سجل عضوية جديدة

أهلاً بكـ في شبكة فلسطين للحوار... شاركنا وبادر بالتسجيل ...

صفحة 4 من 4 الأولىالأولى 1234
النتائج 91 إلى 118 من 118
  1. #91
    موقوف لعدم صلاحية البريد الالكتروني
    تاريخ التسجيل
    03 2007
    المشاركات
    37

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    لعله اجمل نص كتب في الاسلام وعنه
    اذا لم يكن اجملها قاطبة

  2. #92
    موقوف لعدم صلاحية البريد الالكتروني
    تاريخ التسجيل
    03 2007
    المشاركات
    37

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    المثال الثاني: آل البيت
    هناك العديد من العائلات في بلاد الحرمين والبلاد العربية وحتى البلاد الإسلامية يقولون بأنهم من آل البيت. والمقصود بالبيت، بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام، في إشارة إلى أن هذه العائلات تعود في نسبها إلى الرسول محمد. وهذا ما يعطيهم تميز مقدس عن بقية خلق الله، ولذلك يفضلون أن يسموا بالأشراف، لأن نسبهم يتصل بالنسب النبوي الشريف.
    وقد ترتب على ذلك الكثير من المعتقدات والممارسات والعادات التي لن نتطرق إليها لأنها بعيدة عن موضوعنا. والشيعة من جهة أخرى يعتقدون بأن من أهم أسس الإيمان بالله، الإعتقاد بأن هناك إثنا عشر رجلاً ورثوا علم النبوة من أبيهم، الرسول محمد ابن عبدالله، وأن أولئك الرجال يسمون بالأئمة الهادين المهتدين، وأنهم هم من يجب أن يأخذ الناس دينهم منهم، وهم من يجب أن يتوارثوا قيادة دولة الإسلام حتى قيام الساعة، بسبب ما خصهم الله به من علوم وأسرار لا يعلمها غيرهم.
    والشيعة وبعض السنة لا يخالجهم شك في أن تلك الأسر، وأئمة الشيعة تتصل في نسبها بنسب الرسول عليه الصلاة والسلام، ولذلك فهم من أهل بيت الرسول وآل بيت الرسول، وهذا الإدعاء يتعارض مع القاعدة الثابتة للنسب والمتمثلة بأن سلسلة النسب تتحدر من الأب لأبنائه الذكور دون الإناث، ومنهم تنحدر لأبنائهم، وهكذا. وقد أكدها القرآن الكريم، بقوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ.... .(الأحزاب:5)
    وحتى من لا يعرف أبوه فلا يجوز في الإسلام أن يلحق بنسب غير نسب والده. وقد عادت سورة الأحزاب بالذات لتنص على أنه لا يجوز أن ينسب أحد من السلمين لمحمد صلوات الله وسلامه عليه وتنفي نفياً قاطعاً أن يكون عليه الصلاة والسلام أباً لأحد من رجالهم، يقول تعالى: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً.(الأحزاب:40)
    ومع كل هذه التحذيرات الإلهية الغليظة، ومع أن جميع خلق الله من المسلمين يعلمون أن جميع أولاد رسول الله الذكور ماتوا وهم في سن الطفولة والرضاعة، وبالتالي فنسب الرسول قد إنقطع، إلا أن الإنتساب للرسول بقي عند تلك العائلات التي تسمي نفسها بـ (آل البيت) أو الأشراف، وعند الشيعة بالنسبة لأئمتهم.
    وقد جاء الإنتساب للرسول بطريقة مخالفة لقاعدة سلسلة النسب التي أقرها الله تعالى في كتابه والتي يسير عليها الناس، حيث يقول من يؤمن بها أن نسب تلك العائلات ينتهي للحسن ابن علي ابن أبي طالب أو الحسين ابن علي ابن أبي طالب، ومنهما ينتسبون إلى أمهما، فاطمة، وليس إلى أبوهم علي ابن أبي طالب، كما جرت قاعدة النسب، ومن فاطمة يتصلون بالنسب إلى رسول الله. ويوافقهم الشيعة في نسب أئمتهم إلى رسول الله بطريق مماثل، غير آبهين بأنهم ينسبون للرسول ما ليس له بنسب وهذا ما نهت عنه الآية الخامسة والآية الأربعين في سورة الأحزاب وبغلظة ولهجة شديدة.
    وكأنهم يقولون بأن فاطمة بنت محمد أول إمرأة منذ خلق البشر في جزيرة العرب، تمثل حلقة في سلسلة النسب التي تقتصر على الرجال.
    وأن علي ابن أبي طالب أول رجل، منذ خلق الله البشر في جزيرة العرب، ليس له حلقة تمثله في سلسلة نسب أبنائه، بالرغم أنهم لا زالوا ينتسبون إليه فيقال الحسين ابن علي والحسن ابن علي، نظرياً. ولكن نسب الحسين والحسن وأبناؤهم وأحفادهم اليوم ينتسبون إلى الرسول الذي هو جدهم لأمهم، وليس لعلي ابن ابي طالب والدهم الفعلي.
    ولأن كسر قاعدة النسب غير مقبول ولا يمكن العمل بموجبه، فقد حاول من كسره أن يوحي للناس بأن هذا الإستثناء جاء بمشيئة إلهية وأن له ما يدعمه من القرآن الكريم. وأن الرسول كان له (آل، وأهل) يختلفون عن (آل، وأهل) أي رجل آخر، فآل الرسول ليسوا أبناؤه الذكور، وأهل الرسول ليسوا زوجاته وبناته وأولاده ومن يعيش معه في منزله، مثل بقية خلق الله، ولكن (آل وأهل الرسول) هم إبن عمه علي ابن أبي طالب، دون بقية أبناء عمومته الآخرين، وزوجته فاطمة بنت محمد، دون زوجاته التي عرف ابن كثير منهم ثمان، وقال بأنه مات عن أربع وتسع عشرة جارية . إضافة لإبني علي الحسن والحسين دون أبنائه الأربعة عشر، وبناته السبع عشر.
    وقالوا بأن هؤلاء هم (آل الرسول وأهل الرسول) مستدلين على ذلك بأحاديث ظنية لا حصر لها، منسوبة للرسول، وبآيات قرآنية. ولن نتطرق للآحاديث، لكثرتها، وتشعبها، ولأنها يجوز عليها الكذب، ولكننا سنتعرض لأهم الأيات التي استدلوا بها ومناقشة وجه الإستدلال، فإن كان صحيحاً فليس لنا إلا أن نسلم بقول الله تبارك وتعالى، وإن كان الإستدلال خاطئاً بينا خطأه.
    وأول دليل من القرآن يستدلون به، وقد يكون أشهر أدلتهم، هو جزء من الآية (33) من سورة الأحزاب، وهذا الجزء هو : ....... إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.
    حيث يقول رجال الدين الشيعة أن المقصود بأهل البيت المذكورة في الآية هم: علي ابن أبي طالب وزوجته فاطمة وابنيه الحسن والحسين .
    وسورة الأحزاب نزلت بعيد موقعة الأحزاب التي جرت في السنة الخامسة للهجرة، أي أن الإحتمال الأغلب هو أن الحسين ابن علي لم يولد بعد، لأن كتب الأخبار تورد أنه ولد في شعبان سنة أربع وقيل سنة ست وقيل سنة سبع. كما يقول ابن حجر العسقلاني في ترجمته في كتاب الإصابة في تمييز الصحابة، أي أن الحسين قد لا يكون من (آل البيت) المفترضين عندما نزلت الآية، والحسين هو الحلقة الأهم في سلسلة أئمة الشيعة لأن من صلبه تحدر تسعة منهم.
    بينما يكون عمر الحسن إما سنة وبضعة أشهر على أكثر تقدير أو بضعة أشهر فقط، كما أورد ابن حجر في الإصابة أيضاً.
    والأهم من ذلك هو أن المتدبر والمتمعن للآية (33) من سورة الأحزاب يجد أن لا علاقة لها بعلي والحسن والحسين وأمهم، إذا تابع ما تتحدث عنه السورة من أولها إلى آخرها. ولو فعلنا ذلك فسنجد التالي:
    الآيات الثلاث الأولى تحذر الرسول صلوات الله وسلامه عليه من طاعة غير المسلمين، وأن يلتزم فقط بما يوحى إليه من القرآن ويتوكل على الله، يقول تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم. يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا. وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا. وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا.(الأحزاب:1-3(
    وتخاطب الآيتان الرابعة والخامسة الرسول والمسلمين بآداب وتشريعات جديدة تتلخص بأنه لا يمكن للإنسان أن يفكر بشيئين مختلفين في وقت واحد، ولن تتحول زوجة المرء إلى أم له بمجرد أنه ظاهرها (أي قال لها أنت كظهر أمي)، كما أنه لا تبني في الإسلام، ولكن يمكن أن يربى طفل عند غير والديه لظروف معينه بما يشبه التبني دون أن يلحقوه بنسبهم، بل يجب أن يحتفظ باسم والده الحقيقي. وإذا كان الطفل غير معروف الأب، كأن يولد من علاقة محرمة، فليس له ذنب في ذلك، ولا يعير به، بل هو أخ لنا ويعامل بموجب ذلك. وهذا نص الآيتين: ومَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ. ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا.(الأحزاب:4-5)
    وفي الآية السادسة خطاب للمسلمين يشرع لهم قانوناً للكيفية التي يجب عليهم أن ينظروا بها للرسول ولزوجاته، فالرسول أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وزوجاته بمنزلة أمهات لهم (نساءً ورجالا)، وقانون ثالث يؤكد على أن المؤمنين يجب أن يتوادوا ويتولى بعضهم شئون بعض. وهذا نص الآية: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا.(الأحزاب:6)
    وتعود الآيتان التاليتان لمخاطبة الرسول بأن يتذكر أن الله قد أخذ من الرسل، ومنهم محمد، ميثاقاً بتبليغ الدعوة للناس، لكي تقوم الحجة على الناس ويحاسبهم الله بناء على طاعتهم أو عصيانهم لدعوة الرسل، وهذا متمم لما ورد في الآيات (1-3)، يقول تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا. لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا.(الأحزاب:7-8)
    ثم تتحدث الآيات من (9) إلى الآية رقم (27) عن موقعة الأحزاب، وكأن السورة قد انتقلت لحديث يختلف عما بدأته وهو مخاطبة الرسول ونسائه والمؤمنين ببعض القوانين والضوابط، ولكن الآيات التالية تعود لتخاطب زوجات الرسول (أمهات المؤمنين) وتذكرهن بما عليهن من واجبات تختلف عن بقية نساء المسلمين لأنهن زوجات رسول الله.
    تقول الآيتان (28-29) أن من ترد من زوجات الرسول متع الحياة وملذاتها ولا تستطيع تحمل الحياة الصعبة مع الرسول فإن على الرسول أن يطلقهن ليفسح لهن المجال للحصول على المتع الدنيوية التي يرغبن بها، ومن فضلت الصبر مع الرسول والبقاء معه برغم شغف العيش فسيعوضها الله خيرا يوم القيامة وهذا وعد من الله تعالى. تقول الآيتان: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا. وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا.
    وكل إمرأة فضلت البقاء زوجة للرسول فيجب عليها أن تتقيد بقواعد وسلوكيات عادة لا تطلب من النساء غيرهن، ليس لأنهن خلقن أفضل من غيرهم ولكن بما صرنه من زوجات للرسول. ومن ذلك قوله تعالى: يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا.(الأحزاب:30)
    لأنه ليس لائقا للرجل العادي أن يشاع بأن زوجاته يلاحقهن رجال في قلوبهم مرض، فما بالك بنساء النبي. ولذلك أمرن ألا يتبسطن في الحديث مع الرجال الذين يتحينون الفرص للإيقاع بالنساء حتى لو كن أمهات المؤمنين. لأنهن لو فعلن ذلك فسيشاع عنهن أنهن لا يمانعن ما عرض عليهن، حتى ولو لم يكن كذلك، وفي هذا إيذاء لسمعة رسول الله الذي كلف بالدعوة لدينه، ومدخل لأعداءه للنيل من شخصه، مما قد يؤثر على سير دعوته.
    من أجل ذلك فإن إقتراف زوجة الرسول للفاحشة يعقاب الله عليه بضعف عقوبة المرأة العادية، ومن يقنت ويعرض عن متع الدنيا فسيضاعف لها الأجر يوم القيامة: يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا. وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا.(الأحزاب:30-31)
    ولكي يقطعن دابر كل وسيلة على المتحرشين بالنساء في المدينة فقد أمرن بالبقاء في بيوتهن ما أمكن، وإن خرجن فليلزمن أقصى درجات الحشمة لصد من يتعرض لهن بسؤ: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.(الأحزاب:33)
    والسبب في الطلب من زوجات الرسول الإلتزام بأقصى صور الحشمة، لأنهن زوجات للرسول وبالتالي فالتعرض لهن يجلب الرجس لبيت الرسول وسمعته، فوجب عليهن المحافظة على سمعة بيت الرسول لكي يذهب عن ذلك البيت الرجس ، والمتمثل بلوك الألسن لسيرة زوجاته صلوات الله وسلامه عليه.
    ولكي لا يتململن من كثرة البقاء في المنزل أمرن أن يكثرن من تلاوة القرآن: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا.(الأحزاب:34)
    ولن نسترسل في تتبع بقية آيات سورة الأحزاب التي تستمر بتشريع آداب وقوانين سلوكية حتى نهاية السورة، لأن الآية رقم (33) التي يستدل بها الشيعة على أنها تعني علي ابن أبي طالب وولديه وأمهم فاطمة، جاءت ضمن الآيات التي تطلب من نساء الرسول اللاتي فضلن البقاء معه، التقيد بضوابط وسلوكيات معينة. ولم تأت الآية (33) لوحدها أو ضمن آيات تتحدث عن صهر رسول الله أو بناته. أو أن لعلي وابنيه قدسية خاصة، أو أن لهم شأن في دين الله، أو أن الدين لا يتم إلا بتقديسهم.
    ويكون معنى (أهل البيت) في هذا السياق للآيات بالذات، هم من يمثل سمعة رسول الله وبيته وهم زوجاته، وإلا فإن المعنى العام لأهل بيت الرجل يتمثل بزوجاته ومن يعول، وأولاده الذكور والإناث اللاتي يعشن معه. بينما ستكون بنات الرجل من ضمن أهل بيت أزواجهن بعد الزواج وليس من ضمن أهل بيت والدهن.
    ويؤيد ذلك قوله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى.(طه:132)
    فهذه الآية كانت من أول الآيات التي نزلت على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه في مكة، وعندما كان علي ابن أبي طالب يعيش في كنف والده، وكان للرسول أهل، وهم نفس الأهل الذين تتحدث عنهم سورة الأحزاب.
    والسبب الذي من أجله طلب من نساء الرسول عدم التبرج والمحافظة القصوى على سمعتهن تبينه آيات أخرى في نفس سورة الأحزاب، وهي قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا. وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا.(الأحزاب:57-58)
    فقد كان هناك رجال في المدينة يطاردون النساء طلباً للفاحشة، وكان ممن يلاحقون زوجات الرسول ونساء المسلمين، وكان هذا يؤذي (سمعة) الرسول، ولذلك جاءت الآيات التالية بضرورة تقيد نساء الرسول ونساء كافة المسلمين في المدينة بالإلتزام بالحشمة في الملبس بدرجة قصوى تفادياً لعبث وملاحقة أولئك العابثين: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا.(الأحزاب:59)
    وبالتالي فليس في هذه الآية دليل على ضرورة حجاب الوجه الذي يقول به بعض فقهاء المسلمين، لأنهم فهموا الآية وكأنها نزلت لوحدها ومنفصلة عما حولها وما قبلها وما بعدها من آيات، مثلما فهم فقهاء الشيعة أن الآية (33) نزلت لوحدها دون أن يكون لها علاقة بالآيات الآخرى في السورة، ولتقول للناس إن أهل البيت هم علي والحسن والحسين وفاطمة.
    وتأتي الآيات الثلاث التالية لتشرع عقوبة لمن يستمر بالعبث من أولئك العابثين، يقول تعالى: لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا. مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا. سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا.(الأحزاب:60-62)
    ويبدوا أنهم قد أقلعوا عن تصرفاتهم الماجنة، خوفاً من أن يطبق بحقهم العقوبة المنصوص عليها في الآيات، لأن التاريخ لم يسجل لنا أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قد نفى أحداً من المدينة أو قتله بسبب تماديه في ملاحقة النساء طلباً للفاحشة.
    ومن الإستشهادات الأخرى التي يستدل بها الشيعة على أن للرسول " آل" الآية: فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين.
    وهي الآية (61) من سورة آل عمران، ويستدل بها بعض الناس على أنها تعني من يسمون (آل البيت) بموجب أخبار وآثار وأحاديث تقول أن الرسول جاء ليباهل نصارى نجران ومعه الحسن والحسين وفاطمة وعلي ابن أبي طالب، وبالتالي فهؤلاء هم أهل بيت الرسول. وهذه مغالطة لنص الآية الواضح، والذي يقول " ندع أبناءنا ، ونساءنا".
    فإن كان الرسول قد أحضر علي وعائلته، دون نساءه وأولاده هو، فيكون لم يستجب لأمر الله الظاهر في الآية، والذي ينص على دعوة نساء وأبناء المسلمين، وهو صلى الله عليه وسلم واحد منهم. وستكون فاطمة من ضمنهم لإنها ابنته وليس لأنها زوجة لعلي أو أم للحسن أو الحسين. وسيكون الحسن والحسين من ضمنهم كأبناء لعلي ابن أبي طالب وليس كآل أو أهل للرسول.
