أي مكان على الأرض، فمن المستحيل أن تتعارض مع ما جاءت به التوراة التي أنزلت على موسى أو القرآن الذي نزل على محمد، لأن الله لايمكن أن يخلق بشرا متساوين في قدراتهم العقلية والجسدية ويعدهم بجنة واحدة، ثم يكلفهم بمعتقدات متباينة، فيطلب من أناس فرائض وواجبات حرمها على آخرين. ولذلك فلا غرابة لو وجدنا في ثنايا العقائد التي نعتبرها وثنية وبدائية تعاليم سامية ووحدانية مشابهة لما دعت إليه توراة موسى والقرآن.

    فالقبائل الأصلية الأسترالية تؤمن بالوحدانية، ومن صفات الإله عندهم: أنه خالد لايفنى، لأنه لاينشأ عن أي كائن آخر. (فيلسيان شالي - موجز تاريخ الأديان[4] – ص 34)

    وفي أقدم كتاب مقدس في العالم وهو كتاب الديانة الهندية الفيدية، وصف الإله بأنه: هو الذي يهب الحياة ويمنح القوة وظله هو الخلود وظله هو الموت... ( من النشيد 121 من كتاب العاشر من كتب الريغ – فيدا)

    وتدين الديانة الزرادشتية لإله عظيم واحد يطلق عليه أهورا مازدا، وهو: الخالق، اللامع، الجليل، الكبير...

    وكل هذه الأوصاف للخالق لا تخرج عما وصفه به القرآن:

    هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.(الحديد:3)

    وفي الأسر الفرعونية الأولى كان يجب على المسئول أو الحاكم أن يبرئ نفسه في محكمة ما بعد الموت لينجوا من العذاب بأن يقول ما يلي:

    إني لم أؤذ أحداً قط، بالخداع، ولم أجعل أقربائي بؤساء، ولم آت بأية دناءة في بيت الحقيقة، ولم أتواطأ مع الشر، ولم أفعل الشر، ولم أطلب كرئيس للناس أن يقوموا بأعمال أكثر من المهمة التي اتفق عليها. ولم يوجد بسببي خائف ولا فقير ولا مريض ولا بائس، ولم أعمل قط ما تكرهه الآلة، ولم أكذب على أي إنسان، ولم أدع السيد يسيء معاملة عبده، ولم أسبب الجوع لأحد، ولم أحمل أحداً على البكاء. ولم أقتل قط، ولم آمر مطلقاً بالقتل بصورة غير مشروعة. ولم أكذب على أحد، ولم أنهب مطلقاً مخزونات المعابد. ولم أقلل من المواد المخصصة للآلهة. ولم أنهب خبز المومياوات ولا أشرطتها. ولم أزن قط، ولم أرتكب أعمالاً مخجلة مع كاهن منطقتي الدينية. ولم أغل اسعار المواد التموينية ولا قللتها، ولم أضغط قط على الميزان ولم أتلاعب أو أغش في الوزن الذي أشار إليه الميزان. ولم أبعد الحليب قط عن فم الرضيع. ولم أنهب قط من الماشية في مراعيها شيئاً. ولم آخذ طيور الآلهة بالشبكة، ولم أصطد سمكاً ميتاً. ولم أدفع قط الماء أيام الفيضان، ولم أحرف الماء عن قناته..... إني بريء بريء بريء. (بعض ما ورد في الفصل 125 من كتاب الموتى الذي كتبت فصوله على أقمشة كان الفراعنة يلفون بها الموميات، حسبما جاء في كتاب موجز تاريخ الأديان/ فيلسيان شالي – ص 55)

    وهذا الإعتراف تلخيص للتشريعات المرعيّة في ذلك المجتمع والتي تتفق في عمومياتها مع أي تشريعات سماوية.

    ومن تعاليم البوذية:

    سعيد من صبر على الأذى في سبيل الحق، وسعيد من لا يتناول بالأذى أحداً، وسعيد ذلك الذي ذهب من نفسه كل هوى، وتغلب على عناد الأنا. والبوذية دعت أيضاً لنبذ الطبقية باعتبار أن الناس سواسية وأن الفروق بينهم خلقها الخلق وليس الخالق.

    ومما قاله بوذا:

    لا تؤمنوا بشيئ لمجرد أنه مسموع الكلمة، ولا تؤمنوا بشيء تضعونه على ذمة التقاليد، أو لأنه مقبول منذ أجيال كثيرة، ولا تؤمنوا بشيئ تبعاً لمكانة قائله، ولكن آمنوا بالذي يتوائم مع خيركم وخير الآخرين..( نص منقول بتصرف من كتاب دراسات حول أصل وتطور الحياة الدينية لمؤلفه كريك لينكلر)

    وكلام بوذا السابق يتشابه مع قوله تعالى:

    وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ.(البقرة:170)

    ومن تشريعات البوذية الأساسية:

    لا تقتل، لا تستول على ملك غيرك (لاتسرق)، لا تأخذ إمرأة غيرك (لاتزن)، لا تكذب، ولا تشرب شراباً مسكراً.

    وهذا ما يقوله كتاب اليهود المقدس حرفياً: لا تقتل، لا تزن، لا تسرق.(الخروج:20:13-15)، لا تقبل خبراً كاذاباً. (الخروج:1:23) خمراً ومسكراً لاتشرب..(اللاويين:9:10)

    والكونفوشيوسية تدعوا لنفس المبادئ والتشريعات وتؤكد على بر الوالدين وإشاعة العدل والإحسان والمساواة بين الناس. وهي نفس المبادئ التي نادت بها رسل الله جميعاً:

    إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.(النحل:90)

    وتقول الأسطورة البوذية عن شخص بوذا:

    وعندما بلغ غوتاما السادسة والثلاثين انكب على التأمل، فكان يجلس تحت شجرة تين - سميت شجرة العلم فيما بعد - وفي مساء الثامن من كانون الأول إنكشفت له الحقيقة (أي أتاه الوحي). ومنذ تلك اللحظة سمي بوذا " أي الرجل الملهم المنقذ الذي يحسن الرؤيا" أوبعبارة أخرى لقّّب بالرسول. وقد بقيت تلك الليلة مقدسة عند البوذيين إلى اليوم. ( فيليسيان شالي – موجز تاريخ الأديان – ص90)

    وما حدث لبوذا مشابه لما حدث لمحمد قبيل تلقيه الوحي عندما كان يختلي بنفسه في غار حراء الليالي ذوات العدد ثم يرجع إلى أهله فيتزود لمثلها، حتى فاجأه الوحي. حسب ما ترويه لنا كتب الأخبار الإسلامية.(أنظر على سبيل المثال فصل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم في سيرة ابن هشام)

    ومثل ذلك حدث مع زرادشت الفارسي الذي تلقى وحياً من الإله الأعظم أهور مازدا، " إنكشفت له فيه الشريعة، فقام بنشر دعوته بين أهل بلدته".( فيليسيان شالي – موجز تاريخ الأديان – ص130)

    ولأن الوحي الذي نزل على كل الرسل كان واحداً فمن البديهي أن التشريعات التي جاءت في التوراة تتكرر في القرآن ويعمل بها في الإسلام:

    وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.(المائدة:45)

    وقد أزال القرآن الغموض في هذا الموضوع حيث بين أن التشابه في التشريع جاء لأن لدين الله نسخة أصلية واحدة سماها القرآن " أم الكتاب ":

    إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف : 3-4]

    وتلك النسخة الأصلية محفوظة بآلية معينة أطلق عليها القرآن " اللوح المخفوظ ":

    بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ. (البروج:21-22)

    وتلك النسخة الأصلية من الكتاب لا يطلع عليها إلا ملائكة مطهرون:

    فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ. إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ. لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ. تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ.(الواقعة:75-80)

    والملائكة المطهرون الذين يطلعون على النسخة الأصلية لدين الله هم من يصطفيهم الله من الملائكة ليكونوا رسلاً لتبليغ الرسل من البشر بما في ذلك الكتاب:

    اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ.(الحج:75)

    ويتم التواصل بين رسل الله من الملائكة والرسول من البشرعن طريق الوحي:

    يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ.(النحل:2)

    وهذا ما حدث عندما بُعِث محمد:

    بسم الله الرحمن الرحيم. إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ. تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ. سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ.(سورة القدر)

    وليلة القدر قد يكون معناها الليلة التي قدر الله فيها بعثة محمد عليه الصلاة والسلام، فتنزلت فيها نسخة الدين، في آخر إصداراتها المحدثة والمنقحة والمزيدة، على الملائكة، الذين نقلوها للرسول وحياً على مدى ثلاث وعشرون سنة.

    والملائكة الذين إختارهم الله لتوصيل الوحي مخلوقات روحانية:

    وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ.(الشورى:52)

    ولهم قدرات (أجنحة) متفاوتة:

    الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.(فاطر:1)

    أما الوحي فهو عبارة عن قيام رسل الله من الملائكة بنسخ النصوص المطلوب تبليغها للناس، من اللوح المحفوظ إلى ذاكرة الرسول، على شكل لغة بشرية يتقنها الرسول المكلف بالتبليغ، عبر آلية لاندركها:

    وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ. وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ.(الشعراء:192-196) ودون أن يكون للرسول خيار بحفظ ما ينسخ في ذاكرته أو رده.

    ولذلك طمأن الله سبحانه رسوله محمداً في بداية نزول الوحي بأن لا يقلق فلن ينسى ما يوحى به إليه ما دام حياً، وقد كان محمداً يحاول ترديد ما يجد من آيات نسخت في ذاكرته خوفاً من نسيانها:

    لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ.(القيامة:16- 17)

    وكل ما عليك يا محمد بعد حفظه في ذاكرتك هو تلاوته على الناس كما نزل:

    فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ.(القيامة:18)

    وليس عليك يا محمد أن تفهم الناس معنى الآيات لأنه مما تكفل به من أنزله سبحانه:

    ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ.(القيامة:19) ولذلك لم يكن هناك تفسير للقرآن أملاه محمد صلوات الله وسلامه عليه.




    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] القصة موجودة في سيرة ابن هشام – قصة بحيرا ج1 ص 165 وفي كتب تاريخية عديدة، وقد أعيدت صياغتها هنا لتتوائم مع العرض.

    [2] أنظر على سبيل المثال للغة العربية كتاب موريس بوكاي / القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم/ دار المعارف – القاهرة

    وللغة الإنجليزية Who Wrote The Bilble, The World That Produced the Bible: 587-400 B.C..

    [3] البحث عن يسوع – مصادر الأناجيل الأربعة



    [4] ترجمة حافظ الجمالي – الناشر: طلاس للدراسات والترجمة والنشر - دمشق
    التعديل الأخير تم بواسطة الشايب ; 2006-05-18 الساعة 09:20

  6. #6
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    والوحي المنزل على محمد كان قرآناً مجيداً يقرأه الناس في الأرض بينما نسخته الأصلية محفوظة في السماء:

    بل هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ.(البروج:21-22)

    واللوح المحفوظ ليس لوحاً بالمعنى الحرفي، ولم يحفظ في جبهة أحد الملائكة وهو إسرافيل كما قال المفسرون، ومن ذلك ما نقله ابن جرير الطبري في تفسيره للآية المذكورة، وهذا نصه:

    حدثنا عمرو بن عليّ، قال: سمعت قرة بن سليمان، قال: ثنا حرب بن سريج، قال: ثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، في قوله: بَلْ هُوَ قُرآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ قال: إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله، بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مجيد فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ في جَبْهة إسرافيل.

    ولكن اللوح المحفوظ هو طريقة وآلية لا نعلمها حفظت بموجبها نسخة الكتاب الأصلية، والتي تسمى في القرآن أيضاً بالكتاب المكنون:

    إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ.(الواقعة:77-78).

    وفي الكتاب المكنون يتم حفظ ليس فقط وثيقة أصل الدين والتشريعات، بل وكل آية نزلت على كل رسول من الرسل تتحدث عن حدث وقع في عصر ذلك الرسول ولو لم تكن تشريعاً:

    وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ. يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.(الرعد:37-39)

    وبعض هذه الآيات تبقى وتضاف إلى الوثيقة الأصلية للدين (أم الكتاب) المحفوظة بآلية إلهية (اللوح المحفوظ) وقد تنزل على بعض الرسل اللاحقين، أما البعض الآخر من الآيات فيشاء الله أن لا يضمنها للوحي المنزل على رسول من الرسل، وكأنها محيت من تلك الرسالة أو استبدلت:

    مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.(البقرة:106)

    فينزل سبحانه من الآيات التي ليست من التشريعات بمقدار ما يشاء ويحتفظ منها بما يشاء في الوثيقة الأصلية للوحي: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.(الحجر:9) [1]

    وقد يكون هناك أحداث خاصة، وليست تشريعات، وقعت زمن أمة من الأمم، فتذكر في رسالة لاحقة دون الرسالات الأخرى للإستشهاد بها في مواقف معينة. مثل قصة موسى والعبد الصالح، وقصة نوح مع إبنه الذي غرق، وقصة طالوت وجالوت.

    كما قد يشتمل الوحي على نصوص تعالج أو تتحدث عن مواقف حدثت زمن الرسول، والقرآن يزخر بمثل هذه الأحداث، ومنها:

    بسم الله الرحمن الرحيم. عَبَسَ وَتَوَلَّى. أَن جَاءهُ الْأَعْمَى. وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى. أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى. أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى. فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى. وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يزَّكَّى.(عبس:1-9)

    وأيضاً: بسم الله الرحمن الرحيم. تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ. سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ. وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ. فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ.(سورة المسد)

    ومن الآيات التي نزلت على رسل سابقين لوصف وقائع حدثت مع رسل قبلهم، ثم حفظت في النسخة الأصلية وتكرر نزولها حرفياً على أكثر من رسول من الرسل الذين جاؤوا بعد ذلك، قصة عذاب قوم لوط، التي نزلت فيما نزل على موسى وليس فيها تشريع ولكن للإخبار عما حدث في زمن سابق، وتكرر نزولها على محمد حرفياً. وقد نقلها مؤلفوا الكتاب المقدس لليهود ليس بنص الآيات المنزلة على موسى التي غابت بغياب التوراة من الوجود، ولكن بعبارات الإخباريين والمفسرين اليهود لتلك الآيات. حيث يذكرون أن إمرأة لوط خرجت مع لوط ومن آمن معه من القرية التي سيقع عليها العذاب وأثناء سيرهم " نظرت إمرأته من ورائه فصارت عمود ملح" (التكوين:26:19)

    بينما يقول النص الأصلي للوحي والذي ورد في القرآن عن نفس الحادثة:

    قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ.(هود:81)

    وهو نفس النص الذي نزل على موسى، والذي فهم منه رجال الدين اليهود عدم الإلتفات بمعناه الحرفي، بحيث أن من يلتفت إلى الوراء لينظر ما يحل بالقرية من عذاب سيهلكه الله. بينما المعنى الذي تقصده الآية من عدم الإلتفات هو الإسراع بالخروج من القرية. وامرأة لوط كانت من ضمن الذين كتب عليهم الهلاك ولم تخرج مع لوط من القرية، وليس كما فهم المفسرون اليهود من أنها كانت قد خرجت مع لوط من القرية وكانت ستنجوا من العذاب لولا أنها إلتفتت. فيكون استثناؤها من النجاة وليس من الإلتفات، وتكون " إلا " في قوله تعالى:

    إلا امرأتك، بمعنى" أما ". وهو نفس معنى " إلا " في الآية الثالثة والعشرين من سورة الغاشية: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ. لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ. إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ. فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ.(الغاشية:21-24)

    ومما بقي في كتب اليهود المقدسة بنصه الذي أوحي به في التوراة: أن كل من أهلك نفساً من إسرائيل فالكتاب يحسبه كأنه أهلك العالم جميعاً. وكل من أحيا نفساً فالكتاب يحسبه كأنه أحيا العالم جميعاً. (التكوين:4:10) وقد ورد ذلك في الحديث عن قتل ابن آدم لأخيه.

    وهو ما جاء بنصه في القرآن:

    مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا.(المائدة:32)

    ومن الآيات التي جاءت بنفس النص في القرآن والتوراة قصة خلق السماوات والأرض التي يقول الوحي بأنها تمت في ستة أيام:

    الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا.(الفرقان:59)

    والمقصود باليوم هنا فترة زمنية:

    تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.(المعارج:4)

    ويكون اليوم في سياق الحديث عن خلق السماوات والآرض، عصر جيولوجي متشابه السمات، وإن استمر لآلاف الملايين من السنين. وقد يتكون اليوم الواحد من عدة أيام (عصور جيولوجية) أصغر، وإن امتدت هذه الأيام الصغيرة لملايين السنين. وهو ما تتحدث بمثله الآيات (9-12) من سورة فصلت:

    قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ. ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ. فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ.




    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] ويكون معنى الحفظ هنا هو حفظ النسخة الأصلية التي في اللوح المحفوظ وليس النسخة المنزلة على الرسل في الأرض والتي ضاعت كلها بما في ذلك التوراة التي كان من ضمن آياتها هذه الآية والتي لا زال اليهود يستشهدون بها على أن ما بين أيديهم من كتب هي التوراة لأن الله ضمن حفظها بموجب هذه الآية، وهو استدلال مغلوط، لأن الآية تتحدث عن حفظ الله للنسخة التي في السماء.

  7. #7
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    فالكون خلقه الله في ستة أيام (عصور) وليس في ثمانية، ولكن كان هناك أيام (عصور) احتوت على أيام (عصور) أصغر، كما تدل عليه هذه الآيات.

    والعصر الجيولوجي مثل الأبد (Eon) الذي يمثل أطول مراحل الزمن الجيولوجي يحتوي على عصور أصغر هي الدهور (Era) وهذه تتضمن فترات أصغر هي الحقب (Period) وهكذا[1].

    ولذلك فلن نجد أي تعارض بين ما جاء به الوحي من أن الخلق كان على ست فترات زمنية وبين ما اكتشفه وقد يكتشفه العلم الحديث حول الكيفية التي تم فيها الخلق، والتي امتدت عبر ملايين ومئات وآلاف الملايين من السنين.

    ولكن رجال الدين اليهود فهموا نص الوحي حرفياً بما يعني أن الله قد خلق السماوات والأرض في ستة أيام من أيام الأرض التي لايعرفون غيرها، وأطلقوا لخيالهم البشري القاصر العنان لتصوير ما حدث خلال الستة أيام فقالوا: بأن النورخلق في اليوم الأول، (قبل أن يكون هناك شمس يقاس بشروقها وغروبها اليوم). ثم خلق الجلد بين المياه في اليوم الثاني. وخلقت الأرض وما عليها في اليوم الثالث. وخلقت الشمس لتكون نور النهار والقمر ليكون نور الليل والنجوم لتنير الليل في اليوم الرابع. وخلقت المخلوقات الحية على الأرض في اليوم الخامس. وخلقت الوحوش والإنسان في اليوم السادس. وقد فسر اليهود إستواء الله على العرش على أنه خلد إلى الراحة والسبات ولذلك سمي اليوم السابع بيوم السبت والراحة. وبما أن الوحي يقول بأن الله قد خلق السماوت والأرض في ستة أيام، والأسبوع سبعة أيام، وبما أن الوحي لم يذكر ماذا فعل الله في اليوم السابع المكمل لأيام الأسبوع، فقد تخيلوا أن الله لابد أنه قد استراح في ذلك اليوم من عناء الخلق، قبل أن يبدأ في بداية الأسبوع التالي بإدارة ملكوته. (أنظر التكوين:1)

    وحيث أنه يستحيل عليهم تخيل ما يمكن أن يكون في الكون البعيد فقد أهمل رجال الدين اليهود ذكر خلقه، واسهبوا في الحديث عن خلق الأرض وما فيها وما حولها مما يمكن للإنسان رؤيته.

    وقد تكرر نص خلق الكون في القرآن حرفياً، كما ورد في التوراة:

    اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ.(السجدة:4)

    مما جعل رجال الدين المسلمون من فقهاء ومفسرين يتبنون المفهوم اليهودي الحرفي للنص على أنه ستة أيام من أيام الدنيا. ولكي يخالفوا اليهود قالوا بأنها من أيام الدنيا الأولى التي كانت أطول من أيام الدنيا الحالية[2]، كما غاصوا في تفاصيل مشابهة للتفاصيل اليهودية أو منقولة عنها. فابن مسعود وابن عباس المسلمين قالا بنفس ما قاله عبد الله ابن سلام، ذو الخلفية الثقافية اليهودية، ومثله ابن جريج وكعب الأحبار ووهب ابن منبه وغيرهم، من أن الله تعالى بدأ الخلق يوم الأحد، فخلق الأرضين يوم الأحد والإثنين، وخلق الأقوات والرواسي في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السماوات يوم الخميس والجمعة ففرغ آخر ساعة من الجمعة فخلق فيها آدم،عليه السلام، فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة.(أنظر تفسير الطبري للآية السابعة من سورة هود)

    وعندما جاء الجيل الثاني والثالث من المفسرين المسلمين أمعنوا أكثر في الخيال من سابقيهم. فقد نقل ابن جرير الطبري في تفسيره للآية 29 من سورة البقرة: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات. عن السدي المتوفى سنة 127 للهجرة قوله: أن الله عز وجل كان على عرشه فوق الماء، ولم يخلق شيئاً مما خلق قبل الماء. فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخاناً، فارتفع الدخان فوق الماء فسما عليه فسماه سماء، ثم أيبس الماء فجعله أرضاً واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين: يوم الأحد ويوم الإثنين. فخلق الأرض على حوت، والحوت النون الذي ذكره الله تعالى في القرآن في قوله " ن والقلم" والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة، والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ذكرها لقمان ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرك الحوت، فاضطربت وتزلزلت الأرض، فأرسى عليها الجبال فقرت، والجبال تفخر على الأرض[3].

    إنتهى كلام السدي الذي يبدوا متأثراً بفلسفة جديدة غير يهودية في حديثه عن الحوت الذي يحمل الأرض، مع بقاء أسلوب كتاب اليهود المقدس واضحاً عندما نقارن بين كلام السدي السابق وبين نص الكتاب المقدس التالي: في البدء خلق الله السموات والأرض. وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه. وقال الله ليكن نور فكان نور. ورأى الله النور أنه حسن. وفصل بين النور والظلمة. ودعا النور نهاراً والظلمة دعاها ليلاً. .....ودعا الله الجلد سماء....وقال الله لتجتمع المياه تحت السماء إلى مكان واحد ولتظهر اليابسة...ودعا الله اليابسة أرضاً. (التكوين: الإصحاح الأول)

    واتفق المفسرون المسلمون مع اليهود بأن الشمس والقمر والنجوم ليست أكثر مما تراها عليه العين المجردة من الأرض، فالشمس لإنارة النهار والقمر لإضاءة الليل، في تفسير الآية القرآنية:

    تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا.(الفرقان:61)

    والنجوم أبراج وزينة للسماء ، وليهتدي بها المسافر في تفسيرهم لقوله تعالى: وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ.(النحل:16)

    والمسلمون فهموا أن العرش ما هو إلا كرسيٌ للجلوس، وفهموا أن " ثم" في قوله تعالى "ثم استوى على العرش" عطف دال على أن الله استوى على عرشه مباشرة بعد إنتهائه من خلق ملكوته، وكأن الله جلت قدرته كان بحاجة للراحة، كما أنه (تعالى الله عن ذلك) لم يكن له مكان يستريح فيه قبل خلقه للسموات والآرض، وكلامهم هذا مقتبس من اليهود، إلا أنهم لم يتجرأوا على القول بأن الله استراح بنفس الطريقة التي وصفها رجال الدين اليهودي ولنفس السبب. لأن هناك آية قرآنية تنص على أنه سبحانه لم يعتره تعب جراء ما قام به:

    وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ.(ق:38)

    ولذلك لم يكن بحاجة للراحة.

    ولكنهم، كما اليهود، لم يستطيعوا تصور معنى الإستواء بغير معناه الحرفي، الذي يدل على نوع من أنواع الجلوس، وأن الباعث للإستواء هو الجهد المبذول في خلق السماوات والأرض في الستة أيام الماضية. فحاولوا أن يثبتوا الإستواء بالكيفية التي يصورها الخيال البشري، ولكنهم لايريدون أن يبدوا وكأنه للراحة، فقالوا: والعرش والكرسي حق، وهو مستغن عن العرش وما دونه.(العقيدة الطحاوية)

    فالله جلس ولكنه ليس بحاجة للجلوس، كما أن جلوسه كان بطريقة تختلف عن جلوسنا، ولم يقولوا لماذا جلس. وما قالوه أربك قائله وقارئه على حد سواء: الإستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة[4].

    وليس هناك كبير فرق بين التراث اليهودي في تفسير نصوص الوحي وتراث المسلمين، عدا أن نص الوحي قد اختفى من كتب اليهود المقدسة وبقيت تصورات رجال الدين فقط، بينما بقي النص عند المسلمين حياً ممثلاً بالقرآن، وإن توارى معناه الحقيقي خلف تصورات رجال الدين.

    ويتبقى القول بأن ما حوته كتب اليهود المقدسة من النصوص التوراتية على ندرتها، تبدوا وكأنها نصوص قرآنية مترجمة للعبرية. وليس أدل على ذلك من أن الوصية الأولى من الوصايا العشر، والتي يسميها اليهود " السماع "، أي الشهادة، تقول: أدوناي إلوهيم، أدوناي إحد. وقد ترجمت في النسخة العربية للكتاب المقدس بهذه الصيغة: الرب إلهنا، رب واحد. وإلى اللغة الإنجليزية بهذه الصيغة: (The Lord our God, the Lord is one) وبرغم التراجم المتعاقبة على الكتاب المقدس من لغة إلى أخرى، والإختلاف في الثقافة والتمكن من اختيار الجمل بين مترجم و آخر وكاتب وآخر، فقد بقي هذا النص وكأنه ترجمة حرفية لجزء من الآية القرآنية:

    وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ.(البقرة:163)

    ومن التعاليم التي نص القرآن على أنها كانت موجودة في التوراة:

    وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ.(البقرة:83)

    وهو مطابق لما وجهه القرآن للمسلمين:

    وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا.(النساء:36) وفي آية أخرى: وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.(البقرة:110)

    ومما أورده القرآن حرفياً عن الوحي النازل في الزبور، قوله تعالى:

    وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ.(الأنبياء:105)

    ولذلك فمن البديهي أن يتحدث القرآن عن أحداث وقصص كثيرة ذكرتها كتب اليهود المقدسة مثل خلق آدم ومواقف إبليس منه، وقصة ابني آدم، ونوح، وابراهيم ولوط، وقصة فداء اسماعيل التي حورها رجال الدين اليهود لإسحاق. وقصة يوسف، وغيرها الكثير. وأن يفرض القرآن تشريعات فرضت على اليهود وعلى كل الأمم السابقة. فالدين كما أسلفنا، مصدره واحد، وإن وجدت اختلافات بين رسالة وأخرى ففي الجوانب الفرعية من الدين حسبما يفرضه المكان والزمان والبيئة.

    فمن المؤكد أن أنبياء شعوب الأمازون القدامى لم يتحدثوا عن التيمم، لوفرة المياة بسبب هطول الأمطار الإستوائية طوال العام. كما لم يطلبوا من النساء أن " يدنين عليهن من جلابيبهن." لأن البيئة حارة ورطوبتها خانقة لا يحتمل معها الإنسان أن يغطي جسده، مما جعل مفهوم العورة عندهم يعني تغطية المنطقة الخاصة جداً للرجل والمرأة على حد سواء بما تيسر من ورق الجنة (الغابة)، لأنهم يفتقرون للمهارة اللازمة لحياكة الأقمشة.

    ويمكن أن يوجد إختلاف في بعض التشريع بسببٍ ظرفي أو مكاني طارئ، مثلما حدث مع اليهود:

    وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ.(الأنعام:164)

    وهذا التحريم الإستثنائي استوجبه جرمٌ اقترفوه:

    فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا. وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا.(النساء:160-161)

    ولذلك فهذا التحريم لم يعمم على أمم أخرى.

    ومع أن الديانة اليهودية ديانة سماوية في الأصل، إلا أن كتب وتشريعات الصابئة أو مندائي كما يطلقون على أنفسهم، هي النموذج المثالي لبقايا الأديان السماوية القديمة، التي يمكن مقارنة بعض ما بقي من تشريعاتها بما جاء به الإسلام، للتدليل على أن الدين واحد، ونصوص وثيقته الأصلية المحفوظة واحدة.

    ذلك أن الديانة اليهودية، وإن كانت سابقة للإسلام، إلا أنها ليست قديمة قدم ديانة الصابئة، التي تعتبر أقدم ديانة على الأرض، حسب رأي معتنقيها الذين يعتقدون أن ديانتهم هي دين آدم وحواء، وأن كتبهم لازالت تحوي نصوصاً بقيت على الصورة التي نزل بها الوحي، أكثر مما بقي في كتب اليهود من التوراة، والتي من أهمها:" سدرا أو نشماتا " الذي يعتقدون أنه نزل على آدم أبى البشر، ومنه تستمد كل تشريعاتهم. وكتاب " سدرا آدم " آي صحف آدم، وكتاب " سدرا أُيهيا " أي صحف يحيى. بجانب العديد من الكتب الإخبارية الأخرى.

    وبما أن الإسلام هو الأحدث بين الأديان السماوية، وكتابه القرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي لازال يحتفظ بكامل نصوصه كما نزلت على محمد دون تغيير، فإن إتفاق ما تبقى من تشريعات أقدم ديانة مع ما جاء في القرآن، سيؤكد على وحدة الأديان وأنها جاءت كلها من وثيقة واحدة (أم الكتاب) المحفوظة بعلم الله بآلية (اللوح) التي علمها عند ربي.




    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] أنظر الموسوعة البريطانية

    [2] وبطبيعة الحال فاليوم على الأرض ومنذ خلق البشر يساوي تقريباً (24) ساعة مقمسة على اليوم والليلة، ولم يكن هناك أيام طول الواحد منها بطول أسبوع أو شهر أو سنة أو أكثر، وهذا ما أكده العلم الحديث.

    [3] ج1 ص 149 - جامع البيان في تفسير القرآن

    [4] عبارة إشتهر مالك ابن أنس بقولها وكررها الفقهاء السنة على الدوام، أنظر ترجمة مالك في سير أعلام النبلاء





    اقتضى التوضيح..

    في نسخة هذا الكتاب القيم التي كلفني وشرفي أخ كريم, في تقديمها..

    تم تكثيف النص لإمكانية إرساله كبريد الكتروني, مع ما يتيحه ذلك لي من إعادة ترتيب لشكل الصفحة وآياتها الكريمة, فقط.

    ولذلك لا يتطابق هذا الترقيم سواء في الفهرس المقدم أو في ترقيم الصفحات, مع الترقيم للنسخة المتداولة في الأسواق, والتي تتألف من حوالي ألف صفحة..

  8. #8
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    مقارنة بين الإسلام ودين الصابئة

    إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.(المائدة:69)


    لم يبق من الصايئة إلا أعداداً قليلة في العراق وإيران، يحتفظون بلغتهم الدينية التي تسمى الآرامية المندائية، أي أنها إحدى لغات جنوب الجزيرة العربية القديمة. وقد يكون الصابئة قدموا من تلك المناطق بعد أن تعرضوا للإضطهاد والذبح من قبل اليهود، على إعتبار أن اليهود وجدوا في جنوب جزيرة العرب.(أنظر موضوع الإسراء والمعراج في الملاحق)

    ومن معتقدات الصابئة وشعائرهم الدينية التي يمكن مقارنتها بالمعتقدات والشعائر الإسلامية، ما يلي[1]:

    أساس العقيدة
    فدين الصابئة يقوم على مبدأ أساسي هو الإيمان بالله واليوم الآخر. وهو نفس المبدأ الذي أقره القرآن للمسلمين بعد محمد وللأديان السماوية الأخرى كل في عصر رسوله:

    إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.(المائدة:69)

    الكعبة
    الصابئة يعظمون الكعبة والبيت الحرام في مكة، والكعبة يعظمها المسلمون وهي قبلتهم:

    قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ.(البلقرة:144) وتستمر الآية لتقول بأن كل الديانات كانت قبلتها الكعبة: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ.

    والكتاب هنا جاء بمعنى الدين، فليس المقصود بالذين أوتوا الكتاب اليهود فقط، بل كل من كان لديه دين سماوي سابق.

    والصابئة يؤمنون بأن الكعبة أول بيت وضع للناس، وقد بنيت في عهد آدم أو أحد أبنائه أو في عهد إدريس، وهو ما يتفق مع قوله تعالى:

    إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ.(آل عمران:96)

    الغسل من الجنابة
    حيث يجب عند الصابئة فيها النية المسبقة وأن يغتسل بماء جار غير راكد، أي طهور في نفسه مطهر لغيره كما وصفه رجال الدين المسلمون، وهو ما يتوافق تماماً مع التشريعات الإسلامية.

    الوضوء
    فلا تصح الصلاة بلا وضوء عند الصابئة. وهيئته كالتالي: يبدأ بالبسملة والتلفظ ببعض الأدعية قبل أن يلمس الماء، ثم يغسل يديه وهو يردد أدعية أخرى، بادئاً باليمين، ثم يغسل وجهه ثلاث مرات مستخدما يده اليمنى ويمسح على صدغيه، قبل أن يغمس سبابته في الماء ثلاث مرات وينظف بها أذنيه، ثم يتمضمض ويستنشق الماء ثلاث مرات. ثم يقوم بغسل رجليه بادئاً بالركبة ونزولاً للساق ثم القدم، مستمراً في ترديد أدعية لكل حركة يقوم بها في الوضوء حتى النهاية. وصورة الوضوء التي يعتقد الصابئة أنهم توارثوها منذ عهد آدم لا تختلف عن الوضوء الإسلامي لا في الشكل ولا في الترتيب والموالاة، عدا في أمرين ثانويين:

    الأول أن المضمضة والإستنشاق عند الصابئة تكون قبل غسل الرجلين، فيما جاء في الفقه الإسلامي أن غسل الوجه منه المضمضة والإستنشاق، بينما لم يأت لهما ذكر في القرآن، ويمكن أن يجوز الوضوء بدونها. فهل اعتقد فقهاء المسلمون أن المضمضة والإستنشاق لابد أنها تتبع الوجه لأن الفم والأنف في الوجه، أم أن قدم عهد النسخة المندائية أزاحتهما لما قبل غسل الرجلين.