    والآية دعت وفد نجران للمباهلة، والوفد مكون من أساقفة ورجال دين ليسوا من عائلة واحدة، وإن كانوا كلهم نصارى، ويكون معنى الآية أنها تطلب من النصارى أن يدعوا نساءهم وأبناءهم وأن تطلب من المسلمين أن يدعوا نساءهم وأبناءهم، لأن الدين دين الله، وليس دين خاص بعائلة محمد ابن عبدالله، بل هو للمسلمين عامة ومنهم محمد رسول الله. وللعلم فقط فنصارى نجران لم يحضروا نساءهم وأبناءهم معهم للمدينة، وليس مهماً أنهم لم يفعلوا فالمباهلة يمكن أن تتم بين النصارى وبين الله، وبين المسلمين وبين الله، لأنه حتى ولو تباهل الفريقان أمام بعض فلن يكون بالإمكان إثبات صدق أحدهما وكذب الآخر، إلا يوم القيامة.
    ويبقى أن نقول أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه لم يكن له (آل) وإن كان له أهل، لأن هناك فرق بين معنى آل الرجل وأهل الرجل. فأهل الرجل هم عائلته، أي زوجته (زوجاته) وأبناؤه الذكور والإناث، ويضاف لهم من يعيشون معه في بيته ويعولهم من أقرباء مثل الأبوين أو الأخوات أو الإخوان، أو غير الأقرباء مثل الربيبة والمتبنى ونحوهم.
    أما آل الرجل فهم الذين يحملون اسمه في النسب، سواءً كان الرجل يعولهم أو لا، عاشوا معه في المنزل أم لا. وهذا يعني أنهم أبناء الرجل الذكور دون الزوجة والبنات أو أي أقرباء وأناس آخرين يعيشون في بيت الرجل أو يعولهم.
    ويكون معنى آل مرادف لمعنى بني، ويكون آل فلان، هم بنو فلان، وآل محمد ابن عبدالله عليه الصلاة والسلام هم بنوه الذكور: القاسم، والطاهر، والطيب، وابراهيم.
    ويكون للرسول عليه الصلاة والسلام أهل: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا. (الأحزاب:33)
    ولكن لم يتبق له آل أو بنون، وقد انقطع نسبه عليه الصلاة والسلام، لأن جميع أبنائه الذكور ماتوا وهم صغار. وقد يكون لموت كل أبناء الرسول الذكور وهم صغار حكمة، حتى لا يقدسهم الناس لأنهم من نسله صلى الله عليه وسلم.
    وحتى لو بقي للرسول أبناء ذكور وتناسلوا ووجد من يحمل إسمه وينتسب إليه صلى الله عليه وسلم، فليس من الدين أن ينظر إليه بشيئ من التميز، أو التقدير الذي يصل إلى درجة من التقديس مهما بلغت من الصغر، بل يجب أن ينظر إليهم نظرة عادية كغيرهم من الناس، وقد يكون منهم الصالح والطالح كغيرهم.
    إذ ليس بالضرورة أن تكون الذرية التي توالدت من صلب الرسول صالحة: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ.(الحديد:26)
    والإنتساب للرسول وحده لا ينجي من النار، لأن: كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ.(الطور:21)
    وحتى ابن الرسول ليس بالضرورة أن يكون مؤمناً برسالة والده: قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ.(هود:46)
    وقد يقترف أبناء النبي أعمالاً لا تصدر من مؤمن: إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ. اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ.(يوسف:8-9)
    ويكون القرآن بريئ من تقديس أي بشر بدءً من شخص الرسول صلوات الله وسلامه عليه الذي لم ينظر له القرآن إلآ أنه بشراً حمّله الله تعالى مسئولية تبليغ الرسالة، يقول تعالى: وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً. أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً. وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَراً رَّسُولاً.(بني إسرائيل:90-94)
    ولم يرد في القرآن الصلاة على أهل النبي ولا على آل النبي، ولكن الصلاة كانت على النبي وحده: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.(الأحزاب:56)
    ولذلك ليس من الدين أن يقال صلى الله عليه (وآله) وسلم، التي يحرص عليها الشيعة ويرددها بعض أهل المذاهب الأخرى دون إنتباه لما تعني.
    وقد أدخل هذا التقديس والغلو في الصلاة، التي لو تمعنا في الأقوال التي يرددها المصلي في الصلاة منذ دخولها وحتى ختامها، سنجدها أقوال وأفعال مقصورة على تمجيد ذات الله وحده.
    فالدخول في الصلاة يتم عبر التلفظ بعبارة " الله أكبر " والتي تذكر الإنسان بأن الله أكبر من القدرة والعظمة وليس الحجم، من أي شيئ يمكن للإنسان تصوره. يلي ذلك تلاوة سورة الفاتحة، والتي تنقسم لثلاث مقاطع، هي:
    المقطع الأول هو قوله تعالى: الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. ملك يوم الدين. حيث يمجد ذات الله رب العالمين، أي الذي أوجد كل شيئ، والذي من صفاته الرحمن الرحيم، والذي هو ملك يوم الدين يوم لا ملك غيره سبحانه.
    وهنا يجدر أن نشير إلى أن بعض المسلمين يقرأ " مالك يوم الدين " وليس " ملك يوم الدين " والله سبحانه مالك كل شيئ في كل وقت، ولكن بعض الخلق في الدنيا تخدعه نفسه وغروره فيظن نفسه ملكاً، كما ظن فرعون: وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ.(الزخرف:51)
    أما يوم القيامة فتنكشف الحقيقة، ولا يبقى إلا الملك القدوس، هو سبحانه ملك ذلك اليوم: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ.(الأنعام:73)
    وإليه وحده الحكم والإحتكام في ذلك اليوم العظيم: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.(الحج:56)
    والمقطع الثاني من سورة الفاتحة هو " إياك نعبد وإياك نستعين " فالمصلي يقر لله بالعبودية ويطلب منه العون.
    والمقطع الثالث هو " إهدنا السراط المستقيم. سراط الذين أنعمت عليهم. غير المغضوب عليهم ولا الضالين" حيث يطلب المصلي من الله سبحانه أن يهديه لطريق الحق القويم، طريق الذين أنعم الله عليهم بالهداية، وأن يبعده عن الطرق المعوجة والضالة، التي من سلكها فقد حق عليه غضب الله وضل سواء السبيل.
    وفي الركوع ينحني المصلي لإبداء الخضوع لله ويسبح عظمته سبحانه، ويتفكر بتلك العظمة التي لا تضاهى. وعند الوقوف من الركوع يحمد المصلي ربه لأن كل من حمد الله فإن حمده يصل إليه سبحانه.
    وفي السجود يضع المصلي أنفه ورمز أنفته على الأرض مسبحاً علو ربه، من التعالي والعظمة، وليس من العلو والإرتفاع.
    ويتبع كل ركعتين في الصلاة جلوس، وذلك لإنهاء أقوال وأفعال تلك الركعتين، ومن ثم الشروع بركعة أو ركعتين أخريين، أو يكون الجلوس لإنهاء الركعتين والصلاة كلها إن كانت الفجر.
    وذلك الجلوس الذي تنهى فيه أعمال الركعتين والصلاة يسمى جلوس التشهد أو جلوس التحيات، وهذا التعريف يدل على مضمون ما يقال فيه. فالمصلي يتلفظ بأقوال مناسبة لإنهاء الصلاة، تتمثل بالتالي:
    يبدأ المصلي بتحية الله جل وعلى، قائلاً: " التحيات والصلوات الطيبات لله "، ثم تحية الرسول عليه الصلاة والسلام، قائلاً: " السلام على النبي ورحمة الله وبركاته " ثم تحية المصلي وبقية المسلمين: " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ". بعد ذلك يأتي ختام المسك للصلاة، بأن يقر المصلي بالشهادة بأنه لا إله إلا الله سبحانه: أشهد ألا إله إلا الله، يلي ذلك الإقرار والشهادة بأن محمداً ( بالإسم، ولا يقال رسول الله ) ما هو إلا عبد لله مكلف بالرسالة: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، حتى يتذكر الناس على الدوام أن لا ينسب للرسول دور أكبر من كونه عبد لله أولاً كلف بالرسالة وليس شريكاً له سبحانه في وحدانية أو ربوبية أو ألوهية، أو قريب من ذلك. بعد ذلك لن يتبقى للمصلي سوى الإلتفات يميناً وإلقاء السلام، إيذاناً بالخروج من الصلاة: السلام عليكم ورحمة الله، دون أن يكون هناك مجال لقول أكثر مما قيل.
    وتكون الصلاة من أولها وحتى ختامها أقوال تتناسب مع الأوضاع التي تقال فيها، فلا يمكن أن يقال سبحان ربي الأعلى في الركوع، مثلاً، لأن سبحان ربي الأعلى تتناسب مع وضع السجود الذي يضع المصلي فيه أنفه، رمز أنفته، على الأرض ويقر بسمو الله وحقارته هو. وهكذا بقية الأقوال في الصلاة. ولكن بعض المسلمين لا يتمعنون بمعاني الأقوال في الصلاة ومتى تقال، ويضيفون أدعية في السجود والركوع والقيام وجلوس التشهد، وكلها إضافت زائدة على أقوال الصلاة المطلوبة، فليست الصلاة مجالاً لدعاء الله ولكنها طقوس لتمجيد ذات الله، أما الدعاء فمفتوح على الدوام خارج وقت الصلاة.
    ومن هذه الإضافات ما يحمل تمجيداً وتقديساً لأشخاص، وهذا مناقض لحكمة الصلاة التي شرعت لتمجيد ذات الله وحده سبحانه. وهذه الأقوال أضافها الناس بعد أقوال التشهد وختام الصلاة، فجاءت لمن يتمعن فيها، وكأن المصلي بعد أن ختم الصلاة بالأقوال المطلوبة عاد وتلفظ بتلك العبارات كزيادة.
    والعبارات المضافة هي: اللهم صل على محمد و (آل) محمد كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم، وبارك على محمد و(آل) محمد كما باركت على ابراهيم وآل ابراهيم إنك حميد مجيد.
    وإذا تمعنا في تلك الأقوال الإضافية فسنجد أنها ترسيخ لفكرة أن لمحمد صلوات الله وسلامه عليه (آل)، وطبعاً المقصود بهم أئمة الشيعة الإثناعشر، وترسيخ فكرة أن أولئك الأئمة الإثناعشر لهم منزلة عند الله تماثل منزلة أبناء (آل) ابراهيم، الأنبياء منهم، اسحاق وابنه يعقوب وابنه يوسف، والذي من سلالته موسى وهارون عليهم الصلاة والسلام.
    وابراهيم عليه صلوات الله وسلامه كان له أهل: قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ.(هود:73)
    وكان له آل: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَار.(ص:45)
    بارك الله البعض منهم: وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ.(الصافات:113)
    ليس فقط لأن ابراهيم نبي الله وهم أولاده، ولكن لأنهم أنفسهم كانوا أنبياء: ..... وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ....(النساء:163)
    ولم تشمل صلاة الله وبركاته كل آل ابراهيم، مع أنهم مسلمون، لأنهم لم يكونوا رسلاً ولا أنبياء: أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَـهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.(البقرة:133)
    وقد جاء ذكر آل ابراهيم في القرآن الكريم مرتين، واحدة في الآية (33) من سورة آل عمران، ونصها: إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ.
    والثانية في سورة النساء: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً.(النساء:54)
    أما محمد فلم يرد في القرآن ذكر لـ (آل) محمد، أو (آل) النبي، أو (آل) الرسول أو (آل) البيت على الإطلاق، وكل ما ورد في القرآن هو أهل البيت، مرة واحدة في الآية (33) من سورة الأحزاب التي سبق التحدث عنها بالتفصيل وهي لا تمت بصلة لما يعرف عند الشيعة بـ (آل البيت) ولا إلى من يتسمون بالأشراف.
    ولم يسأل أحد نفسه هل كان الرسول يقول هذه العبارات المضافة في صلاته والتي تحمل التبركات والصلوات على محمد ابن الحسن العسكري الذي سيولد بعد رسول الله بقرنين ونصف ويقول الناس بأنه اختفى وعمره خمس سنوات، وتحمل التبركات لوالد ذلك الطفل ويلقب بالعسكري، ووالد العسكري ويلقب بالهادي، ووالد الهادي ويلقب بالجواد، ووالد الجواد ويلقب الرضا، ووالد الرضا، ويلقب بالكاظم، ووالد الكاظم ويلقب بالصادق، ووالد الصادق ويلقب بالباقر، ووالد الباقر ويلقب بزين العابدين، ووالد زين العابدين وهو الحسين، ثم أحد إخوة الحسين وهو الحسن، ثم والدهما، وهو علي ابن أبي طالب.
    وكيف أقنع الرسول المسلمين في عصره بأن يصلوا ويباركوا في صلاتهم على هؤلاء الناس الذين لا يعلم أحد بأنهم سيولدون وسيوجدون على وجه الأرض وسيسميهم الشيعة أئمة ويقدسونهم؟
    وهل كان علي ابن أبي طالب يصلي على نفسه وعلى ولديه الحسن والحسين؟ فإن قال متحاذق نعم، مثلما كان الرسول يصلي على نفسه، فهو لم يفطن إلى أن الرسول وإن صلى على نفسه فهو يوافق القرآن الذي أفرد الصلاة عليه وحده: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً.(الأحزاب:56)
    وإن إعتقد ذلك المتحاذق أن علي ابن أبي طالب كان يصلي في صلاته على الباقر والعسكري والطفل المفقود، فيكون علياً يعلم الغيب وهذا مستحيل لأن القرآن يقول بأنه لايعلم الغيب إلا الله وحده: قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(النمل:65)
    وإن لم يكن علي يعلم الغيب، فيكون لم يعلم بأمر الأئمة، مثلما أن رسول الله لم يعلم، بهم ولم يعلم بهم الحسن والحسين ولا الناس في عصر الرسول وعصور طويلة بعده، لأن هذه البدعة لم تظهر إلا بعد إكتمل عقد أئمة الشيعة الإثنا عشر وتبلورت هذه العقيدة في القرن الرابع وما بعده.
    ويكون تقديس الأئمة شرك مع الله، ويكون تأكيد هذا التقديس في صلاة الله بدعة لا يقبلها الله، وتكون الصلاة على آل محمد حتى ولو كانت خارج الصلاة المفروضة، فهي مرفوضة.
    ولكن من يعمل عقله لينقذ نفسه: يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ.(البقرة:269)
    وبطبيعة الحال فليس هناك وجه مقارنة وتأسٍ بين آل ابراهيم وبين (آل) محمد عليهما الصلاة والتسليم، لأن محمداً لم يكن له أبناء ذكور أصبحوا أنبياء مثل ابراهيم، ولكن جاء إضفاء لقب (آل) محمد على أناس ليسوا له بآل ولا أهل، لإسباغ الصلاة والتبريك عليهم المماثل لما أسبغه الله على آل ابراهيم الأنبياء، وذلك لترسيخ فكرة الإمامة التي تم تلبيسها لعلي ابن ابي طالب بعد موته وما تبعها من قدسية لا يقرها الدين. كما ألبسوا فاطمة بنت محمد قدسية أيضاً، وأطلقوا عليها الزهراء، وهو لقب لم تسمع هي أو غيرها به أثناء حياتها، ولكنه أصبح شائعاً بين المسلمين عامة بعد ذلك. كما أصبحت سيدة نساء الجنة وابنيها الحسن والحسين سيدا شباب الجنة، مع أنه لن يكون في الجنة شباب وعجائز ولا سادة وعبيد، كما أسبغوا هذا التقديس على من عرف بالأئمة الإثناعشر.
    والإمامة يقصد بها وراثة علم النبوة التي تؤهل من يتلقب بها أن يكون معصوماً ومقدساً وله مكانة دينية مميزة تفوق مكانة الأنبياء أحياناً، وأن دين الله لا يقوم بدونهم. وقد أورث علي الإمامة إلى إبنه الأكبر الحسن الذي ورثها لأخيه الحسين الذي لم يورثها لإخوته كما فعل أخوه من قبل، بل ورثها لإبنه علي المسمى زين العابدين الذي كانت أمه ابنة يزدجرد آخر ملوك الفرس الذي قضى المسلمون على ملكه وسبوا حريمه ومنهم ابنته أم علي زين العابدين التي جيء بها للمدينة فحصل عليها الحسين وتسرى بها (البداية والنهاية ج9 ص 3).
    وقد ورث الإمامة بعد زين العابدين ومنه تم توارث الإمامة إلى أن وصلت إلى الإمام الثاني عشر وإسمه محمد ابن الحسن العسكري، والذي ولد عام 255 للهجرة ولما كان عمره خمس سنوات دخل كهفاً ولم يخرج منه إلى اليوم، والشيعة يؤمنون أنه سيعود في يوم من الأيام على شكل المهدي المنتظر الذي سيصحح الإسلام ويحكم بالشريعة، حسب زعمهم، مع أنه مات (إختفى) طفلاً وقبل أن يصل لسن تؤهله للتعرف على أحكام الإسلام، فكيف سيصحح ديناً لا يعرفه ولم يكلف بأداء فروضه وتشريعاته أثناء حياته، لأنه لم يبلغ سن التكليف؟
    إلا إذا كان هناك وحي سينزل عليه من السماء، عندها سيكون هو خاتم الأنبياء وليس محمد.
    ثم إن من مات فلن يعود للحياة إلا يوم القيامة، ولن يكون محمد ابن الحسن (العسكري) إستثناءً على قانون الله الطبيعي الذي وضعه في هذا الكون، فقط لأن الشيعة يتمنون ذلك. ومن صدق بما لا يليق فلا عقل له.
    والله سبحانه وتعالى يقول في هذا المعنى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ.(الحج:46)
    وهكذا فليس في الدين نظرة تقديس أو تميز لا لأئمة الشيعة ولا لمن ينتسب للهاشميين أو أي من نسل أقرباء الرسول وأبناء عمه، ووصفهم بالأشراف أو أهل بيت الرسول فيه مبالغة وغلو وتقديس يتنافى مع الإسلام.

    المثال الثالث: عذاب القبر

    .................................................. ......................................

    هذا كلام واضح وبسيط ومباشر في واحد من اكثر المواضيع الخلافية بين المسلمين جدلا واستمررية وضررا وضرارا
    ونحن نعتقد
    ان الكاتب ما قصد هنا تجريحا او تلميحا بمذهب اسلامي له ما له وعليه ما عليه كغيره من المذاهب وقد اطال فيها البحث والقول ايضا على امتداد متون هذا الكتاب ونصوصه كاتبنا الطيب القلب الشديد في تنزيه الله ووحدانيته والعاقل في كل ما كتب
    وانما لعله قصد كما نقصد نحن هنا من التقديم بموجب تكليف الصاحب نفسه:
    هذا ما ترونه يا اهل كتاب الله في كتاب الله وفي انفسكم وهذا ما نراه نحن في كتاب الله وانفسكم وانفسنا
    تعالوا نطمئن الى انفسنا وما بين ايدينا وما بيننا
    وتعالوا نتجه امة لا تجتمع على ضلال الى يوم اللقاء والحساب نطلب لنا جميعا المغفرة والرحمة من الغني بالرحمة

  3. #93

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    المثال الثالث: عذاب القبر
    يعتقد الفقهاء المسلمون، سنة وشيعة، بأن هناك عذاب وعقاب وجنة ونعيم في الفترة التي تلي الموت وتسبق يوم القيامة، وقد اعتمدوا على حديث نسب للرسول في عدة روايات، ومن ذلك ما أورده الترمذي برقم (1065)، وهذا نصه: حدثنا أبُو سَلَمَةَ يَحْيى بنُ خَلَفٍ البَصْرِيُّ حدثنا بِشْرُ بنُ الْمُفَضَّلِ ، عَنْ عَبْدِ الرحمٰنِ بنِ إسْحَاقَ ، عَنْ سَعِيدِ بنِ أبي سَعِيدٍ الْمَقْبُريِّ ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ، قالَ: قالَ رسُولُ الله : إذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ (أوْ قالَ أَحَدُكُمْ) أتَاهُ مَلَكانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ. يُقَالُ لإحَدِهِما الْمُنْكَرُ وَالآخَرُ النَّكيرُ. فَيَقُولاَنِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ في هذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ مَا كانَ يَقُولُ: هُوَ عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ. أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلٰهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَيَقُولاَنِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هذَا. ثمَّ يُفْسَحُ لَهُ في قَبْرِهِ سبْعُونَ ذرَاعاً في سَبْعِينَ. ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ. ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: نَمْ. فَيَقُولُ أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فأُخْبِرُهُمْ؟ فَيَقُولاَنِ: نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوس الَّذِي لاَ يُوقِظُهُ إلا أَحَبُّ أَهْلِهِ إلَيْهِ، حَتَّى يَبْعَثَهُ الله مِنْ مَضْجَعِهِ ذلِكَ.
    وَإِنْ كانَ مُنَافِقاً قالَ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ فَقُلْتُ مِثْلَهُ. لاَ أدْرِي. فيَقُولاَنِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أنَّكَ تَقُولُ ذلِكَ. فيُقَالُ لِلأرْضِ: الْتَئِمِي عَلَيْهِ. فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ. فَتَخْتَلِفُ فيها أضْلاَعُهُ. فَلاَ يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّباً حتَّى يَبْعَثَهُ الله مِنْ مَضْجَعِهِ ذلِكَ. قال أبو عيسى ( أي الترمذي): حدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ حدِيثٌ حسنٌ غريبٌ.
    وتنص هذه الأحاديث على أن جسد الميت هو الذي يطاله العذاب في القبر، وأنه يبقى في العذاب حتى قيام الساعة، وبذلك قال معظم الفقهاء. وقد أكد ابن تيمية ذلك عندما سئل عن عذاب القبر هل هو على النفس، والبدن أو على النفس دون البدن، فقال: بل العذاب والنعيم على النفس، والبدن جميعاً باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعتين، كما يكون للروح منفردة عن البدن.( مجموعة فتاوى ابن تيمية: ج4)
    ويستدلون على أن الروح تعود للجسد بعد الموت فيما حدث بعد معركة بدر، عندما خاطب الرسول جثث قتلى قريش الذين ردموا في قليب ببدر، وقد ذكرت الحادثة كتب إخبارية مثل تاريخ الطبري والبداية والنهاية، وعدد من كتب الحديث، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قام عليهم فقال: يا أبا جهل بن هشام! يا أمية بن خلف! يا عتبة بن ربيعة! يا شيبة بن ربيعة! أليس قد وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً.
    كما يستدلون بآيتين من القرآن على أنهما تفيدان ثبوت عذاب القبر وهما الآية (46) من سورة غافر، وهذا نصها: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ.
    وجزء من الآية (100) من سورة المؤمنون، ونصها: .... كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
    فهل فعلاً هذه أدلة كافية للإيمان بعذاب القبر ونعيمه، أم هذه الأدلة عليها من المآخذ ما يكفي لأن تضعفها بحيث لا تقوى على الدلالة، إضافة لوجود أدلة قطعية ثابتة تنفي أن يكون هناك نعيم أو عذاب أو أي نوع من الحياة في القبر، وأن من مات فإن قيامته ستقوم وكأنها في اللحظة التي مات فيها؟
    ولو بدأنا نقاشنا بحديث أبي هريرة، فيمكن الحكم عليه على أنه لم يتأكد ثبوته عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه كونه خبر لفظي، كما أن ما تلفظ به ابن تيمية لا يعدوا عن كونه رأي شخصي لا يستند على كتاب ولا على وحي من السماء.
    أما حادثة وقوف رسول الله على البئر التي دفن فيها صناديد قريش وتوجيهه حديثاَ إليهم فهناك نقطة هامة عن الحديث، هي أن من رواه هم: أنس وابن عمر وعائشة، وأنس وابن عمر لم يحضرا بدراً وليسا من البدريين لصغر سنهما.
    وتكون أم المؤمنين عائشة هي المصدر الرئيسي للحديث، ولما شاع بين الناس بعد زمن الرسول حدث به أنس وابن عمر الذي رفعه مباشرة للرسول، وكأنه هو من سمعه عن الرسول، ولذلك جاء تصحيح أم المؤمنين لصيغة الحديث التي بدأ الناس يتناقلونها عليه/ ومن ذلك ما ورد في البخاري برقم (3893)، وهذا نصه: حدَّثنا عثمانُ حدَّثنا عَبدةُ عن هشام عن أبيهِ عن ابن عمرَ رضيَ اللَّهُ عنهما قال: وَقف النبيُّ صلى الله عليه وسلم على قَليبِ بدر فقال: هل وَجدْتم ما وَعدَ ربُّكم حقاً ؟ ثم قال: إنهم الآن يسمعون ما أقول . فذُكرَ لعائشةَ فقالت: إنما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنهم الآن لَيعلمون أن الذي كنتُ أقول لهم هو الحق . ثم قرأتْ {إنكَ لاتُسمعُ الموتىٰ} (النمل: 80) حتى قرأتِ الآية.
    ويبدوا أن القول بقيام الميت في القبر ورجوع الروح إليه مردها في الأصل قتادة، وليس رسول الله ولا كتابه الكريم، وهذا ما أظهرته إحدى روايات حديث أهل القليب الذي أورده أحمد في مسنده برقم (12216)، ونصه: حدّثنا عبد الله حدَّثني أبي، حدثنا يونس ، حدثنا شيبان ، عن قتادة ، عن أنس قال: وحدث أنس بن مالك أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر ببضعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش فألقوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث، قال: وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، قال: فلما ظهر على بدر أقام ثلاث ليال، حتى إذا كان الثالث أمر براحلته فشدت برحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه قالوا: فما نراه ينطلق إلا ليقضي حاجته، قال: حتى قام على شفة الطوى، قال: فجعل يناديهم بأسمائهم، وأسماء آبائهم، يا فلان أسركم أنكم أطعتم الله ورسوله، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ قال عمر: يا نبي الله ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها، قال: والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم قال قتادة: أحياهم الله عز وجل له حتى سمعوا قوله، توبيخاً وتصغيراً ونقيمة.
    فيكون قتادة هو أول من ظن أنهم أحياء، وقال بذلك وتناقله الناس بعد ذلك معتقدين بنسبته للرسول صلوات الله وسلامه عليه.
    وهناك حديث عن عذاب القبر مصدره عجوز يهودية وقد ورد في عدد من الروايات، وهذا أصل الخبر: حدّثنا عبدُ اللهِ بنُ مَسلمةَ عن مالكٍ عن يحيى بنِ سعيدٍ عن عمرَةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ عن عائشةَ زوجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: أَن يهودِيةً جاءت تسألُها فقالت لها: أَعاذَكِ اللهُ من عذابِ القبرِ. فسأَلَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ أَيُعذَّبُ الناسُ في قُبورِهم؟ فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عائذاً باللهِ من ذلك.( البخاري: 1035)
    ومن الواضح جداَ أن الرسول نفى وبشدة أن يكون هناك عذاب قبر، لأن جوابه جاء على شكل: أعوذ بالله! إستنكاراَ لمزاعم العجوز اليهودية. وانتهى الخبر عند هذا الحد.
    ولو كان الرسول يعلم أن هناك عذاب في القبر قبل أن تحدثه عائشة بما قالته لها اليهودية، لحدث به، أو على أقل تقدير لأجاب عائشة بألفاظ تدل على الموافقة وليس بالإستعاذة بالله والتي تعني الإستنكار.
    ومما يؤكد أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه لا يؤمن بعذاب القبر ما أورده ابن حجر العسقلاني في فتح الباري لنفس الخبر ولكن بروايات مختلفة، منها ما رواه أحمد بإسناد على شرط البخاري عن سعيد بن عمرو بن سعيد الأموي عن عائشة: أن يهودية كانت تخدمها، فلا تصنع عائشة إليها شيئا من المعروف إلا قالت لها اليهودية: وقاك الله عذاب القبر، قالت: فقلت يا رسول الله هل للقبر عذاب قال: كذبت يهود، لا عذاب دون يوم القيامة، ثم مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار وهو ينادي بأعلى صوته: أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق ” (فتح الباري: باب مَا جَاءَ فِي عَذَابِ الْقَبْر)
    ويبدوا أن الخبر كان يقف عند قول الرسول: كذبت يهود، لا عذاب دون يوم القيامة. وأن بقية الخبر الذي يقول بأن الرسول بعد مدة خرج على الناس ليعلن لهم أن يستعيذوا من عذاب القبر هو إضافة عرفت طريقها للخبر في عصور لاحقة ولم يقلها الرسول. ويؤيد ذلك ما نقله ابن حجر أيضاَ في نفس الباب السابق بقوله: ووقع عند مسلم من طريق ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: دخلت علي امرأة من اليهود وهي تقول: هل شعرت أنكم تفتنون في القبور، قال: فارتاع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إنما يفتن يهود، قالت عائشة: فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل شعرت أنه أوحي إلى أنكم تفتنون في القبور، قالت عائشة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ من عذاب القبر.
    فالرسول يستنكر أن يكون هناك عذاب في القبر، ولو لم يكن يعلم أن هناك عذاب في القبر عندما أبلغته عائشة بادعاء اليهودية، لما سارع ونفى ما ليس له به علم، ولقال لا أدري أو سكت بدون تعليق على عادته صلى الله عليه وسلم إذا سئل عن شيئ لم ينزل به وحي وانتظر حتى ينزل الوحي بالجواب فيقرأه على الناس.
    وهذا الخبر ينسب للرسول قوله: هل شعرت أنه أوحي إلى أنكم تفتنون في القبور. وهذا افتراء على الرسول وتقول عليه بما لم يقل، لأنه لو كان الرسول قد أوحي إليه فسيتلوه على شكل قرآن، والوحي حق ثابت لا يحتمل اللبس بحيث يظن الرسول دون أن يتأكد بأنه قد يكون أوحي إليه أن هناك فتنة في القبر، وسأل عائشة إن كانت شعرت أن أوحي إليه أنكم تفتنون في القبور، لأنه لا يستطيع الجزم إن كان قد تلقى وحياَ بذلك أم لا. اعوذ بالله أن يكون هذا حدث للرسول، لأن الوحي ينفث في ذاكرته صلى الله عليه وسلم بطريقة لايمكن نسيانه أو مسحه . وإذا كان الخبر يزعم أن الرسول قال بأنه قد نزل عليه وحي بأن هناك عذاب قبر، فلماذا لم يقرأه على عائشة، ويثبته في المصحف؟
    ولكن هذه صنائع بشرية، لم تكتفي بذلك فتم تحوير الحديث السابق مع الأيام بحيث أصبح يروى بهذه الصورة: حدَّثنا عَبْدانُ أخبرَني أبي عن شعبة سمعتُ الأشْعثَ عن أبيه عن مَسْروقٍ عن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها أن يهوديةً دخلتْ عليها فذَكرَتْ عذابَ القبرِ فقالت لها؛ أعاذَكِ اللهُ مِن عذابِ القبرِ. فسأَلَتْ عائشةُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن عذابِ القبرِ فقال: نَعَمْ، عذابُ القبرِ. قالت عائشةُ رضيَ اللهُ عنها: فما رأيت رسولَ اللهِ بعدُ صلَّى صلاةً إلاّ تَعَوَّذَ مِن عَذابِ القبر. زادَ غُندَرٌ: «عذابُ القبرِ حقٌّ». (البخاري: 1375)
    فتم تحوير استنكار الرسول لكلام اليهودية إلى قوله: نعم، عذاب القبر. وهذه العبارة المبتورة لا تحمل أي تأييد أو نفي لعذاب القبر بذاتها، ولذلك أضيف للحديث أن عائشة أكدت أن الرسول لم يعد يصلي أي صلاة مالم يتعوذ من عذاب القبر. وهنا إتهام للرسول بأنه يأخذ بعض الدين مما يتداوله اليهود دون تثبت، مع أنه نهي عن أخذ أقوال اليهود ونهي أن يقول على الله ما لم ينزل عليه به سلطان من عنده سبحانه.
    ثم يزيد غندر أن عذاب القبر حق، وجملة غندر أصبحت ملازمة لعذاب القبر وكأن من قالها هو رسول الله وليس غندر الذي قال عنه أحمد بن حنبل: سمعت غُنْدراً يقول: لزمت شُعبة عشرين سنة لـم أكتب من أحد غيره شيئاً وكنتُ إذا كتبتُ عنه عرضتُهُ علـيه. قال أحمد: أحسبه من بلادته كان يفعل هذا. وغندر ذكره ابنُ حِبَّـان فـي كتاب «الثِّقات»، وقال: كان من خيار عبـاد الله علـى غَفْلة فـيه.
    ويؤيد ذلك يحيـى بن مَعِين بقوله: اشترى غُنْدَر يوماً سَمَكاً وقال لأهله: أصلـحوه، ونامَ، فأكلَ عيالُه السَّمَك ولطخوا يده فلـما انتبه قال: هاتوا السَّمَك. قالوا: قد أكلت. قال: لا. قالوا: فَشُمَّ يدكَ. ففعل. فقال: صَدَقتُـم ولكنـي ما شَبِعتُ. مات سنة 139 أو 194 .
    ويبدوا أن نسبة حديث إثبات عذاب القبر إلى أم المؤمنين عائشة لم يأت مصادفة، ولكنه مقصود لكي يحل في أذهان الناس محل ما ثبت عنها أنها نفت عذاب القبر في حادثة قليب بدر في موقف حازم وثابت. ولأن الأحاديث يجوز عليها الصدق والكذب والفهم الخاطئ والزيادة والنقص، كأي خبر ظني، فلابد من الرجوع لكلام الله الذي: لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.(فصلت:42) لنقف على ما قاله الله سبحانه وتعالى عن عذاب القبر، فإن كان هناك عذاب فيجب أن نؤمن به وإن لم يكن فيجب أن ننزه دين الله منه.
    عذاب القبر في القرآن
    ليس هناك في القرآن آية واحدة ذكر فيها عذاب في القبر، وليس هناك آية واحدة ذكر فيها الإستعاذة من عذاب القبر، ولكن الإستعاذة في القرآن جاءت من عذاب يوم القيامة: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.(آل عمران:16)
    والدعاء في القرآن دائماَ كان على لسان المؤمنين أن يجنبهم الله عذاب النار: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.(آل عمران:191)
    ولكي نتأكد من وجود عذاب في القبر لابد من التعرف على ما ذكره القرآن حول الفترة ما بين وفاة الإنسان وحتى قيام الساعة والتي تبدأ بالموت: كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ.(آل عمران:185)
    وعملية الموت تتم عبر آلية مجهولة لدينا: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ.(النحل: 28)
    وتتم بنفس الآلية للكافر والمسلم على حد سواء: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ.(النحل:32)
    فالملائكة هنا لا تعني بالضرورة المخلوقات النورانية الفوق بشرية، ولكنها تعني الآلية التي تتم بواسطتها خروج الروح وانفصالها عن الجسد، ولا نعلم أين تذهب الروح بعد ذلك، ولا الآلية التي تحفظ فيها إلى يوم القيامة.
    أما أقرب صورة تقريبية للموت فهي حالة النوم: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ.(الأنعام:60)
    لأن النوم غياب عن الوجود وعدم إحساس بالوقت، والموت غياب عن الوجود وعدم إحساس بالوقت، والإستيقاظ من النوم عود للحياة كما البعث بعد الموت: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.(الزمر:42)
    ولحظة حدوث الوفاة تتوقف الذاكرة عن التسجيل إلى أن تبعث الروح من جديد يوم القيامة: حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.(المؤمنون:99-100) والآية تتحدث عن لسان حال الكافر، وليس عما يقوله فعلاَ.
    ومع أنه سيكون هناك فترة زمنية بين الموت وبين قيام الساعة (برزخ) إلا أن الميت لن يشعر بها مهما طالت، وستكون القيامة بالنسبة له وكأنها حدثت بمجرد موته: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ.(الأعراف:187)
    لأن إحساس الميت بالزمن يتوقف، ولو مرت عليه بلايين السنين قبل يوم القيامة، فسوف يعتقد بأنها قامت في اللحظة التي توفي فيها، لأن الإنسان عندما يموت تتوقف ذاكرته عن التسجيل، وحتى اللحظة التي مات فيها لن تسجل ولذلك لن يعلم بأنه مات إلا بعد أن يبعث، مثلما يحدث عند النوم، فاللحظة التي يغلبنا النوم فيها لايمكن تذكرها لأنها لم تسجل في الذاكرة وكل ما نتذكره هو ما قبل تلك اللحظة، واللحظة التي نستيقظ فيها، عدا الأحلام، ولو لم يستيقظ الإنسان من النوم أو لم يبعث من الموت فلن يعرف أبداً أنه نام أو مات. وعندما يبعث الإنسان في الآخرة سيتذكر آخر لحظة كان فيها في الدنيا وكأنها حدثت للتو وسيكون إنتقاله للقيامة وكأنه حدث فجأة، بالنسبة له، لأنه سيشعر أنه انتقل من عالم لآخر خلال وقت يسير وبصورة مفاجئة. وحتى لو فنيت البشرية وبقيت الأرض بعدهم مليارات السنين، فإن قيام الساعة سيكون كأنه حدث في اللحظة التي توفي فيها كل واحد منهم، وكأنه لم يمت سوى برهة قصيرة جداً من الزمن: وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.(النحل:77)
    وعند البعث سيشعر الناس بأن السنين التي عاشوها على الأرض لم تزد على ساعة من نهار، تماما كما نحس بما مضى من سني العمر الآن: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ.(هود:45)
    وهكذا يتضح بأن كل من مات من البشر حتى هذه اللحظة لا يعلم بأنه ميت، ولن يعلم بأنه مات إلا يوم يبعث، وكأنه انتقل من حالته التي كان عليها في الدنيا في اللحظة التي مات فيها، إلى يوم القيامة بغتة كلمح البصر، وعندما يبعث لن يكون بإمكانه الرجوع: بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ.(الأنبياء:40)
    وهذه الصورة الناصعة الواضحة تنفي نفياَ قاطعاَ أن يكون هناك أي نوع من أنواع استرجاع الذاكرة للإنسان في الفترة بين وفاته في الدنيا وبعثه في الآخرة، وبالتالي ينتفي أن يكون قد تعرض لأي نوع من أنواع العذاب أو الثواب أو المسائلة.