    والثاني، أن المسلمين يكتفون بغسل القدمين إلى الكعبين كما ينص على ذلك القرآن:

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ.(المائدة:6)

    بينما يشمل غسل القدم الساق والركبة عند الصابئة. فهل السبب يعود لقدم العهد بالنسبة للصابئة أم أن الحاجة لغسل الركبة والساق انتفت في الإسلام بوجود الألبسة التي أصبحت تغطي الساق والركبة وتمنع تعرضهما للإتساخ؟

    نواقض الوضوء
    وهي نفسها نواقض الوضوء عند المسلمين: البول والغائط ، وخروج الريح. أما لمس الحائض، والنفساء، وأكل شئ قبل الصلاة، والتي لاتوجد عند المسلمين، فقد تكون من الأمور التي أضافها الفقه الصابئي لاحقاً.

    ولا يجيز الصابئة الصلاة لوقتين في وضوء واحد ولو لم ينتقض. فهل هذا اجتهاد من فقهاء الصابئة أم أن هذا ما ينص عليه قوله تعالى:

    يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ.(الأعراف:31)

    فإذا كانت الزينة تعني التزين باللبس والهيئة فلابد أن تنظيف الجسد جزء هام من التزين. وهو ما يفسر اقتصار الوضوء على غسل الأعضاء الظاهرة، كالوجه واليدين والرجلين. وبما أن المقصود بالمسجد هو الصلاة وليس البناء الذي تقام فيه الصلاة - لأن الآية مكية وموجهة لمن آمن مع الرسول في مكة في بداية الدعوة حيث لم يكن موجوداً سوى مسجد واحد. فيكون الوضوء لازم لكل صلاة من الصلوات الخمس في الإسلام، لأنه داخل في الزينة اللازمة لكل صلاة على حده. ويكون الترخيص في الصلاة بوضوء واحد لأكثر من صلاة، ترخيص فقهي جاء في عصر لاحق.

    عدد الصلوات في اليوم والليلة
    يقول الصابئة إن الصلاة كانت في عهد آدم سبع صلوات، وهي: الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، وصلاتين فيما بينهما. أما الآن فيصلون في ثلاثة أوقات فقط، هي: قبل طلوع الشمس، وعند زوالها، وقبيل غروبها. وينسبون هذا التخفيف إلى النبي يحيى.

    ويمكن تحسس أن الصلاة عند الصابئة في الأصل لم تكن سبع بل خمس فقط، لأنهم حددوا الخمس صلوات بأسمائها وأوقاتها المعروفة في الإسلام، بينما لم يحددوا وقت الصلاتين السادسة والسابعة بنفس الدقة ولم تسميا. وقد تكون أضيفتا نتيجة لاجتهادات فقهية، قصد منها زيادة التقوى عند الناس، ومع الزمن تحولت إلى ما يشبه الفريضة. مثلما هو حادث عند المسلمين فيما يسمى بصلاة التراويح، وصلوات السنن التي يرى بعض فقهاء المسلمون أن من فاتته لزم قضاؤها، مثلها مثل الصلاة المفروضة. ويكون اسم النبي يحيى قد اقحم في التخفيف إلى ثلاث صلوات بدل الخمس، حتى يلتزم الناس بالفتوى التي قررها رجال الدين من عند أنفسهم، والنبي يحيى منها براء.

    ومما بقي في هيئة صلاة الصابئة مشابه لصلاة المسلمين الوقوف والركوع والسجود، وإن اختلفت عدد الركعات والسجدات. فهناك (8) ركعات لصلاة الفجر، في كل ركعة (3) سجدات. و(5) ركعات، في كل ركعة (3) سجدات لصلاة الظهر، ومثلها لصلاة العصر.

    وعند الصابئة بقيت الإقامة للصلاة دون الأذان، وقد يكون سبب اختفاء الأذان في البداية قسرياً ثم مع الأيام إعتاد الناس الصلاة بدونه. وقد يعود إختفاء الأذان لما تعرض له الصابئة من الإضطهاد والذبح في موطنهم الأصلي من قبل اليهود.

    فهل كان الصابئة هم المعنيون في قصة الأخدود، عندما كانوا في موطنهم الأصلي جنوب الجزيرة وكان نزوح من بقي منهم إلى العراق للنجاة بأنفسهم:

    قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ. النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ. إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ. وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ. وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.(البروج:4-9)

    وكان من نتائج ذلك الإضطهاد أن اختفى الأذان بينما بقيت الإقامة، لأن الصابئة داوموا على أداء الصلاة بسرية.

    والإضطهادات الدينية تحدث باستمرار قديماً وحديثاً، وقد حدث أن منع الآذان في بداية قيام تركيا الحديثة على يد كمال أتاتورك، كما منع المسلمون الروس من أداء الصلاة والشعائر الإسلامية في بداية الثورة البلشفية، وكان كل من يثبت عليه أنه قد أدى الصلاة يحكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات، فكان المسلمون يصلون خفية وبدون أذان.






    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] المعلومات في هذا الفصل تعتمد على ما جاء في كتاب تاريخ الصابئة المندائيين/ محمد عمر حمادة بصورة رئيسية

  9. #9
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    الصوم
    أكد ابن النديم حسبما جاء في كتاب الصابئون في حاضرهم وماضيهم / عبد الرزاق الحسنى، أنهم يصومون ثلاثون يوماً. وإن كانت متفرقة وليست مجتمعة على شكل شهر واحد كما هي الحال عند المسلمين.

    وقد أورد محمد عمر حمادة في تاريخ الصابئة المندائيين أنهم ينسبون إلى النبي يحيى قوله: وآمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل معه ُصرة من مسك في عصابة، كلهم يجد ريحاً، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" والعبارة الأخيرة وجدت طريقها للتراث الإسلامي، ونسبت للرسول محمد.

    ومن جهة أخرى، فيبدوا أن كتب المسلمين الإخبارية قد استعارت الكثير من التراث الديني المندائي الذي أدخله فقهاؤهم على دين الله، ومن ذلك إعتقاد الصابئة بأن الإنسان إذا مات استقبله ملكان موكلان باستجوابه، فإن كانت أعمال المتوفى خيرة ذهبت روحه إلى النعيم ويوم القيامة توزن في الميزان الذي تشاهد نجماته في السماء. أما إذا كانت اعماله سيئة فإن روحه تعذب بحسب الذنوب المقترفة.

    والملكان عند المسلمين هما المنكر والنكير، كما جاء في خبر أورده الترمذي برقم (1065)، وهذا نصه: حدثنا أبُو سَلَمَةَ يَحْيى بنُ خَلَفٍ البَصْرِيُّ حدثنا بِشْرُ بنُ الْمُفَضَّلِ ، عَنْ عَبْدِ الرحمٰنِ بنِ إسْحَاقَ ، عَنْ سَعِيدِ بنِ أبي سَعِيدٍ الْمَقْبُريِّ ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ، قالَ: قالَ رسُولُ الله : إذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ (أوْ قالَ أَحَدُكُمْ) أتَاهُ مَلَكانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ. يُقَالُ لإحَدِهِما الْمُنْكَرُ وَالآخَرُ النَّكيرُ. فَيَقُولاَنِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ في هذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ مَا كانَ يَقُولُ: هُوَ عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ. أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَيَقُولاَنِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هذَا. ثمَّ يُفْسَحُ لَهُ في قَبْرِهِ سبْعُونَ ذرَاعاً في سَبْعِينَ. ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ. ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: نَمْ. فَيَقُولُ أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فأُخْبِرُهُمْ؟ فَيَقُولاَنِ: نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوس الَّذِي لاَ يُوقِظُهُ إلا أَحَبُّ أَهْلِهِ إلَيْهِ، حَتَّى يَبْعَثَهُ الله مِنْ مَضْجَعِهِ ذلِكَ. وَإِنْ كانَ مُنَافِقاً قالَ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ فَقُلْتُ مِثْلَهُ. لاَ أدْرِي. فيَقُولاَنِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أنَّكَ تَقُولُ ذلِكَ. فيُقَالُ لِلأرْضِ: الْتَئِمِي عَلَيْهِ. فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ. فَتَخْتَلِفُ فيها أضْلاَعُهُ. فَلاَ يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّباً حتَّى يَبْعَثَهُ الله مِنْ مَضْجَعِهِ ذلِكَ.

    ويقول عباس محمود العقاد:" لا يعرف دين من الأديان تخلو عقيدة الصابئة من مشابهة له في إحدى الشعائر[1]." وما لم يقله العقاد أن جميع الأديان لها شعائر واحدة في الأصل، وأن الإختلاف فيما بينها صناعة بشرية تشكلت ببطئ عبر الزمن.

    ومن الطبيعي أن يكون الدين واحد لأن الله واحد، وقد خلق البشر متساوين في الأسس التي تكون الشخصية البشرية. فهم من أب واحد وأم واحدة:

    ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تتساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا.(النساء:1)

    ولدى كل البشر الأسوياء نفس القدرات العقلية والذهنية والمشاعر والأحاسيس:

    لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم.(التين:4)

    وروح الإنسان أينما كان وكائناً من كان، هي جزء من روح الخالق:

    إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ.(ص:71-72)

    ولدى البشر إستعدادات عقلية واحدة:

    إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ.(الأنبياء:92)

    فكان العدل المطلق بين الناس جزء دائم من دين الله الذي جاءت به كل الرسل:

    لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ......(الحديد:25)

    وسيكون الحساب يوم القيامة لكل الناس وبصورة واحدة، وهناك جنة واحدة للمؤمنين ونار واحدة للمكذبين، فالنتيجة الطبيعية أن يكون الدين واحداً لكل الرسل.

    وقد أنزل هذا الدين (الكتاب) على ابراهيم:

    أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا. فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا.(النساء:54-55)

    وأنزل على ذريته من بعده:

    وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ.(العنكبوت:27)

    ونفس الكتاب نزل على موسى:

    ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ.(الأنعام:154)

    وتتابعت الرسل بعد موسى بنفس الكتاب و التشريع:

    وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ.(البقرة:87)

    وإلى عيسى:

    قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا.(مريم:30) وأوتي نفس الكتاب ليحيى: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا.(مريم:12) ولما جاء محمد أوتي نفس الكتاب:

    ألم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِين.(البقرة:1-2)

    قلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيم. وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ.(الأحقاف:9-12)

    وقد إختار الله للبشر منذ خلقهم ديناً واحداً سماه الإسلام:

    قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.(آل عمران:84)

    وكل من يتحول عن الإسلام (دين الله) كلياً إلى عقائد أخرى أو جزئياً بإضافة معتقدات للدين ليست فيه، فلن يقبل منه: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ.(آل عمران:85)

    فالدين المطلوب إتباعه هو الإسلام بصورته الناصعة الخالية من الشوائب والدنس مما قد يعلق بها من معتقدات ليست منها، ولذلك تتابعت الرسل لتجديد الدين وتنظيفه، وقد جاء محمد بآخر نسخة من دين الله وليكون ختاماً للرسل:

    مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا.(الأحزاب:40)

    وتكون تشريعات القرآن هي النسخة المحدثة والأخيرة المعمول بها من دين الله، منذ بعث محمد وإلى يوم القيامة، وتعطل العمل بأي نسخة قديمة من الدين كان معمولاً بها قبل ذلك.

    وبلغة شبيهة من لغة الحاسب الآلي، فالإسلام هو النسخة الأخيرة من الدين التي حلت محل أي نسخة أقدم منها وهيمنت عليها (Overwrite it):

    وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ.....(المائدة:48)

    والنسخة المحمدية الجديدة نسخة محمية ضد العبث والتقليد:

    قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا.(بني إسرائيل:88)

    وكما أن على مستخدم الحاسب في حال وجود خلل في نظام (Windows xp) أن يقوم بما يسمى (System Restore)، فإنه يتعين على المسلمين أن يعودوا إلى النسخة الأصلية للإسلام المتمثلة بالقرآن كلما حدث خلل في عقيدة المسلمين، لكي يعودوا لصافي العقيدة، ولن يكون هناك نسخة أحدث يأتي بها مسيح أو مهدي بعد محمد ابن عبدالله. وأ

    وفي الباب القادم سيكون الحديث عن موقف الناس من الدين عبر العصور.




    مصادر الباب



    القرآن الكريم

    سيرة ابن هشام/ الناشر: دار المعرفة – بيروت

    تاريخ الطبري / الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت

    البداية والنهاية / ابن كثير/ الناشر: مكتبة المعارف – بيروت

    البحث عن يسوع/ كمال سليمان الصليبي/ الناشر دار الشروق للنشر والتوزيع – عمّان

    التوراة جاءت من جزيرة العرب/ كمال سليمان الصليبي – دار الساقي –بيروت.

    خفايا التوراة/ كمال سليمان الصليبي.

    موجز تاريخ الأديان/ فيليسيان شالي/ حافظ الجمالي/ طلاس للدراسات والترجمة - دمشق.

    تاريخ الصابئة المندائيين/ محمد عمر حمادة - دار قتيبة للطباعة والنشر - دمشق

    كتاب الصابئون في حاضرهم وماضيهم / عبد الرزاق الحسنى – مركز الأبجدية.

    من قاموس الأديان/ أسعد السحمراني – دار النفائس – بيروت.

    الصابئة المندائيون /الليدى دراور/ ترجمة نعيم بدوي وغضبان رومي.

    المندائيون الصابئة/ محمد الجزائري - المعهد الملكي للدراسات الدينية.

    تاريخ الأديان وفلسفتها/ طه الهاشمي – دار مكتبة الحياة – بيروت.

    جامع البيان في تفسير القرآن/ ابن جرير الطبري – طباعة ونشر دار المعرفة - بيروت

    الجامع لأحكام القرآن/ أبو عبدالله القرطبي/ دار الكتب العلمية – بيروت

    تفسير القرآن العظيم/ ابن كثير/ دار إحياء التراث العربي – بيروت

    التفسير المنسوب لإبن عباس/ يعقوب الفيروزأبادي – دار الفكر – بيروت.

    موطأ مالك / الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت

    كتاب البخاري / الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت

    كتاب مسلم / الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت

    مسند أحمد / الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت

    سنن الترمذي / الناشر: دار المعرفة – بيروت

    سنن أبو داوود / الناشر: مكتبة الريان – بيروت

    العقيدة الطحاوية / أبو جعفر الوراق الطحاوي/ الناشر غير معروف

    الإصابة في تمييز الصحابة / ابن حجر العسقلاني / الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت

    الإستيعاب في معرفة الأصحاب / ابن عبد البر القرطبي / الناشر: دار الكتب العلمية

    أسد الغابة في معرفة الأصحاب / ابن الأثير الجزري / الناشر: دار المعرفة – بيروت

    سير أعلام النبلاء/ الذهبي/ دار الفكر – بيروت

    القرآن والتوراة والإنجيل والعلم/ موريس بوكاي/ دار المعارف - القاهرة

    الكتاب المقدس/ طباعة ونشر جمعية الكتاب المقدس في الشرق الأدنى.

    النسخة الإنجليزية من الكتاب المقدس The New King James Version – Thomas Nelson, USA

    Who Wrote The Bilble, Richard Elliott Friedman - Summit Books– N.Y.,USA.




    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] نقلاً عن كتاب المدخل إلى دراسة الديان والمذاهب- عميد/ عبد الرزاق محمد أسود - ج 1 ص 114-115

  10. #10
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    الباب الثاني

    موقف الناس من الدين عبر العصور
    وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ. وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ. كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ.(الحجر:10-13)



    _ تقريباً كل الأديان الموجودة على وجه الأرض كانت في الأصل ديانة سماوية جاء بها رسول من رسل الله، ولكنها تحورت مع الأيام بواسطة أتباعها.

    _ كل البشر على مر العصور والأزمنة، السابقة واللاحقة لهم مواقف ثابتة لا تتغير من دعوات الرسل والدعوات التصحيحية للدين، سماها القرآن سنة الأولين، وتمر بأربع مراحل.

    _ الأغنياء والزعماء ورجال الدين يقودون بقية الناس للوقوف ضد دعوات الدين التصحيحية في كل مكان وزمان.

    _ كون الرسول أو الداعي للتصحيح الديني بشر من عامة الناس من أهم الأسباب التي من أجلها يرفض الناس العودة لصافي الدين، إضافة لصعوبة التصديق بالبعث وحب التمسك بالموروث وكون الدين كل لا يتجزأ وحب الشهوات والملذات.


    يعتنق سكان الأرض أدياناً وعقائد متنوعة. بعضها يؤمن معتنقيها أنها أديان سماوية أنزلها الله على الرسل، وأنهم لازالوا متمسكين بها بصورتها التي نزلت عليه من السماء، وبعض المعتقدات يتمسك بها أصحابها، دون أن ينسبوها للسماء، ولكنها في نظرهم أصدق وأكثر صحة من أي معتقدات أخرى.

    ولا يوجد أهل ديانة يعتقدون أن ديانتهم أقل شأنناً، من أي ديانة أخرى، ولذلك يصعب على غيرهم إقناعهم بخلاف ذلك، مهما كانت الدعوة التي يُدعون إليها صحيحة ومهما كانت عقيدة المدعو باطلة لا تقوم على أساس.

    وقد واجه الرسل كثيراً من العنت عندما دعوا أقوامهم على مر التاريخ لدين الله، دون أن يصغي إلى دعواتهم إلا قليل جداً من الناس، عادة ما يكون معظمهم من الطبقة المسحوقة في المجتمع، أما غالبية المجتمع فقد تمسكوا بعقائدهم الموروثة وحاربوا الدعوة الجديدة، لأنها في نظرهم، دعوة خارجية هدامة، جاءت لتشكك الناس في عقيدتهم الصحيحة التي ورثوها عن آبائهم.

    ويبين القرآن أن دعوة الرسل تمر بأربع مراحل تكررت باستمرار مع جميع الأمم السابقة، برغم ما بينها من فوارق زمنية ومكانية واجتماعية. وهذه المراحل هي:



    1. استقبال الناس للدعوة
    فمنذ أن يبدأ الرسول دعوته ينقسم الناس حيال الدعوة إلى فئتين:

    الفئة الأولى قلة قليلة يؤمنون بالرسول ويتكون معظم أفرادها من المستضعفين والمسحوقين في المجتمع وقليل من أناس آخرين من طبقات مختلفة يكون دافعهم الأول لاعتناق الدين الجديد، سخطهم على المجتمع وبحثهم عن فرص أفضل في ظل الدين الجديد، ونحن هنا نتحدث عن الدافع الأول وليس عن الفترة اللاحقة للمؤمن التي يقتنع فيها بصدق الدعوة، لمن يحسن إيمانه.

    وتقابل الفئة المؤمنة بالاستهجان والسخرية والاضطهاد من قبل بقية أفراد المجتمع بكافة ميوله واتجاهاته وطبقاته الاجتماعية وهم الفئة الثانية الذين يبقون على معاداتهم للرسول ومن آمن معه:

    تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ. وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ.(الأعراف: 101-102)



    2. استمرار الدعوة
    مهما استمرت الدعوة فإنه لن يؤمن بالرسول إلا من آمن، وسيبقى الوضع على ما هو عليه ولو طال بقاء الرسول بينهم لمئات السنين:

    وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ.(العنكبوت: 14)

    ومع أن نوحاً بقي يدعوا قومه طوال تلك المدة إلا أن قومه لم يتقبلوا دعوته:

    وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ. وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ.(هود: 36-37)

    وبرغم أن نوحاً أبلغهم بأن الطوفان قادم وأنه سيهلك كل من لم يؤمن، إلا أن موقف قومه تجاه الدعوة بقي كما هو: وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ. فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ.(هود: 38-39)

    وما حدث لنوح مع قومه حدث لبقية الرسل الذين ذكرهم القرآن، وإن لم يبقوا في قومهم كما بقي نوح.



    3. نهاية المعارضين ونجاة الرسول ومن معه
    في نهاية المطاف ينجي الله الرسول ومن آمن معه ويهلك المعاندين، ليس لأنهم لم يستجيبوا لدعوة الرسول ولكن لأنهم حاولوا طمس دين الله بكل السبل ومنع غيرهم من الدخول فيه:

    حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ.(يوسف:110)

    فكان القضاء عليهم رأفة بغيرهم من الأجيال التالية لكي تنشأ وتتربى على التشريعات الدينية الجديدة، وتنقذ أنفسها من النار: إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.(يونس:44)

    وكثيرة هي الآيات القرآنية التي توضح ذلك، ومن هذه الآيات ما ورد في سورة الذاريات:

    وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ. فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ. وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ. مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ. وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ. فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ. فَمَا اسْتَطَاعُوا مِن قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنتَصِرِينَ. وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ.(الذاريات:38-46) ...

    ثم تتواصل الآيات:

    كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ.(الذاريات:52-53)

    4. مرحلة تحول الناس عن الدين
    بعد أن ينجي الله الرسول والذين آمنوا معه، تنتهي مهمة الرسول، وبعد وفاته يكون الناس هم المسئولين عن حفظ الدين. ولكن جرت العادة أن يتحول الناس عن الدين مع الزمن إلى عقائد وتشريعات أحدثوها وأدخلوها على الدين وأصبحت جزء منه، بل وحلت محل التشريعات الإلهية. وبعد عدة أجيال يتمسك الناس بما استجد من تشريعات ويتوارى الدين الحقيقي عن الأنظار، فيصبح أحفاد المؤمنين بالرسول بحاجة لرسول آخر يعيدهم للدين القويم، فيرسل الله رسولاً آخر، ليتكرر معه الموقف وتتكرر مراحل الدعوة من جديد.

    والسبب المؤثر لتحول الناس عن الدين هو أنهم بعد دخولهم الدين الجديد، يحتفظون بالكثير من مظاهر ثقافتهم وتراثهم السابق المتأصل، وبعد وفاة الرسول تبدأ هذه الخلفيات الثقافية والتراثية تعود للطفو على السطح، وبما أن الدين يحاربها، فإن الكثير منها يتم تلبيسه للدين وتحويله إلى جزء لا يتجزأ منه، فيحافظ الناس على موروثاتهم السابقة المخالفة للدين بنسبتها إليه. إضافة إلى أنه كلما تقادم الزمن كلما دخل في الدين ما ليس فيه حتى يعود الدين غريباً بين الناس كما بدأ، فيحتاج الناس لرسول آخر يعيدهم لطريق الصواب.

    وقد ذكر القرآن العديد من الأمثلة على مواقف الأمم السابقة من الرسل، وجميعها مرت بالمراحل الأربع المذكورة، وكل تلك الأقوام التي ذكرها القرآن كانت تسكن جزيرة العرب، وقد سمعت قريش بما حل بهم، وتعرف مساكنهم، لعل قريش تأخذ العبرة مما حدث لهم. ولو كانوا في مناطق بعيدة وغير معروفين لقريش فلن يكون لسرد ما حدث لهم أي تأثير أو عبرة.

    ومن تلك الأمم قوم نوح:

    لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. (لأعراف:59)

    ولكن دعوة نوح قوبلت من معظم أفراد المجتمع بالتكذيب:

    قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ.(الأعراف: 59-60)

    والنتيجة نجاة الرسول والقلة الذين آمنوا معه وهلاك المكذبين:

    فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ.(الأعراف:64)

    ومثلهم قوم عاد:

    وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ. قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ. أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ. أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ. : فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ.(الأعراف:65-72)

    وقوم صالح:

    وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ. قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ. قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ. فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ.(الأعراف:73-78)

    وقوم لوط:

    وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ. إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ. وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ. فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ. وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ.(الأعراف:80-84)

    وقوم شعيب:

    وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ. وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ. قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ.(الأعراف:85-88) ....... فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ.(الأعراف:91)

    هذا هو موقف الناس من الدين، وهذا ما جعل إرسال الرسل حاجة ملحة للعودة بالناس للطريق المستقيم. أما سبب عدم قبول الناس دعوة الرسل فهو ما سنتعرض له في الأسطر القادمة
    التعديل الأخير تم بواسطة الشايب ; 2006-05-30 الساعة 12:48

  11. #11
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    الدين ثورة إجتماعية لا يرحب بها الناس
    قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ.(يونس:78)



    الدعوة للدين التي أرسل بها الرسل هي عبارة عن دعوة إلى ثورة إجتماعية شاملة لنسف معتقدات وعادات وتراث وشخصية المجتمع التي تشربها على مدى عشرات ومئات السنين. ويقود هذه الثورة شخص عادي مجرد من القوة والنفوذ، وليس من أهل الزعامة والسلطة والجاه، وغير مدعوم بجيش أو مال، وكل سلاحه وعود غيبية لايمكن إثبات صدقها بأدلة محسوسة.

    والناس جبلوا على عدم تقبل التغيير بسهولة، خاصة تلك التي تمس العادات والتقاليد والديانة، لأن التراث الإجتماعي هو شخصية الأمة وكيانها، والقبول بتغييره يعني إعتراف بوجود قصور أو نقص أو عيب في تلك الشخصية، وهو نقد لا يحبذ الإنسان الإعتراف به داخل نفسه، ويكره سماعه من الغير، وبالتالي فلن يقره أو يقبل به.

    والتغييرات التي تحملها الدعوة الإلهية تكون مفاجئة وليست متدرجة، وإلا فالتغيير جار في كل المجتمعات الإنسانية وباستمرار. وكل جيل يتشبث بما اعتاده من تراث وتقاليد وينفر مما أحدثه الجيل التالي من تغييرات يراها وكأنها خارجة عن الذوق العام وخالية من المسئولية.

    والتغيير في الحياة العادية مستمر، ويمكن ملاحظة أن كل جيل سيكون في بدايته ثائراً على الموروثات ويحاول فرض أسلوب حياته الجديد في طريقة التفكير والملبس والتصرف وقص الشعر والمظهر وكل جوانب الحياة الأخرى، معتبراً ما وجد الجيل السابق يفعله عتيقاً لايتناسب مع عصره. وتمر السنين وينشأ جيل جديد بأفكار وتصرفات ومظاهر جديدة، ويصبح الجيل السابق الذي كان ثائراً، جيلاً محافظاً يتمسك بما لديه من تراث بعضه ورثه من أجيال سابقه، وبعضه كان قد أحدثه، وهذه الصورة مستمرة بالتكرار منذ نشأ البشر على الأرض وستدوم ما بقي الناس عليها.

    والتغير في المجتمع يشمل كل مجالات الحياة، ومن ذلك الأساليب في إدارة الأعمال والدول، وإن كان التغيير يتم أسرع في بعض المجالات بينما يتباطأ في مجالات أخرى.

    والتغير في العقائد يتم عبر الأجيال مثل التغير في الذوق الموسيقي أو طريقة المأكل والملبس، ولكن بطريقة مختلفة. لأن الدين يشتمل على مواضيع وجوانب كثيرة ومتشعبه، ويتم التحول في هذه المواضيع والجوانب حسب درجة التأثيرات المحيطة في كل منطقة أو مجتمع أو مجموعة على حده. ولذلك لا تتغير هذه الجوانب كلها بنفس الوقت والسرعة والنوعية عند كل أهل المعتقد في كل مكان. وقد يحدث تغير في جانب من جوانب العقيدة في مكان أو عند فرقة معينة دون أن يطرأ على نفس الجانب نفس التغير في مكان آخر أو فرقة أخرى، وهذا ما يفسر ظهور الفرق والمذاهب التي تختلف في المسائل الفقهية في الدين الواحد.

    والتغير في المعتقد يقابل بمعارضة إجتماعية أشد من التغير في أي مجال آخر. ولكن متى ما قبل المجتمع التغير فإن رسوخ المعتقدات تتم بصورة أعمق من رسوخ التغيرات في المجالات الأخرى، لأن المعتقدات المتبناة تصبح جزءً من ثقافة المجتمع وشخصيته يصعب التخلي عنها.

    ولذلك نجد أن التعاليم الهندوسية قبل 1000 عام ليست هي التعاليم الهندوسية الحالية، وديانة اليهود في عصر موسى تختلف جذرياً عما يفعله ويعتقده ويؤديه الجيل الحالي من اليهود باسم تلك الديانة. وما كان مطبقاً زمن الرسول محمد باسم الإسلام يختلف عما يمارسه ويعتقده المسلمون باسم الإسلام اليوم. ومعتنقوا هذه الديانات الحاليين لا يمكن أن يتقبلوا بسهولة فكرة العودة إلى الصورة الأصلية التي كانت عليها دياناتهم، لأنهم يعتقدون أن ما هم عليه هو الوجه الحقيقي والصحيح للدين.

    ومنذ وجد الإنسان على الأرض والمفاهيم الدينية تتحور ويتحول الناس عن جوهر الدين مع مرور الزمن، فيبعث الله الرسل لإعادة الناس للدين الصحيح:

    كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. (البقرة: 213)

    فجاءت الحاجة لأن يرسل الله الرسل تباعاً على مر التاريخ للناس لإعادتهم لدين الله الذي كان يوماً ديناً لأجدادهم الذين نجوا مع رسول سابق من عذاب الله الذي أهلك بقية مجتمعهم لإمتناعهم عن العودة لجوهر الدين في وقتهم:

    وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًَا بَصِيرًا.(بني إسرائيل:17)

    فقوم عاد كانوا سلالة من آمن ونجا مع نوح، ولكن التغير المستمر في العقيدة حولهم إلى عبدة أوثان، فأرسل الله هود لهدايتهم:

    وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ........ أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.(الأعراف:65-69)

    وكان قوم ثمود يتحدرون من القلة القليلة الذين آمنوا مع هود من قوم عاد ونجوا من الريح التي أهلكت بقية مجتمعهم:

    وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ.(الأعراف:73-74)

    كما أن قريش كانوا متعصبين لديانتهم التي تحورت من ديانة أسلافهم إسماعيل وأبناءه الذين كانوا يدينون بديانة أبيهم ابراهيم:

    وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ.(الحج:78)

    وكل الأمم والمجتمعات القديمة، قد تحدرت عقائدها الوثنية عبر الزمن من دين الله الصافي الذي كان يوماً دين أسلافهم الأولين:

    وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا. وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا.(الفرقان:37-38)

    وعادة ما يكون التحور عن جوهر الدين مدعوماً بفتاوى وإجتهادات رجال الدين ليتخذ صفة الشرعية والقبول لدى الناس:

    اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ.(التوبة:31)

    ويتم ذلك بدوافع الورع والحرص على حفظ الدين، ومحاربة الفساد وسد الذرائع لئلا يقع الناس في المحظورات المستجدة، وكأنهم أحرص من الله جل وعلى على دينه:

    وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ.(النحل:116)

    وأحياناً بدوافع وتأثيرات مختلفة أخرى مقصودة وغير مقصودة، سياسية كانت أو إجتماعية:

    إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ.(البقرة:159)

    وشيئاً فشيئاً عبر الأجيال، ترسخ العقائد البديلة في المجتمع وتحل محل العقيدة الأصلية، وتصبح جزءً من التراث الإجتماعي للأمة:

    وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ.(البقرة:170)

    ويتعصب الناس للمفاهيم الجديدة لدرجة تأويل النصوص الشرعية الأصلية إلى غير معانيها لتتوافق مع عقائدهم المستحدثة. وفي ذلك يقول ابو الحسن عبد الله الكرخي: "كل آية تخالف ما عليه مذهبنا فهي مؤولة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فهو مؤول او منسوخ ". (الرواية وردت على لسان ابى حيان التوحيدي بتحقيق الشيخ محمد الخضري في كتابه "تاريخ التشريع الإسلامي" ط8-ص292-القاهرة 1975)

    ويقول الله تبارك وتعالى في حق مثل هؤلاء:

    فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ.(لأعراف:37)

  12. #12
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    ويستمر التحول والتغير حتى لا يبقى من المعتقدات الأصلية سوى القليل المحاط ببدع وخرافات مستحدثة، وهو ما يمكن ملاحظته لدى بعض الديانات التي يطلق عليها وثنية. فالبقرة لدى الهندوس ليست إلهاً بذاتها ولكنها رمزاً للإله استوجب التقديس، لأن رجال الدين الهندوس في فترة من فترات تاريخهم إعتقدوا أن الإله أقدس من أن يعبده الناس مباشرة وبدون وسيط، وشيئاً فشيئاً نمت فكرة الوسيط وتبلورت لاتخاذ البقر.

    وفكرة الوسيط وجدت في معتقدات كثيرة، وكانت موجودة لدى قريش. فقد كانوا لا يعبدون الأوثان لذاتها ولكن لأنها الوسيط بينهم وبين الله:

    أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ.(الزمر:3)

    وقد عرفت اليهودية هذا التحول في صلة البشر بالخالق بطريقة أخرى. حيث أصبح في فترة من فترات تاريخهم من غير اللائق أن يذكر الإنسان لفظ الجلالة مجردا، تنزيهاً له كمطلب شرعي، كما هو الحال الآن مع المسلمين الذين لايذكرون اسم الله مجرداً ولكن مصحوباً بعبارت الإجلال والتقدير، فيقال مثلاً: الله جل جلاله، أو الله سبحانه وتعالى. ولكن اليهود مع الأيام وصل بهم الحرج من التلفظ باسم الجلالة منفرداً إلى أنهم قالوا يجب أن يشار إليه، بدل التصريح بإسمه، فلا يقال الله ولكن يقال (هو).

    وقد يكون هذا الضمير (هو) أصل لفظة (ياهوا أو ياهوه) التي أصبحت إسماً لله عندهم، وأصبح الآن إسماً لأحد الفرق الدينية الجديدة، التي تفرعت من المسيحية والمعروفة بشهود ياهوا.(وهذا رأي شخصي قد لا يكون صحيحاً)

    وهكذا تتحول التشريعات الدينية إلى الخرافة، وهذا ما يدحض رأي بعض العلماء المهتمين بدراسة الأديان، الذين يعتقدون بأن فكرة الدين ولدت بشكل بدائي، تمثّل بتقديس الحيوانات والظواهر الطبيعية الموجودة في البيئة المحيطة بالإنسان، وتطورت حتى أصبحت ديانة توحيدية تدعوا لعبادة إله واحد.