    مناقشة أدلة الفقهاء من القرآن حول عذاب القبر
    فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ. النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ.(غافر:45-46)
    هاتان الآياتان يستدل بهما بعض الناس على أن هناك عذاب قبر، ويصرون على أن واو العطف تعني الترتيب الزمني، أي أنهم يعرضون على النار كل يوم بعد موتهم وقبل يوم القيامة، ويوم تقوم الساعة يدخلون النار، ولا يسمحون بأي معنى آخر، كما لا يستمعون لآيات أخرى قد تشوش عليهم ما اعتقدوه أو تشككهم به.
    وإلا فإن الآية تقول يعرضون على النار، بالتعريف، وهو ما يعني نار جهنم التي أعدت للمكذبين يوم القيامة، والتي لا نعلم أين هي الآن.
    ويعرضون على النار تعني في القرآن يعذبون فيها، ومن ذلك قوله تعالى: وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ. وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ.(الشورى:44-45)
    والقرآن يصور ما سيكون بصورة ما كان: ِقيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ.(يس:26-27)
    فالذي تتحدث عنه الآيات لم يدخل الجنة بعد ولكن الآية تتحدث بلسان حاله فيما سيكون عليه في الآخرة.
    ثم إن فرعون ذكر في عدد من الآيات بأنه سيعذب يوم القيامة وليس قبلها: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ. إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ. يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ.(هود:97-99)
    ولن يعذب فرعون أو غيره قبل أن يحاسب، ولن يحاسب أحد قبل يوم الحساب، وهذا ما نسيه أو تناساه من قال بأن فرعون يعذب في قبره: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ.(هود:103)
    وليس هناك حساب في القبر، لأن الله سبحانه أخره ليوم القيامة:وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَّعْدُود.(هود:104)
    وبعد الحساب يتقرر مصير الإنسان: يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيد.(هود:105)
    والآيات التي تؤكد أن العذاب سيكون في يوم الحساب كثيرة: وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ.(البقرة:48)
    ولن تعلم أي نفس مصيرها إن كان للجنة أو للنار إلا بعد الحساب: وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ.(البقرة:281)
    والحساب سيكون عادلاَ ودقيقاَ بحيث لا يشعر أحد بأنه ظلم: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ.(الأنبياء:47)
    فيوم الحساب هو يوم القيامة، ولهذا يقول نبي الله ابراهيم: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ. (ابراهيم:41)
    ولم يأت ذكر لعذاب القبر في القرآن على الإطلاق: لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِن وَاقٍ.(الرعد:34)
    والعذاب المذكور في القرآن هو عذاب الآخرة، ولذلك يتمنى الكافر لو كان الموت أبدياً حتى لا ينهض ويحاسب، ولو كان في القبر عذاب فلن يكون الموت موتاً لأنه يعذب: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ. وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً. فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ. وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ. وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ. يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ. فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ. إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ. فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ. قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ. كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ. وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ. وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ. يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ. مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ. هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ.(الحاقة:13-29)
    وفي صورة قرآنية أخرى يظهر بوضوح أن القبر لم يكن قطعة من نار بالنسبة للكافر: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ .قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ.(يس:51-52)
    ولو كان الكافر يعذب في قبره، وقامت القيامة فسيفرح بقيامها لأن فترة الحساب ستكون بالنسبة له فترة راحة ما بين عذاب القبر وعذاب جهنم، ولن يولول بالويل والثبور على بعثه من الموت الذي وصفه بأنه كان مرقداً تمنى لو استمر. ولكن البعث جاء كما وعد الرحمن: إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ.(يس:53) ليحاسب الناس، وعندها فقط يحكم عليهم بنار أو جنة حسب ما قدمت أيديهم: فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ.(يس:54)
    ويكون القرآن بريئ من أي ذكر لعذاب القبر، بل إن الآيات تؤكد أن العذاب لن يكون قبل الحساب، وأن الحساب لن يكون قبل يوم القيامة، وأن الحساب لن يكون إلا مرة واحدة، ونتيجة لذلك الحساب الرباني العادل فسيكون مصير الناس الجنة أو النار.
    ويكون الفقهاء والمحدثون قد قالوا بعذاب القبر، بينما أنكره القرآن، وعلى كل شخص أن يتبع ما يرى أنه الحق من القولين.
    .................................................. .....................................

    أنظر موضوع الوحي فقد فصلنا الحديث عن الموضوع
    ترجمة غندر كما أوردها أبو الحجاج المزي في تهذيب الكمال

  4. #94

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    المثال الرابع: الوحي
    لو استعرضنا كتب الحديث والتفسير لوجدنا أنها تتحدث عن أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه كان إذا نزل عليه الوحي تعتريه حالات نفسية وجسدية متفاوتة، وسنكتفي بذكر أربع منها ذكرها البخاري، وهي:
    - أنه صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي كان يمر بحالة إغماء ويصدر منه صوت كصوت الناقة (البكر أو البكرة) والذي عرفه ابن منظور في لسان العرب بأنه: الكَتِـيتُ. ويقول عنه بأنه صَوْتُ البَكْرِ، وهو فوق الكَشِيشِ. وكَتَّ البَكْرُ يَكِتُّ كَتّاً وكَتِـيتاً إِذا صاحَ صِياحاً لَـيِّناً.
    وقد أورد البخاري هذه الحالة في الحديث الذي رواه برقم (1768) وهذا نصه: حدَّثنا أبو نُعيمٍ حدَّثنا همَّامُ حدَّثَنا عطاءٌ قال: حدَّثَني صَفوانُ بنُ يَعلى بنِ أُميَّةَ يعني عن أبيه أنَّ رجُلاً أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو بالجِعْرانةِ، وعليه جُبَّةٌ وعليهِ أثرُ الخَلوقِ ـ أو قال صُفرةٌ ـ فقال: كيف تأمُرني أن أصنَعَ في عُمرتي؟ فأنزَلَ اللّهُ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فَسُتِرَ بثَوبٍ، وَوَدِدْتُ أني قد رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وقد أُنزِلَ عليه الوَحيُ. فقال عمُر: تَعالَ، أيسُرُّكَ أن تَنظُر إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وقد أنزلَ اللّهُ عليه الوحيَ؟ قلتُ: نعم، فرفعَ طَرَفَ الثوبِ، فنَظَرْتُ إليهِ له غَطيطٌ ـ وأحسِبُهُ قال: كغَطيطِ البَكر ـ فلمَّا سُرِّيَ عنهُ قال: أين السائلُ عنِ العُمرةِ؟ اخلَعْ عنكَ الجبَّةَ، واغسِلْ أثرَ الخَلوقِ عنكَ وَأَنق الصفرةَ، واصنَعْ في عُمرتِكَ كما تَصنعُ في حَجِّكَ.
    - والحالة الثانية التي أوردها البخاري من الحالات التي تعتري الرسول عند نزول الوحي أنه كان يثقل وزنه ويغيب عن الوعي، دون أن يصدر منه صوت أو كتيت. يقول البخاري في باب ما يُذكرُ في الفخِذِ: ...... وقال زيدُ بن ثابتٍ: أَنزلَ اللَّهُ على رسولهِ صلى الله عليه وسلم وفخِذُه على فخذِي، فثَقُلَتْ عليَّ حتى خَفتُ أن تَرُضَّ فخذي.
    - كما أورد البخاري حالتين أخريين في حديث واحد، إحداهما أن الرسول كان يسمع أصواتاً كصلصلة الأجراس وأنه كان يُجْهَد لدرجة يتصبب جبينه عرقاً في اليوم الشديد البرودة. أما الحالة الثانية فتكون بحضور الملك بصورة بشر وتلقينه الآيات حتى يحفظها، يقول البخاري في الحديث رقم (2): حدَّثنا عبدُ اللّهِ بنُ يُوسُفَ قال: أخبرَنا مالِكٌ عن هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبيهِ عن عائِشَةَ أمِّ المُؤْمِنِينَ رضي الله عنها أنَّ الحارِثَ بنَ هِشام رضي الله عنه سَألَ رسولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فقالَ: يا رسولَ اللّهِ كيفَ يأتِيكَ الوَحيُ؟ فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أَحْياناً يَأتِيني مِثلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ وهُوَ أَشَدُّه عَليَّ فَيُفْصِمُ عَنِّي وقد وَعَيْتُ عنهُ ما قالَ، وأحْياناً يَتَمثَّلُ ليَ المَلَكُ رَجُلاً فيُكَلِّمُنِي فأعِي ما يَقولُ. قالتْ عائشةُ رضيَ الله عنها: ولَقدْ رَأَيتُهُ يَنزِلُ عليهِ الوَحيُ في اليومِ الشَّديدِ الْبَردِ فيَفْصِمُ عنه وإنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفصَّدُ عَرَقاً.
    هذا ما يتصوره الإخباريون، ولكن ماذا يقول القرآن عن الكيفية التي يتلقى فيها محمد الوحي؟
    لقد جاء الوحي في القرآن على عدة معان، منها:
    - الغريزة: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ.(النحل:68)
    - وبمعنى تسجيل الذاكرة للحظة معينة وعقد العزم على اتخاذ موقف معين بسببها فيما بعد: فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ.(يوسف:15)
    فيوسف في تلك اللحظة لم يكن رسولاً ولا نبياً، لأنه لازال صغيراً، والإيحاء الذي شعر به تلك اللحظة يمكن أن يشعر به أي إنسان في مواقف متعددة، وينوي القيام بفعل أو إتخاذ موقف مناسب للحدث في وقت لاحق.
    - وبمعنى الإستعداد النفسي لقبول أمر ما: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ.(المائدة:111)
    فالحواريون لم يكونوا يتلقون وحياً من السماء، والحديث كان موجهاً لعيسى في الآية السابقة، والتي يذكره الله فيها ببعض نعمه عليه ومنها شرح صدور الحواريين للدين الذي تتحدث عنه هذه الآية، والآية السابقة وهي: إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ.(المائدة:110)
    - وجاء الوحي بمعنى التأثير والإيحاء: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ.(الأنعام:112)
    - وبمعنى الإلهام: إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى. أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي.(طه:38-39)
    وبمعان أخرى، ولكن الوحي الذي يهمنا هنا هو الذي يمكن تعريفه بأنه الآلية التي يتم بواسطتها نقل نصوص الرسالة من الملك (بفتح اللام) إلى ذاكرة الرسول. وقد جاءت آيات كثيرة في القرآن تتحدث عن هذه الآلية، ويمكن تبسيطها كما يلي:-
    • بما أن الدين واحد منذ خلق الله البشر، فإن كل نصوص الرسالات السابقة كانت عبارة عن نسخة مكررة لنصوص دينية واحدة: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ.(الشورى:13)
    • وتلك النصوص مستمدة من مصدر واحد للوحي يحتفظ فيه بالنسخة الأصلية للنصوص الدينية. وهذا المصدر أو الإرشيف سماه القرآن اللوح المحفوظ: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ.(البروج:21-22)
    كما سماه أم الكتاب: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ.(الزخرف:3-4) وتسميات أخرى.
    • أما ماهية " الإرشيف "، وأين هو وكيف يحفظ، فلم يتطرق لها القرآن، وبالتالي فلا علم لنا بها. ولكن من المؤكد أن اللوح المحفوظ مخالف لما صوره عليه المفسرون، من أنه لوح بمعناه الحرفي، محفوظ في جبهة أحد الملائكة. وفي هذا يقول القرطبي في تفسيره للآية (22) من سورة البروج: وروى الضحاك عن ابن عباس قال: اللوح من ياقوته حمراء، أعلاه معقود بالعرش وأسفله في حجر مَلَك يقال له ما طِرْيون. ويقول القرطبي: وقال أنس بن مالك ومجاهد: إن اللوح المحفوظ الذي ذكره الله تعالى في جبهة إسرافيل. وبمثل ذلك قال الطبري في تفسيره، وغيره من المفسرين.
    • وقد كانت طريقة الوحي لكل الرسل واحدة: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا. وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا.(النساء:163-164) مع استثناء حالة واحدة لموسى.
    • وبين القرآن أن الله يختار من الملائكة من يكلفهم بنقل نصوص الوحي من " اللوح المحفوظ أو أم الكتاب " إلى الرسول، يقول تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ.(الحج:75) وأن الرسل من الملائكة مهمتهم توصيل نصوص الوحي للرسول من البشر: يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ.(النحل:2)
    • والملائكة المكلفون بنقل الوحي لهم قدرات خاصة من بين الملائكة الآخرين: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.(فاطر:1) هذه القدرات (التي أطلق عليها القرآن أجنحة) تمكنهم من الإطلاع على نصوص الوحي في صورته الأصلية في اللوح المحفوظ، ونقله: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ. مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ.(التكوير:19-21)
    • وقدرات أولئك الملائكة تمكنهم من تحويل، وليس ترجمة، نصوص الوحي من صورتها الأصلية إلى نصوص بلغة الرسول التي يتحدثها هو وقومه بكل دقة وأمانة في النقل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.(الرعد:4)
    • كما أن قدرات أولئك الملائكة، تمكنهم من نسخ نصوص الوحي في ذاكرة الرسول (قلبه) مباشرة وبدون التحدث إليه: وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ.(الشعراء:192-195)
    • ولذلك أمر الرسول محمداً بأن لا يستعجل بقراءة القرآن أثناء نسخه في ذاكرته(يقضى إليه وحيه): فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا.(طه:114)
    لأن نصوص الوحي ستبقى محفورة في ذاكرة الرسول طوال فترة حياته، وبالتالي فليس هناك داع لتسرعه بتلاوة الآيات أثناء نسخها في ذاكرته: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ.(القايمة:16-17)
    فالله سبحانه هو من تكفل بحفظه في ذاكرة الرسول، وما على الرسول إلا الإنتظار حتى يكتمل النزول ثم يقرأوه على الناس: فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ.(القايمة:18)
    • وكما تكفل الله سبحانه بحفظ نسخة من الوحي في ذاكرة الرسول فقد تكفل سبحانه بحفظ النسخة الأصلية في ذلك الإرشيف السماوي: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.(الحجر:9)
    • وكان الملك المكلف بنقل الوحي لمحمد هو جبرائيل، الذي معناه " قوة الله " كما يقول الصادق النيهوم بأن إيل تعني الله، وجبرا تعني قوة. يقول تعالى: قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ.(البقرة:97)
    هكذا نزل الوحي على الرسول، وهكذا نزل على كل الرسل، دون أن يعتريهم أي تغيرات نفسية أو عقلية أو جسدية، وكلما كان يشعر به الرسول هو أن هناك نصوصاً قد حفرت في ذاكرته، وهو بكامل قواه العقلية، دون أن يعرف كيف كان يحدث له ذلك. وهذا لا ينفي أن الرسول محمد صلوات الله وسلامه عليه كان قد رأى الملك مرتين، كما ذكر ذلك القرآن، وكان ذلك في بداية بعثته. مع التأكيد على أن الرسول لم يتحدث للملك خلال هاتين المقابلتين حديثاً مباشراً، ولعل من أهداف رؤية الملك، التدليل له صلى الله عليه وسلم بأنه مرسل يقيناً من الله، وأن ما يجده في ذاكرته هو وحي إلهي.
    وقد ذكر اللقائين في سورة النجم، وكان اللقاء الأول عندما رأى محمد الملك في الأفق: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى. وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى. ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى. فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى. مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى.(النجم:4-11)
    ومعنى " فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى" أي أوحى الله إلى عبده الملك وليس للرسول ما أوحى أي ما أمره بأن يفعله في تلك المقابله، أو أن الله أوحى لعبده محمد ما أوحى بواسطة الملك.
    كما أن الذي تدلى هو الملك، وليس الله (تعالى الله عن ذلك التشبيه علواً كبيراً) كما يدعي بعض المفسرين، ومن ذلك ما أورده الطبري في تفسيره بقوله: حدثنا الربيع، قال: ثنا ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن شريك بن أبي نمر، قال: سمعت أنس بن مالك يحدّثنا عن ليلة المسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه عرج جبرائيل برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء السابعة، ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار ربّ العزّة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله إليه ما شاء، وذكر الحديث.
    وكان اللقاء الثاني في مكان قرب شجرة من أشجار السدر، والتي تنتشر قرب مكة وفي كل أنحاء جزيرة العرب، والسدر شجر شوكي له ثمار يسمى النبق، كما يقول ابن منظور في لسان العرب: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى. عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى. عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى.(النجم:13-17)
    وكانت السدرة على طرف منطقة شجرية (جنة المأوى) قرب الجبال المطيرة القريبة من مكة. وجنة المأوى تعني جنة المبيت كما يقول ابن منظور في لسان العرب، وبالتالي فهي منطقة شجرية يبيت المسافرون فيها طلباً للظل.
    ومن المؤكد أنها كانت معروفة في الوقت الذي نزلت الآية، ولذلك لم يناقش الكفار محمد فيها. ولو كانت كما قال المفسرون عنها بأنها قرب عرش الرحمن فسيجادل القرشيون محمداً حولها كثيراً وكيف علم بها. ولكن كل من قال بأنها قرب العرش وأن لها ثمار ووصفها بصفات الشجر الدنيوي هم المفسرون والإخباريون، الذين كتبوا ما كتبوا بعد عقود من عصر الرسول.
    ومما نقله المفسرون، قول الطبري: حدثنا أحمد بن أبي سُرَيج، قال: ثنا الفضل بن عنبسة، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البُنانيّ، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: رَكِبْتُ البُرَاقَ ثُمَّ ذُهِبَ بِي إلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، فإذَا وَرقُها كآذَانِ الفِيَلَةِ، وَإَذَا ثَمَرُها كالقِلالِ. (وإذا كان الله سبحانه لا يأكل ولا ملائكته الطعام، فلماذا تثمر)
    ويقول القرطبي: فإذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسِن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مُصَفًّى، وإذا هي شجرة يسير الرّاكب المسرع في ظلّها مائة عام لا يقطعها، والورقة منها تغطي الأمّة كلها؛ ذكره الثعلبي. وأتساءل من أطلع المفسرين على هذه المعلومات؟
    وفوق هذا لا أدري كيف سمح المفسرون لأنفسهم إدعاء أنها سدرة تحت عرش الرحمن، لأن الرسول أو أي بشر غيره ليس مهيأ للوصول لعرش الرحمن بأي شكل من الأشكال.
    ومما سبق يتضح أن الوحي ينسخه الملك في ذاكرة الرسول بطريقة لا يعلمها الرسول ولا نعلمها نحن، وتبقى هذه النصوص حاضرة في ذهن الرسول حتى وفاته، ولذلك فجمع القرآن كله وترتيب آياته كان من واجبات الرسول كجزء من تبليغ الدعوة التي كلفه الله بها، ولو توفي ولم يجمع القرآن كله فيكون كمن فرط في الرسالة ولما يبلغها للناس كما كلفه الله بذلك: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ.(المائدة:67)
    .................................................. ..............

    صوت الناس – أين ذهب الجامع/ الصادق النيهوم/ دار الريس – بيروت

  5. #95

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    اصاب الباحث هنا ..
    فالكثير من الكتابات في الغرب المسيحي اليهودي تناولت بالتفصيل اعراض ما سبق لتقول في رسول الله (ص) انه كان مصابا بداء او ما شابه ..

    وكان ما كتب في التراث الاسلامي من اعراض الوحي يهدف الى تعظيم النبوه ونصرة النبي واطلاق الصورة في اذهان من تاخر من المسلمين..