    إذ لو كانت الخرافة سابقة للدين لتحولت الخرافة إلى دين بدل أن تتحول أسماء الرسل إلى آلهة وثنية خرافية، ولما كانت أرض مكة واليمن عند مجيء الإسلام تزخر بالآلهة. فقد كان هناك إله للخصوبة وإله للمطر وإله لكل شيئ، مع أن هذه البلاد كانت مهداً لأديان سماوية متتالية عددها القرآن وذكر رسلها.

    وقد ذكر الدكتور كمال سليمان الصليبي في كتابيه التوراة جاءت من جزيرة العرب وخفايا التوراة أن أسماء أنبياء الله السابقين لبني إسرائيل الذين جاء ذكرهم في كتب اليهود المقدسة تحولت إلى آلهة دينية خرافية. حيث تحول ابرهام (ابراهيم) لإله المطر أبو رهم، وتحول يوسف إلى الإله إساف، بل وتحول كل شخص تاريخي إلى خرافة وأسطورة وثنية.

    وقبول فكرة وجود الدين أولاً هو ما يفسر وجود بعض التشابه في المعتقدات القديمة التي عند الشعوب البدائية برغم أنها لم تتصل ببعضها، وتشابه تلك المعتقدات مع ما جاء في القرآن الكريم والتوراة.

    ويبقى الإصرار على التحول عن الدين وعدم القبول بالرجوع لصافي العقيدة من أهم صفات الإنسان في كل المجتمعات، حتى أطلق القرآن على هذه الصفة سنة الأولين:

    وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً.(الكهف:55)

    وتكون الدعوة الإصلاحية للعودة إلى جوهر الدين أصعب من الدعوة لدين جديد، لأن الناس يعتقدون أنهم متمسكون بالدين بأنقى صوره، وكل ما يخالف ما هم عليه خروج عن الدين يستحق من يدعوا إليه العقاب.

    ولذلك فلن يقتنع بعض الشيعة بأن من يسمونهم بالأئمة ليسوا بأولياءً لله، لأن الله هو الولي سبحانه، ولن يقتنع البعض منهم أن النواح وإيذاء النفس في ذكرى قتل الحسين ما هو إلا بدعة خرافية، لأنه لا تزر وازرة وزر أخرى في الدين، ولأن دين الله لا يمثله الحسين، ولأن الحسين بشر من بين بني البشر إن أساء فلنفسه وإن أحسن فلها، وليس له تميز في ميزان الإسلام.

    كما أن بعض السنة في نجد، السعودية، لن يقتنعوا أن تغطية المرأة لوجهها ليس من الدين، أو أن للمرأة وحدها الحق في تزويج نفسها بدون ولي.

    وكلا الفريقين السني والشيعي سيواجهون كل من يعارضهم، بأحاديث منسوبة للرسول وحجج وبراهين تؤكد صدق مواقفهم، وإن لم يقتنع بها من خالفهم.

    ومن أمثلة تمسك الناس بالعقائد البديلة التي ترسخت في المجتمع ولو خالفت عقائدهم الأصلية، أن أهل البلاد الأصليين في أمريكا الجنوبية ومعظم سكان الفلبين اليوم يتعصبون للديانة المسيحية الدخيلة عليهم والتي فرضها عليهم الغزاة الأسبان بالقوة والبطش، ولا يرضون لها بديلاً، ولو كان البديل هو العودة لعقائدهم الأصلية التي كان أسلافهم يعتنقونها عندما غزاهم الأسبان، والذين مات الكثير منهم حرقاً على أيدي الغزاة في سبيل الإبقاء على معتقداتهم وعدم التحول للمسيحية.

    ومن ذلك قصة الزعيم الهندي الأحمر الذي حكم عليه الأسبان بالموت وقبيل تنفيذ الحكم تقدم إليه قس أسباني طالباً منه أن يؤمن بيسوع لكي يدخل الجنة، فتساءل الزعيم الهندي إن كان في الجنة أسبان؟ فأجابه القس بنعم. فقال الزعيم الهندي: إذا لا أريد أن أذهب لجنة يدخلها الأسبان.

    واليوم فإن أحفاد ذلك الزعيم متعصبون للمسيحية أكثر من الأسبان الذين أجبروهم على دخولها، ولو قام ذلك الزعيم الهندي من قبره وطلب منهم العودة لدينه، دين الأجداد، الذي يقول بإله واحد، لقتلوه كما قتله الأسبان.

    ومثلهم الفلبينيون الذين لن يقبلوا بالرجوع للإسلام الذي أرغمهم الأسبان على التحول عنه في بداية القرن السابع عشر عندما غزوا الفلبين.

    ولذلك أصبحت كل المعتقدات والأديان عند تابعيها، نقل وليست عقل. لأن النقل يعني الإبقاء على آراء السابقين والموروث الديني كما هو، أما العقل فهو نقد لتلك الآراء وكشف عيوبها أو زيفها.

    ويؤكد القرآن أن كل الأمم قد أرسل الله لها رسلاً، وأن كل الأمم قد تشابهت مواقفها من رسلها، برغم تباعدهم في المكان والزمان:

    ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ.(المؤمنون:44)

    والعلة وراء ذلك تعود، كما أسلفنا، إلى أن الدين يأت به رجل واحد يحمل في دعوته ما يتعارض مع المصالح المادية والمعنوية والإتجاهات الفكرية لكافة فئات المجتمع وأجياله، فهو فرد واحد ضد الجميع، وليس جيلاً كاملاً من الناس ضد جيل آخر، مثلما يحدث مع التغيرات التي تطرأ على مجالات الحياة الأخرى. كما أن دعوة الرسل لا تشابه الإنقلابات السياسية أو الإجتياحات العسكرية الأجنبية التي تسيطر على حكم البلاد وتفرض التغييرات الإجتماعية والسلوكية والعقائدية التي تريد بالقسر ودون تأخير. وحتى لو لم يقبلها الناس في حينها إلا أنهم لا يستطيعون معارضتها علناً خوفاً من البطش، فتتحول المعارضة إلى صمت، قبل أن يتبنى المجتمع شخصيته الجديدة ويتشبث بها مع توالي الأجيال. ولذا فلن يقبل الأسباني المسيحي اليوم أن يعود للإسلام، دين أجداده، الذين أجبرتهم محاكم التفتيش على التحول عنه للمسيحية.

    ودائماً لايستجيب لدعوة الرسول سوى قلة قليلة من الناس، تكون غالبيتهم من الضعفاء والمسحوقين في المجتمع:

    قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ.(الأعراف:75)

    إضافة لقلة من الذين لديهم طموحات شخصية لم يستطيعوا تحقيقها تحت ظل الظروف المسيطرة على مجتمعهم، فيتحولون للدين الجديد أملاً في تحقيق أهدافهم تحت مظلة الوضع الإجتماعي الذي سيخلقه الدين الجديد.

    أما السواد الأعظم من الناس فينظرون للرسول على أنه قد بادرهم في عقر دارهم بحرب شاملة، لا هوادة فيها ولا تحفظ. فأصبح لزاماً على الأمة الدفاع عن سلطانها ونفوذها، وأموالها ومصالحها الشخصية، وطريقة حياتها ومتعها، وتراثها وعاداتها، ومعتقداتها. ومن الطبيعي أن يشنرك في جيش الدفاع كل أفراد المجتمع من الحاكم وحتى أقل الناس شأناً، لأن هجوم الرسول يكون شاملاً ضد كل أحد بغض النظر عن مكانته الإجتماعية أو جنسه أو لونه، فيستبسل الجميع في الذود عن الأمة والوطن، وترخص أرواحهم في سبيل ذلك، معتبرين كل من تسول له نفسه التعاون مع الرسول، خائن لأمته ويجب عليه إما أن يعود لرشده وإلا حكم عليه بالموت أو على الأقل الحرمان من شرف الإنتماء للعشيرة أو المجتمع.

  13. #13
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    وعادة ما يبقي الناس على نظرتهم الأحادية الجانب بالنسبة للرسول ودعوته، ويعتبرونها شر لا خير فيه، ولا يسمحون لأنفسهم الإستماع لوجهة نظر الرسول والنظر للدعوة من تلك الزاوية، مما يعني استحالة قبولهم التعايش سلمياً مع الرسول ومن آمن معه:

    قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ.(الأعراف:88)

    بينما يتسلح الأنبياء بالصبر ودماثة الخلق والهدوء، لأن الله قد روضهم على تفهم وجهة نظر الناس المعارضين لهم وكيف ينظرون للدعوة من زاويتهم فقط. فلم تكن لغة الحرب واستخدام القوة لفرض الدين على الناس عنواناً لأي دعوة إلهية على مر العصور. بل إن غالبية الرسل الذين تحدث عنهم القرآن لم يشنوا أي حرب ضد من لم يؤمن بهم، وصبروا على كل أنواع الأذى الذي لقوه من قومهم، حتى أذن الله بهلاك معارضيهم ونجاة الرسول ومن آمن معه.

    فيما إضطر رسل آخرون للدخول في حرب دفاعية ضد من لم يؤمن للإبقاء على الدعوة، ولم تكن حروباً هجومية لسحق الأعداء:

    أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِين. وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ. وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ.(البقرة:246-251)

    وفي زمن محمد خاض صلوات الله وسلامه عليه ثلاث حروب (بمعنى مواجهة حربية بين جيشين) هي: بدر وأحد وحنين.

    وكانت كلها لقتال من يقف ضد قيام دولة الإسلام وليس لإجبار الناس على دخول الإسلام:

    وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ.(البقرة:190)

    فكان القتال ضد من يحمل السلاح، ولا يجوز التعدي على سواهم، أو قتال من ألقى السلاح ولو لم يؤمن:

    فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.(البقرة:192)

    لأن قتالهم كان فقط للدفاع عن الدعوة ضد من يقف في سبيل نشرها ويريد القضاء عليها، وليس لإجبار الناس على الإيمان بها:

    وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ.(البقرة:193)

    وفي العصر الحاضر برغم كل ما وصل إليه الإنسان من تحضر ورقي في المفاهيم الإنسانية وحرية الفكر والرأي فلا زال متأخراً جداً في محاولة تفهم وجهة النظر الأخرى أو التعرف على الزاوية التي ينظر من خلالها من يخالفه الرأي حول موضوع معين.

    نجد هذا في سلوكيات الدول والجماعات والأفراد، فالولايات المتحدة تصم آذانها عن سماع أي صوت لا يتناغم مع نوتتها الموسيقية، وتغمض أعينها عن أي نهج يختلف عن نهجها السياسي، وتعتبر أن كل ما هو أمريكي فهو مقدس وإلهي، وما سواه فهو شرير شيطاني، وتشن حروبها في طول الأرض وعرضها لمناصرة الحق الذي يراه غيرها باطل، وسحق الباطل الذي يراه أهله حقأ مقدساً، ولا تسمح بنظرة رمادية بين ما خلقته لها من بياض ولغيرها من سواد.

    ونظرة أمريكا الأحادية هي نفس النظرة المتبادلة بين الحكام العرب ومواطنيهم. فالحاكم ظالم لو نظر إليه من الزاوية التي ينظر بها المواطن، وعادل من الزاوية التي ينظر بها الحاكم لنفسه. والمواطن متعد وإرهابي لو نظر إليه من الزاوية التي ينظر بها الحاكم، ومظلوم مسحوق لو نظر إليه من الزاوية التي ينظر بها المواطن لنفسه. وفي كلا النظرتين شيئ من الحقيقة، ولكن لا يمكن رؤيتها إلا بنسبتها إلى شيئ آخر، لأنها حقيقة نسبية. ويتم ذلك من خلال النظر من كلا الزاويتين في نفس الوقت، أو من خلال نظرة محايدة، والإيمان بأنه لا وجود لحقيقة مطلقة يراها الجميع كل من زاويته على حده.

    وبما أن الرسول يتبع إرشادات إلهية ولا يتصرف من تلقاء نفسه وحسب ما تمليه عليه مشاعره، فإنه لايجد صعوبة في التنازل والنظر من نفس الزاوية التي ينظر بها الناس، وبالتالي تفهم موقف الناس الرافض من دعوته. أما الناس فيتصرفون حسب رغباتهم ومصالحهم الشخصية التي هي مبلغ علمهم، ولذلك فمن الصعب عليهم الإرتقاء بمشاعرهم لمستوى يسمح لهم بالنظر من نفس الزاوية التي ينظر بها الدين لهم، فأعرضوا عنه ولم تجد الدعوة لديهم آذاناً صاغية.

    والقرآن يصف المعارضين لدعوة الرسل بأنهم مستكبرين:

    وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون.(الأعراف:36) والإستكبار يعني الإعراض وليس التعالي، لأن الإعراض عن الدعوة يأتي من كافة فئات المجتمع حتى من المسحوقين الذين اعتادوا حياة الذل والمهانة، ولا يعرف الكِبْرُ إليهم طريقاً.

    إلا أن من يقود الحملة المعادية للدعوة الدينية هم أكثر من ستتضرر مصالحه من الدين الجديد، وهؤلاء سماهم القرآن السادة والكبراء. وكلما ارتفع منصب الفرد الوظيفي ومستواه الإجتماعي كلما كان الضرر المادي الذي يلحقه من تطبيق الدين الجديد أكبر، وبالعكس. حتى نصل إلى المستويات المعدمة من المجتمع والتي تحارب الدين لكسب رضى سادتها وتبعاً لهم، وليس لأن الدين يشكل ضرراً على مصالحها لأن هذه الطبقة لا تملك من المصالح شيئ.




    الحملة المضادة للدين
    إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ.(النحل:22)

  14. #14
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    توقف للتوضيح ..

    نعود لقول المؤلف..
    وقد مرت بالمسلمين نفس المواقف التي وقفتها الأمم السابقة من دين الله، فلم يؤمن بمحمد عليه الصلاة والسلام إلا قلة من الناس أغلبهم من الضعفاء والعبيد، وقد أهلك الله كبراء قريش واليهود وقضي على سلطة قبائل الجزيرة باستسلام زعمائها لدولة الإسلام، التي كانت عندما توفي رسول الله تسيطر على كامل تراب جزيرة العرب، وإن لم يمثل المؤمنون بالإسلام إلا قلة قليلة، أما الغالبية فقد بدأوا التحول عن الدين بمجرد وفاة رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    ولأن السنة هي الطريقة التي تُبتدع ثم يتبعها الناس، والتي قد تكون سنة ممدوحة أو سنة مذمومة. فقد أطلق القرآن على مواقف الأمم من الدين مسمى " سنة الأولين"، كطريقة سار عليها البشر بتوافق غريب، ومن هنا جاءت تسمية الكتاب...
    إذا التعريف الذي لا يجب أن يغيب عن ذهن القارىء الكريم والمتابع..
    هو هذا التعريف تحديدا..
    بمعنى:
    إن ما سبق تكراره أعلاه, هو التعريف الذي يتم سحبه, من قبل المؤلف, وعلى امتداد فصول الكتاب, "لتعريف المسلمين".

    _ (وهو بالتالي دلالة على "طريقة" تفكير وفهم وعبادة وطقوس وتفسير, بشري قاصر لمفاهيم الإسلام الأول.(

    وهم من يشملهم القول, "المسلمين"....

    بمعنى أوضح, ليس جميع المسلمين وليس كلّ المسلمين, وهذا لا يعني أي إدانة لاجتهاد كل المسلمين في العبادة والتمسك بدين الله..
    وأيضا وبدقة إن القول..

    _ (" وهو بالتالي دلالة على "طريقة" تفكير وفهم وعبادة وطقوس وتفسير, بشري قاصر لمفاهيم الإسلام الأول. ").

    يعكس تماماً ما يقوله الكتاب وما يقصده، فهو يطلق لفظ المسلمون، بالجمع ويعني مذهباً أو جماعة من المسلمين أحياناً، ويعني جميع فرق المسلمين أحياناً أخرى.

    وفي النهاية هذا "كتاب متكامل", لا يمكن الحكم على فصل منه بعينه أو نص محدد..

    ويمكن لأي فريق من المسلمين القبول أو الرفض, ولكن يقتضي الرفض, على "فكر إسلامي", بهذا الوضوح وهذه الدقة والعلمية والجهد, أن يكون هناك ردا مماثلا له في كلّ ما سبق, ويقدم على الأقل نصا يوازيه..

    وهذا بتقديري الشخصي, عاملا ايجابيا لأصحاب المذاهب الإسلامية على غناها وتنوعها, إذ لا يمكن الرفض بدون "القدرة" على تقديم "حجة" أقوى من حجة المؤلف هنا..
    أو بينة شرعية أو تراثية أو تاريخية, على نفس الدرجة من الاجتهاد والإجماع والوضوح..

    قد تبدو "لبعض" المسلمين, بعض المفردات أو الجمل, كما لو كانت أحكام أو إدانات أو حتى إهانات..
    وهذا ليس إحساسا صحيحا وسليما, ولا علاقة للنص, بوقوعها في نفوس القرّاء الكرام, هذا الموقع.
    لأنه وفي النهاية ولو وجد من قبل "جمل" اتفق عليها السلمون سابقا, لما وصلنا أصلا, إلى ما وصلنا اليه من "فرق" و "تفرق".
    ولأن النص متزن ودقيق ومركز, ويعالج بكثافة, مواضيع هي في صلب "المقدس" الإسلامي, المختلف عليه بشدة وعدائية غير مبررة على الإطلاق, وعند المذاهب جميعها, وبلا استثناء..
    والحوار هو الدليل الوحيد, على أن المتحاورين, مقتنعون بأفكارهم, ومطمئنون لها, ويقبلون الآخرين, ومتمسكون بالتسامح الإسلامي, وبأن هذا الدين الحنيف, دين "يسر" و "معاملة".

  15. #15
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    الحملة المضادة للدين
    إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ.(النحل:22)

    كل من يحارب دعوة الرسل سماهم القرآن بالمستكبرين، بمعنى المعرضين عن الدين، ويدخل ضمن مصطلح المستكبرين في القرآن كل الفئات الاجتماعية وبلا استثناء، مثل:
    الزعماء وصناع القرار
    وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ.(يونس:83)
    لأن الشرع سيطلب من الزعيم أن يتنازل عن كل سلطاته ونفوذه وسموه وعظمته وينزل ليعامل مثلما يعامل أي فرد آخر في المجتمع، بدعوى أن الناس خلقهم الله سواسية:
    يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.(الحجرات:13)
    وعليه أن يقبل بأن ميزان التفاضل بين الناس ليس الجاه والمال والسلطة والنفوذ، ولكن أتباع شرع الله.
    ولن يكون هناك تعظيم للزعيم وركوع وسجود، لأن التعظيم عبادة للعظيم، ولا عظيم من البشر ولكن العظيم هو الله: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ.(الواقعة:74)
    أما البشر فكلهم عبيد لله:
    وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً.(بني إسرائيل:17)
    وكون الخلق عبيد للخالق فلا يحط من قدرهم:
    لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا.(النساء:172)
    والإنسان كعبد لله لا يجوز أن يُعبد من غيره من الناس ولا يكون هو نفسه عبداً لغيره من الناس، لأن عبادة مخلوق لمخلوق مثله، وثنية من دون الله لن تحمي العبد ولا المعبود من النار يوم القيامة:
    إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ.(الأعراف:194)
    القائمون على تنفيذ سياسة الزعيم تحت أي مسمى
    وهؤلاء مثل:
    المستشارون
    قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ. يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ. قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ. يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ.(الأعراف:109-112)
    كبار الصناع
    وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ. أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ.(غافر:36-37)
    الوزراء
    وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ.(يونس:79)
    قادة الجيش
    وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا.....(يونس:90)
    الوجهاء والأثرياء
    وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ.(سبأ:34)
    وقوله تعالى:
    إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ.(القصص:76)
    رجال الدين
    قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ.(هود:62)
    ورجال الدين في أي أمة من أشد المعارضين للرسل لأنهم جاؤوا للتصحيح الديني الذي سيفقد رجال الدين مكاناتهم المقدسة، والهالة التي أحاطوا أنفسهم بها أمام الناس وأكسبتهم الجاه، وتفردهم بالتشريع، الذي أكسبهم سلطة ينقاد الناس لها وتعود عليهم بالنفع المادي والمعنوي.
    وكل هؤلاء لهم مصالح شخصية ستفقد وميزات ستتأثر لو دخلوا في الدين.
    وهناك مستكبرون من الطبقات الوسطى في المجتمع، مثل:
    صغار التجار ورجال الأعمال
    وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ.(هود:84)
    لأن الدين سيفرض على الغني أن يشارك أخاه الفقير بماله:
    الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ.(البقرة:3)
    ولو أراد الفقير أن يقترض فعلى الغني أن يقرضه بدون فوائد، لأن الربا لا يقره الدين:
    يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ.(البقرة:276)
    إضافة إلى أنه على الغني أن يساهم في التكافل الإجتماعي للمجتمع المسلم للقضاء على الفقر ورفع مستوى معيشة إخوانه الفقراء دون أن يشعرهم بأن ما يعطيهم منة أو معروف منه، لأن من يفعل ذلك فكأنه لم ينفق:
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ.(البقرة:264)
    المفكرون
    قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ.(هود:53)
    الفلاسفة
    وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ.(الرعد:5)
    العقلاء وأهل الرأي
    وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ.(الأعراف:127)
    الحكماء وأهل البصيرة
    فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ.(هود:27)
    الفئات الأخرى في المجتمع
    إذ يعادي الدين كل من يقتات من فتات موائد الكبراء ومن سيفقد سلطة أو ميزة أو منفعة نتيجةً لفقدان الكبراء لمناصبهم:
    وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ.(إبراهيم:21)
    وكل من يتمسك بالموروث من الناس العاديين الذين لا يحبون التجديد أوتغيير طريقة حياتهم:
    وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ.(البقرة:170)
    ثم هناك الطبقات السفلى من أصحاب الملكات الخاصة الذين يعتاشون من الكبراء بواسطتها مثل الشعر أوالشعوذة والسحر أو أي مهنة مشابهة:
    فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ. قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ.(الشعراء:41-42)
    وكل من يعمل لخدمة الكبراء بأعمال وأفعال يحرمها الدين الجديد:
    وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا.(الأحزاب:67)
    أو أناس يمارسون أعمالاً غير شرعية يوفر لها الوضع القائم الغطاء اللازم لبقائها بينما لن يقرها الدين الجديد:
    أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ.(فاطر:8)
    وهناك الطبقة الأسفل في المجتمع من الضعفاء والمسحوقين والمسخرين للخدمة والأعمال الوضيعة والغير شريفة الذين استمرأوا العيش الذليل لخدمة ساداتهم وكبراءهم، وتبعوهم في المعتقد:

    وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ. قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ. وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.(سبأ:31-33)
    ولذلك جرت العادة أنه لا يؤمن بأي دعوة دينية جديدة أو تصحيحية إلا قلة من الناس:
    وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ.(يوسف:103)
    حتى أصبحت طريقة متبعة ومعروفة سلفاً:
    وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا.(الكهف:55)

  16. #16
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    الأسباب التي تمنع الناس من قبول الدين
    فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ.(هود:27)
    من التبريرات التي يتحجج بها الناس عن قبول الدعوة كما ذكرها القرآن، ما يلي:
    اختيار الرسول من عامة الناس
    فالكبراء يحتجون على بعث رجل عادي لا يتمتع بمواصفات التميز التي وضعوها لتقييم البشر، مثل المال والجاه والسلطة وغيرها:
    وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا.(الفرقان:20)
    فمن يكون هذا الرسول وما هي الصفات الخاصة التي يمتلكها والتي مكنته من مخاطبة السماء، ولماذا تم اختياره من بين كل الناس:
    وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ.(الأنعام:124)
    وإن كان يستطيع مخاطبة السماء كما يدعي، فلماذا لا تخاطب السماء وجهاء المجتمع:
    وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللّهُ.....(البقرة:118) أو على الأقل لماذا لا تأتيهم الملائكة: لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ.(الحجر:7)
    وإذا كان صادقاً في ادعائه بأنه يخاطب السماء فلماذا لا يقوم بعمل بعض المعجزات، لأن من لديه القدرة على الاتصال بالله فمن السهل عليه أن يصنع المعجزات:
    وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلٍ آيَةً وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ.(الأنعام:37)
    والناس ليسوا جادين في قولهم بأنهم سيؤمنوا لو أنزلت عليهم المعجزات:
    وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ.(الأعراف:132)
    ولكنهم لا يعرفون الحق إلا بالرجال، ولذلك كان أول ما يواجهون به الرسول هو: من أنت لتغير ديانتنا، وعاداتنا وثقافة مجتمعنا؟ ولم يدر بخلدهم أن الحق ليس له رجال. كما أنهم لم يتمكنوا من تصور المعايير الإلهية التي بموجبها يختار الله من يشاء لحمل الرسالة، والتي تختلف عن معايير البشر:
    قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَعلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.(إبراهيم:11)
    ولم يستطع الناس أيضاً تصور أن الرسول ليس لديه قدرات فوق بشرية يستطيع من خلالها الاتصال بالله، وأنه يتلقى الوحي بطريقة هو لا يستطيع شرحها، وتنسخ الآيات في ذاكرته دون أن يكون له الخيار بحفظها أو مسحها ولا يعرف كيف يحدث له ذلك، وأن دور الرسول لا يزيد عن التبيلغ:
    وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.(الأنعام:48)
    وموقف الناس هذا من الرسل مماثل لموقفهم من أي مصلح أو مناد بالتصحيح، والذي عادة ما يواجه بأنه نكرة، أو أنه لا يمكن أن يغير العالم. أو أن ما يدعوا إليه باطل لأن كل مفكري وعلماء البلد لم يفطنوا له ولم ينادوا به.
    صعوبة تصديق الإنسان بالغيب
    الغيب والحياة بعد الموت، يصعب على الناس التصديق بهما، لأنهم يعتقدون أن أجسادهم ستنشأ على هيئتها الدنيوية الحالية ولم يجل بأذهانهم أن هذا الجسد وعاء بمواصفات دنيوية للبقاء واستمرار الجنس، وأن وعاء الآخرة سيتناسب مع متطلباتها الأبدية التي تختلف عن متطلبات الدنيا القابلة للزوال. كما فاتهم أن الله الذي خلق هذه الأجساد في البداية قادر على أن يعيد خلقها مرة أخرى ومرات، لو كان الناس سيبعثون يوم القيامة على هيئاتهم الحالية.
    ولذلك جاء امتناع الناس سواءً كانوا حكاماً أو فئات مختلفة من الناس منتفعة من الوضع الاجتماعي والسياسي القائم، عن الإصلاحات الدينية، ليس لأنهم ولدوا وقد كتب عليهم الضلال، أو أنهم خلقوا بميول إجرامية وتسلط، أو أنهم مختلفون عن غيرهم من البشر، ولكن لأن الظروف التي هيأت لهم الحصول على ميزات وأموال ومصالح لا تتوفر لغيرهم من الناس، مطلوب منهم تغييرها. وهو ما يعني التخلي عن الجاه والشهرة والسلطة والشرف الاجتماعي والمال وكل المواصفات السامية التي تحدد قيمة الإنسان حسب العرف البشري، إضافة للمتع، مقابل وعود غيبية لا يمكن التأكد حسياً من صدقها:
    وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ .....(الرعد:5)
    ولهذا فالإيمان بالدعوات الدينية يقبل عليه المستضعفون لأنهم لا يملكون أي شيء مادي ولا معنوي يمكن أن يخسروه، فيكون الدخول في الدين بالنسبة لهم مكسب لا مجال فيه للخسارة. لأن أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية ستصير أفضل مما كانت عليه قبل الإيمان، إضافة إلى أنهم سيعيشون في راحة نفسية تامة ولن تقلقهم المصائب أو الأمراض أو الموت لأن الدنيا مجرد طريق إلى النعيم الأبدي في الآخرة.
    فيما لو آمن الكبراء فسيحدث لهم عكس ما حصل للمستضعفين. فأوضاعهم المادية والاجتماعية ستتراجع، إذ عليهم إشراك المستضعفين في كل الميزات المادية والمعنوية التي كانوا يتفردون بها، دون أن يحصلوا على أي ميزة أو تقدير محسوس مقابل تضحياتهم.
    فحالهم كحال إنسان تقدر مكاسبه المالية السنوية بالملايين من استثماراته الناجحة، قرر فجأة أن يستثمر كل ما يملك في مشروع جديد سمع بأنه يَعِدُ من يساهم فيه بأرباح لا يمكن تحقيقها على أرض الواقع، شريطة أن يتنازل المستثمر عن الممتلكات بموجب عقد شفهي من ممثل المشروع الجديد الذي ظهر فجأة على الساحة دون أن يقدم ضمانات مادية أو مكتوبة سوى تأكيده الشخصي على صحة ما يقول. وكما يحدث في حياتنا اليومية، فسيسارع عدد من الناس بالمجازفة، ولكن أغلب الناس لن يقدموا على مخاطرة من هذا النوع قد تكلفهم كل ما يملكون.
    ولذلك فالإيمان بالآخرة والبعث من أهم العقبات التي وقفت دون إيمان الكثير من الناس، لأن الغيب من الأمور التي لا يمكن الاستدلال عليها بدليل محسوس:
    قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ.(هود:53)
    وبحكم عدم وجود طريقة محسوسة يتأكد بموجبها الإنسان من البعث فهو لن يغامر بخسارته لما يملك من معنويات وماديات بمجرد أن رجلاً عادياً لا ينتمي لأي طبقة مميزة في المجتمع طلب منه ذلك:
    وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ.(الجاثية:32)
    ويكون ما يقوله الرسول حول وعود الآخرة والبعث بعد الموت كلام من يصدقه فكأنما غم على عقله:
    وَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ.(الزخرف:30)
    الملذات والمتع
    زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ.(آل عمران:14)
    وهي ملذات يقضي معظم الناس حياته حالماً بالحصول على بعضها، ولذلك يصعب على الإنسان الذي استطاع الحصول عليها أن يتخلى عنها مقابل وعود الآخرة الغيبية التي لا يمكن إيجاد دليل مادي على صحتها:
    قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ.(آل عمران:15)
    وكأن وعود الرسول لا تعدوا عن مقايضة ما يتمتع به الناس من مال وجنس وقصور ولهو حقيقي ومحسوس بمال وجنس وقصور ولهو بعد الموت. هكذا يرى الناس الدعوة، ولهذا لا يلبون نداءها.
    الطبقية والإمتيازات الاجتماعية
    وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ.(الأحقاف:11)
    والنظرة الطبقية الاجتماعية التي يؤمن بها الكبراء يصورها المثل العامي الذي يقول: إذا كنت أميراً وأنا أمير فمن يسوق الحمير. بمعنى أنه لابد أن يكون هناك خادم ومخدوم وإلا لفسدت الأرض ولما صلح حال الناس.
    ولكن الدين له وجهة نظر مخالفة، تتمثل بأن التأفف عن القيام بأي عمل من الأعمال الخدمية الضرورية لاستمرار الحياة اليومية، هو تكبر وغطرسة تقسم الناس إلى براهما وعمال ومنبوذين. ويجب أن يحل محلها ثقافة تقول بأن الإنسان السوي مساو لكل الناس الأسوياء، وأن الأعمال يجب أن يقوم بها الناس بناءً على تقسيم حرفي وليس تقسيم طبقي، وأن أي عمل شرف لصاحبه مادام يساهم في دفع عجلة الحياة الكريمة بغض النظر عن ماهيته. ولذلك فأي شخص يجب أن يسوق الحمير بنفسه أحياناً إذا تطلب منه الأمر ذلك ولا ينتظر غيره ليسوقها بالنيابة عنه، كما أن نفس الشخص مؤهل لأن يمارس دور الأمير إذا اقتضت الظروف منه ذلك. وليس في الثقافة الإسلامية دور محدد طوال العمر لكل شخص لا يتعداه لغيره، بل يجب أن يتداول المسلمون الأدوار حسب الحاجة أثناء مراحل الحياة المختلفة:
    يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير.(الحجرات:13)
    العبرة
    الإنسان نادراً ما يأخذ العبرة من التاريخ وإلا لو استخدم المستكبرين عقولهم فيما حدث للأمم السابقة لآمنوا:
    أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ.(الأنعام:6)
    وكبراء أي أمة مثلهم مثل غيرهم من الأمم لم يعتبروا بما حدث لمن سبقهم وأصروا على مواقفهم مهما أتضح خطأها: أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.(التوبة:70)
    الدين كلٌ لا يتجزأ