  6. #96

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    المثال الخامس: أركان الإسلام وأركان الإيمان
    يعرف فقهاء السنة الإسلام بأنه: استسلام العبد لله عز وجل باتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، من الشهادة باللسان، والتصديق بالقلب، والعمل بالجوارح. وأن الإيمان يعني الإعتقاد بالقلب والتصديق بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره مع الإنقياد.
    وإذا ورد الإسلام مقترناً بالإيمان فهو: أعمال الجوارح الظاهرة، من القول والعمل. كالشهادتين والصلاة وسائر أركان الإسلام. فيكون الإيمان هو أعلى مراتب الإسلام.
    وقالوا بأن للإسلام خمسة أركان هي الإقرار بالشهادتين، والصلاة والزكاة والصيام والحج. وللإيمان ستة أركان هي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، بينما أسقط الشيعة ركن الإيمان بالقدر، وأضافوا ركنين آخرين هما الخمس والإمامة، وقد اقتبسنا ذلك مما ورد في الجزء الرابع/ الموسوعة الفقهية – إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية الكويتية.
    والملاحظ على التعريف الفقهي السابق لأركان الإسلام وأركان الإيمان مايلي:
    - أن الفقهاء لم يستدلوا على أركان الإسلام وأركان الإيمان بآيات من القرآن الكريم، وليس هناك آية ذكر فيها أركان الإسلام أو أركان الإيمان مجتمعة. وإن كان هناك آيات جاء فيها ذكر الشهادتين وآيات جاء فيها ذكر الصلاة وأخرى ذكرت فيها الزكاة وغيرها الصيام وغيرها الحج. وآيات جاء فيها ذكر الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، مثلما وردت أوامر ونواهي كثيرة في آيات متفرقة، ولكن الفقهاء لم يجعلوها ضمن أركان الإسلام ولا أركان الإيمان، ومن ذلك الجهاد، الوفاء بالعهود، الحدود، وغيرها الكثير.
    ودليل الفقهاء على أركان الإسلام وأركان الإيمان إعتمد على حديث رواه يحيى ابن يعمر ونسبه لابن عمر.
    وتكراره بصيغ وأشكال مختلفة في بعض كتب الحديث مثل البخاري ومسلم والترمذي ومسند أحمد وأبو داوود والنسائي، لا يعني أنه عدة أحاديث، بل هو حديث واحد روي بصيغ مختلفة لاختلاف الشاهد من ذكره، وهذا نص احدى الصيغ التي وردت في مسلم برقم (59): حَدَّثنا أَبُو عَمَّارِ الْحُسَيْنُ بنُ حُرَيْثٍ الْخُزَاعِيُّ ، أخبرنا وَكِيعٌ عن كَهْمَسِ بنِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ ، عن يَحْيَى بنِ يَعْمُرَ ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي القَدَرِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ قالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيِريُّ حَتَّى أَتَيْنَا المَدِينَةَ، فَقُلْنَا لَوْ لَقِينَا رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النبيِّ فَسَأَلنَاهُ عَمَّا أَحْدَثَ هَؤلاَءِ القَوْمُ قال فَلَقِينَاهُ، يَعْنِي عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ المَسْجِدِ، قال فَاكْتَنَفَتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي قال فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الكَلاَمَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرحمنِ، إِنَّ قَوْماً يَقْرأُونَ القُرْآنَ وَيَتَقَفَّرُونَ العِلْمَ، وَيَزْعُمُونَ أَنْ لا قَدَرَ، وَأَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ قَالَ: فَإِذَا لَقَيْتَ أُولَئِكَ فَاخْبِرْهُمْ أَنِّي مِنْهُمْ بَرِيءٌ، وَأَنَّهُمْ مِنِّي بُرَآء. وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ الله لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً مَا قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ حَتَى يُؤمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِهِ. قَالَ: ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُ، فَقَالَ: قَالَ عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ الله فَجَاءَ رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى أَتَى النبيَّ ، فَأَلْزَقَ رُكْبَتَهُ بِرُكْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحمَّدُ ما الإيمَانُ؟ قَالَ: أَنْ تُؤمِنَ بِالله وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرَّهِ. قالَ: فَمَا الاْسْلاَمُ، قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ وَإِيْتَاءِ الزَّكَاةِ وَحَجُّ الْبَيْتِ، وَصومُ رَمَضَانَ. قَالَ: فَمَا الاْحْسَانُ؟ قال أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. قالَ: فِي كِلِّ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ صَدَقْتَ. قَالَ: فَتَعَجَبْنَا مِنْهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قالَ: فَمَتَى السَّاعَةُ؟ قالَ: مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، قالَ: فَمَا أَمَارَتُهَا؟ قالَ: أن تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنْيَانِ قالَ عمَرُ: فَلَقِيَنِي النبيُّ بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلاَثٍ، فَقَالَ: يَا عُمَرُ هَلْ تَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ ذَاكَ جِبْرَئيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دينِكُمْ.
    - وهذا الحديث الذي اعتمد الفقهاء عليه في القول بأركان الإسلام والإيمان وتحديد عددها، جاء فيه ذكر الإحسان، وأمارات الساعة، ومع ذلك لم يجعلهما الفقهاء من أركان الإسلام أو الإيمان.
    - ومع أن هناك حديث في البخاري برقم (26): يقول بأن الجهاد في الإسلام يلي الإقرار بالشهادتين من حيث الأهمية، وجاء قبل الركن الخامس للإسلام، وهو الحج، وهذا نص الحديث: حدَّثنا أَحمدُ بنُ يونُسَ و موسىٰ بنُ إسماعيلَ قالا: حدثنا إبراهيمُ بنُ سِعدٍ قال: حدثنا ابنُ شِهابٍ عن سَعيدِ بنِ المُسَيَّبِ عن أبي هُرَيرة أنَّ رسولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فقال: إِيمانٌ باللّهِ ورَسولهِ. قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله. قيل: ثُمَّ ماذا؟ قال: حَجٌّ مَبْرور.
    إلا أن الفقهاء لم يعدوا الجهاد ضمن أركان الإسلام أو الإيمان.
    - ولو تتبعنا ما ورد في كتب الحديث لرأينا العجب، ومن ذلك بعض الروايات التي إعتبرت أن شهادة أن محمداً رسول الله ليست من أركان الإيمان، ومن ذلك ما أورده أحمد في مسنده برقم (18861)، وهذا نصه: حدّثنا عبدالله حدَّثني أبي حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا إسرائيل عن جابر عن عامر عن جرير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلاّ الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم مضان.
    - ومن ذلك أن بعض روايات الحديث تنص على أن من أركان الإيمان، الإيمان بالبعث وليس الإيمان بالقدر، فلماذا لم يأخذ الفقهاء بالقول بالإيمان بالبعث الذي ورد ذكره في القرآن والذي لا شك بأن من لا يؤمن به فليس بمسلم، بينما أخذوا بالروايات التي تقول بالإيمان بالقدر واعتبروه من أركان الإيمان مع أنه لم يأت ذكر الإيمان بالقدر في القرآن، وقد اختلف الفقهاء فيه كثيراً، ولذلك فبعض أقوال أهل السنة والشيعة وفرق إسلامية أخرى لا يعتبرون الإيمان بالقدر من أركان الإيمان. وهذا نص ما أورده البخاري برقم (4659): حدَّثني إسحاقُ عن جريرٍ عن أبي حَيَّانَ عن أبي زُرعةَ عن أبي هريرةَ رضيَ الله عنه «أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يوماً بارِزاً للناس، إذ أتاهُ رجلٌ يَمشي فقال: يا رسولَ الله، ما الإِيمان؟ قال: الإِيمان أن تؤمن بالَّلهِ، ومَلائكتِهِ، ورُسُلِهِ، ولقائه، وتؤمن بالبَعثِ الآخر. قال: يا رسول الله ما الإِسلام؟ قال: الإِسلامُ أن تَعبُدَ الله ولا تُشرِكَ به شيئاً، وتُقيمَ الصلاة، وتؤتيَ الزكاةَ المفروضةَ، وتصومَ رمضانَ. قال: يا رسولَ الله، ما الإِحسان؟ قال: الإِحسان أن تَعبُدَ الَّلهَ كأنكَ تراه، فإِن لم تَكنْ تراه فإِنه يراك. قال: يا رسولَ الله، متى الساعة؟ قال: ما المسؤولُ عنها بأعلم منَ السائل، ولكنْ سأُحدِّثكَ عن أشراطِها: إذا وَلَدَتِ المرأةُ ربَّتَها فذاكَ من أشراطها، وإذا كان الحُفاةُ العُراة رُؤوسَ الناس فذاك من أشراطِها، في خمسٍ لا يَعلمهنَّ إلا الله {إنَّ اللَّهَ عندَهُ علم الساعة، ويُنزِّلُ الغَيثَ، ويَعلمُ ما في الأرحام}. ثم انصرفَ الرجلُ، فقال: رُدُّوا عَلَيَّ. فأَخَذُوا لِيرُدُّوا فلم يَرَوْا شيئاً، فقال: هذا جِبريلُ جاء ليعلِّمَ الناسَ دِينَهم.
    - وورد في كتب الحديث رواية تنص على أن أركان الإسلام هي الإيمان بالله، ولم يذكر الإيمان برسول الله، وإقامة الصلاة وأداء الزكاة وصوم رمضان، ولم يذكر الحج كركن من أركان الإسلام، وهذا نص الحديث في مسلم : وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَ زُهيْرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ قَال زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ يَوْما بَارِزا لِلنَّاسِ.فَأَتَاهُ رَجُلٌ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلاَئِكَتِهِ وَكِتَابِهِ وَلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الآخِرِ. قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ! مَا الإِسْلاَمُ؟ قَالَ: الإِسْلاَمُ أَنْ تَعْبُدَ الله لاَ تُشْرِكَ بِهِ شَيْئا، وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ.(مسلم 63).
    - ولم يعتبر الفقهاء أن من أركان الإيمان والإسلام العديد مما ورد في كتب الحديث على أنه من الإيمان والإسلام، ومن ذلك ما أورده البخاري في الحديث رقم (9)، وهذا نصه: حدَّثنا عبدُ اللّهِ بنُ محمدٍ قال: حدثنا أبو عامِرٍ العَقدِيُّ قال: حدثنا سُليمانُ بنُ بلالٍ عنْ عبدِ اللّهِ بنِ دِينارٍ عنْ أبي صالحٍ عن أبي هُرَيْرةَ رضي اللّهُ عنه عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: الإِيمانُ بِضْعٌ وسِتُّونَ شُعْبةً، والحياءُ شُعْبةٌ مِنَ الإِيمان.
    - والحديث رقم (11)، ونصه: حدَّثَنا سَعيد بن يَحيى بنِ سَعيدٍ الْقُرَشِيُّ قال حدَّثنا أبي قال: حدثنا أبو بُرْدَةَ بنُ عبدِاللَّهِ بنِ أبي بُرْدَةَ عن أبي بُرْدَةَ عن أبي موسى رضي اللَّهُ عنهُ قال: قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، أيُّ الإِسلام أَفضلُ؟ قال: مَنْ سَلِمَ المسلمونَ مِنْ لِسانِهِ ويَدِه.
    - والحديث رقم (12)، ونصه: حدَّثَنا عَمْرُو بنُ خالِدٍ قال: حدثنا اللَّيثُ عن يَزيدَ عن أبي الْخَيْرِ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو رضي الَّلهُ عنهما «أنَّ رَجُلاً سأل النبِيَّ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الإِسلامِ خَيْرُ؟ قال: تُطْعِمُ الطَّعامَ، وَتَقْرَأُ السَّلامَ عَلَى مَن عَرَفْتَ وَمَن لم تَعْرَف.
    - والحديث رقم (25)، ونصه: حدَّثنا عبدُ اللّهِ بنُ محمدٍ المُسْنَدِيُّ قال: حدَّثَنا أبو رَوحٍ الْحَرَمِيُّ بنُ عُمَارة قال: حدَّثَنا شُعبةُ عن واقِدِ بنِ محمدٍ قال: سَمِعْتُ أبي يحدِّثُ عنِ ابنِ عُمَرَ أَنَّ رسولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قال: أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ الناسَ حتَّى يَشْهَدوا أَنْ لا إِلهَ إِلاّ اللّهُ وأنَّ محمداً رسولُ اللّهِ، ويُقِيموا الصلاةَ، ويُؤْتوا الزَّكاةَ. فإذا فَعَلوا ذلكَ عَصَموا مِنِّي دِماءَهُم وأموالَهُم إِلاّ بِحَقِّ الإِسلام، وحسابُهم عَلَى اللّه.
    - والحديث رقم (28)، والذي يقول: حدَّثنا قُتَيْبَةُ قال: حدثنا اللَّيْثُ عنْ يزيدَ بنِ أبي حَبيبٍ عنْ أبي الخَيرِ عن عبدِ اللّهِ بنِ عَمْرٍو «أنَّ رَجُلاً سَأل رسولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الإِسْلامِ خَيرٌ؟ قال: تُطْعِمُ الطَّعامَ وَتَقْرَأُ السَّلامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لم تَعْرِفْ.
    - والحديث رقم (13)، وهو: حدَّثَنا مُسَدَّدٌ قال: حدثنا يَحيى عن شُعبةَ عن قَتادةَ عن أنَسٍ رضي اللَّهُ عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وعن حُسَيْنٍ الْمعلِّمِ قال: حدثنا قَتادةُ عن أنَسٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: لا يُؤْمِنُ أَحدُكُمْ حتى يُحِبَّ لأِخِيه ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ.
    - والحديث رقم (16)، ونصه: حدَّثَنا محمدُ بنُ المُثَنَّى قال: حدثنا عبدُ الوهَّابِ الثَّقَفِيُّ قال: حدَّثَنا أُّيوبُ عنْ أبي قِلابَةَ عنْ أَنسٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمان: أَنْ يَكونَ اللَّهُ ورسولُه أحبَّ إليهِ مِمَّا سِواهُما، وأنْ يُحِبّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلاّ لله، وأنْ يَكرَهَ أنْ يَعودَ في الكُفرِ كما يكرَه أنْ يُقذَفَ في النَّار.
    - كما أن أركان الإسلام والإيمان لم تتوافق مع ما جاء في نص بيعة الرسول لأصحابة، والتي أوردها البخاري في الحديث رقم (18): حدَّثنا أبو اليَمانِ قال: أخبرَنا شُعَيبٌ عنِ الزُّهرِيِّ قال: أخبرَني أبو إدْريسَ عائِذُ اللّهِ بنُ عبدِ اللّه أنَّ عُبادةَ بنَ الصامِتِ رضيَ اللّهُ عنهُ ـ وكانَ شَهِدَ بَدْراً، وهُوَ أَحَدُ النُّقَباءِ لَيلةَ العقَبَةِ ـ أَنَّ رسولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، قال وَحَوْلَهُ عِصابَةٌ مِنْ أَصحابهِ: بايعوني على أنْ لا تُشرِكوا باللّهِ شيئاً، ولا تَسْرِقوا، ولا تَزْنوا، ولا تَقْتُلوا أَوْلادَكم، ولا تَأْتوا بِبُهْتانٍ تَفْتَرونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكمْ وأرْجُلِكمْ، ولا تَعْصوا في مَعْروف. فمَنْ وَفَّى منكم فأجْرُهُ على اللّهِ، ومن أصابَ مِنْ ذلك شيئاً فعُوقِبَ في الدُّنْيا فهُوَ كَفَّارَةٌ له، ومَن أصابَ مِنْ ذلك شيئاً ثُمَّ سَتَرَهُ اللّهُ فهُوَ إلى اللّهِ: إنْ شاء عَفا عنهُ، وإن شاء عاقَبَهُ. فبايَعناه على ذلك.
    - ولم يكن من بين أركان الإيمان والإسلام الصدق والوفاء بالعهود والأمانة، وهي من الصفات الإيمانية التي تخالف صفات المنافق التي وردت في الحديث رقم (33) في البخاري، ونصه: حدَّثنا سُليمانُ أبو الرَّبيع قال: حدثنا إِسماعيلُ بنُ جعفرٍ قال: حدثنا نافِعُ بنُ مالكِ بن أبي عامرٍ أبو سُهَيلٍ عن أبيه عن أبي هُرَيرةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: آيةُ المُنافِق ثلاثٌ إذا حَدَّثَ كَذَب، وإِذا وَعَدَ أخْلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خان.
    ومثلما أنه يمكن إيراد أحاديث بلا نهاية تتحدث عن أوامر وتشريعات وجوانب إيمانية وإسلامية لم تعتبر من أركان الإيمان والإسلام، فكذلك يمكن طرح تساؤلات لا حدود لها حول الموضوع، لعل من أهمها:
    لماذا اقتصرت أركان الإسلام على خمسة والإيمان على ستة أو سبعة، وتركت كل أوامر الله ونواهيه التي نزلت على محمد ليعمل بموجبها المسلمون؟
    وهل فعلاً الإيمان هو الدرجة القصوى للإسلام؟
    وهل لأوامر الله ونواهيه تصنيف ومستويات؟ أم أن الله سبحانه لم ينزل أمراً إلا لكي يعمل به، ولا نهياً إلا ليجتنب، دون تمييز بين أمر أو نهي وآخر.

    حقيقة الإسلام والإيمان
    لو استعرضنا أركان الإسلام وأركان الإيمان التي ذكرها الفقهاء المسلمون سنة وشيعة، فسنجد أنه لا يمكن أن يكون المرء مسلماً فقط، أي بدون أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله. كما لا يمكن أن يؤمن المرء ما لم يؤدي الصلاة والزكاة وأركان الإسلام الأخرى التي ذكرها الفقهاء. فليس هناك إيمان منعزل عن الإسلام وليس هناك إسلام منعزل عن الإيمان.
    كما أن الإيمان ليس الدرجة القصوى من درجات الإعتقاد بالإسلام، والإسلام ليس الدرجة الدنيا للدخول في دين الله. لأن الإسلام هو التعريف الذي يطلق على دين الله، أي أن دين الله الذي جاءت به كل الرسل للبشرية إسمه الإسلام: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ.(آل عمران:19)
    أما الإيمان فهو الإعتقاد والتصديق واليقين. حيث يمكن التصديق بأي دين أو فكرة أو رأي، ومن ذلك الإيمان بدين الإسلام، أي التصديق بما يدعوا إليه. بينما لايمكن أن يُسلم المرء بدين أو فكرة أو رأي، أو يُسلم بالإسلام.
    ويكون من يؤمن ويعتقد بدين الله الذي إسمه الإسلام، فسيوصف بأنه مسلم: إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.(النمل:91)
    وقد نعت القرآن بعض الأعراب، أو وفود القبائل، بأنهم أسلموا، ولم يؤمنوا لأنهم إنتسبوا للإسلام ولكنهم لم يصدقوا بما يدعوا إليه يقيناً، وليس لأنهم في الدرجة الدنيا من الإيمان بالدين وبالتالي عليهم أن يجتهدوا أكثر لكي يترقوا في السلم العقائدي للإسلام حتى يصلوا إلى أعلى درجة في السلم وهي الإيمان: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.(الحجرات: 14)
    وعندما يقول رجال الدين المسلمون بأن للإسلام أركاناً، فقد صوروه في الذهن كالبناء أو المنزل. بحيث تكون أركان الإسلام والإيمان السابقة الذكر هي الأسس التي يرتكز عليها ذلك المنزل، أما الجدران والأرضيات والأسقف والأبواب والنوافذ والأثاث فيمكن تشييدها بتجنب الكبائر من الحدود والجنايات التي نزل فيها حد شرعي مثل القتل العمد والزنى والسرقة، وتجنب المحرمات والمعاصي مثل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمتردية والنطيحة وما أكل السبع, وشرب الخمر ولعب الميسر والتعامل بالربا... ونحو ذلك. وما عدا ذلك من فضائل أو تعامل أو معاملات أو آداب فتمثل الديكورات وكل مظاهر الرفاهية والترف في المنزل.
    وبهذا التعريف الفقهي فإن الإنسان يمكن أن يبقى مسلماً إذا آمن بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، أو بالإمامة والخمس إن كان شيعيا، إضافة لأداء الصلاة والصيام والحج ودفع الزكاة السنوية كما صورها الفقهاء، ولو ارتكب بعض الكبائر من الحدود والجنايات أو مارس بعض المحرمات والمعاصي الأخرى، أو ترك الفضائل ولم يتقيد بمكارم الأخلاق والآداب والتعاملات والمعاملات بين المسلمين مع بعضهم، وبين المسلمين وغير المسلمين، لأن كل هذه أمور ثانوية ترفيهيه لا تخل بجوهر الدين ولا تزلزل أساسه.
    وبهذا التعريف حوّل الفقهاءُ الإسلامَ إلى تصديق بالقلب وعبادات فقط مع الزكاة، وهمشوا ما عدا ذلك من تعامل وحقوق وآداب وغيرها، وصوروها على أنها من الترف الديني وليس من ضرورياته التي لا يقوم إلا بها.
    ولو تمعنا في حديث أركان الإيمان وأركان الإسلام لوجدنا أن راوي الحديث الذي نسبه لابن عمر، هو يحي ابن يعمر. وقد عرفه الذهبي في كتابه تذكرة الحافظ بقوله: يحيى ابن يعمر القاضي أبو سليمان ويقال أبو عدي العدواني البصري الفقيه قاضي مرو، روى عن أبي ذر وعمار وعائشة وأبي هريرة وابن عباس وابن عمر وأبي الأسود الديلي وغيرهم وعنه، عبد الله ابن بريدة وقتادة ويحيى ابن عقيل وعطاء الخراساني وسليمان التيمي وإسحاق ابن سويد العدوي. (هذا ما يظن عنه، ولكن في الحقيقة هو لم يرو عن هؤلاء)، أنظر ما يقوله الذهبي: قال أبو داود: لم يسمع من عائشة. قلت (أي أن الذهبي قال): فما الظن بالذين قبلها؟
    وكان الحجاج قد نفاه فقبله قتيبة ابن مسلم وولاه قضاء خراسان، وكان له عدة نواب ثم عزله قتيبة لما بلغه عنه شرب المنصف.( نوع من أنواع الخمر) إنتهى كلام الذهبي.
    ويقول عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان: وكان شيعياً من الشيعة الأولى القائلين بتفضيل أهل البيت من غير تنقيص لذي فضل من غيرهم. وقد توفي ابن يعمر، حسب ما ذكر ابن خلكان في وفيات الأعيان، سنة تسع وعشرين ومائة (129للهجرة).
    وابن يعمر يؤمن بأن الإنسان مسير في كل أعماله، بينما عاصر أناس يقولون بأن الإنسان هو من يختار أعماله بكامل إرادته، مثل معبد الجهني، وأن الإنسان هو من يختار لنفسه الشقاء عن طريق عدم اتباع الدين، أو يختار لنفسه النجاة لو قرر الإيمان. وبما أن ابن يعمر (الفقيه) لم يكن يملك دليلاً شرعياً يدعم رأيه الفقهي فقد روى أنه قابل ابن عمر وحدثه بذلك الحديث الذي أصبح فيما بعد الأساس الذي اعتمد عليه فقهاء آخرون للقول بأن للإسلام والإيمان أركان، مع أن ابن يعمر لم يورد الحديث ليثبت أن للإسلام أركان وللإيمان أركان، ومات وهو لم يسمع بهذه الأركان، وإنما أورده لدعم رأيه الفقهي بالقول بأن الإنسان ليس له خيار في صنع أعماله وأن كل شيئ مقدر عليه مسبقا.ً
    وبما أن يحيى ابن يعمر كان يعيش في العراق وخراسان وبعيداً عن مكان إقامة عبدالله ابن عمر (المتوفى سنة 73 كما ورد في وفيات الأعيان) في المدينة، فقد أكد في مطلع الحديث أنه سافر إلى هناك من أجل هدف واحد محدد هو البحث عن أحد الصحابة لكي يؤكد له أن الإنسان مخير وليس بمسير، يقول ابن يعمر: خَرَجْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيِريُّ حَتَّى أَتَيْنَا المَدِينَةَ، فَقُلْنَا لَوْ لَقِينَا رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النبيِّ فَسَأَلنَاهُ عَمَّا أَحْدَثَ هَؤلاَءِ القَوْمُ....
    وذكر أنه سافر للمدينة ليس بمفرده ولكن معه شاهد، ذكر إسمه كاملاً هو َحُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيِريُّ، لكي يقطع الشك على كل من يسمع روايته، بصحة سفره ومقابلته ابن عمر وسؤاله له وما أجابه به: فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرحمنِ، إِنَّ قَوْماً يَقْرأُونَ القُرْآنَ وَيَتَقَفَّرُونَ العِلْمَ، وَيَزْعُمُونَ أَنْ لا قَدَرَ، وَأَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ قَالَ: فَإِذَا لَقَيْتَ أُولَئِكَ فَاخْبِرْهُمْ أَنِّي مِنْهُمْ بَرِيءٌ، وَأَنَّهُمْ مِنِّي بُرَآء. وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ الله لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً مَا قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ حَتَى يُؤمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِهِ.
    كما لم يفت ابن يعمر أن يبين أن ابن عمر لم يجبه برأيه الشخصي، بل نقل عن رسول الله، وأن الرسول أيضاً لم يقله من عند نفسه، بل إن كلام الرسول قد وافق عليه جبرائيل، عندما استدرك في آخر الحديث وقال بأن الرسول قد أبلغ عمر بالذات، وهو الشخص الذي إفترض أنه نقل الخبر لابنه عبدالله، أن السائل هو جبريل.
    ولكي لا يظن البعض أن حديث ابن يعمر حديث آحاد تفرد به ولم يقله غيره، وبالتالي فلن يأخذوا به فقد أكد أن جبريل قد جاء للرسول وهو جالس بين مجموعة من صحابته كشهود على الحدث، ومنهم الراوي المفترض الذي روى الحادثة لابنه عبدالله، الذي نقله لابن يعمر. يقول ابن يعمر: ثُمَّ أَنْشَأَ (ابن عمر) يُحَدِّثُ، فَقَالَ: قَالَ عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ الله فَجَاءَ رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى أَتَى النبيَّ ، فَأَلْزَقَ رُكْبَتَهُ بِرُكْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحمَّدُ ما الإيمَانُ؟ قَالَ: أَنْ تُؤمِنَ بِالله وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرَّهِ. قالَ: فَمَا الاْسْلاَمُ، قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ وَإِيْتَاءِ الزَّكَاةِ وَحَجُّ الْبَيْتِ، وَصومُ رَمَضَانَ. قَالَ: فَمَا الاْحْسَانُ؟ قال أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. قالَ: فِي كِلِّ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ صَدَقْتَ. قَالَ: فَتَعَجَبْنَا مِنْهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قالَ: فَمَتَى السَّاعَةُ؟ قالَ: مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، قالَ: فَمَا أَمَارَتُهَا؟ قالَ: أن تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنْيَانِ قالَ عمَرُ: فَلَقِيَنِي النبيُّ بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلاَثٍ، فَقَالَ: يَا عُمَرُ هَلْ تَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ ذَاكَ جِبْرَئيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دينِكُمْ.
    ورواية يحيى ابن يعمر فيها تحرز مبالغ فيه لدرجة تثير الكثير من التساؤلات.
    ولن أذكر كل روايات الأحاديث التي تقول بأن أركان الإسلام والإيمان ليست فقط محصورة بما قرره الفقهاء، لأن بعضها ذكر فيما سبق، ولكنني سأذكر حديثاً أورده أحمد في مسنده برقم (5656) يبين أن من سأل عبدالله ابن عمر لم يكن يحيى ابن يعمر، وهذا نص الحديث: حدثنا عبدالله، حدثني أبي ، حدثنا أبو النضر ، حدثنا أبو عَقيل ، عن بَرَكَة بن يعلى التَّيْمي ، حدثني أبو سُويد العَبْدي قال: أتينا ابنَ عمر، فجلسنا ببابه ليُؤْذن لنا، قال فأبطأ علينا الإذْن، قال: فقمتُ إِلى جُحْرٍ في الباب فجعلتُ أطّلع فيه، فَفَطِن بي، فلما أَذِنَ لنا جلسنا، فقال: أَيُّكم اطَّلع آنفاً في داري؟ قال: بأي شيء استحللتَ أن تطَّلع في داري؟ قال فقال أنا: قلت: أبطأ علينا الإذْن فنظرتُ فلم أَتَعَمَّدْ ذلك، قال: ثم سألوه عن أشياء؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بُنِي الإسلام على خمسٍ: شهادَةُ أن لا إله إِلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإِقامُ الصلاة، وإِيتاءُ الزكاة، وحجُّ البيت، وصيامُ رمضان، قلت: يا أبا عبد الرحمن، ما تقول في الجهاد؟ قال: من جاهد فإنما يجاهد لنفسه.
    وهناك حديث آخر رواه البخاري برقم (4399) يظهر أن ابن عمر سئل في السنة التي حاصر فيها جيش الحجاج عبدالله ابن الزبير المتحصن في مكة، ونص الحديث هو: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ حدَّثنا عبدُ الوَهّابِ حدَّثَنا عُبيد الله عن نافع عن ابن عمرَ رضي اللَّهُ عنهما أتاهُ رجُلانِ في فتنةِ ابن الزُّبير فقالا: إنَّ الناسَ قد ضُيِّعوا وأنت ابن عمرَ وصاحبُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فما يمنعك أن تَخرُجَ؟ فقال: يمنعني أنَّ اللَّهَ حرَّمَ دمَ أخي. فقالا: ألم يَقلِ الله {وقاتِلوهم حتى لا تكونَ فتنة} (البقرة: 193) فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تُقاتِلوا حتى تكون فتنة ويكون الدِّين لغير الله.
    ومن الواضح أن الذين سألوا ابن عمر كانوا ممن يرون أن الحجاج معتدٍ وأن ابن الزبير هو الذي على الحق، ويعتبرون مناصرته جهاداً، ولذلك استغربوا أن لا يجاهد ابن عمر، وكانت هذه مناسبة الحديث، وليس تشريع أركان للإيمان والإسلام، وكان ابن عمر يرى أن ابن الزبير والحجاج كلاهما في نفس المركب، وأن القتال مع أي منهما ضد الآخر هو قتل للمسلمين بغير حق.
    ويضاف لذلك حديث نسب للرسول في عدة روايات، وهذا نص إحدى الروايات التي وردت في البخاري تحت رقم (46): حدَّثنا إِسماعيلُ قال: حدَّثني مالِكُ بنُ أنَسٍ عنْ عَمِّهِ أبي سُهَيلِ بن مالكٍ عنْ أبيهِ أنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بنَ عُبَيدِ اللّهِ يقولُ: جاءَ رَجُلٌ إِلى رسولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أهلِ نَجْدٍ ثائرَ الرأْسِ يُسمعُ دَوِيُّ صَوتِه ولا يُفْقَهُ ما يقولُ (بدوي قح)، حتى دَنا، فإِذا هُوَ يَسْألُ عنِ الإِسلام، فقال رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: خَمسُ صَلَواتٍ في الْيَوْمِ والليلةِ. فقال: هَل عَلَيَّ غَيْرُها؟ قال: لا، إِلاّ أنْ تَطَوَّعَ. قال رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: وَصِيامُ رَمَضانَ. قالَ: هلْ عَلَيَّ غَيرُهُ؟ قال: لا، إِلاّ أن تَطَوَّعَ. قال وَذَكرَ له رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم الزَّكاةَ، قال هلْ عَلَيَّ غَيرُها؟ قال: لا، إِلاّ أن تَطَوَّعَ. قال فأدْبرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يقولُ: وَاللّهِ لا أزِيدُ عَلَى هذا ولا أنقُصُ. قال رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: أفْلَحَ إِنْ صَدَقَ.
    ومما ورد من روايات يمكننا أن نستخلص ما يلي:
    • إن كان يحيى ابن يعمر لم يسأل ابن عمر، ولكن أبو سُويد العَبْدي هو السائل.
    • وأن ابن عمر أجاب من سأله عن عدم اشتراكه بالحرب مع ابن الزبير بأنها ليست من الدين.
    • وأن إجابة ابن عمر كانت شخصية ولم ينسبها للرسول، وكانت لتبرير موقفه الشخصي من الحرب الدائرة بين المسلمين في تلك الفترة.
    • وأن حديث الأعرابي الذي سأل الرسول عن الإسلام قد شاع وسمع به يحيى ابن يعمر الذي كان يؤمن بأن الإنسان مسير بقضاء مسبق، ويحتاج لدعم رأيه الفقهي بدليل.
    ومما سبق يمكننا أن نتساءل إن كان من المحتمل أن ابن يعمر، أو شخص غيره، قام بنسبة سؤال عبدالله ابن عمر لابن يعمر بدل أبو سويد العبدي. وقام بتغيير مناسبة سؤال ابن عمر، من عدم اشتراكه بمناصرة ابن الزبير إلى سؤاله عن حكم ما يقوله معبد الجهني وغيره من الإيمان بأن الإنسان هو من يختار أفعاله. ثم قام بنسخ إجابة ابن عمر من حديث الأعرابي الذي سأل الرسول عن الإسلام مع تحوير الصيغة بحيث يكون من سأل الرسول ليس أعرابيا ثائرَ الرأْسِ يُسمعُ دَوِيُّ صَوتِه ولا يُفْقَهُ ما يقولُ، وفي روايات أخرى، أشعث أغبر، إلى ملك من الملائكة شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وهي هيئة تم الحرص في رسمها على أن تكون معاكسة تماماً لهيئة الأعرابي المذكور. ولم يدر بخلد يحيى ابن يعمر أن الناس بعده سيأخذون (الخبر) على أنه دليل على أن للإسلام والأيمان أركان، وستغيب عنهم حقيقة نشأة الخبر ومناسبته الأصلية، وهي البحث عن ما يدعم الرأي الفقهي القائل بالقضاء المسبق، وأن الإنسان مسير وليس مخير.
    وللتدليل على أن الفقهاء يأخذون ما يريدون من الأحاديث ويتركون ما يخالف آراءهم، فقد أورد كتبة الأحاديث حديثاً يؤكد أن هناك في الإسلام ما هو أهم من أركان الإسلام التي منها الصلاة والصوم. وأن الصلاة ليست عموداً للدين، لا تقوم إلا به ومن فسدت صلاته فقد فسد دينه. وأن المسلم وإن صلى أو صام فلا يمكن أن يكون مسلماً ما لم يلتزم بما جاء في هذا الحديث من أركان للإسلام، تتمثل بالإلتزام بجماعة المسلمين، أي عدم الخروج على الحاكم، والسمع والطاعة له وبلا حدود، والهجرة، والجهاد في سبيل الله. أما من أقام الصلاة وصام رمضان وقام بكل ما عرّفه الفقهاء بأنه أركان الإسلام، ولم يقم بهذه الأشياء فليس بمسلم وسيموت ميتة جاهلية وسيكون مصيره النار.
    والحديث رواه أحمد في مسنده عدة روايات ورواه الترمذي بعدة روايات أيضاً ونقلاً عن البخاري، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية تحت عنوان " قصة زكريا ويحيى عليهما السلام"، ورواه غيرهم. وهذا الحديث مشهور باسم راويه، فيطلق عليه حديث الحارث الأشعري.
    وهذا نص إحدى رواياته التي جاءت في مسند أحمد برقم (17467): حدّثنا عبدالله حدَّثني أبي حدثنا عفان حدثنا أبو خلف موسى بن خلف ـ كان يعد من البدلاء ـ قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن جده ممطور عن الحارث الأشعري أن نبي الله صلى الله عليه وسلم: قال إن الله عزَّ وجلَّ أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فكاد أن يبطىء، فقال له عيسى: إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وأن تأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن فأما أن تبلغهن وإمّا أبلغهن؟ فقال له: يا أخي إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي، قال: فجمع يحيى بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد وقعد على الشرف فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله عزَّ وجلَّ أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن أوّلهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً فإن مثل ذلك مثل رجل اشترى عبداً من خالص ماله بورق أو ذهب فجعل يعمل ويؤدي عمله إلى غير سيده، فأيّكم يسره أن يكون عبده كذلك؟ وإن الله عزَّ وجلَّ خلقكم، ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأمركم بالصلاة فإن الله عزَّ وجلَّ ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا، وأمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وأمركم بالصدقة فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدوّ فشدوا يديه إلى عنقه وقربوه ليضربوا عنقه فقال: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه، وأمركم بذكر الله كثيراً وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره فأتى حصناً حصيناً فتحصن فيه وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله عزَّ وجلَّ. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا آمركم بخمس الله أمرني بهن بالجماعة وبالسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلى أن يرجع ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثاء جهنم، قالوا: يا رسول الله وإن صام وصلى؟ قال: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، فادعوا المسلمين بما سماهم المسلمين المؤمنين عباد الله عزَّ وجلَّ. إنتهى
    وراوي الحديث أورده ابن عبد البر القرطبي في الإستيعاب في معرفة الأصحاب تحت رقم (415)، بقوله: الحارث بن الحارث الأشعري، روى عنه أبو سلام الأسود، واسم أبي سلام ممطور الحبشي، له عنه حديث واحد عن النبي صلى الله عليه وسلّم وهو حديث حسن جامع الفنون من العلم، لم يحدث به عن أبي سلام بتمامه إلاّ معاوية بن سلام. وليس هناك من يضعف الحديث أو يشكك في راويه، بل إن الترمذي قد سمع الحديث من البخاري محمد ابن إسماعيل، برغم أن البخاري لم يكتبه في كتابه. ولعل السبب يعود إلى أن البخاري فطن أن هذا الحديث يتعارض وبشدة مع حديث أركان الإسلام، ففضل عدم ذكره، بينما لم يفطن الترمذي لذلك.
    ولو نظرنا لواقع المسلمين الفعلي على مدى قرون طويلة لوجدنا أن حالهم لم تستقم بالإلتزام بأركان الإسلام وأركان الإيمان، وأن علينا أن نعيد تصور تشريعات الإسلام من كونها على شكل بناء له أركان وأصول يقوم عليها ويستقيم بها ولو لم تستكمل بقية الأعمال الإنشائية الأخرى المتمثلة ببقية الأوامر والنواهي الإلهية، إلى تصوير الإسلام على شكل إسطوانة مشابهة للإسطوانات الصلبة التي تستخدم في أجهزة الحاسب الآلي والتي تسمى (CD) بحيث تتكون الإسطوانة من شرائح طولية، كل شريحة تمثل أمراً أو نهياً إلهياً قطعي الثبوت، وليس بالضرورة أن تتساوى هذه الشرائح بالسماكة. فشريحة مثل الإيمان بالبعث أسمك من شريحة رد التحية مثلاً، ولكن لا بد من وجود الشريحتين في الإسطوانة وإلا تسبب فقدان أحدهما وجود فجوة في جسد الشريحة يستحيل معها أن تعمل (تدور)، لأن الإشعاع المسلط عليها والذي يجعلها تعمل، هو إشعاع إلهي لا يعمل إلا مع الشرائح الإلهية الصنع فقط. وسيتوقف بمجرد أن يصل للمنطقة الفارغة التي نزعت منها أي شريحة مهما صغرت سماكتها. وبما أن هذه الشرائح مصنوعة من مادة إلهية، فلو أضيف لها شريحة من أي صناعة أخرى غير إلهية مهما كانت محكمة الصنع، فلن تتمكن الأشعة أن تتعرف عليها وبالتالي ستتوقف حتى تنزع تلك الشريحة الدخيلة.
    وسيكون هناك شريحة تحرم ارتكاب الفواحش أو الدعاية لها، وشرائح تحرم الفسق، والظلم، والشرك، والقول على الله مالم يرد فيه نص من القرآن لأن الله يقول: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ. (الأعراف: 33)
    وشريحة تحرم الحكم على الناس من الناس في الدنيا بالصلاح أو الكفر، لأن الله وحده يعلم ما في الصدور: أَهَـؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ اللّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ. (الأعراف: 49)
    وشريحة تأمر بالتقوى التي معناها مراعاة الله في كل صغيرة وكبيرة وتفكير وعمل وقول : وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ. أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ. (يونس :61-63)
    وشريحة تأمر بالعدل مع كل الناس وفي كل تعامل، وأخرى للإحسان مع كل الناس وفي كل تعامل، وشريحة لوصل ذي القربى معنويا وماديا، وشريحة لمنع الفحشاء والمنكر بكل أشكاله وصوره وما يؤدي إليه من قول وعمل، وشريحة لمنع الظلم بكل أشكاله وصوره وما يؤدي إليه من قول وعمل: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. ( النحل:90)
    وشريحة للوفاء بالعهود والمواثيق الشخصية والدولية، واعتبارها مواثيق مع الله وليس مع البشر: وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ. (النحل: 91)
    وشريحة تحرم منع استخدام الدين لخدمة المصالح الشخصية لأن هذا كفر، وقبول الاختلاف المادي بين الناس مادام الغني يؤدي كل نفقاته الواجبة عليه دينياً، لأن الإختلاف بين البشر شيء صحي، وإلا لن توجد التخصصات العلمية والعملية ولن يكون للحياة طعم ولا معنى لو تساوى الناس في كل شيء: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ. (النحل: 92)
    وشريحة لحفظ حقوق الرجل والمرأة على السواء: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.(الحجرات:13)
    وبطبيعة الحال سيكون هناك شريحة للصلاة وأخرى للصيام وللحج وللإنفاق وللإيمان بالملائكة والرسل واليوم الآخر، وغير ذلك من الشرائح التي جاء بها كتاب الله. وسيكون هناك شريحة لكل أمر أو نهي جاء به القرآن دون تفريق بين شريحة وأخرى في الأهمية. ولو فعل المسلمون ذلك فسيبنون لدولتهم دستوراً مكتوباً معتمداً كلياً على القرآن، ولن نكون بحاجة لأي شرائح فقهية غيرها، لأن من خلق البشر ويعلم ما يناسبهم تماماً من أحكام تقيم دنياهم وتضمن آخرتهم.
    وإن لم يضمن الدستور القرآني ذلك فإن الفتاوى والمذاهب الفقهية لم تستطع تحقيقها على مدى خمسة عشر قرناً من الزمان، افترق المسلمون خلالها شيعاً ومذاهب لم ينزل الله بها من سلطان.