  17. #17
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    الدين كلٌ لا يتجزأ
    يتضح مما سبق أنه عندما يظهر رسول من رسل الله في مجتمع ما فإن كبراء ذلك المجتمع لا يسارعون إلى محاربة ذلك الدين والوقوف ضد نشر الرسول لرسالته بين الناس، لأنهم أشرار جبلوا على الكفر بالله وحب الجريمة، ولكنهم يدافعون عن موروث اعتادوه وينظرون إليه على أنه حق، ضد ما يظهر لهم أنه باطل وخطر قادم سيقلب الموازين وسيغير الأوضاع ولن يقبل بالتعايش مع التقاليد والسلوكيات والشخصية الإجتماعية بسلام.
    ولو كان هناك حد أدنى من التشريعات الدينية يلزم على جميع الناس أن يتمسكوا بها، وليس عليهم بعد ذلك من حرج بممارسة ما يتوائم مع مصالحهم الشخصية، لكان بإمكان الكثير من الكبراء أن يبقوا على موروثاتهم وميزاتهم الإجتماعية وأن يؤمنوا بدين سيضمن لهم ميزات أغلى وأعلى في الآخرة، إن هم آمنوا بوجود آخرة فعلاً.
    فمجتمع مثل مجتمع قوم لوط الذي إعتاد أفراده الشذوذ الجنسي واعتبروه ممارسات شخصية لا تخل بشرف ولا كرامة ولا تنقص من شهامة، لم يكن كثير منهم ليقف ضد دعوة لوط لو أن الدين سمح لهم بالإبقاء على تلك الممارسات، ولكن الرسول لا يستطيع تجزئة الدين الذي نزل عليه من الله كوحدة لا تتجزأ:
    وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ. أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ. فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ. وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ.(النحل:54-58)
    وقد لا يكون لدى البعض من قوم شعيب مانع من الإيمان بالله وتأدية العبادات لو سمح الدين لهم بالإبقاء على ما اعتادوه من تعاملات تجارية اعتبروها نجاحاً في مجال إدارة الأعمال:
    وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ.
    ولكن الدين يمنع الغش التجاري في المنتج وفي التعامل وفي كل المجالات التجارية، ولا يبيح سوى الربح المعقول مع ضمان جودة المنتج:
    بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ.(هود:86)
    وهذا مرفوض لأنه سيلغي تميز قوم شعيب التجاري:
    قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ.(هود:87)
    وبما أن أوامر الدين ونواهيه ليس بينها هام ومهم وأهم ولا كبير وصغير وأصغر، فإن الدين إما أن يؤخذ كله ولو تعارض مع المصالح، أو يترك كله. ولذلك لم يكن من الممكن على كبراء الأمم أن يقبلوا الانضواء تحت مظلة الدين وخسارة إمتيازاتهم وميزاتهم الاجتماعية مقابل وعود غيبية لحياة لا يمكن لهم التأكد من أنها ستحدث فعلاً، برغم أنهم أناس لا ينقصهم الذكاء والتفكير السليم والعقلية المبدعة:
    أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ. إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ. وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ. وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَاد.(الفجر:6-10)
    ومع ذلك لم تؤمن تلك الأقوام لأن التصديق بالدين عبارة عن دخول في مضاربة، مثلها مثل أي مضاربة مالية، تزداد نسبة الأرباح بازدياد نسبة المخاطرة. فقد يحصل الإنسان على أرباح تتجاوز رأس المال في مدة قصيرة، إذا أسهم في مجال نسبة ضياع كل المال المساهم به عالية. ولكن لن يحصل الإنسان إلا على أرباح متدنية، ولكنها مضمونة، إذا ضارب في مشروع نسبة بقاءه حتى نهاية العام شبه مؤكدة، كأسهم البنوك الكبرى مثلاً.
    وهذا ينطبق على الاعتقاد، فالإنسان كلما ارتفعت قناعاته بالآخرة لأي سبب أو أسباب كانت، انقاد للإيمان بسهولة، لأنه يكون مستعداً لأن يخسر الجاه أو المال أو النفوذ أو المتع التي كان يتمتع بها مقابل وعود الآخرة الغيبية، التي إذا حدثت فستكون أرباحه هائلة بشكل لا يمكن مقارنتها بأي أرباح دنيوية. وكلما تناقص يقين المرء بالآخرة كلما كان لدى الإنسان تحفظ حول الدخول في المضاربة الدينية.
    ونتيجة لذلك، فمعظم الناس لن يقبلوا على الدين لأنهم يملكون من المتاع والمتع الدنيوية ما قد يخسرونها بدون مقابل لو كانت الدعوة الدينية غير صحيحة, وبالتالي يكونوا قد ضاربوا بكل ما يملكون من ممتلكات ذات قيمة مادية ومعنوية محسوسة مقابل وعود خيالية. وهي وعود لا يمكن تحقيقها في هذه الحياة، ولا يمكن التأكد من أن هناك حياة أخرى بعد الممات، وإذا كان هناك حياة فليس هناك طريقة للتأكد من أن وعود الرسول ستتحقق لهم، لأن الرسول نفسه لا يستطيع تقديم دليل واحد محسوس على ذلك.
    لهذا فكل الدعوات العقائدية تبدأ بالانتشار بين الفقراء والمساكين والمغلوبين على أمرهم والمسحوقين في المجتمع: فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ. قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ.(هود:22-28)
    لأن هؤلاء الناس مكاسبهم من الدخول في الدين مضمونة. وأقل ما سيحصلون عليه سيتمثل بالخلاص من الأوضاع المتردية التي كانوا يعيشونها في الدنيا. ولن يعاملوا كعبيد ومسخرين للآخرين، بل سيصبح الجميع عباداً لله إخوانا. وسيقاسمهم الغير لقمة العيش والتي ستزيد عما كانوا يحصلون عليه من طعام مقابل سخرتهم في السابق. وإن كان هناك حياة آخرة وحصلوا على نعيمها فهو مكسب إضافي، وتكون مضاربتهم ناجحة بكل المقاييس، لأنهم لم يخسروا أي شيء ذا قيمة مقابل دخولهم في الدين.
    فيما ستكون المضاربة لبقية أفراد المجتمع باهظة التكاليف، ولذلك يبقى الناس على عداوتهم لصوت الحق، ويقنعون أنفسهم بأن ما أبقوا عليه هو الحق:
    أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ.(فاطر:8)
    فهم يبقون على الضلال ليس لأنهم يعلمون أنهم على ضلال ولكن لأنهم يعيشون داخل الضلال فيظنون أن ما يحيط بهم هو الحق لأنهم لا يستطيعون رؤية غيره:
    أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.(الأنعام:122)
    وبطبيعة الحال يبقى باب الحق مشرعاً على الدوام لكل من يريد أن يراجع نفسه وأن يحكم عقله في معتقده وطريقة حياته من أي طبقة من طبقات المجتمع:
    يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ. (البقرة:269)
    وهذا خيار متاح للشخص نفسه:
    إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً.(الإنسان:3) ويستطيعه كل من يحاول أن يسمح لعقله بالتفكير الحر، وأن يتقبل الرأي الآخر والنقد من الذات ومن الآخرين مع عدم ممانعة للتغيير إن كان للأفضل:
    أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ.(الرعد:19) وليس أدل على ذلك من أن القرآن يخبرنا بأن قوم يونس الذين كانت أعدادهم تزيد عن مائة ألف نسمة قد آمنوا جميعاً: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ. فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ.(الصافات:147-148)

  18. #18
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    التمسك بالموروث
    وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ. (الزخرف:23)
    وأولئك لن يسمحوا بنقد الموروث أو بيان خطئه :
    قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ. (الزخرف:24)
    والملاحظ أن الموروث يتغير باستمرار، سواءً كان عادات وتقاليد اجتماعية أو عقائد وعبادات، ولكن التغير يتم تدريجياً وعبر السنين وليس فجأة، ولذلك يقبله المجتمع ويتبناه على حساب ما كان موجوداً في السابق. وهذا ما يحدث للتشريعات الدينية، التي تبدأ تتغير بمرور الزمن. فتحل تشريعات وعقائد جديدة محل العقائد والتشريعات الأصلية، وتظهر الفرق والمذاهب التي يتمسك الناس بها على أنها جوهر الدين، وبعد فترة يكون الناس قد استبدلوا الدين بدين من عند أنفسهم. ولذلك تكرر إرسال الرسل لإعادة الناس للدين الصحيح، وإلا لو كان الناس لا يحدثون في الدين لبقوا على دين آدم ولما احتاجوا لرسالات لاحقة.
    فعبادة الأصنام، مثلاً، تحول إليها الناس كبديل لدين الله عبر أجيال متتابعة وليس في يوم وليلة. بدأت بالقول بأن الإنسان بطبعه خطاء ويقع في المعاصي والأنجاس، فيلزم عليه عند مناجاته لربه أو الحديث عنه أن لا يذكر اسم الجلالة مجرداً تنزيهاً له سبحانه، ثم تطورت الفكرة مع الزمن إلى اعتبار أن الإنسان النجس يجب ألا يتصل بالله سبحانه مباشرة بل يجب أن يمر ذلك عبر وسيط، وأصبحت الأصنام هي ذلك الوسيط، وبقيت كذلك عند بعض الأمم، بينما تحولت مع الأيام لآلهة تعبد لذاتها من دون الله، عند أمم أخرى.
    وهناك سبب آخر يعتبر من أهم الأسباب التي تمنع الناس من قبول التصحيح والرجوع للدين، والمتمثل بدور رجال الدين. ولذا فضلنا أن نتحدث عنه بتوسع أكثر في الأسطر القادمة.
    رجال الدين
    قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارا. وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً. وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً. وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالاً. مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَاراً.(نوح:21– 25)
    الظاهر من الآيات السابقة، وبعيداً عن كلام المفسرين، أنها تتحدث عن أن قوم نوح لم يطيعوه، واتبعوا ما يشرعه لهم رجال دينهم الذين عاصروا نوحاً أو بقيت تشريعاتهم حية في عصر نوح، وهم (ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر) والذين أدت تشريعاتهم إلى تضليل الناس وضلالهم " وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً ". ومما يؤكد أنهم رجال دين وأن الناس أطاعوهم، قوله " وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارا ". فقد كانوا بشراً يملكون المال والولد وليسوا أصناماً كما يقول المفسرون.
    وتشريعات رجال الدين في كل عصر تضل الناس عن الحق كما فعلت بقوم نوح، ولا تسمح لهم بأن يتبينوا أن الله سبحانه أمرهم أن يبنوا تشريعاتهم الدينية على نصوص إلهية يقينية فقط، وحذرهم من أن يبنوها إلى أي نصوص أخرى يقول بها رجال الدين، يقول تعالى:
    اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ.(الأعراف:3)
    لأن أي كلام غير كلام الله لا يبنى عليه تشريع ديني، حتى ولو ثبت أن من قاله هم الملائكة أو الرسل:
    وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ.(آل عمران:80)
    فالنبي عبد من عبيد الله مثله مثل غيره من الناس لا تعتبر ألفاظه تشريعاً، ولو جاءت على شكل مواعظ، أما الناس العاديين فليس لهم حق إصدار وجهات النظر في أي أمر قد يفهم منه أنه تشريع، وأكثر ما يمكنهم فعله في هذا المجال هو تعلم كتاب الله وتدريسه لمن لا يعلمه، فقط:
    مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ.(آل عمران:79)
    ومع ذلك فقد وصل الأمر ببعض رجال الدين في كل مجتمع وعقيدة إلى انغماس تام في تقمص دور المشرع الذي اخترعوه لأنفسهم تحت مسميات مختلفة، مثل البابا والراهب والكاهن والحبر والحاخام والفقيه والإمام وآية الله والملا والمفتي والمرجع الديني والرباني وغيرها. وصدّق رجل الدين نفسه أنه أصبح ينوب عن الله في أرضه، وأن له من القدسية ما يحوّل آراءه الشخصية إلى تشريعات دينية، لها نفس قدسية التشريع الإلهي:
    أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ.(الجاثية:23)
    وقد شجعهم على ذلك الناس العاديين الذين صدقوا أن دين الله يحتاج إلى ملكات خاصة لفهمه لا تتوفر إلا عند رجال الدين، فتحول رجال الدين إلى أرباب من دون الله بقصد أو بدون قصد:
    قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ.(آل عمران:64)
    ولأن أسهل طريق لانقياد الناس هو الدين، فإن رجال الدين يكتسبون دوراً قيادياً يخضع له أفراد المجتمع، وحتى السلطان لا يستطيع إلا أن يماليه ويجامله. وعادة ما يعقد الحاكم ورجل الدين حلفاً للسيطرة على الناس، بحيث يستفيد الحكام من فتاوى وتشريعات رجل الدين لتثبيت حكمه والقضاء على معارضيه باسم الدين، ويستفيد رجل الدين من الهبات والعطايا والحماية الملكية.
    ويصور هذا المنطلق أحد رواد أدب المرايا والوصايا وهو عبد الرحمن ابن نصر ابن عبد الله الشيزري في كتابه النهج المسبوك في سياسة الملوك بقوله: وحكي أن أزدشير قال لولده: يا بني إن الملك والدين صنوان لا غنى لأحدهما عن الآخر ولا قوام له إلا به. الدين أس والملك حارس، فما لم يكن له أس فمهدوم، وما لم يكن له حارس فضائع. (ص93)
    وقال في الصفحة (98) على لسان كسرى أنوشروان: الدولة ولاية تحرسها الشريعة، والشريعة سنة يستنها الملك. انتهى
    ولرجل الدين سلطة مطلقة يٌسيّر بها الناس بطريقة سحرية تختلف عن تسيير السلطان لهم. لأن الناس تظهر الطاعة للسلطان خوفاً من البطش وأملاً بالعطايا، أما رجل الدين فإن الناس ينقادون له ويبيحون له أملاكهم ورقابهم طواعية، ويتفانون بالذود عنه، لا خوفاً منه ولا أملاً بعطاياه، ولكن اعتقادا منهم أنهم سيحظون برضي الله والدار الآخرة:
    وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ.(البقرة:165)
    فيحصل رجل الدين على كل ما يمكن أن يكون في الدنيا من متع ومال وجاه ونفوذ، مقابل بضع كلمات قدسية:
    إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ. ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ.(البقرة:174-176)
    والمتاجرة بالدين هي أكثر حرفة تدر الأرباح الدنيوية على صاحبها دون أن يكون هناك رأس مال مستثمر، ودون أن يكون هناك أي مخاطرة على الإطلاق، ودون أن يكون هناك خوف من الخسارة:
    إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.(آل عمران:77-78)
    ويكون من الطبيعي أن يأتي رجال الدين على رأس قائمة المعارضين لدعوة الرسل أو للدعوات التصحيحية للعودة لجوهر الدين وصافي العقيدة، ويمكن بسهولة معرفة الدوافع التي صمت آذانهم عن سماع الحق وأعينهم عن رؤيته، لأنهم لو سمعوا الحق ورأوه على حقيقته فسيخسرون كل الميزات التي حصلوا عليها.
    وقد نجحوا في إيهام الناس بأن هناك نصوصاً دينية إلهية يمكن الاستدلال بها على أن لهم قدسية ومكانة دينية خاصة، بعدما قاموا بتأويل معاني تلك النصوص، لتبدوا وكأنها تتحدث عنهم أو عما يشرعون. مع أن رجل الدين المتبوع وتابعه من الناس لن يغني أحدهم عن الآخر يوم القيامة، وسيلقون جميعاً في النار:
    إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ. وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ.(البقرة:166-167)
    وسنكتفي بإيراد ثلاثة أمثلة فقط على تأويل بعض معاني الآيات القرآنية التي قام بها رجال الدين المنتسبين للإسلام، من بين أمثلة لا حصر لها يتداولها الناس ويعملون بموجبها.

  19. #19
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    ازدهر في العالم الإسلامي في القرن السادس الهجري – الثاني عشر الميلادي، ما يعرف بأدب المرايا والوصايا الذي يحدد آداب وعادات الحكم والبروتوكولات الملكية، وعلاقة الحكام بالمحكومين، والتي فاقت كل وصايا ميكافيلي الذي جاء بعد ذلك بثلاثة قرون والذي يبدوا أنه استقى وصاياه للملوك من أدب المرايا والوصايا للمسلمين.
    دراسة وتحقيق د. محمد أحمد دمح، وتوزيع مؤسسة بحسون للنشر والتوزيع – بيروت
    .................................................. .................................................. ............................

    المثال الآول
    تجمع التفاسير الشيعية على القول بإمامة علي ابن أبي طالب وخلافته نصاً ووصاية من النبي (ص) والاعتقاد أن الإمامة من بعده في ولديه الحسن والحسين والتسعة من أولاد الحسين، وأن هذه الميزة الدينية ورثها رجال الدين الشيعة. ومن الآيات التي يستدلون بها على ذلك الآية (23) من سورة الشورى (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى). ويقولون بأن معنى المودة في القربى يعني مودة أقرباء الرسول وهم علي ابن أبي طالب وفاطمة زوجته بنت الرسول وابنيهما الحسن والحسين . ومن ذرية الحسين جاء التسعة الأئمة الباقين ليكملوا اثنا عشر إماماً يؤمن الشيعة أن الإيمان بهم وبعصمتهم وأنهم ورثة الشرع من الرسول، جزء هام من الدين لا يتم إلا به. ويكون الأئمة الإثنا عشر من قربى الرسول الذين نصت عليهم الآية السابقة. ورجال الدين الشيعة يؤمنون إيماناً راسخاً بهذه العقيدة، ويرجون بها وجه الله، ولا يمكنهم أن يروا ما يراه شخص آخر، لا يؤمن بنفس عقيدتهم، ما تضمنه استشهادهم من مغالطات جانبت الصواب وقولت الرسول والقرآن ما لم يقولا. ولا يمكن لرجال الشيعة أن يسلموا بأن الشيعة كفرقة وعقيدة لم تكن موجودة زمن رسول الله، وأن الله جل وعلى لم ينظر لعلي ابن أبي طالب بأكثر من كونه بشر عادي ليس له من القدسية شيء، ولم يكلف الله أحداً من البشر في عصر الرسول بمعاونته بحمل الرسالة.
    والآية 23 من سورة الشورى جاءت ضمن آيات السورة كلها، التي تخاطب قريش، أي عندما كان الرسول في مكة وكان علي ابن أبي طالب طفلاً لم يطرق سن البلوغ بعد، ولم يكن يعرف في تلك اللحظة أنه سيلحق بالمدينة بعد مدة، وبعد ذلك بسنوات سيتزوج بفاطمة بنت رسول الله، وسيكون عديلاً لعثمان ابن عفان الذي تزوج ببنتين من بنات الرسول وليست واحده، هما أم كلثوم ورقية التي ولدت لعثمان ولد اسمه عبد الله، ولهما عديل ثالث هو أبو العاص ابن الربيع ابن عبد العزى ابن عبد شمس الذي تزوج من زينب بنت الرسول صلوات الله وسلامه عليه وممن أنجبت له بنت اسمها أمامة.
    ولم يكن يعلم ذلك الغلام (علي) عندما نزلت الآية في سورة الشورى أنه سيولد له أولاد وسيسمي أحدهم الحسن والآخر الحسين. وأن الحسين في خلافة عمر ابن الخطاب سيتسرى بإحدى السبايا القادمات للمدينة من فتوح فارس، وأن تلك السبي ستكون ابنة ليزدجرد أحد زعماء الفرس ، وأنها ستنجب له ولده زين العابدين الذي سيعتبره الشيعة بعد فترة من موت الحسين إمامهم الرابع. وأن أبن زين العابدين محمد الباقر سيعتبر الإمام الخامس، وأن ذريتهم ستتخذ أئمة للشيعة في القرن الثالث الهجري وما بعده.
    هذا فيما يخص علي ابن أبي طالب
    وفيما يخص الرسول، فيمكن أن نتساءل قائلين: كيف تنزل الآية في مكة لتنص على أن أقربائك يا محمد ليسوا زوجتك خديجة وبناتك اللاتي يعشن معك الآن ومن هو حي من أبنائك، ولكن عليك الانتظار بضع سنين حتى تهاجر ومن ثم يتزوج علي ابن أبي طالب، ويولد له أولاد. عندها فقط يكون لك يا محمد قربى هم: علي ابن أبي طالب، دون بقية أبناء أعمامك مثل عبد الله ابن عباس وعكرمة ابن أبي جهل، وزوجته ابنتك فاطمة دون بقية بناتك الأخريات زينب ورقية وأم كلثوم، وابناهما الحسن والحسين دون بقية إخوانهم، زين العابدين وعمر وغيرهم من أبناء علي الأربعة عشر.
    أما بقية نسائك وأهل بيتك يا محمد، فليسوا أقرباء لك ولو أنك عشت بينهم طوال عمرك، وإنما أقربائك هم علي ابن أبي طالب وآل بيته الذين لن تتمتع بالعيش في بيت واحد أبداً، ولكن ستعيش بقربهم فترة لا تزيد عن ثلاث سنوات، لأن الحسين لم يولد إلا قبل وفاة الرسول بثلاث سنوات.
    ويكون الرسول قد عاش طوال عمره بين زوجاته وبناته وأولاده وهم ليسوا له بقربى، بينما عاش آخر ثلاث سنوات من عمره وله قربى ولكن لم يعش معهم يوماً واحداً في بيت واحد.
    ترى هل في ذلك حكمة؟ وما هي تلك الحكمة يا ترى؟
    والآية المذكورة نزلت في مكة، كما أسلفنا، أي أنها نزلت لمخاطبة قريش، فلماذا يخاطبهم الله بنبؤة ستحدث لعلي ابن أبي طالب بعد أن يكون معظم كبراء قريش الذين خاطبتهم الآية قد قتلوا في حروب ضد المسلمين أو ماتوا قبل أن يتزوج علي بفاطمة ولن يروا تحقق أول خطوات النبؤة. ثم ما لذي تستفيده الدعوة لدين الله من إبلاغ قريش بمثل هذه النبؤات، وكيف يمكن أن تقنعهم بدخول الإسلام؟
    وما يغني عن كل افتراضاتنا السابقة هو أن معنى الآية بدون التأويل الذي ذهب إليه رجال الدين الشيعة، واضح للعيان. حيث يقول تعالى:
    ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ.
    فالمخاطب بهذه الآية والآيات التي قبلها والآيات التي بعدها هم قريش، والله يقول لمحمد أبلغ قريش بأنني عندما أدعوكم لدين الله لا أريد منك أجراً دنيوياً مقابل ذلك، ولكني أفعل ذلك مودة مني للقرابة التي تربطني بكم، فأنتم عشيرتي الأقربين كما وصفكم الله في آيات أخرى من سورة الشعراء التي تشبه سورة الشورى في أنها نزلت كاملة لمخاطبة قريش:
    فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ. وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.(الشعراء:213-215)
    وتكون الآية 23 من سورة الشورى لا تعني أقرباء الرسول ومن سيكون منهم عائلته ومن لن يكون، ولو كان معنى الآية كذلك فستعني أن الرسول قد طلب مقابل دعوته أجراً معنوياً، يتمثل بالمودة بعلي ابن أبي طالب وبعض أفراد أسرته، مع أن الرسول لا يجوز له أن يستفيد من دعوته أي أجر، مادياً كان أو معنوياً، مثله مثل أي رسول:
    وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ.
    وهذه الآية تكررت على لسان خمسة من رسل الله في سورة الشعراء وحدها في الآيات: 109 ، 127 ، 145 ، 164 ، 180 للتدليل على أن كل الرسل لا يجوز لهم أن يستغلوا الدعوة لأي منفعة مادية أو معنوية.
    والرسول محمد قد تلقى تحذيراً من الله بعدم التفكير باستغلال الجهاد لكسب غنائم لنفسه:
    وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ.(آل عمران:161)
    فما بالك باستغلال الدعوة لمكاسبه الخاصة، ولذلك تكرر نفي الله عن رسوله محمد أن يكون يفعل ذلك أو يفكر به:
    أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ.
    وقد تكررت نفس الآية مرتين في القرآن وكلها تتحدث عن الرسول محمد، الأولى في سورة الطور المكية وقد جاءت ضمن آيات تناقش رفض قريش لدعوة محمد:
    أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ. أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ. أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ. أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ. أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ. أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُون. أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ.(الطور:37-43)
    وتكررت نفس الآية مرة أخرى في سورة القلم المكية ضمن آيات تناقش أيضاً رفض قريش لدعوة محمد:
    فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ. وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ. أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ. أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ.(القلم:44-47)
    ولكن رجال الدين الشيعة الذين يؤمنون بهذا التأويل يهدفون إلى أن يكتسب الأئمة القدسية، ومن ثم يستفيدون هم منها كونهم ورثة علم أولئك الأئمة الذين انقطع نسلهم.
    .................................................. .................................................. ...........................

    أنظر على سبيل المثال التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري/ الطبعة الأولى – ص 746 مجلد 1 - الناشر : مؤسسة الإمام المهدي، قم، ايران 1409
    التبيان في تفسير القرآن/ أبو جعفر محمد ابن الحسن ابن علي الطوسي. ص 5808 مجلد 10- تحقيق أحمد حبيب قصير العاملي. الناشر/ مكتب الإعلام الإسلامي، قم، ايران 1409
    الميزان في تفسير القرآن/ سيد محمد حسين الطباطبائي - ص 8764 مجلد 20 - الطبعة الثالثة. دار الكتب الإسلامية – طهران، ايران
    ذكر ابن سعد في ترجمته لعلي ابن الحسين في الطبقات الكبرى، ما نصه: وأمه أم ولد اسمها غزالة، خلف عليها بعد حسين زييد مولى الحسين بن علي فولدت له عبد الله بن زييد فهو أخو علي بن حسين لأمه. ويقول سيد أمير علي في مختصر تاريخ العرب ص 93 أنها كانت بنت يزدجرد آخر الملوك الساسانيين.

  20. #20
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    المثال الثاني
    مصطلح " أولي الأمر" ورد مرتين فقط في القرآن، وكلاهما في سورة النساء. وقد تأول معناه كل من الشيعة والسنة، فبعض رجال الدين من الشيعة يقولون إن المقصود بأولي الأمر هم الأئمة الإثنا عشر، بينما يقول بعض رجال الدين لدى السنة إن المقصود بها الحكام، وبعضهم يقول بأن المقصود هم رجال الدين.

    ولو تدبرنا الآيتان اللتان وردت فيهما اصطلاح أولي الأمر لأمكن ملاحظة الآتي:

    أن الآية 83 من سورة النساء موجهة للصحابة في شئون قتالية والإعداد لحرب وشيكة الوقوع ضد قريش حدثت في عصرهم:

    وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً.(النساء:83)

    ويكون معنى أولي الأمر أصحاب التخصص والخبرة الذين يستطيعون الإدلاء بالآراء والخطط المناسبة لما يجب أن يفعله المسلمون ضد أعدائهم.

    وموضوع قتال الكفار بدأ منذ الآية 71 وحتى الآية 85 بصفة متواصلة، ثم ينقطع مؤقتاً ليتواصل في آيات لاحقه:

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا. وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا. وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا. فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا. وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا. الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً. أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا. مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا. مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا. وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً. أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا. وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً. فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً. مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا.(النساء:71-85)

    ومعنى أولي الأمر في الآية السابقة هو نفسه في الآية 59 من السورة ذاتها:

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً.

    فأولي الأمر هنا هم أصحاب الخبرة والشأن الذين يستطيعون الاستدلال على أنسب الخطط لمواجهة تحركات العدو والعمل على إفشال خططه والاستفادة من تحركاته، واختيار مكان المعركة ونحو ذلك، أي أنهم أهل الاختصاص في تبني التشريعات المدنية[1]. وقد جاءت الآية لتنهى المسلمين عن طلب المشورة من اليهود والاكتفاء بمشورة أهل الرأي من المسلمين، فإن لم يقتنعوا بذلك فعليهم الرجوع للرسول للبحث عن حل مناسب للخلاف. وهذا هو الموضوع الذي تتحدث عنه الآيات من الآية 51 وحتى الآية 70، ومن ضمنها الآية التاسعة والخمسون:

    أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً. أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا. أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا. أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا. فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا. وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً. إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا. فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا. أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا. وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا. فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا. وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا. وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيمًا. وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا. وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا. ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيمًا.(النساء:51-70)

    وتكون الآيتان 59 و 83 من سورة النساء لا تخاطب الناس في زمان متأخر عن زمن الرسول، وليس لها علاقة بمن سيأتون في أزمنة لاحقة ويستولون على البلاد والعباد ويسمون حكاماً، ثم يطلق عليهم فقهاء منتفعون، مصطلح ولاة الأمر، الذي وإن كان يحاكي المصطلح القرآني " أولي الأمر" في شكل بعض حروفه إلا أنه يتنافر معه في المعنى. فأولي الأمر التي وردت في القرآن لفظ لا مفرد له في اللغة العربية، وبالتالي فهو لا يعني الحكام، لأنه لا يمكن أن يتفق أكثر من حاكم بالاشتراك في حكم دولة واحدة في وقت واحد. أما ولاة الأمر المستخدمة عند الفقهاء، فلها مفرد هو ولي الأمر، وهذه لم يتحدث بها القرآن ولم يذكرها. كما أن أولي الآمر التي وردت في القرآن لا تشير إلى أئمة الشيعة ولا فقهاء السنة لا من قريب ولا من بعيد.




    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] المقصود بالتشريعات المدنية هي تلك النظم والقوانين واللوائح التي تسن لتسيير العمل في المجالات المدنية التي لم ينزل بها تشريع إلهي.

  21. #21
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    المثال الأخير
    يقول رجال الدين السنة والشيعة على حد سواء بأنهم هم المقصودين بأهل الذكر في قوله تعالى " فاسألوا أهل الذكر " واعتادوا في معرض حديثهم عن مكانتهم الدينية المتميزة والتي يوحون للناس بأنها هبة من الله، بالاستشهاد بـ فاسألوا أهل الذكر مبتورة عما حولها، ولا يتلون كامل الآية التي وردت فيها، مما يسهل عليهم إقناع بعض الناس بادعائهم هذا.

    واصطلاح " أهل الذكر" ورد في القرآن مرتين فقط، مرة في الآية 43 من سورة النحل، وأخرى في الآية السابعة من سورة الأنبياء. ولقد اعتاد معظم الناس قراءة الآيتان 43 & 44 من سورة النحل على هذا الشكل:

    وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ.

    ويتوقفون هنا وكأن الآية التالية ليس لها علاقة بهذه الآية. مما يقنع بعض الناس بأن أهل الذكر هم رجال الدين، وهو ما يرسخ فكرة ضرورة سؤالهم عن كل شيء مهما كان صغيراً أو خاصاً، والعمل بموجب ما يفتون (يشرعون) به، وكأن الناس غيرهم لا يستطيعون فهم الدين بمستوى فهمهم له.

    ولكن لو لم يتوقف القارئ واستمر في قراءة الآية الثانية حتى قوله تعالى والزبر، بهذه الصورة:

    وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ.

    فقد يشعر بأن تأويل أهل الذكر ليس بالضرورة المعني به رجال الدين.

    ولو سمح القارئ لنفسه بالعودة إلى الآية 33 من نفس سورة النحل لوجد أنه يبدأ منها الحديث عن مطلب لقريش ردده الكفار دائماً على رسلهم في كل الأمم السابقة وهو أن ينزل الله عليهم ملائكة رسلاً بدل أن يرسل بشراً مثلهم:

    هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.(النحل:33)

    ولو استمر القارئ بالقراءة فسيجد أن سياق الحديث عن طلب نزول الملائكة يستمر حتى الآيتان 43 و 44 :

    وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.(النحل:43-44)

    وذلك للتأكيد على أن كل رسل الأمم السابقة كانوا رجالاً من البشر، وإذا أراد الكفار زمن رسول الله أن يتأكدوا من صحة ذلك، فعليهم سؤال من لديهم ذكر، أي من لديهم علم وخبر بالرسالات السابقة إن كانت رسلهم بشر أم ملائكة. ويكون على قريش في مثل هذه الحالة أن يسألوا اليهود، بصفتهم أهل ذكر وعلم بالبينات والزبر أي الرسالات السابقة، إن كانت الرسل التي أرسلت إلى أسلافهم بشر أم ملائكة.

    وفي الموضع الثاني الذي ورد فيه أهل الذكر، نجد أن الناس أيضاً تقرأ الآية السابعة من سورة الأنبياء وكأن ليس لها علاقة بما سبقها وما لحقها من آيات، فتبدوا وكأنها نزلت فقط لتأمر بإتباع فتاوى وتشريعات رجال الدين:

    وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ.

    ولكن لو ابتدأ القارئ القراءة من أول السورة فسيجد أنها تتحدث عن موقف قريش في زمن الرسول من الدعوة وأنه مشابه لموقف الأمم السابقة، فقد ورد في الآية الثالثة:

    لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ.

    وهو موقف يظهر أنهم أنكروا الدعوة لأن الله قد أرسل لهم بشراً مثلهم، لتأتي الآية السابعة والثامنة للتأكيد على أن كل رسل الأمم السابقة كانوا رجالاً من البشر، وإذا أراد كبراء قريش أن يتأكدوا من صحة ذلك، فعليهم سؤال من لديهم ذكر، أي من لديهم علم وخبر بالرسالات السابقة، إن كانت رسلهم بشر:

    وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ.(الأنبياء:7)

    ولم يكونوا ملائكة لا يستطيعون تناول الطعام البشري:

    وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ.(الأنبياء:8)

    ويكون المقصود بأهل الذكر في كلتا السورتين هم اليهود الذين توالت عليهم أعداد كبيرة من الرسل، والذين يعيشون بالقرب من قريش وبالإمكان التأكد منهم عن صفة الرسل. وليس لرجال الدين أي شأن بما ورد في هاتين الآيتين.

    ورجال الدين المسلمون لم يكن لهم وجود زمن رسول الله، ولم يكن لهم وجود فترة طويلة بعده عليه الصلاة والسلام، ولكن عندما نشأ الفقه نشأت معه فكرة تبجيل المشتغلين بالفقه ومن ثم تحولوا إلى مشرعين لا تستعصي على فتاويهم أي مسألة فقهية، مع أن الله تبارك وتعالى قد أكمل دينه:

    ..... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.(المائدة:3)

    وكمال الدين جاء باكتمال نزول القرآن الذي فيه كل فتوى يريدها المسلم:

    إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا.(النساء:105)

    وقد فصله الله بما يتناسب مع البشر، لأنه يعلم سبحانه ما يناسبهم بكل دقة:

    وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.(الأعراف:52)

    وما لم يرد له تشريع في القرآن فقد نهى الله سبحانه وتعالى عن السؤال عنه:

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ. قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ.(المائدة: 101-102)

    فإن كان النهي زمن رسول الله حيث لازال الوحي ينزل، فسيكون النهي أشد بعد وفاة الرسول وانقطاع الوحي والمصدر الوحيد للتشريع.



    ويكون رجال الدين في كل الأمم من أشد المعارضين لأي إصلاح ديني ولو كان على يد رسول من رسل الله، لأنه سيفقدهم مكانتهم وقدسيتهم ومنافعهم، ودورهم القيادي وانصياع الناس لهم، لذا فقد كانوا من أهم الموانع التي تقف ضد تقبل الناس للدين.

    وبهذا نكون قد جئنا على ختام حديثنا عن مواقف الناس من الدين عبر العصور، وفي الباب القادم سوف نورد مثالاً من القرآن الكريم على بعض ما اقترفه بنو إسرائيل من مخالفات للدين زمن موسى عليه الصلاة والسلام وبعده، وكيف تخلوا عن دين الله إلى تشريعات رجال دينهم، وكيف أن الله جل وعلى تسامح معهم المرة تلو الأخرى، قبل أن يسلط عليهم القوى الخارجية بعد أن أصبحت عودتهم للدين مستحيلة، وكيف انتهى بهم المطاف للتشرذم والتفرق في الأصقاع، كنوع من عقاب الله على تحولهم عن الدين، وذلك لتأكيد أن سنة الأولين القرآنية تسري على كل الأمم. ولكي نقارن ما حدث لليهود بسبب تركهم لكتاب الله وأتباع كتب وتشريعات رجال الدين، مع ما حدث للمسلمين بعد الرسول صلوات الله وسلامه عليه عندما تركوا كتاب الله رويداً رويداً، وتمسكوا بتشريعات رجال الدين. وأن ما حل ويحل بالمسلمين من ويلات ومحن ومصائب وحروب وتشتت، وما عانوه من تسلط الأمم الأخرى كل ذلك بسبب تركهم كتاب الله إلى غيره من تشريعات بشرية، سماها رجال الدين بالفقه والحديث والتفسير ونحوها، وأنهم لابد أن يتبعوا سنن من كان قبلهم " شِبراً شبراً وذِراعاً ذراعاً حتى لو دخلوا حُجْرَ ضَبٍّ تَبعتموهم "[1] وذلك بناءً على قانون سنة الأولين القرآني.




    مصادر الباب

    القرآن الكريم

    النهج المسبوك في سياسة الملوك/ عبدالرحمن ابن نصر ابن عبدالله الشيزري/ دراسة وتحقيق د. محمد أحمد دمح، وتوزيع مؤسسة بحسون للنشر والتوزيع – بيروت

    التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري/ الطبعة الأولى/ الناشر : مؤسسة الإمام المهدي، قم، ايران

    التبيان في تفسير القرآن/ أبو جعفر محمد ابن الحسن ابن علي الطوسي/ تحقيق أحمد حبيب قصير العاملي/ الناشر: مكتب الإعلام الإسلامي، قم، ايران

    الميزان في تفسير القرآن/ سيد محمد حسين الطباطبائي/ الطبعة الثالثة/ دار الكتب الإسلامية – طهران، ايران.

    الشيعة في عقائدهم وأحكامهم/ أمير محمد الكاظمي القزويني/ دار الطليعة – الكويت.

    التوراة جاءت من جزيرة العرب/ كمال سليمان الصليبي/ دار الساقي – بيروت.

    خفايا التوراة/ كمال سليمان الصليبي.

    جامع البيان في تفسير القرآن/ ابن جرير الطبري – طباعة ونشر دار المعرفة - بيروت

    الجامع لأحكام القرآن/ أبو عبدالله القرطبي/ دار الكتب العلمية – بيروت

    موطأ مالك / الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت

    كتاب البخاري / الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت

    تاريخ التشريع الإسلامي/ محمد الخضري - القاهرة 1975

    مختصر تاريخ العرب/ سيد أمير علي/ ترجمة عفيف البعلبكي – دار العلم للملايين – بيروت.

    الطبقات الكبرى/ ابن سعد/ دار الكتب العلمية – بيروت.

    الكتاب المقدس/ طباعة ونشر جمعية الكتاب المقدس في الشرق الأدنى.




    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] جزء من حديث ورد في البخاري برقم (7156)، وأوله: حدَّثَنا محمد بن عبدِ العزيز حدَّثَنا أَبو عمرَ الصَّنعانيُّ من اليمن عن زيد بن أَسلم عن عطاءِ بن يسار عن أَبي سعيد الخدريِّ.

  22. #22
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    الباب الثالث

    موقف بنو إسرائيل من الدين
    إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ.(النمل:76-77)



    ý بنو إسرائيل ذكرهم القرآن الكريم كمثال حي على عدم بقاء الناس على الدين وتحولهم عنه لمعتقدات من صنع البشر.

    ý لم يتبع موسى ويخرج معه إلا قلة قليلة منهم، أما البقية ففضلوا حياة السخرة تحت حكم فرعون على إتباع موسى.

    ý غالبية من خرج مع موسى لم يؤمنوا برسالته، ولكنهم تبعوه بحثاً عن أوضاع معيشية أفضل.

    ý بعد نجاتهم من فرعون سرعان ما تحولوا عن دين الله وموسى بينهم.

    ý بعد وفاة موسى تعاظم تحولهم عن الدين إلى تشريعات ابتدعها لهم رجال دينهم.

    ý الأرض الموعودة لليهود كانت بُعيد خروجهم من مملكة فرعون، وكان مطلوباً منهم أن يُخرجوا أهلها الكفار منها، ولكنهم لم يفعلوا فحرمهم الله منها إلى الأبد وكتب عليهم التيه (التجوال) أربعين سنة كعقاب لهم.

    ý بسبب ترك كتاب الله واتباع تشريعات بشرية عاقبهم الله بعقوبات مستمرة منذ عهد موسى إلى اليوم، فسلطت عليهم القوى الخارجية، وشتتوا في بقاع الأرض وكرهتهم الشعوب، ولم يُهلكوا بحادث واحد كما حصل للأمم السابقة.








    أرسل الله سبحانه وتعالى موسى بدعوتين، واحدة لبني إسرائيل تعدهم بأن كل من يؤمن منهم بالله فسيتم تخليصه من عبودية فرعون:

    وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ. مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ الْمُسْرِفِينَ.(الدخان:30-31)

    والدعوة الثانية كانت موجهة لفرعون بأن يؤمن بالله أولاً ويسمح لبني إسرائيل بالخروج مع موسى ثانياً:

    وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ. حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ.(الأعراف:104-105).

    ولم يؤمن فرعون بالله، وقام بملاحقة مؤمني بني إسرائيل بقيادة موسى، قبل أن يغرقه الله:

    وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ. وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ.(البقرة:49-50)

    وسبق وذكرنا في الباب الثاني بأن مواقف الناس من الدين لا تتغير في أي مكان وزمان، وأنها تمر بأربع مراحل، هي: مرحلة تصديق بعض الضعفاء وامتناع بقية الناس، ثم مرحلة استمرار الدعوة، يلي ذلك مرحلة القضاء على الكبراء، وبعدها مرحلة تحور الدين. وفي هذا الباب سنتعرض لبعض ما ذكره القرآن عن مواقف اليهود من الدين، أثناء حياة موسى وبعد موته، وكيف أن من أعلن إيمانه بدعوة موسى ونجا معه من فرعون، مع قلتهم، سرعان ما بدأوا بالتحول عن أوامر الدين ونواهيه، مع أن رسول الله لازال حياً بينهم، ثم اتسع نطاق التحول عن الدين بعد رحيله عليه الصلاة والسلام.

    وهدفنا من ذلك هو التأكيد على أن سنة الأولين جرت على كل الأمم، وعلى أن ما سنجده قد حدث للمسلمين من تحول عن الدين من اللحظة التي توفي فيها رسول الله عليه الصلاة والسلام إنما هو مماثل لما حدث لليهود، وما حدث لليهود مماثل لما حدث للأمم السابقة قبلهم، كنتيجة طبيعية بناءً على تلك السنة القرآنية " سنة الأولين " التي درج البشر على تكرارها.

    بنو إسرائيل زمن موسى
    في البداية يلزم أن نذكر أن بنو إسرائيل الذين بعث فيهم موسى عليه الصلاة والسلام، هم من نسل يوسف وإخوته الإحدى عشر أبناء يعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم، عليهم الصلاة والسلام، والذين قدموا لتلك البلاد في آخر حياة يعقوب وأقاموا فيها وتناسلوا. أي أنهم كانوا أبناء رسل وأنبياء، وبرغم ذلك – وبحكم قانون سنة الأولين - تحولوا عن الدين جيلا بعد آخر، حتى نسوا الله فأنساهم أنفسهم وامتحنهم بالسخرة التي فرضها عليهم فرعون.

    وعندما بعث بينهم موسى لم يتبعه منهم إلا نفر قليل، واستحب أغلبهم البقاء تحت سخرة فرعون على الخروج مع موسى، وهذه شهادة القرآن الكريم:

    فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ.(يونس:83)

    ويحدثنا القرآن المجيد أنه بمجرد غرق فرعون ونجاة من تبع موسى من بني إسرائيل، ابتدأت سلسلة من المواقف التي تظهر بوضوح أن أغلب من خرج مع موسى لم يتمكن الإيمان من قلوبهم. فقد ساورتهم فكرة العودة إلى تراثهم الوثني السابق مباشرة بعد أن أنجاهم الله من فرعون:

    وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ.(الأعراف:138).

    لأن تعاليم الدين التي اكتسبوها حديثاً لم تتعمق في النفوس بما يكفي لتكون بديلاً للتراث الديني المتأصل.

    وأثناء ترحالهم مع موسى، أمرهم الله أن يدخلوا الأرض التي وعدهم لتكون وطناً بديلاً لهم عن البلد التي خرجوا منها:

    وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ. يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ. قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ. قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ.(المائدة:20-24).

    ومع أن الله قد وعدهم بالنصر والاستيلاء على تلك الأرض لتكون وطناً لهم[1]، إلا أن اليهود يريدون من الله أن يقاتل عنهم ويفعل كل شيء بالنيابة عنهم. وهو ما يتشابه مع ما يقوم به المسلمون في الوقت الحاضر عندما تحل بهم نازلة، حيث يتجهون للقنوت في الصلاة وفي خطب الجمعة طالبين من الله أن يسحق أعدائهم بالنيابة عنهم وأن يفعل بهم كل ما يشتهي المسلمون، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء اتخاذ أسباب النصر من عتاد واعتقاد.

    ولم يستجب لنداء القتال سوى موسى وهارون:

    قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ.(المائدة:25)

    فحرم الله بني إسرائيل من الأرض التي وعدهم وحكم عليهم بالتيه:

    قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ.(المائدة:26).

    والتيه لا يعني أنهم ضاعوا وسط صحراء معدومة المعالم، واستمروا بالسير فيها على غير هدى لمدة أربعين سنة، لأنه لو حدث هذا فلن يستطيعوا البقاء على قيد الحياة طوال هذه المدة بدون ماء أو طعام. ولكن يحتمل أن يكون المقصود بالتية هو الترحال المستمر من مكان لآخر.

    وإذا كان التيه (الترحال) قد حدث في جنوب غرب جزيرة العرب، على اعتبار أنهم كانوا هناك بالفعل وأن فرعون لم يكن إلا حاكماً لمستعمرة مصرية في تلك البلاد، وليس في بلاد النيل، فيمكن تفهم ترحالهم الطويل هذا، لأن تلك المناطق مقسمة بين قبائل مختلفة، مستقرة تمتهن الزراعة والرعي، وكلما حط بنو إسرائيل الرحال في مكان جاءهم أهله وطلبوا منهم الرحيل، وكان يمكن أن يكون لهم وطن لو استجابوا لربهم واستولوا على الأرض التي وعدهم الله إياها، بعيد نجاتهم من فرعون، ولكنهم أبوا القتال فكان الترحال المتواصل لمدة أربعين عاماً عقاباً لهم.

    وهنا يمكن أن نستنتج أن من خرج مع موسى من اليهود كانوا عبارة عن ثلة قليلة من رجال ونساء وأطفال، غير مسلحين ولا يحملون معهم إلا متاعهم الشخصي الخفيف، هربوا خارج البلد التي يحكمها فرعون. فلما علم بهروبهم، لحق بهم في جيش مسلح، عدد أفراده أضعاف عدد قوم موسى الهاربين. وقد أكد القرآن الكريم قلة عددهم على لسان فرعون:

    فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ. إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ. وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ.(الشعراء:53-55)

    ولو كانت أعداد بني إسرائيل تقدر بستمائة ألف ماش عدا الأولاد، كما يقول الإصحاح الثاني عشر من سفر الخروج، لاكتسحوا كل من يمرون عليه في طريقهم، ولما امتنعوا عن قتال قلة من الناس كانوا يسيطرون على تلك البلدة التي وعدهم الله إياها لتكون أرضاً لهم. ولما طلب منهم أثناء ترحالهم أن يدخلوا قرية ليتزودوا منها بالطعام والمؤن:

    وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ.(البقرة:58). لأن ما في قرية صغيرة من متاع لن يكفي ذلك العدد الهائل المزعوم.

    ولو كانت أعدادهم بمئات الألوف لسجل التاريخ ترحالهم كواحدة من أكبر الهجرات البشرية على مر العصور، ولسجلها أهل البلاد التي مروا بها في قَصصهم الشعبي، وتوارثوها جيلاً بعد آخر.

    وقد تعددت المواقف التي تظهر ضعف إيمانهم، ومن ذلك أنه أثناء تجوالهم تعرضوا لهزة أرضية، فسارعوا لموسى محتجين على ما حدث لاعتقادهم بأن الله سيهلكهم. وقد سجلت كتبهم نص الاحتجاج: وقالوا لموسى هل لأنه ليست قبور في مصر أخذتنا لنموت في البرية. ماذا صنعت بنا حتى أخرجتنا من مصر.أليس هذا هو الكلام الذي كلمناك به في مصر قائلين كف عنا فنخدم المصريين. لأنه خير لنا أن نخدم المصريين من أن نموت في البرية.(الخروج: الإصحاح الرابع عشر: 11 -12). ويظهر كلامهم مدى تغلغل حياة الذل في نفوسهم.

    كما سجل القرآن ردة فعل موسى كإنسان تجاه ما حدث لقومه:

    وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ.(الأعراف:155)

    وبعد فترة، تركهم موسى لمدة أربعين ليلة فقط، لتلقي التوراة من ربه بجانب الطور، أي الجبل ذو المنحدرات الشاهقة أو كثير الأشجار، كما يقول صاحب لسان العرب، وإذا ببني إسرائيل يرتدون إلى عبادة الأصنام، وكأن بقاءهم على الدين لا يعني لهم أكثر من كونه مجاملة منهم لموسى منقذهم، وبما أنه غائب فسيعودون لما اعتادوه قبله:

    وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ.(البقرة:51)

    ومع أنها المرة الثانية التي يظهرون فيها ردتهم، فقد عفا الله عمن تاب منهم:

    ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.(البقرة:52).

    لأن الله سبحانه يعلم أن دخول الناس في الدين لا يلغي من عقولهم ومن تصرفاتهم كل ما يتعلق بموروثهم العقائدي السابق الذي يحتاج عدة أجيال متلاحقة لاجتثاثه من النفوس وتأصيل تراث جديد مكانه.

    ويكون بعضهم قد عمل السوء بجهالة ليس لأنهم تعمدوا الخروج عن الدين ولكنهم عادوا لطبائع اعتادوها بحسن نية وتقليداً للغير. أما البعض الآخر فكانوا ممن تظاهر بالدين ليستفيد من الوضع الجديد المصاحب للدعوة دون اقتناع:

    إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ. وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ.(الأعراف:152-153)

    ومع أن بني إسرائيل كانوا شهوداً على معجزات موسى وعلى نجاتهم من فرعون ومن ثم نزول التوراة وما فيها من تشريع، إلا أن كل هذا لم يكن كافياً للبعض منهم ليؤمنوا:

    وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ.(البقرة:55). فكل الوعود الغيبية بالنعيم في الآخرة يصعب أن يصدق بها الإنسان. وإذا كان موسى الذي قد عاد للتو مخاطباً ربه ويريدهم أن يؤمنوا بهذا الرب، فلماذا لا يرونه هم أيضاً؟

    ولأن سؤالهم نابع من شكهم في وجود الخالق وليس لتطمئن قلوبهم كما هي الحال مع إبراهيم، فإن العذاب كاد أن يحل بهم لولا عفو الله عنهم مجدداً:

    ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.(البقرة:56)

    بل إن الله رأف بهم، حيث توفرت الظروف المناخية المناسبة لتكوّن السحب فوق المنطقة التي كانوا فيها لتحميهم من حر الشمس اللافح وهم في ترحالهم، ويسر الله لهم العثور على المن والسلوى ليأكلوا من طيبات الرزق:

    وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.(البقرة:57)

    وبرغم ذلك فقد استحب كثير منهم العمى على الهدى، فأخذهم الله بذنوبهم:

    فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ.(البقرة:59)

    وفي كل مرة يستجاب لمطالبهم كانوا يطلبون المزيد، وكان كفرهم يزيد. فما كان من موسى إلا أن خيرهم بالقبول بدين الله والصبر على المصاعب، أو العودة لمصر حيث سيجدون كل ما سألوا عنه من بقول الأرض، ولكنهم سيعودون للعبودية التي يبدوا أنهم اعتادوها فأصبحوا أذلاء مهانين:

    وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ. وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُون.(البقرة:60-61)

    ومن كثرة فسقهم وعدم طاعتهم لأوامر الدين عاقبهم الله بأن حرم عليهم بعض المأكل الذي كان حلالاً لهم:

    وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ.(الأنعام:146)

    وكلما مر عليهم الزمن كلما زادوا طغياناً وكفراً:

    ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.(البقرة:74)

    ولم يكن وجود موسى بينهم ليمنعهم من التحول عن الدين:

    وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ.(الصف:5)

    حتى أن أغلب بني إسرائيل الذين نجوا مع موسى وآمنوا بأنه رسول الله، لم يكونوا يقيمون شرع الله ولا يتبعون كل أوامره ويجتنبون كل نواهيه:

    وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ.(البقرة:83)

    وقد أدرك موسى حقيقتهم تلك بعد أن قضى معهم سنين طويلة خلال التيه وبعده:

    وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ.(إبراهيم:8).

    هذه بعض جوانب الصورة التي كان عليها الرعيل الأول من مؤمني بني إسرائيل أثناء تواجد موسى بينهم، والتي كان من المفترض أن تكون حياتهم خلالها وممارساتهم اليومية تحكمها العقيدة، وأن يكونوا قدوة لمن سيأتي بعدهم. فإذا كان هذا وضعهم وموسى بين ظهرانيهم، فما الذي يمكن أن يحدث بعد رحيله عليه الصلاة والسلام.

    بنو إسرائيل بعد موسى



    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] ذاك هو الوطن الذي وعد الله به بني إسرائيل، وكان في ذلك الوقت الذي نجوا فيه من فرعون، وليس وطناً دائماً كما يدعون الآن، وأنه يعني دولة بحجم فلسطين، بل كان قرية لأولئك المؤمنون بموسى، وبعد ذلك فلو تفرقوا أو هلكوا أو هوجموا أو هجروا قريتهم فليس لهم عهد من الله بوطن إلى الأبد.

  23. #23
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    بنو إسرائيل بعد موسى
    بعد موسى بقيت قلة من بني إسرائيل على الحق، وكانوا:

    أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ.(السجدة:24).

    إلا أن معظمهم لم يعرفوا التقوى والورع، ولم يمض وقت طويل على رحيل موسى حتى ظهرت الفرق والمذاهب التي تناحرت فيما بينها أيها كان على الحق:

    وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.(الجاثية:17)

    وأصبح كل زعيم مذهب (الحبر أو الراهب) يطاع ويسمع منه أكثر مما تطاع التوراة التي تمثل شرع الله:

    وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ.(الشورى:14)

    فتوالت الرسل إليهم ليعودوا إلى دين الله:

    وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ.(البقرة:87)

    وكان ممن أرسل لليهود بعد موسى عيسى ابن مريم، الذي كغيره من الرسل لم يؤمن به سوى عدد قليل منهم:

    وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ. إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ. فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ.(آل عمرآن،:49-52)

    وبعد موته تحولت قصة ولادته بلا أب إلى أسطورة، فظنت طائفة من اليهود بأنه كان هو الله:

    لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَار.(المائدة:72)

    وقال آخرون بل هو وأمه آلهة مع الله:

    َقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.(المائدة:73)

    ووصل الغلو بطائفة من اليهود إلى اعتبار أحد أحبارهم وهو عزير (عزرا) ابنا لله، مثلما اعتقدت طائفة أخرى أن المسيح هو ابن الله:

    وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ.(التوبة:30)

    ويبدوا أن الاعتقاد بأن لله أبناء كان من الأساطير الشائعة في ذلك الوقت وتبناها اليهود حول شخص عيسى وعزير.

    وحتى العدد القليل الذين آمنوا بعيسى ابن مريم، سرعان ما عدلت الأجيال التالية منهم عن الدين، ولم يبق منهم أحد يؤمن بدين الله الخالص:

    وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ.(المائدة:14)

    واستمر اليهود في مواقفهم المجافية للدين، فكانوا كلما جاءهم رسول بخلاف ما هم عليه من عقائد ابتدعها رجال دينهم كذبوه أو قتلوه:

    لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ.(المائدة:70)

    فكان تاريخ بني إسرائيل نموذجاً لسرعة تحول الناس عن الدين وإتباع ما تمليه عليهم مصالحهم الشخصية، وإن تخلل تاريخهم فترات قصيرة رجع قليل منهم فيها لدين الله. ومن ذلك، تلك الفترة التي قضوها في ظل مملكة داوود، والتي صور القرآن الأحداث التي أدت لقيامها، بقوله تعالى:

    أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ. وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ.(البقرة:246-251)

    وباستيلاء داوود على مملكة جالوت بعد أن قتله، تأسست أول مملكة لليهود في تاريخهم، وإن كانت عبارة عن مدينة مثل ممالك تلك الحقبة التي لا تقارن بالممالك الحالية من حيث المساحة والسكان. وعندما توفي داوود ورثه ابنه سليمان الذي أصبحت المملكة في عصره أكثر قوة، واشتهرت بعلمائها وصناعها ومهندسيها المهرة، كما أوتي القدرة على تسخير مخلوقات روحانية من غير جنس البشر(جن):

    وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ. يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ.(سبأ:12-13)

    وكان داوود وسليمان يحكمان بشرع الله الذي أنزل على موسى:

    وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ.(المائدة:12)

    ولكن بعد موت سليمان حدثت انقسامات في المملكة وحروب أهلية بسبب تسلط بعض جبابرة اليهود وإفسادهم في الأرض:

    وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا.(بني إسرائيل:4)

    وبكفرهم وإفسادهم سلط الله عليهم من لا يخافه ولا يرحمهم:

    فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً.(بني إسرائيل:5).

    وكأنها إشارة لحملة الملك المصري شيشانق التي كانت ما بين (945 – 924) قبل الميلاد. حيث استولى على كل بقايا دولة سليمان، بل ومناطق شاسعة مجاورة لها في جنوب غرب جزيرة العرب[1].

    ثم كان هناك فترة سلام أنستهم ما حل بهم من محن حيناً من الدهر:

    ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا.(بني إسرائيل:6)

    ولكن اليهود لم يتعظوا ولم يرجعوا لدين الله. فسلط الله عليهم الآشوريين بقيادة الملك سرجون الثاني، الذي قضى على مملكة بني إسرائيل في العام (721) قبل الميلاد.

    ثم توالت عليهم المحن والمصائب فقضى الملك البابلي نبوخذ نصر على المملكة الثانية لليهود، مملكة يهوذا، في العام (586) قبل الميلاد، وهدم معابدهم وأماكن سجودهم وخرب ديارهم، وساق كثيراً منهم أسرى إلى بابل ليبقوا هناك مستعبدين لمدة سبعين سنة:

    إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا.(بني إسرائيل:7)

    فإذا كانت هذه الإجتياحات المتكررة ضد اليهود حدثت من قبل جيوش ممالك بعيدة عنهم ويفصلهم عنها بحار وقفار وفيافي لا يسلكها الناس إلا للحاجات القصوى، فمن البداهة أن تعود أسبابها إلى عقاب الله لهم على تحولهم عن الدينً.

    وقد أدت حروب اليهود الأهلية بعد سليمان إلى هجرات جماعية، وتكررت هذه الهجرات أثناء الإجتياحات المتكررة لبلادهم من قبل الجيوش الأجنبية الغازية. وحتى عندما أعيدوا من سبيهم في بابل، وجدوا أكثر ديارهم خراباً وما بقي منها صالحاً استولت عليه شعوب وقبائل أخرى، ولم يبق لهم في بلادهم الأصلية مكان إقامة. فنزحون إما باتجاه أقصى بلاد اليمن والحبشة، أو شمالاً ليستقروا في الواحات المتناثرة على طول الطريق التجارية الموصلة بين اليمن وبلاد الشام، مثل يثرب، خيبر، العلا، تيماء، ومنهم من وصل لفلسطين الحالية وغيرها من بلاد الشام ومصر وشمال أفريقيا، وأبعد من ذلك. ومنهم من بقي في العراق بعدما أخذوا كسبي، ولم يعودوا لبلادهم، ومن هناك تفرقوا في بلاد آسيا الوسطى. وقد تسببت تلك الإضطرابات إلى ضياع التوراة في وقت مبكر جداً من تاريخ اليهود.

    وأثناء فترة السبي البابلي، قام أحد رجال الدين واسمه عزرا (عزير)، بالبدء بتأليف كتاب عن التاريخ السابق لليهود، ثم جاء من أضاف لذلك الكتاب بعض الأحداث الأخرى، ثم تلا ذلك كتبة آخرون على مدى مئات السنين، من كل نوع وثقافة، منهم الراعي والحرفي ورجل الدين وغيرهم، يضيفون ويحذفون وينقحون في هذه الكتابات، ولم تتخذ كتبهم شكلها الحالي إلا في القرن الرابع الميلادي[2].

    وقد تأثر الفقه اليهودي بالمؤثرات الاجتماعية والسياسية والدينية المحيطة، كما تأثر بالخرافات والأساطير والشعوذة المنتشرة في بلاد الرافدين وغيرها في الفترة التي عاشوها هناك:

    وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ.(البقرة:102)

    فأصبح السحر والشعوذة التي نقلوها معهم من العراق جزءً من ديانتهم. وتحول رجال الدين إلى مشرعين حقيقيين للديانة اليهودية:

    اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ.(التوبة:31).

    واستساغ رجال الدين ممارسة سلطتهم الروحية، فحوروا الدين حسب ما تقتضيه المصالح الشخصية: لوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ.(المائدة:63).

    وتمسك اليهود بما يفتي به ويشرعه رجال دينهم، واعتقدوا بأنه شرع الله وكفروا بما سواه، بل وظنوا أنهم وحدهم دون سائر الناس عباد الله المخلصين:

    وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ.(المائدة:18).

    وأن عقائدهم وحدها دين الله:

    وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.(البقرة:135).

    وظنوا أن لن يدخل الجنة غيرهم:

    وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ.(ألبقرة:111).

    وقد أعطى القرآن صورة إجمالية لحال اليهود عبر التاريخ وما آلوا إليه في سور كثيرة منها قوله تعالى:

    وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ. وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مُّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ.(الإعراف:167-169)

    حيث قطّعوا في كل أرجاء الأرض وعاشوا في جماعات صغيرة متقوقعة على نفسها وسط مجتمعات غريبة عنها في كل قارات الدنيا. ولو أنهم تمسكوا بدين الله لاختلفت أوضاعهم في الدنيا والآخرة:

    وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ. وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ.(المائدة:65-66)

    ويكون ما حدث لهم هو الذي حدث لغيرهم من الأمم سابقها ولاحقها في سرعة التحول عن جوهر الدين:

    وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا.(الكهف:55)

    وعبر التاريخ لم تتغير العقلية الدينية اليهودية وبقوا على يقين بأن ما يشرعه رهبانهم هو دين الله دون سواه، لذلك لم يؤمن اليهود برسالة محمد عليه الصلاة والسلام، بل وقفوا منها موقفاً عدائياً لم يتبدل. وحاولوا أن يضلوا المسلمين:

    وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ.(آل عمرآن:69)

    وقاموا بموالاة المشركين ضد المسلمين:

    تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ.(المائدة:80) حتى أصبح اليهود زمن الرسول أشد الناس مع المشركين حرباً على الإسلام: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ....(المائدة:82)

    وقد جاء موقفهم المعادي للإسلام، تكراراً لمواقفهم من دعوة موسى:

    أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.(البقرة:75).

    فقد انحرفوا عن الدين وموسى بينهم برغم كل ما رأوه من معجزات ومن نعم الله عليهم، فكيف يطمع المسلمون أن يتبع اليهود الإسلام.

    ليس لأن اليهود جبلوا على الكفر، ولكن لأن البشر بوجه عام لا يبقون على الدين طويلاً قبل أن يتحولوا عنه، إما بالرجوع لما اعتادوه من موروثات جاهلية أو بالتمسك بما استحدثوه منها. فأصبح التحول عن الدين سنة متبعة في كل الأمم والمجتمعات منذ الأزل:

    وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ. وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ. كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ.(الحجر:10-13)

    أما من الناحية الإنسانية فاليهود لا يختلفون عن بقية الناس، منهم الصالح الذي يحمل الصفات الحسنة ومنهم الطالح الذي يظهر الصفات السيئة:

    وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْه قَآئِمًا....(آل عمران:75)

    وهناك مثل قديم مشهور في الأدب العرب يقول: أَوْفَى مَنَ السَّمَوْأَلِ، والمضروب به المثل هو السَّمَوأل بن حيَّان بن عَادِ ياء اليَهُودي. ويذكر أبو الفضل الميداني في كتابه معجم الأمثال والحكم من وفاء السّموأل أن امرأ القَيْس لما أراد الخُرُوجَ إلى قيصر اسْتَوْدَعَ السّموألَ دُرُوعاً وأحَيْحَةَ بن الجُلاَح أيضاً دورعا، فلما مات امرؤ القيس غَزَاه ملك من ملوك الشأم، فتحرز منه السموأل، فأخذ الملك ابناً له، وكان خارجاً من الحِصْنِ، فصاح الملك بالسموأل، فأشرف عليه، فَقَالَ: هذا ابنُك في يَدَيَّ، وقد علمت أن امرأ القيس ابن عمي ومن عشيرتي، وأنا أحقُّ بميراثه؛ فإن دفَعْتَ إلي الدروع وإلاَ ذَبَحْتُ ابنك، فَقَالَ: أجلْني، فأجله، فَجَمعَ أهلَ بيته ونساءه، فشاوَرَهم، فكُلٌّ أشار عليه أن يدفع الدروع ويستنقذ ابنه، فلما أصبح أشْرَفَ عليه وقَالَ: ليس إلى دَفْعِ الدروع سبيل، فاصنع ما أنت صانع، فذبَحَ الملكُ ابنه وهو مُشْرِف ينظر إليه، ثم انصرف الملك بالخيبة، فوافى السموألُ بالدروع الموسمَ فدفعها إلى ورثة امرئ القيس، وقَالَ في ذلك قصيدة منها:

    وفَيْتُ بأدْرُعِ الكِنْدِي إني إذا ما خَانَ أقْوَام وَفِيْتُ

    وَقَالَوا: إنه كَنْزٌ رَغِيبٌ وَلاَ وَالله أغْدِرُ مَا مَشَيْتُ

    وهذه بعض المواقف النبيلة من إسرائيليين معاصرين مما أوردته وسائل الإعلام خلال الفترة الماضية:

    · ذكرت وكالات الأنباء اليوم 17/10/2003 أن المحامي اليهودي الفرنسي لوران ليفي يدافع عن حق ابنتيه المسلمتين في ارتداء الحجاب، ضد قرار فرنسا بتحريم لبس الفتيات المسلمات للحجاب في المدارس.

    · قالت صحيفة "جارديان" البريطانية في عددها الصادر الخميس 18-4-2002 نقلا عن صحيفة "هتسوفيه " العبرية، أن أحد طياري مروحيات الأباتشي الأمريكية الصنع تلقى الأسبوع الماضي أمرا من قائده العسكري بقصف منزل في قرية "دورا" الواقعة قرب الخليل بالضفة الغربية لتصفية 5 قياديين فلسطينيين يشتبه في اختبائهم داخل المنزل، غير أن الطيار الإسرائيلي رفض الأمر لأنه سيعرض حياة أبرياء وأطفال للموت.

    · في 24/9/2003 قالت مصادر فى سلاح الجو الإسرائيلي أن 27 طيارا في سلاح الجو الإسرائيلي بعثوا بعريضة إلى قائد السلاح الجوى اللواء دان حَلوتس أعلنوا فيها أنهم لن ينفذوا مهمات هجومية في الضفة الغربية وقطاع غزة بهدف الاغتيال، لأنهم سيعرضون حياة الأبرياء للخطر.

    وغير ذلك الكثير من مواقف إنسانية ونبيلة صدرت من يهود بحق أعداء لهم.

    إلا أنه عندما يتعلق الأمر بالدين فإن اليهود استمروا منذ زمن عزرا وحتى اليوم يعتبرون أنفسهم الناس الوحيدين الذين يدينون بدين الله الذي دان به إبراهيم ويعقوب وموسى، وأن كتبهم المقدسة هي روح، وإن لم تكن نص، الوحي الذي أنزله الله على موسى. ولن يقبل اليهودي العادي مثله مثل رجل الدين مجرد مناقشة إمكانية خطأ تقديراتهم تلك، كما لن يتقبلوا فكرة أن يكون هناك أي دين آخر غير عقيدتهم يمكن أن يكون ديناً سماوياً أنزله الله على رسول من عباده. ولو عاد موسى إلى الحياة الآن وأبلغهم أن ما هم عليه مختلف عما بعثه الله به من دين، لاتهموه بأنه مسيح دجال ولرموه بالكفر والكذب على الله ولما تبعه منهم أحد. ولن يدور بخلد أي منهم أن تكون عقيدتهم الحالية هي المبتدعة وأن دين الله بريء منها براءة الذئب من دم جدهم يوسف.

    وقد اعتمد رجال الدين على كتب مساندة لكتابهم المقدس، شرعوا بموجبها تشريعاتهم التي يسيرون عليها اليوم، وهي، المشنا والغامارة والتلمود. والغرض من هذه الكتب هو إيضاح وتفسير ما التبس من نصوص الكتاب المقدس، وإيراد نصوص وتشريعات لم ترد في ذلك الكتاب، فهي كالتفسير والحديث والفقه عند المسلمين.

    وهذا بعض ما جاء في تلك الكتب من أقوال[3]:

    لا خلاص لمن ترك تعاليم التلمود واشتغل بالتوراة فقط. وهو مماثل لأقوال رجال الدين المسلمون الذين يقولون بأن الحديث مكمل للقرآن، وأن القرآن لا يمكن فهمه بدون تفسير.

    وجاء في التلمود: التوراة أشبه بالماء، والمشنا أشبه بالنبيذ، والغامارة أشبه بنكهة النبيذ العطرية، ولذا فالإنسان لا يستغني عن هذه الكتب الثلاثة، مثلما أن النبيذ لا يصلح بدون العناصر الثلاثة المذكورة.

    وكما يحرم رجال الدين المسلمون (الفقهاء) على غيرهم أن ينقدوا أقوالهم أو يبينوا أخطائهم، ويصفون أنفسهم بأنهم ورثة الأنبياء، لكي يعطوا فتاويهم وتشريعاتهم صفة مشابهة لصفة النصوص الإلهية، وكأن ما يصدر منهم يمثل دين الله، فإن رجال الدين اليهود لديهم أقوال مماثلة، ومن ذلك ما جاء في التلمود، ونصه: من احتقر أقوال الحاخامات استحق الموت.