  7. #97
    عضو نشيط الصورة الرمزية صقر جباليا
    تاريخ التسجيل
    01 2007
    الدولة
    جباليا القسام
    المشاركات
    1,248

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    بدى أسئلك سؤال وجاوب بصراحة هل أنت قرأته كله.....ما أظن

  8. #98

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    بالتأكيد قريته كله..

    واقدمه بمتعة المعرفه والرغبه في الاطلاع على كل الاراء ..

    ياصديقي المعرفه قلق الروح ..
    والمعرفه تعب ..

    والمعرفه قوه..


  9. #99

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    في العبادات
    المثال الأول: النوافل
    النافلة لغة: ما زاد على النصيب المقدر، أو الحق المفروض. والسنة في أصل اللغة تعني الطريقة والمنهج، سواءَ كانت حسنة أو سيئة محمودة أو مذمومة.
    أما السنة عند الفقهاء فلها عدة معان، منها:
    - أنها اسم للطريقة المسلوكة في الدين من غير افتراض ولا وجوب.
    - وتطلق على الفعل الذي واظب الرسول عليه وليس هناك دليل على وجوبه، ولا دليل قطعي بالأمر به.
    - ثم أطلقت على كل ما نسب للرسول بطريق ظني من أقوال، أو أفعال، أو إقراره (عدم إعتراضه على) فعل أو قول صدر من غيره. وهذا التعريف يشمل ما عرفه الفقهاء بالحديث، وهو: كل ما نسب للرسول بطريق ظني من الأقوال.
    - وتكون السنة بتعريف الفقهاء أشمل من الحديث، فيقال للحديث سنة، ولا يقال للسنة حديثاَ.
    أنواع السنن عند الفقهاء
    يقسم الفقهاء السنن إلى سنن معينة وسنن مطلقة، والسنن المعينة هي التي يسمونها السنن الرواتب، ويقولون سميت بالرواتب لمشروعية المواظبة عليها، وهي سنن تابعة للفرض، مثل الصلوات قبل الفرض وبعده، وصيام الست من شوال لأنها مرتبطة بصيام رمضان. أو أنها سنن لها وقت معين، مثل صلاة الضحى أو التراويح أو العيدين أو صيام عاشوراء. أما السنن المطلقة فهي التي ليس لها وقت محدد ولا تتبع فرضاَ من الفروض، مثل صلاة الليل، وأداء العمرة بعد الفرض.
    حكم النوافل عتد الفقهاء
    لا وجود للسنن بمفهومها الفقهي في القرآن الكريم ولم يأمر بها الدين بدليل قطعي، وكل ما قيل عنها جاء من الفقهاء. فهم من أطلق عليها نوافل، وسنن، وسنن زوائد، وسنن رواتب، وسنن مؤكدة. وهم من قال بكل أحكامها:
    فقالوا: يثاب فاعل السنن ولا يعاقب تاركها. وقال الحنفية أن تارك السنن الرواتب يستوجب إساءة وكراهية. (وهذا يفسر بعض تصرفات وتعامل من يعتقد بذلك من بعض المسلمين تجاه غيره ممن لايرون ما يراه في السنن ولا يؤديها. وقال ابن عابدين بلوم وتضليل من يترك السنن. وقال صاحب السلفية وكشف الأسرار بأن يساء إلى تارك السنن ولا يكره. وفي التلويح أن ترك السنة يقرب من الحرام.
    وقال بعض الحنابلة بكراهية ترك السنن بلا عذر، دون أن يقولوا بحكم على تاركها. وقال بعض الفقهاء بأن تارك السنن الرواتب تسقط عدالته، ولاتقبل له شهادة.
    وقد أجاز بعض الفقهاء ترك السنن في السفر. وقال فقهاء آخرون يمكن ترك السنن في السفر ما عدا سنة الفجر وسنة الوتر فيحافظ عليهما حضراَ وسفراَ. وقال آخرون يلزم أداء السنن في الحضر والسفر، والغريب أن الفقهاء الذين يقولون بأداء السنن في السفر هم من يقول بقصر الصلاة المفروضة في السفر!
    عدد ركعات السنن الرواتب في اليوم والليلة عند الفقهاء
    إختلف الفقهاء بينهم وكعادتهم، فقال بعض الشافعية والحنابلة، هي عشر ركعات، وقال بعض الشافعية الأكمل في الرواتب غير الوتر ثماني عشرة ركعة. وقال الشافعية والحنابلة أفضل الرواتب الوتر وركعتا الفجر، واستدلوا بخبر رواه أبو هريرة يقول: قال رسول الله: لاتدعوا ركعتي الفجر وإن طردتكم الخيل.
    وقال الحنفية عدد ركعات السنن الرواتب إثنتي عشرة ركعة، واستدلوا بخبر ينسب للرسول أنه قال: من ثابر على ثنتي عشرة ركعة في السنة بنى الله له بيتاَ في الجنة. وتقول الحنفية يستحب أن يزاد على هذه الركعات أربع قبل العصر وأربع قبل العشاء وأربع بعدها، منهما ركعتان مؤكدتان، وست بعد المغرب، ليصل عدد السنن الرواتب عندهم إلى أربع وعشرون ركعة. وقال المالكية لا تحديد لعدد ركعات السنن الرواتب على أن لا تقل عن ركعتين مع كل صلاة مفروضة. وقال بعض الفقهاء تسن الصلاة قبل صلاة الجمعة وبعدها، ومنهم من قال يصلى أربع قبلها وأربع بعدها، ومنهم من قال بأقل ومنهم من قال بأكثر.
    وأكثر الفقهاء الذين قالوا بصلاة السنة يوم الجمعة حملوها على أنها تحية للمسجد وليست من النوافل، والغريب أن هناك فقهاء كرهوا أن تؤدى أي سنة لصلاة الجمعة لا قبل ولا بعد، وعللوا سبب كراهيتهم لذلك أن صلاة الجمعة توافق الوقت الذي استوى الله فيه على العرش بعد أن إنتهى من خلق الكون!! (وهو قول مقتبس من الإسرائيليات وإن حور يوم الأحد للجمعة)
    الوتر
    قال بعض الفقهاء هو سنة مؤكدة، وقال البعض هو من السنن الرواتب. وقال بعضهم أقله ركعة وأكثره إحدى عشرة ركعة، وقال البعض أقل الكمال فيه ثلاث ركعات بتسليمة واحدة، وأكثره إحدى عشرة ركعة يقنت في الركعة الأخيرة. وقد ورد عن أبو حنيفة أن حكم الوتر واجب، وورد عنه رواية أخرى عن طريق زفر، أن الوتر فرض. (أي أنه مثل الصلوات الخمس)
    أين تصلى السنن الرواتب
    الشافعية والحنابلة يقولون بأنه من الأفضل أداؤها في البيت. واعتمدوا على خبر ينسب للرسول يقول فيه: صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا (إلا في المكتوبة). ويفضل الحنفية أداء السنن الرواتب في البيت. ويبدوا أن أغلب الفقهاء يرون أداء السنن في البيت أفضل من المسجد، ما عدا صلاة التراويح لأنهم يؤدونها جماعة.
    صلاة السنن الرواتب في جماعة أم فرادى
    يرى الغالبية من الفقهاء أن تصلى فرادى وقالوا تكره الجماعة في النوافل، لأن شأن النفل الإنفراد به، كما تكره صلاة السنن في جمع قليل بمكان مشتهر بين الناس كالمسجد. ما عدا التراويح فتصلى جماعة. وقال بعض الحنابلة يجوز صلاة السنن جماعة وفرادى مستدلين بأن النبي صلى بابن عباس مرة، وبأنس وأمه واليتيم مرة، وببعض أصحابه وعتبان مرة في بيت عتبان.
    حكم قضائها إذا فاتت
    للفقهاء أقوال كثيرة هنا، فالبعض قال تقضى كلها والبعض قال تقضى سنة الفجر والبعض قال سنة الظهر، والبعض قال لا يقضى منها شيئ.
    (هذا باختصار شديد، ونرجوا أن يكون واضحاَ، ما قاله الفقهاء عن النوافل والسنن الرواتب، إقتبسناه من المغني لابن قدامة ومن الموسوعة الفقهية التي تصدرها وزارة الآوقاف والشئون الإسلامية في دولة الكويت)
    والآن لنر هل يتوافق ما قاله الفقهاء مع ما شرع الله سبحانه وتعالى أم يختلف عنه.
    النوافل في القرآن
    يقول الفقهاء أن النافلة هي ما زاد على النصيب المقدر، أو الحق المفروض. وهو ما يعني أن السنن والنوافل زيادة عما فرض من الدين على المسلمين. وإذا كانت السنة في أصل اللغة تعني الطريقة والمنهج، سواءَ كانت حسنة أم سيئة، محمودة أو مذمومة، فإن السنن الرواتب والنوافل قد تكون طريقة أو سنة مذمومة (أي بدعة سيئة) إذا ثبت أن الله لم يأمر بها.
    وكل أمر، أمر ألله به فهو من الدين وليس زائداَ عليه، وكل أمر زائد عن تلك الأوامر الإلهية، فالله لم يأمر به وبالتالي فهو ليس من الدين.
    وتعريف الفقهاء للنوافل والسنن لم يخرجها عن معناها اللغوي، فهم يقولون بأنها اسم للطريقة المسلوكة في الدين من غير افتراض ولا وجوب. أي أن الله لم يفرض لها حكم إلهي، وإنما هي مما اعتاد الناس أداءه تحت مسمى ديني ولكن لا يوجد لها حكم شرعي ثابت بنص يقيني.
    ويؤكد الفقهاء ذلك أيضاَ بالنسبة للسنة حيث تطلق على الفعل الذي واظب الرسول عليه وليس هناك دليل على وجوبه، ولا دليل قطعي بالأمر به. أي أن النوافل والسنن، والسنة - التي يقصد بها الخبر المنسوب للرسول - كلها لا تقوم على دليل قطعي الثبوت، يأمر بها ويوجبها على المسلمين.
    ونحن لن نعلق على كلام الفقهاء هذا لأنه لايحتاج لتعليق، فقد إحتفظوا بالأمانة الأدبية في تعريف النوافل والسنن، عندما اعترفوا ضمن تعريفاتهم أن النوافل والسنن والسنة كلها أمور ظنية، وزيادة في الدين، ليس لها حكم منزل من الله، قامت على أدلة ظنية غير قطعية الثبوت: وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لايُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ.(يونس:36)
    ودين الله وشرعه لا يقوم على الظن، ولا على ما يصدر من أقوال وأفعال البشر، ولو كان من محمد. لأنها أقوال وأفعال شخصية، ما لم تكن وحي من الله، نزل على شكل قرآن. وهذا ما تظهره آيات من سورة الإنعام بوضوح، قال تعالى: اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ.(الآية:106)
    ثم تستمر الآيات في نفس السورة لتؤكد أن الدين هو ما يصدر من الله وحده فقط وبدليل قطعي الثبوت، وهو الذي تضمنه القرآن فقط لأنه كنب فيه كل شيئ له علاقة بالدين والتشريع وبكل تفصيل، تقول السورة: أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ. وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.(الآيتان:114-115)
    وتقول الآية التالية بأن أي بشر كلامهم يعتمد على الظن، وهذا الظن لا يمكن أن يكون حقاَ، لأن الحق هو ما صدر عن الله وحده: وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ.(الآية:116)
    وإذا كانت تعريفات النوافل والسنن والسنة، لغوياَ وتلك التي عرفها بها الفقهاء، تدل على مضمونها، أفلا تندرج تحت الغلو في الدين، لأن أي زيادة مهما كانت بسيطة في الدين بغير ما شرعه الله فهو غلو مساو لأكبر درجات الغلو، ومماثل لقول بعض بني إسرائيل بأن عيسى ابن مريم ابن لله، أو أنه إله مع الله: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ.(المائدة:77)
    كما أنها ستندرج تحت القول على الله بغير حق: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ.(الأنعام:93)
    وإذا كان الفقهاء قد اتبعوا الظن (أي الأدلة الظنية) في تشريعاتهم، أفلا يكونوا قد قالوا على الله الكذب (أي قولاَ غير مؤكد)، وتنطبق عليهم هذه الآية التي قيلت بحق بعض فقهاء بني إسرائيل: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.(آل عمران:78)
    وينطبق على الفقهاء هنا ما أوردته آيات في سورة القصص، التي تؤكد أن الله وحده هو الخالق لما يشاء وهو يختار ما يتناسب مع خلقه في كل شيئ بما في ذلك التشريعات الدينية، لأنه يعلم بكل دقة ما يتناسب معهم، لمعرفته بمشاعرهم وأحاسيسهم وقدراتهم: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ. وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ.(القصص:68-69)
    وله سبحانه وحده الحمد في الدنيا والآخرة، فلا يرجع إلا إليه في تشريع وتصريف للكون وغيره: وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ.(القصص:70-71)
    ثم تستمر الآيات لتقول بأنه في يوم القيامة سيسأل كل شخص اتبع تشريعاَ غير تشريع الله وسيطلب منه أن يبحث عن ذلك المشرع البشري، الذي أشركه مع الله في الدنيا، إن كان سيتمكن من نصرته اليوم: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كَانُوا يَفْتَرُونَ.(القصص:74-75)
    وهذا الموقف تكرره آيات أخرى في نفس سورة القصص، والتي تظهر رد المشرعين والذين كانت تشريعاتهم الظنية في الدنيا غواية لمن تبعها: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ.(القصص:62-63)
    وتكرر الآيات اللاحقة أن الذين غووا باتباع تشريعات البشر سيطلب منهم يوم الحساب البحث عمن سنوا تلك التشريعاته وهل سيتمكنوا من نصرتهم في ذلك اليوم: وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ.(القصص:64)
    فأولئك المشرعون الذين تبعهم الناس وكأنهم شركاء لله في تشريعاته، لن يكون بإمكانهم يوم القيامة نجدة من تبعهم في الدنيا، وسيدخلون معهم النار، لأنهم تركوا وحي الله الذي نقله لهم الرسل واتبعوا ما شرعه لهم رجال الدين، ظناَ وبدون يقين: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ. فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ.(القصص: 65-66)
    ويكون كل من تبع أقوال الفقهاء في مثل هذه المسائل، قد اتخذهم شركاء لله كما تقول هذه الآية: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ.(القصص:62)
    ويكون