    ويشددون على تقديس تشريعات وفتاوى الحاخامات، فقد جاء في كتاب يهودي اسمه (كرافت) مطبوع في سنة 1509 ما نصه: يلزمك اعتبار أقوال الحاخامات مثل الشريعة لأن أقوالهم هي قول الله الحي فإذا قال لك الحاخام أن يدك اليمنى هي اليسرى وبالعكس فصدق قوله ولا تجادله فما بالك إذا قال لك إن اليمنى هي اليمنى واليسرى هي اليسرى.

    ويتسمى رجال الدين اليهود (الحاخامات) بالربانيين، ومفردها رباني، ومترجمة للإنجليزية بهذا الشكل" Rabbi " مثلما يحلوا الآن لبعض رجال الدين المسلمين أن يسموا أنفسهم بالربانيين.

    وقال أحد علماء اليهود المسمى (ميمانود) الميت في أوائل القرن الثالث عشر: مخافة الحاخامات هي مخافة لله.

    ومثله ما ورد في التلمود: من يجادل حاخامه أو معلمه فقد أخطأ، وكأنه جادل العزة الإلهية. ورجال الدين المسلمون يحرمون على غيرهم أن يجادلوهم.

    وقال أحد الحاخامات واسمه مناحم: إنه حتى ولو بدا أن هناك أقوال متناقضة لرجال الدين فإنها كلها من كلام الله مهما وجد فيها من التناقض! ومن لم يعتبرها كذلك فقد أخطأ في حقه تعالى. وهو مماثل لقول رجال الدين المسلمين إن اختلافهم رحمة، في أثر نسبوه للرسول.

    وذكر في كثير من كتب اليهود: إن أقوال الحاخامات المناقضة لبعضها منزلة من السماء، ومن يحتقرها فمثواه جهنم وبئس المصير. ويمكن مقارنة ذلك مع ما يقوله رجال الدين المسلمون بأن من أخطأ منهم في فتوى أو تشريع فله أجر، ومن أصاب فله أجران، وفي كلا الحالتين ما على الإنسان العادي إلا الإتباع.

    .................................................. ........................



    مصادر الباب



    القرآن الكريم

    الكتاب المقدس/ طباعة ونشر جمعية الكتاب المقدس في الشرق الأدنى.

    التلمود، من موقع على الإنترنت.

    التوراة جاءت من جزيرة العرب/ كمال سليمان الصليبي – دار الساقي –بيروت.

    معجم الأمثال والحكم/ أبو الفضل الميداني/ الناشر: دار ابن زيدون – بيروت.

    مقالات مقتبسة من شبكة الإنترنت.

    صحيفة الجارديان اللندنية / العدد الصادر يوم الخميس 18-4-2002

    Who Wrote The Bible, Richard Elliott Friedman / Summit Books– N.Y.,USA




    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] رجعنا إلى الفصل 11 مسار حملة شيشانق في كتاب التوراة جاءت من جزيرة العرب، للتعرف على مسار الحملة.

    [2] The World That Produced the Bible:587-400 B.C. – Who Wrote the Bible

    [3] نقلت أقوال التلمود والمشنا من مواقع للكتاب المقدس على الإنترنت.

  24. #24
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    الباب الرابع

    محمد الإنسان والرسول
    قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا.(الكهف:11)


    ý كتب الأخبار تصور الرسول بصور خرافية متطرفة، فهو تارة لا يعرف ماذا يفعل، وتارة أخرى وكأنه خلق من طينة غير طينة البشر، بحيث يعرف من كل علم أكثر مما يعرف عنه المختصين فيه.

    ý بينما صوره القرآن الكريم على أنه بشر سوي لا يختلف عن الناس الأسوياء ولا يزيد عنهم بشيء، ويجري عليه كل ما يجري عليهم من مشاعر وأحاسيس إنسانية، ولكنه أكثرهم مسئولية أمام الله بحكم كونه مسئولاً عن تبليغ رسالة ربه للناس.

    ý كل رسل الله السابقين كانوا من أولي العزم، أي الصبر على شدائد التبليغ، لأنهم جميعاً قد خضعوا لبرنامج تأهيلي إلهي جعلهم قادرين على تحمل المصاعب والعنت الذي واجههم الناس به طوال فترة دعوتهم، ومحمد بن عبد الله لم يكن بدعاً من الرسل.




    مـــا

    كتبه بعض الإخباريين[1] عن محمد صلوات الله وسلامه عليه، يصوره على أنه شخص فوق بشري، لدرجة أن المعجزات الحسية قد جرت على يديه، إضافة إلى أنه يحيط بكل علم أرضي أكثر من المختصين فيه، حتى أن الناس يتداوون بما عرف عندهم بالطب النبوي. والذي هو عبارة عن أقوال منسوبة للرسول جمعها الناس على شكل كتب تقرأ ويتعالج الناس بما فيها. أما القرآن فقد أورد صورة للرسول ليس فيها مما نقله عنه الإخباريون شيئاً، فهو إنسان عادي جداً، بالنسبة لمواصفات البشر. ولم يكن طبيباً ولا صاحب معجزات ولا فيلسوفاً ولا يحمل أي صفة مميزة من الصفات التي قالتها كتب الأخبار عنه، وهذا ما سنتحدث عنه في هذا الفصل.

    محمد في كتب الأخبار
    وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا. أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ .......... (بني إسرائيل:90-93)


    تعج كتب الأخبار بقصص خيالية عن أحداث صاحبت ولادة عبد الله، والد رسول الله، وزواجه بآمنة، أم الرسول. ومولد الرسول ورضاعته وطفولته ونشأته، وكيف أن الناس من وثنيين ونصارى ويهود قد عرفوا بولادته ونبوته قبل أن تحدث.

    ومن القصص الخيالية التي حيكت حول ولادته صلى الله عليه وسلم في سيرة ابن هشام[2] أن عبد المطلب كان قد نذر إن رزقه الله بعشرة أبناء ذكور ثم بلغوا معه حتى يمنعوه، أن ينحر أحدهم لله عند الكعبة، وأنه لما وصل عدد أبناءه الذكور عشرة، أبلغهم بعزمه الوفاء بنذره فلم يحتج منهم أحد. ولكي يكون الاختيار عادلاً فقد أمرهم أن يكتب كل منهم اسمه على قداح وأن توضع في جوف الكعبة عند الصنم هبل الذي اعتاد الناس أن يضربوا أقدحتهم عنده قبل قيامهم بأي أمر. وقد خرج القداح على عبد الله والد محمد، ولكن قريش منعت عبد المطلب من أن ينحر ابنه قبل أن يأتي أحد الكهنة. فأشارت عليهم كاهنة كانت في خيبر أن ينحروا عدداً من الإبل مساو لدية الرجل عندهم، ومن ثم يضرب القداح على عبد الله وعلى الإبل، فإن خرج القداح على عبد الله زيدت الإبل ويعاد ضرب القداح حتى يخرج على الإبل، وهو ما يعني أن الرب قد رضي بالدية، فنحرت الإبل وعاش عبد الله وبر عبد المطلب بنذره.

    وعندما رجعوا لمكة رأت رقية بنت نوفل، عبد الله عند الكعبة فطلبت منه أن يجامعها وتهبه مثل عدد الإبل التي نحرت عنه، لأنها عرفت، من أخيها ورقة ابن نوفل الذي تنصر أنه سيولد له ولد سيكون نبياً، وقد رأت نور النبوة في وجه عبد الله فرغبت أن تكون أم ذلك النبي المنتظر، ولو حملت به سفاحاً.

    ولما حملت آمنة بنت وهب ابن عبد مناف من زوجها عبد الله ابن عبد المطلب، جاءها آت لم يعرف إن كان من الملائكة أو من الشياطين، ولكنه أبلغها بأنها حامل بسيد هذه الأمة، وأنها حين حملت به خرج من موضع في جسدها، نور عرفت وهي في مكانها أنه قد أضاء بصرى الشام.

    أما إحدى النساء اللاتي حضرن مولده صلى الله عليه وسلم، فقد رأت أن البيت قد امتلاء نوراً، وأن نجوم السماء قد اقتربت من الأرض لدرجة خافت تلك المرأة أنها ستقع عليها. دون أن يلحظ ذلك أحد خارج المنزل بطبيعة الحال. وفي اللحظة التي ولد فيها محمد في مكة صرخ يهودي بالمدينة مبلغاً قومه بأن نجم أحمد الذي يولد به قد ظهر، مع أن التنجيم لا يقره الإسلام.

    وقد ولد الرسول مختوناً ومقطوع السرة. وسماه جده عبد المطلب محمداً بناء على الرؤيا التي رآها قبل ولادته والتي عرف بواسطتها أنه سيولد له حفيد سيحمده أهل السماء والأرض. وغير ذلك الكثير المثير في غرابته وسطحيته مما قيل حول مولد ونشأت ونبوة محمد.

    ويبدوا أن كل هذه البشارات بنبوة محمد لم تعرف بها المرضعات، ومنهن حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية، اللاتي قدمن من بلاد بني سعد ابن بكر لمكة بحثاً عمن يرضعنه من أطفال قريش مقابل أجر مادي، وإلا لتقاتلن فيما بينهن لنيل شرف إرضاع رسول المستقبل.

    وفي ذلك تقول حليمة: فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله فتأباه, إذا قيل لها إنه يتيم. وذلك أنّا إنما كنا نرجوا المعروف من أبي الصبي. فكنا نقول: يتيم! وما عسى أن تصنع أمه وجده؟ فكنا نكرهه لذلك. فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعاً غيري. فلما أجمعنا الانطلاق، قلت لصاحبي (زوجي): والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعاً، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم، فآخذنه. قال: لا عليك أن تفعلي عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. قالت: فأخذته وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره. انتهى الكلام المنسوب لحليمة كما ورد في سيرة ابن هشام وفي غيرها من كتب التاريخ والسير.

    وبمجرد أن أخذته حليمة إلى رحلها حتى تتالت البركات، فأصبحت أتانها الضعيفة العجفاء التي كانت تحبس الركب في المسير وهم قادمون لمكة، كأسرع ما يكون من الحمير، ودرت أضرع شارفهم (عنزهم الهزيلة) فشربوا وأطعموا. وعمت بركة الرسول مراعي غنم حليمة السعدية دون غيرها من بقية بلاد بني سعد المجدبة. فكانت أغنامها تروح خماصاً وتغدوا شباعاً لبّناً، حتى كان قومها يقولون لرعيانهم: ويحكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب. وكان من أثر ذلك الحليب المبارك أن الرسول شب شباباً لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتين حتى كان غلاماً جفراً، حسب ما رواه ابن هشام وغيره من الإخباريين المسلمين عن حليمة.

    ومن التطرف القصصي المؤسف والذي لا يمكن أن يكون حدث لرسول الله عليه الصلاة والسلام، ما روي عن الكيفية التي تمت بها خطوبة وزواج الرسول بخديجة، ومن ذلك ما رواه أحمد في مسنده على شكل حديث برقم (2854)، وهذا نصه: حدثنا عبد الله حدَّثني أبي ثنا أبو كامل ثنا حماد بن سلمة عن عمّار بن أبي عمّار عن ابن عباس ـ فيما يحسب حماد ـ : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر خديجة وكان أبوها يرغب أن يزوجه ، فصنعت طعاماً وشراباً ، فدعت أباها وزمراً من قريش ، فطعموا وشربوا حتى تملوا ، فقالت خديجة لأبيها : إن محمد بن عبد الله يخطبني فزوجني ، إياه فزوجها إياه ، فخلعته وألبسته حلة ، وكذلك كانوا يفعلون بالآباء ، فلما سري عنه سكره نظر فإذا هو مخلق وعليه حلة ، فقال : ما شأني ما هذا ؟ قالت : زوّجتني محمد بن عبد الله ، قال : أنا أزوج يتيم أبي طالب ؟ لا لعمري ، فقالت خديجة : أما تستحيي ، تريد أن تسفه نفسك عند قريش ؟ تخبر الناس أنك كنت سكران ؟ فلم تزل به حتى رضي.

    وكانت أحبار اليهود ورهبان النصارى وكهان العرب ودهاقنة المجوس ومشعوذي الهند قد عرفوا أمر الرسول قبل مبعثه، سواءً بما وجدوا في كتبهم أو بالاتصال بالجن والشياطين، حسبما رواه ابن هشام في سيرته.

    وعندما نزل جبرائيل على رسول الله بالوحي لم يعرف محمداً أنه أصبح رسولاً لله إلا بعد أن أخبره ورقة ابن نوفل النصراني بذلك. مع أن عقيدة النصارى تنص على أن يسوع ابن الله مات على الصليب لتخليص البشر من ذنوبهم وبالتالي فليس هناك حاجة لبعث رسل بعده لأن ذنوب الناس قد غفرت، وكان من المفترض أن تنكر عقيدة ورقة، التي نسبه إليها الإخباريون، دعوة أي رسول بعد يسوع يدعي أنه أرسل من الله. ولم يسجل التاريخ أن ورقة ابن نوفل الذي زعمت كتب الأخبار أنه كان أول من عرف بأن رسالة محمد حق قد آمن بتلك الرسالة برغم افتراض أنه أدرك بعثته، ومثل نوفل لم يسلم كل من تنبأ ببعثته صلوات الله وسلامه عليه.

    وتظهر لنا كتب الأخبار أن خديجة، زوج محمد، قد قامت بامتحان فريد للتأكد من ماهية جبرائيل، تلخص بأمر الرسول بأن يجلس على فخذها الأيسر فالأيمن وفي حجرها وجبرائيل حاضر، فلما تحسرت وألقت بخمارها اختفى جبرائيل فجأة. لتعلن خديجة للرسول: يا بن العم اثبت وأبشر فوالله إنه ملك لأنه لو كان شيطاناً لما اختفى عندما حسرت رأسي وألقيت خماري[3].

    ومن الواضح أن هذه القصة وضعت في تاريخ متأخر بعد أن بدأ الناس في الحديث عن وجوب غطاء وجه المرأة الذي لم يكن موجوداً في أول أيام نزول الوحي على الرسول.

    والقصص المذكورة تريد أن تقول بأن محمداً لم يكن ليعرف ما آل إليه أمره، لو لم يكن هناك ورقة المسيحي، ولو لم تُجر خديجة امتحانها. بل إن كتب الأخبار تؤكد فيما روته من قصص أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه، كان آخر من علم بأمر بعثته، فقد سبقه لذلك كل شياطين الجن وشياطين الإنس من كهان العرب ورهبان اليهود والنصارى ودهاقنة المجوس وسحرة الهند، كما أسلفنا. وهذه القصص فيها من القدح والاستهزاء بالرسول أكثر من التقدير والإجلال.

    وقد امتلأت كتب الإخباريين المسلمين بقصص كثيرة عن معجزات حسية للرسول بعد أن بدأت حركة الكتابة والتدوين، وصلت لمئات المعجزات، منها: حديث شق الصدر، وجر الشجر، والتحدث مع الجن، وحنين جذع النخلة، والتنبؤ بالمستقبل، وغيرها من معجزات صورت رسول الله على أنه شخص يعرف في كل مجال من مجالات الحياة أكثر مما يعرفه المختصون فيه.

    وبلا شك فكل ما وصفت كتب الأخبار به الرسول لا يعدوا عن كونه خيال جامح أراد من كتبه أن يضفي على شخصية الرسول هالة من القدسية والعظمة والقدرة، تظهره وكأنه خلق من طينة غير تلك الطينة التي خلق منها البشر. طينة خلطت ببعض القدسية لكي يتمكن من مخاطبة السماء والإحاطة بعلوم ومعارف لا يعلمها البشر العاديون، وفي نفس الوقت يمكنه أن يعيش كإنسان ويتخاطب مع الناس كواحد منهم[4]. لأن الإنسان منذ الأزل يواجه صعوبة في التصديق باستطاعة إنسان عادي أن يتلقى وحياً من الله، وكان من أهم أسباب عدم قبول الناس في كل العصور دعوة الرسل:

    قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ.(يس:15)

    ولذلك كان الناس دائماً يطلبون من رسولهم أن يسمح لهم بالكلام مع الله، كدليل حسي يؤكد صحة ما يدعيه الرسول. لأنه (حسب زعمهم) إذا كان الله يكلم الرسول وهو إنسان عادي، فلماذا لا يكلمهم الله أيضاً وهم سادة القوم:

    وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ.(البقرة:118)

    ولكي نتعرف على شخصية محمد الحقيقية لابد من قراءة ما وصفته به الآيات القرآنية، ونبذ كل ما وصف به في كتب الأخبار.





    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] هم كتبة الأخبار الظنية من حديث وتاريخ وسير وتفسير

    [2] فصل ذكر نذر عبد المطلب ذبح ولده وفصل حديث حليمة عما رأته من الخير بعد تسلمها له صلى الله عليه و سلم

    [3] سيرة ابن هشام – فصل تثبت خديجة رضي الله عنها من الوحي

    [4] وهو غلو قريب من غلو بعض اليهود بعيسى ابن مريم عندما نظروا إليه على أنه يحمل صفات بشرية تمكنه من العيش معهم كإنسان وفي نفس الوقت يحمل صفاتاً إلهية من أبيه (الأب) تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

  25. #25
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    توضيح..

    قمت بتقديم صفحات من الباب الرابع..

    وانتقل إلى تقديم الفصل الخامس..

    .................................................. ............................

    الباب الخامس

    موقف الناس من دعوة محمد
    هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً.(الفتح:28)


    ý اليهود قدموا ليثرب أولاً وقد يكونوا هم من أدخل زراعة النخيل إليها، ثم قدم الأوس والخزرج وعملوا كأجراء لليهود في مزارعهم.

    ý أسلم الأوس والخزرج لأنهم كانوا يمثلون الضعفاء والمضطهدين، وقد تأخر بعض زعمائهم لأن لهم مصالح ظنوا أنهم سيفقدونها لو آمنوا. ودخل بعضهم الإسلام دون أن يؤمن به واستمروا على حالهم من إظهار الإيمان وإبطان الكفر حتى ماتوا.

    ý لم يؤمن اليهود بدين الإسلام، ولم يكن من المتوقع أن يؤمنوا، لأن اليهود كانت لهم مصالح دنيوية وكانوا يمثلون الكبراء، والكبراء لا يؤمنون بدعوات الرسل بناءً على قانون سنة الأولين الذي سارت عليه الأمم منذ وجدوا على الأرض.

    ý وبناء على قانون سنة الأولين أيضاً كانت الخاتمة للرسول ومن آمن معه وتم سحق اليهود ونفيهم من الأرض لأنهم شاقوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فساداً عندما عملوا على حياكة المؤامرات ضد المسلمين والسعي للقضاء على الإسلام وليس لأنهم لم يؤمنوا.

    ý تم إجلاء اليهود من يثرب في ثلاث مناسبات، ولكن القرآن يخالف كتب الأخبار في تاريخ تلك المناسبات وما حدث فيها.

    ý نزح بعض من يهود يثرب بعد جلائهم إلى خيبر واستمروا يحيكون المؤامرات ضد الإسلام والمسلمين، مما تسبب بغزو خيبر.

    ý لم يحدث قتال بين اليهود والمسلمين في خيبر، لأن اليهود نزلوا على حكم المسلمين الذين حاصروها، فأجلي منها من نزح إليها من يهود يثرب، وفرض على يهودها الجزية لأنهم نقضوا عهدهم مع الرسول.

    ý غزوة تبوك كانت لملاحقة فلول يهود يثرب الذين استمروا بمؤامراتهم ضد المسلمين، ولم يحدث بها قتال، لأن اليهود قد غادروها قبل أن يصلها جيش المسلمين.

    ý المنافقون بقوا في المدينة بعد وفاة رسول الله، وإن خرست ألسنتهم في آخر أيامه عليه الصلاة والسلام.

    ý كتب السير والتاريخ والحديث وغيرها من كتب الإخباريين تجنت كثيراً على الرسول عليه الصلاة والسلام ونسبت له من الأفعال ما لا يعقل.





    سبق وذكرنا في الباب الثاني – موقف الناس من الدين عبر العصور – أنه بناءً على قانون سنة الأولين الذي ذكر في القرآن الحكيم، فأي دعوة لرسول من رسل الله الكرام، كانت تمر بأربع مراحل لا تتغير أبداً، وهي: مرحلة استقبال الناس للدعوة، ومرحلة استمرار الدعوة، ومرحلة نهاية المعارضين وانتصار الرسول ومن معه، ثم مرحلة تحول الناس عن الدين. وفي الباب الثالث أخبرنا القرآن الكريم كيف تحول بنو إسرائيل عن الدين، وقد بدأ تحولهم وموسى لازال حياً بينهم، وكيف أن الله عذبهم في هذه الدنيا بالتشتت والاضطهاد وسلط عليهم الأمم، ولم يهلكهم بحادثة واحدة كما حدث للأمم السابقة، لأن الله قد اختارهم لحمل دينه وأنزل عليهم كتابه، ولكنهم لم يرعوا المسئولية ولم يحملوا الأمانة، ورغبوا عن كتاب الله إلى تشريعات رجال دينهم. وفي هذا الباب سنرى أن مواقف الناس من دعوة محمد ابن عبد الله القرشي لم تختلف عن موقف أي أمة من الأمم السابقة من رسلها، ولكنها أيضاً شابهت موقف بني إسرائيل أكثر، فقد أنزل الله على رسوله محمد كتابه القرآن ليحمله المسلمون لهداية البشر، كما نزلت التوراة على بني إسرائيل.

    فهل حمل المسلمون الأمانة الإلهية، أم أنهم أخفقوا، وبالتالي تعرضوا لعقوبات مشابهة لعقوبات اليهود، لأنهم " أشبه الناس سمتًا وهديًا ببني إسرائيل, وليسلكن طريقهم حذو القذة بالقذة ". كما ورد في الخبر الذي أورده ابن أبي شيبة في مصنفه برقم (33167)، وأوله: حدّثنا وكيع عن سفيان عن أبي قيس عن هزيل قال: قال عبد الله....

    وسنبدأ بالحديث عن موقف أهل يثرب، الأزد منهم واليهود، ثم موقف أهل خيبر، يلي ذلك موقف أهل مكة، فموقف أهل الطائف، ثم موقف بقية قبائل شبه جزيرة العرب. وفي نهاية هذا الباب سيتضح لنا كيف أن قانون سنة الأولين كان وراء عدم إيمان أهل مكة والطائف ويهود يثرب وخيبر وبقية قبائل جزيرة العرب، بينما رحب مستضعفوا مكة والأوس والخزرج فقط بدعوة الرسول:

    سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً.(الأحزاب:62)


    يثرب
    كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ. وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ. َذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ.(الدخان:25-28)


    يثرب قديمة التاريخ، ولكن تاريخها ليس مكتوباً، وبالتالي فلا يعرف عنه إلا أقل القليل مما ترويه كتب الأخبار التي دونت في القرن الثاني والثالث الهجري، والذي لا يمكن أن يركن إلى صحته. وعندما بعث رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام، كان يقطنها يهوداً ويجاورهم بعضٌ من الأزد. ويتوزع اليهود على ثلاث قبائل هم، بنو النضير وبنو قريظة وبنو قينقاع، كما يقول الإخباريون، يسكنون القلاع والحصون ويمتلكون مزارع النخيل التي اشتهرت بها يثرب. فيما كان يسكن خارج القلاع اليهودية وبالقرب من المزارع فخذين من قبيلة الأزد هما، الأوس والخزرج. وهذا الوضع يؤيد الرأي السائد بأن اليهود قد سكنوا يثرب أولاً، وإن كان غير معروف متى كان ذلك، ولا من أين أتوا بالتحديد.

    وإذا كان من المحتمل أن موطن اليهود الأصلي هو جنوب جزيرة العرب[1]، فقد يكون أيضاً هو الموطن الأصلي لزراعة نخيل التمور، ومنها خرجت تلك الزراعة مع الذين نزحوا من تلك المناطق إلى عُمان واليمامة والإحساء والعراق، ويثرب والعلا ومصر وشمال أفريقيا. ويكون الاحتمال أن يهود يثرب الذين نزحوا من جنوب جزيرة العرب، كانوا أول من أدخل زراعة النخيل إلى يثرب.

    ولما نزحت الأوس والخزرج بعد ذلك، من جنوب الجزيرة أيضاً، ووصلوا إلى يثرب، وافقوا على العمل لدى اليهود في مزارع النخيل، لأنهم كانوا مزارعين في الأصل، بحكم طبيعة جنوب غرب جزيرة العرب الزراعية.

    وهكذا أصبح الأوس حلفاء وعمالاً لبني قريظة وبني النضير، والخزرج حلفاء وعمالاً لبني قينقاع، كما يقول الإخباريون. ومع مرور الوقت تزايدت أعداد الأوس والخزرج، وتزايد معها التنافس على فرص العمل المحدودة، مما أدى إلى ظهور الشحناء والنزاعات بينهم، التي تطورت إلى صدامات مسلحة، سواء بسبب التنافس على العمل كأجراء لدى اليهود، أو التنافس على امتلاك الأراضي البور القليلة التي لم يستولي عليها اليهود والتي يمكن أن تصلح لزراعة شحيحة.

    ويسجل المؤرخون عدداً من تلك النزاعات المسلحة بين الطرفين التي وقعت قبيل ظهور الإسلام، ومنها: حرب سمير، وحرب حاطب، ووقعة جحجبا، وموقعة السرارة، وموقعة الحصين بن الأسلت، وموقعة فارع، ويوم الربيع، وموقعة الفجار الأولى والثانية، وموقعة معبس ومضرس. وكان أخرها وأشرسها يوم بعاث، الذي كاد أن يدق بين الطرفين عطر منشم[2].

    وفيما يلي سنرى كيف كان موقف الأوس والخزرج ثم موقف اليهود من الإسلام.




    الأوس والخزرج
    وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. (الأنفال:63)


    عندما بعث رسول الله صلوات الله وسلامه كانت النزاعات المسلحة بين الأوس والخزرج تأكل خيرة رجالهم، وتيتم أطفالهم وترمل نساءهم، ولم يستطيعوا أن يجدوا صلحاً يرضي الطرفين، لأن دوافع الشحناء تتمثل بالتنافس على لقمة العيش. ولم يسجل التاريخ أن الأوس والخزرج كانوا يعيشون على النهب والسلب مثل القبائل البدوية في نجد وشرق وشمال جزيرة العرب، لأنهم في الأصل زراع مستقرون في بلادهم الأصلية جنوب غرب الجزيرة، ولما نزحوا منها لظروف قاهرة، قد تكون كوارث طبيعية أو صراعات سياسية، واستقروا في يثرب، مارسوا مهنة الفلاحة التي يجيدون.

    وبالإضافة للحروب فيما بينهم، كانوا يعيشون حياة فقر وبؤس وعوز، لأن مداخيلهم من العمل كأجراء في مزارع اليهود، أو من مزارعهم الشحيحة لا تدر عليهم ما يكفي لحياة كريمة.

    وكانوا يلقون العنت من المعاملة الدونية والمتسلطة والقريبة من معاملتهم كعبيد من قبل اليهود الذين يملكون الأراضي الخصبة والأموال الطائلة والحياة المترفة، ولم يكن بإمكان الأوس والخزرج الثورة ضد أسيادهم ولا حتى إظهار الكراهية لهم، أو التذمر من معاملتهم، خوفاً من أن يحرمهم اليهود من العمل في مزارعهم. وهو وضع مشابه لأوضاع العمال السود الذين كانوا يعملون في مزارع الأوربيين في جنوب أفريقيا وروديسيا أيام الاستعمار.

    وفي هذا السياق ينقل ابن كثير عن ابن إسحاق أن الأوس والخزرج كانوا يمنون النفس في مجيء يوم يتخلصون فيه من اليهود وتسلطهم، يقول ابن كثير: قال ابن إسحاق: وكان مـما صنع الله بهم فـي الإسلام أن يهود كانوا معهم فـي بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلـم، وكانوا هم أهلَ شرك أصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بـينهم شيء قالوا: إن نبـياً مبعوث الآن قد أظلّ زمانُه نتّبعه، نقتلكم معه قتل عاد وإرمَ.( البداية والنهاية الجزء 2 الصفحة 140)

    وبطبيعة الحال لم يكن الأوس والخزرج يعلمون بظهور النبي مسبقاً، ولكن كانوا على استعداد لأن يفعلوا أي شيء ويتحالفوا مع أي أحد للتخلص من اليهود، في الوقت الذي سمعوا فيه أن هناك رجلاً من قريش يدعوا لدين الله وتأسيس دولة للإسلام. فخرج وفد من يثرب، كما يقول الإخباريون، والتقوا رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويصف ابن كثير في البداية والنهاية كيف حدث ذلك، بقوله:

    بـاب بدء إسلام الأنصار رضي الله عنهم




    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] وهو ما يؤيده القصص المذكورة في القرآن، مثل قصص ابراهيم الذي قام ببناء أو إعادة بناء الكعبة، وقصة سليمان والهدهد الذي يؤكد أن مملكة سليمان كانت مجاورة لمساكن سبأ، وفي نطاق قدرة الهدهد على الطيران إليها في نصف يوم أو أقل والرجوع. وكون كل الأنبياء الذين ذكروا في القرآن من شبه الجزيرة، واستقرار اليهود على طول الطريق المؤدية بين اليمن والشام، مما يعني أنهم نزحوا من اليمن باتجاه الشمال واستقر بعضهم في المدينة وخيبر والعلا حيث الماء واستزرعوها، بينما واصل البعض النزوح إلى الشام وشمال أفريقيا. والهجرات تكون من اليمن إلى الشمال وليس العكس، ولازال هناك يهود في اليمن وجنوب غرب الجويرة. وكون جنوب جزيرة العرب هو الموطن الأصلي لليهود يؤكده الدكتور كمال سليمان الصليبي في كتابيه: التوراة جاءت من جزيرة العرب وخفايا التوراة، ويؤيده أيضاً خلو بلاد فلسطين من أي آثار قديمة لليهود، وخلو الكتابات المصرية من ذكر اليهود في مصر والتي كانت تسمى (طاوي) أيام الفارعنة وليس مصر، ويكون الفرعون الذي غرق، حاكماً إقليمياً مصرياً لمناطق في جنوب غرب الجزيرة كمستعمرات تابعة لمصر الفرعونية. (أنظر ملحق الإسراء والمعراج)

    [2] يقال في المثل: أشْأَمُ مِنْ عِطْرِ مَنْشِمَ. يضرب في الشر العظيم.

  26. #26
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    بـاب بدء إسلام الأنصار رضي الله عنهم

    قال ابن إسحاق: فلـما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبـيّه، وإنـجاز موعده له، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي الـموسم الذي لقـيه فـيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه علـى قبـائل العرب، كما كان يصنع فـي كل موسم، فبـينما هو عند العقبة لقـي رهطاً من الـخزرج أراد الله بهم خيراً. فحدَّثنـي عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه. قالوا: لـما لقـيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: مَنْ أَنْتُـمْ؟ قالوا: نفر من الـخزرج قال: أَمِنْ مَوَالِـي يَهُودَ؟ قالوا: نعم قال: أَفَلاَ تَـجْلِسُونَ أُكَلِّـمْكُمْ؟ قالوا: بلـى. فجلسوا معه فدعاهم إلـى الله وعرض علـيهم الإسلام، وتلا علـيهم القرآن. انتهى[1]

    وليس بالضرورة أن ما روته كتب الأخبار قد حدث بالفعل، فقد يكون وفد أهل يثرب هم من بادر إلى لقاء رسول الله، وأنهم بعد أن استمعوا إليه، رجعوا للمدينة لبحث الأمر مع قومهم، وقد استقر رأيهم على أمر معين فعادوا للقاء الرسول في العام القابل لإبلاغه بموقفهم.

    وقد حضر وفد كبير منهم، يقول الإخباريون أنه مكون من امرأتان وسبعون أو ثلاثة وسبعون رجلاً. تم اختيار اثنا عشر نقيباً (ممثلاً) لهم لمناقشة الرسول حول أوضاعهم فيما لو دخلوا الإسلام، وليس كما تظن كتب الأخبار أن النقباء كانوا لمبايعة الرسول على الإسلام نيابة عن المجموعة، لأن الدخول في الإسلام يجب أن يقوم به كل شخص عن نفسه، ولا يمكن أن ينوب غيره عنه.

    والنقباء الإثنا عشر يمثل الأوس منهم رجلان هما عويـم بن ساعدة وأَبو الهيثم مالك بن التـيهان، ومن الخزرج عشرة رجال هم: أَبو أمامة أسعد ابن زرارة، وعَوْف بن الـحارث، وأخوه مُعَاذ وهما ابنا عفراء، ورافع ابن مالك. وذكوان بن عبد قـيس بن خَـلَدة بن مُخْـلِد بن عامر بن زُرَيْق الزرقـي، وعُبَـادة بن الصامت بن قـيس بن أصرم بن فِهْر بن ثعلبة بن غَنْـم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الـخزرج، وحلـيفهم أَبو عبد الرَّحمٰن يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم البلوي، والعبّـاس بن عبـادة بن نضلة بن مالك بن العجلان ابن يزيد بن غنـم بن سالـم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الـخزرج العجلانـي، وعقبة بن عامر بن نابـي، وقطبة بن عامر بن حديدة[2].

    وقد إنتهت المناقشات بما يرضي اليثربيون، ويبشرهم بمستقبل أكثر إشراقاً من وضعهم الذي هم عليه، فبايعوا رسول الله على الإسلام، بما عرف ببيعة العقبة، قبل أن يرجع الوفد إلى المدينة.

    قال ابن إسحاق: فلـما انصرف عنه القوم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مصعب بن عمير ابن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلّـمهم الإسلام ويفقههم فـي الدين. (البداية والنهاية ج2 ص 148)

    وقد يكون الرسول بعث مصعب ابن عمير ليؤمهم في الصلاة ويقرئهم القرآن، استجابة لطلب الوفد، وهذا ما يفهم مما نقله ابن إسحاق بقوله: فنزل مصعب علـى أسعد بن زرارة فكان يسمى بـالـمدينة الـمقرىء، قال ابن إسحاق: فحدَّثنـي عاصم بن عمر بن قتادة أنه كان يصلّـي بهم، وذلك أن الأوس والـخزرج كره بعضهم أن يؤمّه بعض رضي الله عنهم أجمعين[3]. أهـ

    والأوس والخزرج في يثرب كانوا يمثلون الضعفاء والمستضعفين مقابل الكبراء اليهود، ولذلك قبل غالبيتهم الدخول في الإسلام بحثاً عن حياة أفضل. بينما تباطأ بعض المنتفعين منهم في الدخول إلى الإسلام، ولم يكونوا ممن وفد على رسول الله في مكة، لأنهم لم يكونوا متأكدين في البداية من أن وضعهم سيكون مع الإسلام أفضل مما هو عليه قبله.

    ولكن الإسلام انتشر بسرعة بين الأوس والخزرج مما دفع بأولئك إلى الانضمام لركبه لاحقاً، وإن اختلفت نواياهم. ولم يعد بعض الإخباريون سعد ابن عبادة، أحد زعماء الخزرج، فيمن حضر بدراً، مما قد يعني أنه لم يسلم إلا بعد تلك المعركة، والتي أثبتت عملياً أن الإسلام سيكون له اليد الطولى على قريش، وعلى كل من يعاديه.

    ويظهر التاريخ أنه عندما توفي رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، ظهرت طموحات سعد ابن عبادة للزعامة عندما سارع إلى سقيفة بني ساعدة لدعوة الناس لانتخابه زعيماً لدولة الإسلام بحجة أن أغلب أهل المدينة من الخزرج، وأهل المدينة هم من ناصر الرسول وعلى أكتافهم قامت دولة الإسلام، وقد كان الحباب ابن المنذر من أشهر المؤيدين له، وهو الذي جادل أبا بكر في ذلك اليوم بقوله: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب منّا أمير ومنكم أمير[4].

    ولكن الرياح سارت بما لا يشتهي الخزرج، وتغلب حزب المهاجرين على الخلافة، فخرج سعد مغاضباً وأقسم ألا يجتمع بهم ولا يحج بحجهم، وقد فعل حتى هلك في خلافة عمر في بلاد الشام، وقد فصلنا الحديث في هذا الموضوع في فصل سقيفة بني ساعدة.

    وممن فقد زعامته السياسية بسبب الإسلام، عبد الله بن أبي بن سلول، الذي يقول عنه ابن هشام في سيرته " أن قومه قد نظموا له الخرز ليتوجوه ثم يملكوه عليهم"[5]. ولكن انتشار الإسلام في يثرب حول الناس عن مناصرته، فاضطر لإشهار إسلامه بعد أن قويت شوكة الإسلام، ولم يعد يملك القدرة على مقاومته أو إظهار العداء له، ولو أنه لم يؤمن بالدين الجديد الذي حرمه الزعامة، وبقي على كفره حتى مات، يقول ابن هشام: قال ابن إسحاق : وأما عبد الله بن أُبي فأقام على شرفه في قومه مترددا، حتى غلبه الإسلام، فدخل فيه كارها[6].

    ومثل ابن سلول كان هناك رجل آخر قد كوّن لنفسه زعامة دينية، وخسرها بسبب الإسلام أيضاً، وهو جزاء بن صيفي، الذي يقول عنه ابن هشام إنه كان يسمى الراهب لكثرة تدينه، وأنه قد قابل رسول الله عندما هاجر للمدينة، وسأله قائلاً: ما هذا الدين الذي جئت به فقال (عليه الصلاة والسلام): جئت بالحنيفية دين إبراهيم ، قال (ابن صيفي): فأنا عليها فقال له رسول الله: إنك لست عليها ؛ قال : بلى ، قال : إنك أدخلت يا محمد في الحنيفية ما ليس منها ، قال : ما فعلت ، ولكني جئت بها بيضاء نقية[7].

    وليس بالضرورة أن تلك المقابلة قد حدثت، ولكنها تصور حال الرجل الذي خرج مغاضباً من المدينة إلى مكة مع أتباعه، يقول ابن هشام: فخرج إلى مكة ببضعة عشر رجلا مفارقا للإسلام ولرسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقول ابن هشام: فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة خرج إلى الطائف . فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام (وفيها مات على الكفر)[8].

    وهكذا يكون الأوس والخزرج، الذين يمثلون المستضعفين في يثرب، قد دخلوا الإسلام ليعزهم ويرفع عنهم تسلط وسخرة اليهود، وتأخر منهم من كان له منافع في الوضع السابق في يثرب، وجاء الإسلام ليقوض تلك المنافع. وقد كانت العاقبة للمتقين في النهاية تبعاً للقاعدة المعتادة لسنة الأولين.

    أما اليهود الذين يمثلون الكبراء فلم يؤمنوا لأن قاعدة سنة الأولين استثناءاتها قليلة جداً، وفي الأسطر القادمة سنتبين ذلك.





    اليهود
    وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً. وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً.(الأحزاب:26 - 27)


    كان هناك ثلاث قبائل يهودية تقطن القلاع والحصون في يثرب هم بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، وحسب القاعدة القرآنية في مواقف الأمم من الدين، فإن دين اليهود الذي كانوا يعتنقون زمن رسول الله، قد تحور من ديانة موسى إلى عقائد وتشريعات بشرية ابتدعها رجال الدين، واقتنع بها الناس على أنها دين الله الحق. وكان من المتوقع حسب هذه القاعدة ألا يتنازل اليهود عن ديانتهم التي كانوا عليها والعودة إلى صافي دين الله، ولو بعث فيهم موسى ابن عمران، رسولهم السابق، مرة أخرى، وليس محمداً القرشي.

    ولو آمن يهود يثرب بمحمد فإن هذا سيكون استثناء من تلك القاعدة التي يخبرنا القرآن أنه لم يشذ عنها إلا قوم يونس. ولذلك اعتبروا ما يدعوا إليه محمد عبارة عن أكاذيب لا تستحق الإلتفات لها، خاصة وأن دعوة الإسلام ستنهي كل ميزاتهم التي امتازوا بها على أهل يثرب من غير اليهود، ومنها الرفعة الاجتماعية والجاه والثروات، وسيطلب منهم أن يتساوى معهم من كانوا بالأمس عمالاً وأجراء لهم، في الحقوق والواجبات والمنزلة الاجتماعية، ويشاطروهم أموالهم. ولذلك لم يسلم اليهود، إلا نفر منهم، لدفع ضرر كاد أن يقع عليهم وليس لقناعتهم بالإسلام، ومن هؤلاء ثلاثة من بني قريظة أسلموا للاحتفاظ بأموالهم ولتسلم رقابهم، وهم: ثعلبة وأسيد ابني سعية وأسد ابن عبيد، كما يزعم ابن هشلم في سيرته ج3 ص 144 نقلاً عن ابن إسحاق أن إسلامهم في الليلة التي سبقت استسلام بني قريظة للمسلمين.

    ودين الله لا يجبر الناس على اعتناقه، ولا يحارب من يبقى على كفره، ولكنه يحارب من يحاربه، ويحاول القضاء على دعوته، أو يعترض سبيل الدعوة، بنشر دعاية مغرضة ومنفرة، أو تعاون مع أعداء الدين ضده فعلياً في حرب أو بالتحريض وإمداد الأعداء بالسلاح والمال، أو بطرق غير مباشرة يمكن الجزم على أنها تصرفات عدوانية.

    ولذلك عندما قدم الرسول إلى يثرب عقد معاهدات حسن جوار وسلام بينه وبين قبائل اليهود في يثرب وغيرها. ومما جاء في تلك المعاهدات إقرار اليهود على دينهم وأموالهم، وأن يتناصر المسلمون واليهود في السراء والضراء وفي السلم والحرب ضد الأعداء. وأن لا يناصر بعضهم أعداء بعض. وإن بـينهم النصح والنصيحة والبرّ دون الإثم، وإنه لـم يأثم امرؤ بحلـيفه، وإن الـجار كالنفس غير مَضار ولا آثم، كما نقلت كتب الأخبار[9].

    وكان يمكن لليهود أن يقيموا في قلاعهم وينعموا بخيراتهم ومزارعهم في يثرب إلى الأبد، لولا نقضهم لتلك المعاهدات.

    والمؤرخون يقولون بأن كل قبيلة من القبائل اليهودية الثلاث في يثرب قد نقضت العهد مع المسلمين تباعاً، وفي ثلاث مناسبات، ولم ينقضوا جميعهم العهد مع المسلمين في مناسبة واحدة، وسنتناول كيف حدث ذلك من وجهة نظر المؤرخين، ومما ذكره القرآن الكريم.

    ما الذي حدث لليهود من وجهة نظر المؤرخين



    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] البداية والنهاية ج2 ص 148

    [2] سيرة ابن هشام ج2 ص 65

    [3] سيرة ابن هشام ج2 ص 65

    [4] المصدر السابق ج4 ص 141

    [5] المصدر السابق ج2 ص 167

    [6] المصدر السابق ج2 ص 168

    [7] المصدر السابق ج2 ص 167

    [8] نفس المصدر والصفحة

    [9] سيرة ابن هشام / فصل هجرة الرسول - الرسول صلى الله عليه و سلم يوادع اليهود ج2 ص 106

  27. #27
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    ما الذي حدث لليهود من وجهة نظر المؤرخين
    يقول المؤرخون[1] أن بني قينقاع كانوا أول من نقض العهد مع المسلمين، ويوردون قصة تصور كيف حدث ذلك، ملخصها: أن امرأة من العرب قدمت بحليب لها فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ هناك منهم، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها، فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهودياً، فشدّت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فأغضب المسلمون فوقع الشرّ بينهم وبين بني قينقاع ، وانتهى الوضع بحصار بني قينقاع ثم إرغامهم على الجلاء من حصونهم ومزارعهم، وإن سمحوا لهم بحمل ما يستطيعون من مال وعتاد، وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة، وبعد غزوة بدر[2].

    والقصة التي ساقها الإخباريون في سبب وقوع الشر بين المسلمين وبني قينقاع، تتشابه مع قصة أخرى كانت قد حيكت لتكون سبباً لحرب في الجاهلية، ولو كانت تلك القصة قد حدثت بالفعل، لقتل القاتل أو القتلة وانتهى الأمر، لأنه لا تزر وازرة وزر أخرى في الإسلام، ولا يحاسب إنسان بجريرة غيره.

    كما يورد الإخباريون قصة أخرى يقولون إنها تمثل غدر بني النضير بالرسول، ويرويها ابن إسحاق بهذه الصورة: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير، يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر، اللذين قتل عمرو بن أمية الضمري ، للجوار الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد لهما ورسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه ، فيهم أبو بكر وعمر وعلي، رضوان الله عليهم. فانتدب اليهود أحدهم ليلقي حجراً على الرسول من فوق الجدار الذي كان يستند عليه.

    فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء ؛ بما أراد القوم ، فقام وخرج راجعاً إلى المدينة، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لحربهم ، والسير إليهم . فحاصرهم فتحصنوا منه في الحصون ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع النخيل والتحريق فيها ، فنادوه : أن يا محمد ، قد كنت تنهي عن الفساد ، وتعيبه على من صنعه ، فما بال قطع النخيل وتحريقها. وقذف الله في قلوبهم الرعب ، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أَّن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة. ففعل. ويقولون بأن ذلك حدث في السنة الرابعة من الهجرة[3].

    وبطبيعة الحال هذه القصة كلها ثقوب كالغربال، وبالتالي لن نحاول مناقشتها هنا، ولكننا نشير إلى أن من اخترعها كان في عصر أصبح فيه نقد أي خبر كفر وزندقة، ولذلك نسب في قصته أن الرسول عرف أن اليهود يتآمرون عليه عن طريق الوحي، فلم يعد بإمكان أحد أن يناقشه في صحة القصة، التي بقيت يتناقلها المؤرخون.

    ولم يبخل الإخباريون فاخترعوا قصة لحرب بني قريظة، مثلما فعلوا مع بني قينقاع وبني النظير، وكما نسبوا للسماء إخبار الرسول بغدر بنو النضير فقد جعلوا سبب إعلان المسلمين الحرب على بني قريظة هو أمر إلهي أرسل به جبريل ولم يطلع المسلمون على حكمته أبداً، يقول ابن هشام في سيرته: فلما كانت الظهر (أي ظهر اليوم التالي لرحيل الأحزاب)، أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حدثني الزهري ، معتجرا بعمامة من إستبرق، على بغلة عليها رحالة، عليها قطيفة من ديباج، فقال : أوَ قد وضعت السلاح يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نعم ؛ فقال جبريل : فما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، إن الله عز وجل يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنا، فأذن في الناس: من كان سامعا مطيعا، فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة.

    وقد تقمص جبريل شخصية دحية بن خليفة الكلبي، على بغلة بيضاء عليها رحالة، عليها قطيفة ديباج، ومر بالمسلمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذلك جبريل، بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم، ويقذف الرعب في قلوبهم. (أو أن القصة كلها من خيال الزهري الذي مات في نهاية القرن الثاني الهجري.

    ويقول الإخباريون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حاصرهم خمسا وعشرين ليلة، فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر سعد ابن معاذ، فحكم فيهم أن تُقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتُسبى الذراري والنساء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة.

    ثم استنزلوا، فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في دار بنت الحارث، امرأة من بني النجار، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة، التي هي سوقها اليوم، فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم، فضرب أعناق كل من بلغ الحلم منهم ودفنوا في تلك الخنادق، وهم ستمائة أو سبعمائة، والمكثِّر لهم يقول: كانوا بين الثمانمائة والتسعمائة.

    هذا باختصار ما نقله ابن هشام في سيرته[4] وغيره من الإخباريين في كتبهم.

    ونزول جبريل على شكل إنسان في هذه القصة أو في القصص الأخرى التي تمتلئ بها كتب الإخباريين المسلمين، ينفيها كتاب الله، في سورة النجم التي تؤكد أن الرسول لم يرى الملاك في حياته إلا مرتين وقبيل نزول الوحي أوفي أوله، كما أن الوحي كان ينزل على الرسول عن طريق نسخ النصوص القرآنية في ذاكرة الرسول دون الحاجة للقاء الملاك وجهاً لوجه. وقد بينا الحديث عن ذلك في فصل الوحي لمن رغب الرجوع إليه.

    ما الذي حدث لليهود حسبما ذكرت الآيات القرآنية
    لو تدبرنا القرآن الكريم لأمكن أن نستنتج ما حدث ليهود يثرب، أو قريب منه. فهناك سور كثيرة في القرآن تخاطب يهود يثرب وتذكرهم بأوضاعهم مع فرعون وموسى وخلال تاريخهم الطويل، وتتحدث عن علاقة يهود يثرب بالرسول والمسلمين في المدينة، وما نزل بحق أولئك اليهود من أحكام. ومن تلك السور: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأعراف، التوبة، يونس، مريم، طه، الشعراء، النمل، العنكبوت، السجدة، الأحزاب، غافر، الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف، الحديد، الحشر، الصف، والبينة.

    ويهمنا الآيات التي تتحدت عن علاقتهم بالرسول، والأسباب التي أدت إلى ما نزل بحقهم من أحكام وإنهاء وجودهم في يثرب. ومن ذلك:

    1. أنه حتى غزوة أحد في السنة الثالثة من الهجرة لم يتم إجلاء أي قبيلة من قبائل اليهود، وهذا ينقض ما قاله المؤرخون من أن بني قينقاع قد أجلوا في السنة الثانية من الهجرة وفي الفترة التي أعقبت غزوة بدر وقبل غزوة أحد. وهذه بعض الأدلة القرآنية الدالة على ذلك:

    · تتحدث سورة الأنفال في مجملها عن غزوة بدر وما حدث فيها، أي أنها نزلت بعد تلك الغزوة، ولم تذكر أن يهود يثرب قد تعاونوا مع قريش في حربهم ضد المسلمين، كما لم تذكر شيئاً عن إجلاء اليهود.

    · سورة آل عمران تتحدث عن غزوة أحد التي جرت في السنة الثالثة من الهجرة، كما تتحدث عن جماعة من الصحابة كانوا يسمعون لبعض قصص اليهود وتشريعاتهم التي ابتدعوها من عند أنفسهم ولم ينزل الله بها من سلطان، وهي التي يطلق عليها الإسرائيليات والتي إمتلآت بها كتب المسلمين برغم تحذير الله للمسلمين من الأخذ بها أو الاستماع إليها. ولا تتحدث الآيات عن أن اليهود قد حاولوا إثارة النعرات الجاهلية بين الأوس والخزرج، كما يقول المفسرون[5]. يقول تعالى:

    قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ. قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ. وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ. وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ. وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ. كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ. لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ. ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ. لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ. يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ.(آل عمرآن:98-115)

    والآيات تقول بأن الاستماع لتلك القصص وتبنيها يؤدي إلى الارتداد عن الإسلام، لأنها تضمين للإسلام ما ليس فيه، والأخذ بغير ما أنزل الله ارتداد عن دين الله:

    إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ.

    ولعل إشاعة الإسرائيليات بين المسلمين هو أول إفساد وفساد قام به يهود يثرب ضد الإسلام والمسلمين، وجاءت هذه الآيات تحذرهم من التمادي في ذلك، وتحذر المسلمين من الاستماع لهم.

    ولكن هذه الآيات لم تأمر الرسول بقتال اليهود، ولا إخراجهم من ديارهم، ولا الحكم عليهم بأي عقوبة، وهو ما يؤكد أنه لم يصدر من اليهود أي تصرف حسي عدائي للإسلام والمسلمين حتى وقت نزول هذه الآيات التي نزلت بعد غزوة أحد.

    · هناك آية أخرى في سورة آل عمرآن تقول بأن المسلمين سيواجهون العنت من المشركين ومن اليهود، وهذا نص الآية:

    لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ.(آل عمرآن: 186)

    وكأنها تشير إلى ما سيحدث في قادم الأيام بين المسلمين واليهود، وتنفي مرة أخرى ما ذهب إليه المؤرخون حول تاريخ محنة بني قينقاع وكيف حدثت.

    · تظهر الآيات القرآنية أن إجلاء اليهود من يثرب حدث ثلاث مرات، ولكنه تم بموجب تطبيق عقوبة إلهية نزل بها الوحي على شكل آيات قرآنية. وأن أول من خرج من يهود يثرب كان بعد معركة أحد، وليس في السنة الثانية للهجرة، ثم خروج ثان بعد الأحزاب، ثم خروج ثالث بعد ذلك، وليس كما قال المؤرخون من أن أول من أخرج من يثرب كان بنو قينقاع، في السنة الثانية للهجرة وقبل غزوة أحد، وتلاهم بنو النضير في السنة الرابعة، وكان آخر من أخرج بنو قريظة بعد الأحزاب في السنة الخامسة. وإليكم بيان ذلك:

    الجلاء الأول



    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] استقينا معلوماتنا بشكل رئيسي من كتاب سيرة ابن هشام التي نشرتها دار المعرفة - بيروت

    [2] أنظر على سبيل المثال سيرة ابن هشام ج3 ص 5

    [3] سيرة ابن هشام ج3 ص 108

    [4] فصل غزوة بني قريظة

    [5] تحدثنا عن هذه الآيات بتفصيل أكثر في فصل الحسبة

  28. #28
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    الجلاء الأول
    يقول الإخباريون أن سورة المائدة نزلت بعد فتح مكة، أي في آخر حياة الرسول، ولكن ليس بالضرورة أن يكون كلام الإخباريين من مفسرين ومحدثين وغيرهم، على صواب، لأنه لا وجود لتسجيل مكتوب يوثق تاريخ نزول الآيات، وجاء تصنيفهم نزول السور بناءً على آراء شخصية لا يسندها برهان، بعد عقود وقرون من عصر الرسول. إضافة إلى أنه من المسلم به نزول بعض الآيات من إحدى السور في أول الوحي والبعض في مكة والبعض في المدينة والبعض الآخر في آخر حياة رسول الله. ولذلك يمكن رد تصنيفهم إذا أتضح لنا خلافه، وهذا ينطبق على آيات في سورة المائدة، والتي يبدوا أنها نزلت قبل أن يتصادم المسلمون مع اليهود لأول مرة، لأنها تتحدث عن أن اليهود أهل خيانة وأنهم لا يحترمون العهود بناءً على تاريخهم، وكأنها تهيئ المسلمين للتعامل معهم فيما لو خانوا المواثيق التي بينهم وبين المسلمين، أو أنها تتحدث عنهم بعد أن بدرت منهم خيانة ضد المسلمين، لتشرع حكماً بحقهم جزاءً لما اقترفوه.

    وتبدأ سورة المائدة بتذكير المسلمين بالوفاء بالعهود التي يبرمونها مع غيرهم:

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ.(المائدة:1)

    وتؤكد الآية (8) على العدل حتى مع من أظهر عداوته لكم:

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ.

    وتقول الآية (11): يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.

    والمفسرون يقولون إنها نزلت في بني النضير عندما هموا بقتل الرسول ومن معه لما ذهبوا إليهم طلباً للمساهمة في دية رجلين قتلا خطأً، وقد لا يكون ما ذهبوا إليه صحيحاً.

    والآيات التالية تؤكد خيانة اليهود للعهد الموقع مع المسلمين، وتهيئ لإنزال حكم فيهم بالتذكير أن اليهود قد نقضوا العهود مراراً خلال تاريخهم:

    فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. (المائدة:13)

    ثم تستمر الآيات بالتذكير فيما فعله اليهود مع موسى وبعده وأنهم لا يحترمون مواثيقهم، بل ويفسدون في الأرض ويحاربون الله ورسله المرسلة لهم، وقد حرم عليهم القتل ونزلت عليهم آيات الله بحد القتل العمد:

    مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ.(المائدة:32)

    وحيث أنهم قد سعوا لحرب الله ورسوله والإفساد في الإرض، والمتمثل بمحاولة القضاء على الإسلام، دين الله في الأرض، سواءً بمحاولة قتل الرسول أو بتحريض الكفار على حرب المسلمين ومعاونتهم، أو بطرق أخرى، وأنهم بذلك قد نقضوا العهود والمواثيق الموقعة في الأيام الأولى للهجرة مع المسلمين، فقد صدر بحقهم الحكم الإلهي التالي:

    إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.(المائدة:33-34)

    وعلى المسلمين تنفيذ أمر الله هذا.

    وتكون الآيات نزلت بسبب مؤامرة حاول اليهود حياكتها ضد المسلمين، وأن الله كف أذاهم عن المسلمين وأبطل مساعيهم. وتنسب كتب الأخبار إلى كعب الأشرف اليهودي أنه لما تيقن من قتل كبراء قريش في بدر، خرج حتى قدم مكة، فنزل على المطلب بن أبي وداعة بن ضبيرة السهمي، وعنده عاتكة بنت أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، فأنزلته وأكرمته، وجعل يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينشد الأشعار، ويبكي أصحاب القليب من قريش، الذين أصيبوا ببدر. كما نقل ابن هشام.

    ويبدوا أن كعب الأشرف قد فعل أقبح من ذلك، مما جعل الرسول يأمر باغتياله، وقد تم له ذلك على أيدي نفر من الصحابة.

    وقد يكون مما قام به كعب ومعه قبيلته، تحريض قريش على أخذ الثأر من المسلمين، ومن غير المستبعد أنهم أمدوهم بالمال والسلاح، وواعدوهم النصرة. وبعد أن انجلت غمة غزوة أحد، وهدأت الأنفس واستوعب الناس الهزيمة، نزلت هذه الآيات على الرسول تبين له أن ما حدث من اليهود شيء قد كرروا فعله في السابق ومع موسى رسولهم، وأن عليه أن يوقع بهم العقاب الذي حكم الله به عليهم، فقتل من قتل وأجلي من أجلي منهم. فنزح بعضهم إلى خيبر، وبعضهم واصل مسيره إلى بلاد الشام. ويكون المعنيون هنا قوم كعب الأشرف، بنو النضير، ويكون جلاؤهم بعد معركة أحد.

    والملفت هنا أن الإخباريين من مفسرين وغيرهم، والذين يقولون بأن كل آيات سورة المائدة نزلت بعد الفتح، يناقضون أنفسهم ويقولون بأن الآيتين (34،33) قد نزلتا بحق نفر من عرينة وعكل، يقول الطبري في تفسيره: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن أنس: أن رهطا من عُكل وعرينة أتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله أنا أهل ضَرْع ولم نكن أهل ريف، وإنا استوخمنا المدينة. فأمر لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم بَذوْد وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها. فقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الذود، وكفروا بعد إسلامهم. فأتِيَ بهم النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم في الحرّة حتى ماتوا. انتهى، ويضيف بعض الإخباريون بأن الرسول قد أمر بجثثهم فأحرقت. (ويزعمون أن هذا حدث في السنة السادسة)

    وهذه القصة هي التي انتشرت بين المسلمين، على عللها الكثيرة، واتهامها للرسول عليه الصلاة والسلام بأنه قد انتقم لنفسه ممن سرقوا إبله وقتلوا راعيها، بكل غلظة، وبما يخالف حد القتل الذي أنزل عليه في القرآن، والذي ينص على أن القاتل يقتل ولا يمثل بحثته، وأن السارق تقطع يده ولا يمثل بباقي جسده، ثم يتجرأون على ذات الله، عندما يقولون بأن الله جل وعلى قد أنزل تلك الآيتين ليوافق الرسول على ما فعله بأولئك النفر، ويقره عليه.

    بينما الرأي الثاني الذي أورده المفسرون لسبب النزول والذي يقول بأنها نزلت " في قوم من أهل الكتاب، كانوا أهل موادعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض"[1]. لم ينتشر بين الناس وتناسوه، وهو ما نظن أنه الصحيح، لأن الآيات الأخرى قبله تدعم صحته، كما بينا.




    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] ورد ذلك في تفسير الطبري للآيتين المذكورتين وكتب تفسير أخرى



    الجلاء الثاني
    بعد أن نزل الحكم الإلهي بتلك القبيلة اليهودية على خيانتهم للعهد مع المسلمين وتأليبهم الكفار عليهم في الآيتين (33 ، 34) من سورة المائدة، وتم تنفيذه عليهم، نزلت آية في آخر السورة تذكر الرسول والمسلمين من احتمال أن يواجهوا خيانات أخرى من اليهود في المستقبل، والآية تقول:

    لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ.(المائدة:82)

    ثم جاءت آيات في سورة الأحزاب، تتحدث عن حملة الأحزاب التي اشترك فيها العديد من القبائل، وما آلت إليه ونتائجها على اليهود الذين كانوا وراء فكرة الأحزاب وإشعال فتيلها، يقول تعالى:

    وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً. وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً. وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً.(الأحزاب:25-27)

    فتفرق شمل الأحزاب وفشلت حملتهم على المدينة، أما اليهود الذين ظاهروا الأحزاب، وحسب رأي المؤرخين فقد كانوا بني قريظة، فقد أوقع فيهم المسلمون حد من يحاربون الله ورسوله ومحاولة القضاء على الإسلام التي نزلت في السابق وطبقت بحق قوم (قبيلة) من اليهود قبل سنتين من غزوة الأحزاب. فقاتلهم المسلمون، وقتلوا منهم وأسروا، وانسحب البقية إلى داخل حصونهم (صياصيهم) ولكن سرعان ما دب الذعر فيهم فاستسلموا للمسلمين، وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ.

    وتكون هذه هي ثاني المصادمات بين المسلمين ويهود يثرب، وقد وقعت إثر موقعة الأحزاب وبسببها، حيث كان اليهود هم من حارب الله ورسوله عندما جاؤوا بفكرة الأحزاب، وهم من شحذ همم القبائل للتجمع ومهاجمة المدينة، وهم من أمدهم بالمال والسلاح بهدف القضاء النهائي على المسلمين والإسلام، ولولا لطف الله جل وعلى، لاقتحمت الأحزاب المدينة، ولو استطاعوا، فلن يبقوا على نفس واحدة من المسلمين.

    وكما حصل في الحادثة الأولى فقد سمح لمن استسلم من اليهود بأن يجلوا من يثرب حاملين معهم ما يستطيعون من متاع ومال، فخرجوا إلى خَيْبر ومنهم من سار إلى الشام.

    الجلاء الثالث
    تأتي آيات في سورة الحشر التي نزلت بعد آيات سورة الأحزاب، لتتحدث عن إجلاء لليهود من يثرب، بدون أن يكون بينهم وبين المسلمين حرب أو حصار، يقول تعالى:

    هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ. وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ. مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ. وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.(الحشر:2-6)

    ومن الواضح أن الآيات هنا لا تتحدث عما تحدثت عنه آيات سورة الأحزاب، ولا الآيات في سورة المائدة، لأن اليهود الذين تحدثت عنهم السورتان خرجوا بعد قتال وحصار، أما هنا فخرجوا بدون حرب ولا حصار، وهو ما يعني أنهم قد نقضوا العهد مع المسلمين بطريقة ما، وأنهم بمجرد معرفتهم بإطلاع الرسول على ما فعلوه أرسلوا إليه يطلبون الأمان والجلاء على ما أجلي عليه بني دينهم من قبل، بحيث يحملون معهم ما يستطيعون من مال وعتاد، وقد حصل ذلك دون حرب أو حصار وهو ما يفهم من قوله تعالى "وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ ".

    وقد خربوا حصونهم بأيديهم لحمل ما يستطيعون منها، كما خرب المسلمون ما بقي قائماً منها بعدما جلوا عنها، وما يؤيد أنه لم يكن هناك حرب ولا حصار، قوله تعالى " فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ".

    وإذا كان في يثرب ثلاث قبائل يهودية كما يقول المؤرخون، فإن هؤلاء كانوا هم بني قينقاع، ويكونون آخر من أجلي من المدينة، وبعد غزوة الأحزاب، وقبل خيبر، اي في السنة السادسة للهجرة، وهو مخالف لما يقول الإخباريون من أن بني قينقاع كانوا أول من أخرج من يثرب، وكان ذلك في السنة الثانية للهجرة.

    ويكون قد حدث بين المسلمين ويهود يثرب ثلاث مصادمات متفرقة، وإن تشابهت في الأسباب، المتمثلة بخيانة اليهود للعهد الموقع مع المسلمين، والقيام بسلوك عدائي من أجل الإضرار بالإسلام والمسلمين. كما تشابهت نتائج تلك المصادمات، حيث انتهت جميعها بجلاء من استسلم منهم من يثرب حاملين معهم ما يستطيعون من مال وعتاد. وهو ما يتوافق مع هدف الإسلام، المتمثل بالقضاء على تسلط الكفار على الدين، وليس القضاء على أشخاصهم، وسنرى ذلك يتكرر دائماً، مع أهل مكة وأهل الطائف وفي خيبر وغيرهم.

    وقد استقر بعض يهود يثرب في خيبر، بينما فضل البعض النزوح إلى بلاد الشام. وتقول كتب الأخبار إن من زعماء اليهود الذين أقاموا في خيبر سلاّم بن أَبي الحُقَيْق، وكِنَانة بن الربيع بن أَبي الحقيق، وحُيَـيّ بن أَخْطب.

    وللتدليل على أن ما كتبه الإخباريون حول ما حصل لليهود في يثرب ما هو إلا أضغاث أحلام سطرها أناس من عند أنفسهم، ولا يمكن أن يعتمد عليها كتاريخ لوصف الأحداث الحقيقية، سنورد خبراً واحداً فقط ونتوقف عند بعض ما جاء فيه.

    والخبر يتلخص بأنه بعد انتهاء غزوة الأحزاب، اتجه الرسول إلى بني قريظة، وأنه صلوات الله وسلامه عليه لما نزل بحصنهم، وكانوا في أعلاه نادى بأعلى صوته نفراً من أشرافهم حتى أسمعهم فقال: أَجِيبُوا يَا مَعْشَرَ يَهُودَ يَا إِخْوَةَ القِرَدَةِ والخَنَازِيرِ. فقالوا: يا أبا القاسم لم تكن فحاشاً، وفي رواية أخرى: ما كنت جهولاً ولا فحاشاً. (وبطبيعة الحال فرسول الله لم يكن فحاشاً بالقول ولا بالفعل).

    ثم حاصر المسلمون بني قريظة، وبعد خمسة وعشرين يوماً نزل اليهود على حكم المسلمين، فأمر الرسول سعد ابن معاذ أن يحكم عليهم بما يرى، وقد حكم سعد عليهم أن يقتل الرجال، وتقسّم الأموال، وتسبى الذراري والنساء. قال ابن إسحاق: فحدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرَّحمٰن بن عمر بن سَعْد بن مُعَاذ، عن عَلْقمة بن وقّاص الليثيّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد: لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ.

    ولتنفيذ حكم سعد ابن معاذ يقول ابن هشام: ثم خرج صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة فخندق بها خنادق (أي حفر بها حفراً عميقة)، ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق، يخرج بهم إليه إرسالا(أي جماعات)، ويقول ابن هشام: وهم ستمائة أو سبعمائة. والمكثر لهم يقول: كانوا ما بين الثمانمائة والتسعمائة.( سيرة ابن هشام - فصل في غزوة بني قريظة)

    وسنتطرق لموقفين تحدث عنهما الخبر، كما يلي:

  29. #29
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    الموقف الأول

    يقول أن اليهود قد حكم عليهم بموجب رأي شخصي لسعد ابن معاذ، وأحكام دين الله لا يستشار فيها البشر، ولا يحكم بها بموجب رأي شخصي لبشر، ولو كان الحكم على أولئك اليهود قد تم بموجب رأي سعد أو أي بشر آخر ولو كان الرسول، فإن هذا يعني أن من أصدر الحكم نيابة عن الله قد أصبح شريكاً لله في حكمه، والعياذ بالله. وتزعم كتب الأخبار أن الرسول قال لسعد: لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ. وإذا كان حكم سعد الشخصي قد وافق حكم الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فإن تشريعات سعد أصبحت موازية لتشريعات الله، والعياذ بالله.

    ولم يحكم سعد ابن معاذ فيهم بما تمليه عليه نفسه، ثم يوافقه الله عليه من فوق سبع سماوات، لأن الدين لله، والحكم لله، وهو سبحانه من يحكم لخلقه أو عليهم، وليس الله جل وعلى بحاجة لبشر ليدله على الحكم الصحيح. ويكون مخترع القصة قد تأثر بما جاء في التلمود الذي يقول : إن الله يستشير الحاخامات على الأرض عندما توجد مسألة معضلة لا يمكن حلها في السماء.

    ( قلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ.(يونس:18)

    ويكون كتبة التاريخ بشر يسطرون ما تمليه عليهم ثقافاتهم وميولهم وما يتناقله الناس من حكايات وأساطير، والمؤسف أننا ورثنا منهم كتاباتهم، دون تمحيص، وجعلناها عين الإسلام، وهو منها براء.

    الموقف الثاني

    يدعي الإخباريون أن مئات من اليهود المحكوم عليهم قد دفنوا في سوق المدينة، ولو سلمنا جدلاً، أن الرسول قتل مئات من اليهود صبراً، كما تقول كتب الأخبار، فإنه سيكون من الغريب جداً ومن غير المألوف أن يأمر عليه الصلاة والسلام بحفر خنادق لدفن القتلى وسط سوق المدينة، وليس في مكان خلاء خارجها، ولو كان المقتول منهم رجلاً واحداً، وليس مئات. إذ ليس من المعقول أن يختار الرسول دفن جثثهم في المكان الذي يدوسه الناس ليلاً ونهاراً في ذهابهم وإيابهم وتسوقهم، وليس هناك حكمة في ذلك، إلا إذا كان من اختلق هذه القصة من الإخباريين قد سمع بما حدث لنحو تسعين من بني أمية الذين أمر السفاح فضربوا بالعمد حتى أثخنوا، وبسط عليهم الأنطاع فأكل الطعام عليها وهو يسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعاً[1]، وأراد أن يقول بأن السفاح قد اقتدى بالرسول، وتناقل المسلمون القصة دون أن يفطنوا لمغزاها.

    ولو كانت الخنادق قد حفرت وسط سوق المدينة ودفن فيها ذلك العدد الهائل من اليهود، لأصبح المكان معلماً معروفاً على مر التاريخ، ولكان بالإمكان أن يعثر على بقايا رممهم عندما نكثت أرض المدينة كلها في عمليات التوسعة لمسجد رسول الله، ولكن لم يحدث أن عثر على مقابر جماعية لا في التوسعات القديمة ولا في التوسعات الحديثة، ولن يعثر على أي مقابر جماعية لهم في المدينة، لأنه لم يحدث لبني قريظة أو لغيرهم من يهود يثرب، ما تقول كتب الأخبار أنه حدث لهم، إلا في خيال من ابتدع قصة قتلهم.

    ومن الواضح أن من اخترع القصة تعمد أن يقول بأن الخنادق كانت وسط سوق المدينة وليس خارج البلدة، لأنه لو قال بأنها حفرت خارج البلدة فسيكون عليه أن يشير إلى مكانها الذي لابد أن يبقى معلماً مشهوراً، مثلما بقيت مقابر اليهود في حش كوكب[2]، فقال بأن الخنادق حفرت وسط السوق حتى يقتنع الناس عبر الأجيال بأن معالم تلك الخنادق قد اندثرت بسبب العمران، ويصعب تحديدها بين مساكن الناس في المدينة وسوقها، ولم يدر بخلده أن الإمكانيات الحضارية ستتقدم وأن المدينة التي كانت في عصر الرسول بكاملها يمكن حفرها وإخراج كل ما فيها بسهولة، كما حدث في عمليات التوسعة الأخيرة لمسجد رسول الله الذي أصبحت مساحته الحالية تفوق مساحة مدينة رسول الله ويثرب موطن اليهود بعدة أضعاف.

    وبطبعة الحال فكتب الأخبار تمتلئ بقصص وروايات خيالية، ومما أوردوه حول ما حدث لبني قريظة، قصص بعضها وضعت بموافقة أفكار يهودية لأنها تمتدحهم وتظهرهم كأحرص خلق الله على الوفاء، وكأنها تقول بشكل غير مباشر أن القرآن الذي قتلهم بدعوى نقضهم للعهد مع المسلمين كان مخطئاً. وسنورد قصة واحدة من تلك القصص كمثال ونترك الباقي للقارئ إن أراد الرجوع إليها فسيجدها في سيرة ابن هشام والبداية والنهاية وغيرها. وهذه هي القصة كما أوردها ابن هشام، تحت عنوان:

    قصة الزبير بن باطا

    قال ابن إسحاق : وقد كان ثابت بن قيس بن الشماس ، كما ذكر لي ابن شهاب الزهري ، أتى الزبير بن باطا القرظي ، وكان يكنى أبا عبد الرحمن- وكان الزبير قد منَّ على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية . ذكر لي بعض ولد الزبير أنه كان منّ عليه يوم بعاث ، أخذه فجز ناصيته ، ثم خلى سبيله - فجاءه ثابت وهو شيخ كبير ، فقال : يا أبا عبد الرحمن ، هل تعرفني (4/ 203) قال : وهل يجهل مثلي مثلك ؛ قال : إني قد أردت أن أجزيك بيدك عندي ؛ قال : إن الكريم يجزي الكريم . ثم أتى ثابت بن قيس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، إنه قد كانت للزبير عليّ منة ، وقد أحببت أن أجزيه بها ، فهب لي دمه ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو لك ؛ فأتاه فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهب لي دمك ، فهو لك ؛ قال : شيخ كبير لا أهل له ولا ولد ، فما يصنع بالحياة قال : فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، هب لي امرأته وولده ؛ قال : هم لك . قال : فأتاه فقال : قد وهب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلك وولدك ، فهم لك ؛ قال : أهل بيت بالحجاز لا مال لهم ، فما بقاؤهم على ذلك فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، ماله ؛ قال : هو لك . فأتاه ثابت فقال : قد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك ، فهو لك . قال : أي ثابت ، ما فعل الذي كأن وجهه مرآة صينية يتراءى فيها عذارى الحي ، كعب بن أسد قال : قتل ؛ قال : فما فعل سيد الحاضر والبادي حيي بن أخطب قال : قتل ؛ قال : فما فعل مقدمتنا إذا شددنا ، وحاميتنا إذا فررنا ، عزَّال بن سموأل قال : قتل ؛ قال : فما فعل المجلسان يعني بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة ؛ قال : ذهبوا قتلوا ؛ قال : فإني أسألك يا ثابت بيدي عندك إلا ألحقتني بالقوم ، فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير ، فما أنا بصابر لله فتلة دلو ناضح حتى ألقى الأحبة . فقدمه ثابت ، فضرب عنقه. أهـ

    وآخر القصة يؤكد على أن من قتل من اليهود سيلتقون في الجنة، وكأنها تقول بأن من يقتل مؤمناً من أهل الجنة فمأواه جهنم، وهي تشير بذلك إلى الرسول.

    وتكون تلك القصص التي يرويها الإخباريون في كتب التاريخ والتفسير والحديث عما حدث لليهود بعيدة كل البعد عما حدث على أرض الواقع، ولا يمكن التسليم بصحتها، في الوقت الذي أخبرنا القرآن بأن قبيلة من اليهود، دون ذكر لاسمها، قد نقضت العهد مع المسلمين، وحاربت الله ورسوله (شاقوا الله ورسوله) وسعت في الأرض فسادا عندما حاول أفرادها القضاء على الإسلام عن طريق المكائد والتعاون مع الكفار، فنزل بحقهم حكم الله الذي يعطي الحق للمسلمين بقتالهم وصلبهم وتقطيع أيديهم وأرجلهم، أي التعامل معهم بكل غلظة، وبلا رحمة. وقد اشتبك المسلمون معهم في قتال، ولكن اليهود سارعوا للانسحاب والاحتماء بقلاعهم، فحاصرهم المسلمون، مما اضطر اليهود لطلب الأمان، على أن يتركوا يثرب، حاملين معهم ما يستطيعون من متاع، وكان ذلك قبل غزوة الأحزاب. وقد كررت قبيلة ثانية، دون ذكر لاسمها، نقض العهد مع المسلمين والمتمثل بتصرفات عدائية، حيث كانوا وراء فكرة تجمع القبائل ومهاجمة المدينة للقضاء على الإسلام والمسلمين، فطبق المسلمون بحقهم حكم الله السابق، وحاصروهم في قلاعهم، مما اضطرهم للتسليم بنفس شروط القبيلة الأولى. وكررت القبيلة اليهودية الثالثة التصرفات العدائية ونقض العهد مع المسلمين، ولكنهم لم يشتبكوا مع المسلمين في قتال كما حدث مع القبيلتين السابقتين، بل عرضوا الاستسلام بنفس شروط من سبقهم.

    وتكون الأحكام على اليهود في المناسبات الثلاث التي وقع فيها صدام بينهم وبين المسلمين، قد وقعت عليهم بموجب آيات قرآنية باقية إلى اليوم، ومن ذلك الآيتان (33 ، 34) من سورة المائدة.

    ولم تنزل هاتان الآيتان من سورة المائدة في حق من سرق إبل أو غنم، لرسول الله أو لغيره وقتل الراعي، كما تقول الأخبار، وأن الرسول قد مثل بالفعلة وأحرق جثثهم، وصلبهم، كما يزعم الإخباريون، ومن ذلك ما أورده الطبري في تفسيره: أن رهطا من عُكل وعرينة أتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله أنا أهل ضَرْع ولم نكن أهل ريف، وإنا استوخمنا المدينة. فأمر لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم بَذوْد وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها. فقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الذود، وكفروا بعد إسلامهم. فأتِيَ بهم النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم في الحرّة حتى ماتوا. فذكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم: إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ.

    ويقول الإخباريون بأن الرسول قد أحرق جثثهم بالنار بعد أن مثل بها. ولو صدقنا حكايات الإخباريين، فإننا نحكم على الرسول بأنه يصير أحكام الشرع على ما يرغب، فهو قتل وصلب ومثل بجثث من سرق إبله وقتل الراعي، دون أن يستند في حكمه على حكم قرآني، لأن القرآن يخلوا من أي حكم على البشر بالحرق والتمثيل بالجثث، أو بصلب من يقتل الراعي. ثم يورد الإخباريون أنه عليه الصلاة والسلام ينهى غيره بعدم التمثيل بالجثث أو حرقها بالنار، أعوذ بالله أن ينهى رسول الهدى عليه الصلاة والسلام عن خلق ويأتي مثله. والرسول لا يستطيع أن يعمل برأيه ولا أن يخالف القرآن، الذي يقول بأن القاتل يقتل، بنص آيات القصاص. كما أن من قتل راعي الرسول لم يحاد الله ولا رسوله ولم يسع ليعم الفساد في الأرض، المتمثل بالقضاء على الإسلام، مثلما سعى اليهود في محاولاتهم القضاء على الإسلام. ويكون حد القاتل القتل فقط، سواءً قتل راعي رسول الله أو قتل راعي أبو جهل. ثم إن الآية (34) تنص على أن من يتوب منهم فقد حقن دمه وماله وعرضه، وهو ما حصل لعدد من اليهود حسبما ذكرت كتب الأخبار ومنهم: ثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد، الذين أسلموا تلك الليلة التي نزلت فيها بنو قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، خوفاً من أن يحكم عليهم بالقتل أو يجردوا من أموالهم. بينما لم يقل الإخباريون أن أحداً ممن قتل الرعاة قد تاب ولم يقتل، كما أنها ليست حداً لما يعرف اليوم بالحرابة، والذي يطبق بحق كل من يخرج على السلطان أو يسرق بعد أن يقتل. لأن القاتل يقتل بالحد الوارد في الآية (178) من سورة البقرة، وليس هناك حد في الإسلام على من يخرج على السلطان لشعوره بالظلم، ولكن هناك عقوبة لمن ينقض العهد مع دولة الإسلام، فصلنا الحديث عنها في فصل الجهاد.

    وهكذا خلت يثرب من ساكنيها وخربت قلاعها وحصونها التي كانت عامرة بيهود بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة. ويكون يهود يثرب هم من بدأ بنقض العهد الموقع مع المسلمين وهم من حارب الله ورسوله بمحاولاتهم موالاة الكفار وتأييدهم لهم في حروبهم للمسلمين، مما ترتب عليه إجلاؤهم من يثرب وتخريب مساكنهم والإستيلاء على مزارعهم، كعقاب على ما اقترفته أيديهم.

    هذا في يثرب، أما في خيبر فالتاريخ يروي لنا أن المسلمين قد بادروا بالهجوم عليها وافتتحوها دون أن يذكر المؤرخون أن يهودها قد نقضوا عهدهم مع المسلمين أو بادروهم بالعداء، وهو ما يتناقض مع القواعد الإلهية التي لا تبيح قتال الكفار لمجرد أنهم لم يؤمنوا بالإسلام، ولكن القتال يكون لمن يسعى للقضاء على الإسلام أو يوالي من يسعى للقضاء عليه. فما الذي فعله أهل خيبر وأوجب على المسلمين الخروج لهم بعيداً عن أساطير الإخباريين؟




    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] ذكرنا ذلك في مقدمة الحديث عن دولة بني العباس

    [2] مقابر لليهود في يثرب مجاور لمقابر البقيع

  30. #30
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    02 2006
    الدولة
    المجموعة العربية
    المشاركات
    1,007

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    خيبر


    قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.(التوبة:29)



    برغم أنه قضي على اليهود في يثرب، إلا أن خطرهم بقي يهدد الإسلام والمسلمين، لأن معظم رؤوسهم نزحوا إلى خيبر واستمروا يديرون المؤامرات ضد الإسلام والمسلمين من هناك.

    فقرر الرسول أن يقضي على بعض تلك الرؤوس عسى أن يرتدع بقية اليهود ويكفوا عن المسلمين، ومن أولئك سلام ابن ابي الحقيق الذي كان من زعماء بنو قريظة. وقد انتدب الرسول نفراً من المسلمين إلى خيبر لاغتياله، وتم لهم ما أرادوا بنجاح.

    ولكن يبدوا أن التصفيات الفردية لم تكن كافية لوقف نشاطات اليهود المعادية، فقرر الرسول عليه الصلاة والسلام القضاء على تسلطهم البتة. وهذا هو سبب خروج رسول الله إلى خيبر، والذي لم يذكره الإخباريون، بل إنهم صوروا خروجه عليه الصلاة والسلام، وكأنه يهدف لتوسيع رقعة مملكته، والحصول على ممتلكات أعدائه كغنائم، دون أن يقترف اليهود ما يوجب مهاجمتهم. ولم يفطنوا أن الرسول هو من سمح لليهود الذين استقروا في خيبر بنقل متاعهم وأموالهم معهم عندما أخرجهم من يثرب، وكان بإمكانه الاستيلاء عليها في ذلك الوقت الذي استسلموا فيه ولم يكن لديهم القدرة على الدفاع عن أنفسهم أو حماية أموالهم، بدل السماح لهم بالتجمع في خيبر وتوحيد الصفوف والاستعداد للحرب، ثم يقرر خوض معركة ضدهم قد ينتصرون فيها عليه.

    وقد استطاع جيش المسلمين دخول خيبر وطرد يهود يثرب منها، فخرجت فلولهم باتجاه أرض الشام، وتفرق شملهم. أما يهود خيبر فقد ترك الرسول لهم أملاكهم وآمنهم على أنفسهم، وإن عاقبهم على تعاونهم مع بني عقيدتهم ونقض معاهداتهم مع الرسول وتشكيل خطر على دولة الإسلام، وذلك بفرض الجزية عليهم، تنفيذاً لحكم الله فيهم. وهذا مخالف لكلام الإخباريين الذين يقولون بأن جيش المسلمين قد هاجم قلاع خيبر وفتحها واحدة بعد الأخرى، وأن المسلمين قد استباحوها وسبوا نساءها، وأن عدداً من المسلمين قد سقط شهيداً في المواجهة مع اليهود، وقد ذكرهم بالاسم ابن هشام في سيرته.

    وفي الأسطر التالية سوف نناقش مزاعم الإخباريين تلك، لإثبات أنه لم يكن هناك قتال في خيبر، ولم تسبى النساء، وسنبدأ بمن زعم ابن هشام أنهم قتلوا شهداء يوم خيبر، وكيف أن كل تلك الأسماء في المجمل لا وجود لها أو أنها قتلت بأسباب أخرى وليس في قتال يهود خيبر.

    يقول ابن هشام أن ممن استشهد من بني أسد ابن عبد العزى: عبد الله الهبيب، ويقال: ابن الهبيب، فيما قال ابن هشام ، ابن أهيب بن سحيم بن غيره، من بني سعد ابن ليث، حليف لبني أسد، وابن أختهم.

    وليس لعبد الله الهبيب أو ابن أهيب بن سحيم أي ذكر في كتب الرجال مثل الإصابة في تمييز الصحابة أو الاستيعاب في معرفة الأصحاب أو تهذيب الكمال أو طبقات ابن سعد أو غيرها. أي أنه لا وجود لشخص حمل ذلك الاسم في الواقع.

    ويقول ابن إسحاق أن ممن استشهد من الأنصار ثم من بني سلمة : بشر بن البراء بن معرور ، مات من الشاة التي سم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفضيل بن النعمان. رجلان. انتهى

    وسوف نسلم جدلاً أن بشر قد مات من السم كما يزعم ابن هشام، وهذا يعني أنه لم يقتل في قتال لفتح خيبر.

    أما فضيل ابن النعمان، فهذا ما قيل عنه في الاستيعاب في معرفة الأصحاب: الفضيل بن النعمان الأنصاري، من بني سلمة، قتل بخيبر شهيداً فيما ذكر ابن إسحاق، قال محمد بن سعد: هكذا وجدناه في غزوة خيبر، وطلبناه في نسب بني سلمة، فلم نجده، قال، قال: ولا أحسبه إلا وهماً في الكتاب، وإنما أراد الطفيل بن النعمان بن خنساء بن سنان والله أعلم.

    ونفس الصيغة وردت في الإصابة في تمييز الصحابة. وهذا يعني أنه لا وجود لرجل بذلك الاسم ينسب لبني سلمة، وبالتالي فوجوده كشخص، مجرد وهم.

    ويواصل ابن هشام قائلاً: من زريق: مسعود بن سعد بن قيس بن خلده بن عامر بن زريق.

    وهذا ما أورده ابن حجر العسقلاني عنه في الإصابة: مسعود بن سعد بن قيس بن خلدة بن عامر بن زريق الأنصاري الزرقي ذكره موسى بن عقبة عن بن شهاب فيمن شهد بدرا وكذا بن إسحاق وقال أبو نعيم قال بن عمارة استشهد بخيبر وخالفه الواقدي فقال قتل يوم بئر معونة وأخرجه البغوي مختصرا وكرره أبو عمر فذكره مطولا ومختصرا. (أي أنه لم يستشهد في خيبر).

    ويقول ابن هشام أن ممن استشهد من الأوس ثم من بني عبد الأشهل: محمود بن مسلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث ، حليف لهم من بني حارثة.

    وهذا الصحابي قتل بخيبر أدلى عليه حرب رحى، فأصابت رأسه فهشمت البيضة رأسه، وسقطت جلدة جبينه على وجهه. ما أورد الإخباريون. ويكون موته نتيجة سقوط الرحى عليه وليس نتيجة لمواجهة قتالية.

    ويقول ابن هشام أن ممن استشهد من بني عمرو بن عوف: أبو ضياح بن ثابت بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس بن ثعلبة بن عمرو بن عوف؛ والحارث بن حاطب؛ وعروة بن مرة بن سراقة؛ وأوس بن القائد؛ وأنيف بن حبيب؛ وثابت بن أثلة؛ وطلحة.

    والإسم الأول ليس له وجود. أما الحارث ابن حاطب فهذا ما يقوله عنه صاحب كتاب الإصابة: الحارث بن حاطب بن عمرو بن عبيد بن أمية بن زيد الأنصاري الأوسي أخو ثعلبة بن حاطب ذكره موسى بن عقبة فيمن شهد بدرا وذكر هو وابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم رده ورد أبا لبابة من الروحاء وضرب لهما بسهميهما وأجرهما ووهم بن منده فذكر هذا القدر في ترجمة الذي قبله وروى الطبراني بسند ضعيف أن هذا شهد صفين مع علي رضي الله عنه. وهذا يعني أنه لم يقتل في خيبر.

    وعروة بن مرة بن سراقة الأنصاري الأوسي لا يعرف عنه إلا أنه استشهد بخيبر نقلاً عن ابن هشام، ولا يعرفه غيره.

    وأوس ابن القائد ليس له وجود، وأنيف بن حبيب من بني عمرو بن عوف ذكره بن إسحاق فيمن استشهد يوم خيبر وعزاه أبو عمر للطبري، وما عدى ذلك فلا يعرف عنه شيء.

    وثابت بن إثلة الأنصاري الأوسي من بن عمرو بن عوف ذكره بن إسحاق فيمن استشهد بخيبر واستدركه أبو موسى عن عبدان وحرف بن عبد البر أباه. وطلحة غير معروف لأحد سوى لابن هشام.

    وباستعراضنا لجميع من زعم ابن هشام أنهم قتلوا شهداء في معركة مع يهود خيبر، نجد أنه لم يذكرهم أحد غيره، مما يلقي بضلال الشك حول صحة وقوع قتال بين المسلمين ويهود خيبر.

    وما يزيد في شكنا بتلك القصص التي ينقصها الحبك والتي نقلها الإخباريون عن ابن هشام عما حدث في خيبر ما نقله تحت عنوان: مصالحة الرسول أهل خيبر

    وهذا نص الخبر: وحاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أهل خيبر في حصنيهم الوطيح والسلالم، حتى إذا أيقنوا بالهلكة، سألوه أن يسيرهم وأن يحقن لهم دماءهم ، ففعل.

    وبفهم من هذا أن المسلمين لم يشتبكوا مع اليهود في قتال، وأن الرسول قد حقن دمائهم وسيرهم أي أجلاهم عن خيبر. ولكن الخبر لا ينتهي هنا فابن هشام يواصل قائلاً: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حاز الأموال كلها: الشق ونطاة والكتيبة وجميع حصونهم، إلا ما كان من ذينك الحصنين.

    فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يسيرهم، وأن يحقن دماءهم، ويخلوا له الأموال، ففعل وبفهم من هذا أن الرسول أجلى أهل فدك أيضا.

    ولكن لخبر ابن هشام بقية تقول: وكان فيمن مشى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم في ذلك محيصة بن مسعود، أخو بني حارثة، فلما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم في الأموال على النصف، وقالوا: نحن أعلم بها منكم، وأعمر لها.

    فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصف، على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم؛ فصالحه أهل فدك على مثل ذلك، فكانت خيبر فيئاً بين المسلمين، وكانت فدك خالصةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب. انتهى كلام ابن هشام

    ويفهم هنا أن الرسول صالح خيبر وفدك ولم يكن هناك جلاء لا لأهل خيبر ولا لأهل فدك، وأنهم بقوا في مساكنهم ومزارعهم على أن يدفعوا نصف المحصول للمسلمين.

    ولو كان هناك قتال واقتحم المسلمون قلاع وحصون يهود خيبر بالقوة لنفذ فيهم ما نفذ في حق قبائل يهود يثرب الثلاث، حيث أجلوا من ديارهم وسمح لهم حمل ما يستطيعون من مال ومتاع، وورث المسلمون مزارعهم.

    ولم يفطن أحد من المؤرخين المتأخرين، لماذا إبتدر أهل فدك بعرض نصف محصولهم للرسول، وهو لم يهاجمهم، ولم يكن بينه وبينهم أي عداء. ولم يتساءل أحد إن كانت قصة فدك كلها مختلقة لكي يصبح لها تلك الهالة الكبيرة التي يرددها عنها الشيعة اليوم، والتي لن نتعرض لها.

    ويكون ما حدث هو أن الرسول لما حاصر خيبر طلب منه أهلها أن يجلوا من فيها من يهود يثرب، فوافق الرسول على ذلك، ووافق على أن يحقن دماء أهل خيبر وأموالهم مقابل دفع الجزية، فتم إجلاء يهود يثرب وبقي أهل خيبر فيها.

    والجزية طبقت بحق أهل خيبر لأنهم خانوا عهدهم مع المسلمين وآووا يهود يثرب، وحموهم وناصروهم، والجزية تفرض على من عاهد دولة الإسلام أو عاهد جماعة من المسلمين وغدر بهم، أو نقض المعاهدة. وتكون الجزية، مقابل الإبقاء على أفراده أحياء، وعدم التعرض لممتلكاتهم، يقول تعالى:

    قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.(التوبة:29)

    ولو رجعنا إلى كتب الحديث خاصة كتاب البخاري على اعتبار أنه أكثر كتب الحديث ثقة عند المسلمين، وكتاب الموطأ على اعتبار أنه أقدم كتاب للحديث بين أيدينا، لوجدنا التالي:

    يورد البخاري حديثاً برقم (4149)، هذا نصه: حدَّثنا موسى بن إِسماعيلَ حدَّثنا جويريةُ عن نافعٍ عن عبدِ الله بن عمرَ رضي الله عنه قال: أعطى النبيُّ صلى الله عليه وسلم خيبرَ اليهود أن يَعملوها ويزرعوها، ولهم شطرُ ما يخرجُ منها.

    ويفهم من الحديث أن يهود خيبر لم يخرجوا منها وفرضت عليهم الجزية في ثمار مزارعهم.

    ويورد البخاري حديثاً آخر برقم (4147)، هذا نصه: حدَّثنا إِسماعيلُ قال: حدَّثني مالكٌ عن عبدِ المجيد بن سهيلٍ عن سعيدِ بن المسيَّب عن أبي سعيد الخُدْريِّ و أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم استعملَ رجلاً على خيبرَ، فجاءهُ بتمرٍ جَنيب،.... إلخ

    ويفيد الحديث أن مزارع خيبر بقيت ملكاً ليهودها. وهناك حديث ثالث يورده البخاري برقم (4148)، وهذا نصه: وقال عبدُ العزيز بن محمد عن عبدِ المجيد عن سعيد أنَّ أبا سعيد و أبا هريرةَ حدَّثاه: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعثَ أخا بني عديّ من الأنصار إلى خيبرَ، فأمرَهُ عليها.

    مما يعني أن الرسول قد كلف جابياً للجزية التي فرضت على يهود خيبر. وهذا ما يؤكده مالك في الموطأ في الحديث رقم (1401)، ونصه: وحدَّثني مَالِكٌ، عَنِ ٱبْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْن يَسَارٍ، أَنَّ رَسُولَ ٱللّهِ كَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ ٱللّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إلَى خَيْبَرَ، فَيُخَرِّصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَهُودِ خَيْبَرَ، .... الخ

    ويورد مالك حديثاً برقم (1628) يؤكد فيه أن عمر بن الخطاب هو من أجلى يهود خيبر ويهود فدك وليس الرسول، وهذا نص الحديث: وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ رَسُولَ الله قَال: لاَ يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ. قَالَ مَالِكٌ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَفَحَصَ عَنْ ذٰلِكَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ حَتَّى أَتَاهُ الثَّلْجُ وَاليَقِينُ، أَنَّ رَسُولَ الله قَالَ: لاَ يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ. فَأَجْلَى يَهُودَ خَيْبَرَ.

    قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ أَجْلَى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ يَهُودَ نَجْرَانَ وَفَدَكَ. فَأَمَّا يَهُودُ خَيْبَرَ فَخَرَجُوا مِنْهَا لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرِ وَلاَ مِنَ الأَرْضِ شَيءٌ. وَأَمَّا يَهُودُ فَدَكَ فَكَانَ لَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ وَنِصْفُ الأَرْضِ. لأنَّ رَسُولَ الله كَانَ صَالَحَهُمْ عَلَى نِصْفِ الثَّمَرِ وَنِصْف الأَرْضِ. فَأَقَامَ لَهُمْ عُمَرُ نِصْفَ الثَّمَرِ وَنِصْفَ الأَرْضِ. قِيمَةً مِنْ ذَهَبٍ وَوَرَقٍ وَإبْلِ وَحِبَالِ وَأَقْتَابٍ. ثُمَّ أعْطَاهُمْ القِيمَةَ وَأَجْلاَهُمْ مِنْهَا.

    مع ملاحظة أن من زعم أن الرسول قال لا يجتمع دينان في جزيرة العرب هو ابن شهاب الزهري، وليس الرسول، لأن الرسول وبكلام ابن شهاب نفسه، لم يجلهم، ومات عليه الصلاة والسلام وفي جزيرة العرب إسلام ويهودية ووثنية ومسيحية، على الأقل، ولم يخرج اليهود من خيبر إلا عمر ابن الخطاب، إن كان قد أخرجهم بالفعل.

    ومما يؤيد أن ابن شهاب لم يكن دقيقاً في خبره حول اجتماع دينان في جزيرة العرب، أن يهود نجران الذي يزعم أن عمر أجلاهم بقوا فيها على الأقل إلى أن قامت إسرائيل، إن لم يبقوا فيها إلى اليوم، مثلما بقي يهود اليمن فيها حتى الآن، واليمن جزء من جزيرة العرب بل هي قلب الجزيرة النابض.

    ولتأكيد أن جل ما زعمه ابن هشام من أحداث وقعت في غزوة خيبر ما هو إلا أساطير، نورد ونناقش ثلاثة منها، وهي:

    أمر الشاة المسمومة:

    يقول ابن هشام: فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له زينب بنت الحارث، امرأة سلام بن مشكم، شاة مصلية، وقد سألت أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل لها: الذراع؛ فأكثرت فيها من السم، ثم سمت سائر الشاة، ثم جاءت بها؛ فلما وضعتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، تناول الذراع، فلاك منها مضغة، فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن معرور، قد أخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأما بشر فأساغها. وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها، ثم قال: إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم، فاعترفت؛ فقال: ما حملك على ذلك قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان ملكاً استرحت منه، وإن كان نبياً فسيخبر، قال: فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومات بشر من أكلته التي أكل.

    ولا يمكن تصور أن يقاتل الرسول اليهود ويقتل رجالهم ثم يأمن إمرأة منهم لتقدم له الطعام. وحتى لو افترضنا أن هذه القصة قد حدثت، فإن الرسول وإن سامح المرأة على محاولة قتله، فقد كان يجب أن يقيم عليها حد القصاص لأن سمها قتل بشر، وهذا ما غفل عنه مختلق القصة.

    ومثل هذه القصة ما رواه ابن هشام في قوله: مقتل غلام رفاعة الذي أهداه للرسول:

    قال ابن إسحاق : فحدثني ثور بن يزيد، عن سالم، مولى عبد الله بن مطيع، عن أبي هريرة، قال: فلما انصرفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خيبر إلى وادي القرى نزلنا بها أصيلا مع مغرب الشمس، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم غلام له، أهداه له رفاعة بن زيد الجذامي، ثم الضبيني. قال ابن هشام: جذام، أخو لخم. قال: فوالله إنه ليضع رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتاه سهم غرب فأصابه فقتله؛ فقلنا: هنيئاً له الجنة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا، والذي نفس محمد بيده، إن شملته الآن لتحترق عليه في النار، كان غلها من فيء المسلمين يوم خيبر. أهـ

    ويلاحظ أن الرجل قتل بعد انصراف الناس من خيبر ووصولهم لوادي القرى، أي بعد أن ابتعدوا عن اليهود، ولم يكن في جيش المسلمين إلا المسلمين، ويكون السهم الذي قتل الغلام قد جاء من جيش المسلمين. فكيف لم يعرف القاتل ولم يقتل قصاصاً؟

    ثم إن كان الغلام (العبد) قد سرق من غنائم خيبر، فهل هذا يكفي لكي يحكم عليه الرسول بأنه في جهنم، وكأن أمر عباد الله ومصيرهم في الآخرة، يشاور فيه الرسول أو يكون له فيه رأي، تعالى الله عن ذلك. فالرسول لا يعلم الغيب، ولا يعلم ما سيحل به وبأمته يوم القيامة:

    قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ.(الأحقاف:9)

    والخبر الثالث الذي أورده ابن هشام، جاء بهذا النص: عقوبة كنانة بن الربيع:

    وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكنانة بن الربيع، وكان عنده كنز بني النضير، فسأله عنه، فجحد أن يكون يعرف مكانه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من يهود، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنانة: أرأيت إن وجدناه عندك، أأقتلك قال: نعم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخربة فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله عما بقي، فأبى أن يؤديه. أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام، فقال: عذبه حتى تستأصل ما عنده، فكان الزبير يقدح بزندٍ في صدره، حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى محمد بن مسلمة، فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة.

    إنتهى هذا الخبر الذي من الواضح أن من اختلقه عاش في عصر تسلط السلاطين وزبانيتهم على الناس، وإلا فرسول الله لا يستطيع أن يأخذ الناس بالتهمة بدون تثبت، ولا يستطيع أن يعذب الناس ليجبرهم على الاعتراف، ولا يستطيع أن يستولي على أموال الغير ولو كانوا يهوداً، ولو فعل الرسول ذلك فإن ما يفعله شطار المباحث والاستخبارات العرب بالمسلمين سنة نبوية يثابون عليها عند أرحم الراحمين.

    وإن كان في هذا الخبر أي حقيقة فهي أن هناك رجل يهودي قتل محمود ابن مسلمة وأن أخيه محمد ابن سلمة قتل اليهودي بثأر أخيه، ويكون الرسول عليه الصلاة والسلام لا ناقة له في القصة ولا جمل. ومحمود يزعم ابن هشام أنه قد أسقط عليه رحى من أحد حصون خيبر، ولكنه يقول بأن من أدلى الرحى يهودي اسمه " حرب " وليس كما يقول هذا الخبر من أن اسمه كنانة ابن الربيع.

    ويكون ما حدث في خيبر هو حصار واستسلام ونفي ليهود يثرب ومن عاونهم من يهود خيبر، أما بقية يهود خيبر فقد فرضت عليهم الجزية كعقاب لهم على نقض عهدهم مع المسلمين باستضافة يهود يثرب وحمايتهم، ولم يكن هناك قتال وإن قتل رجل أو اثنين من الصحابة نتيجة إسقاط رحى على أحدهم من فوق أسوار قلعة أو حصن لليهود وقتل الآخر بسهم. ويكون ما نقله ابن هشام من زعمه أو زعم ابن إسحاق أو غيره، ما هو إلا أساطير مختلقة لا تتوافق مع الواقع.

    والحديث عن اليهود وعلاقتهم بدعوة محمد عليه الصلاة والسلام لا ينتهي قبل الحديث عن غزوة تبوك.








 

 


تعليقات الفيسبوك





ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •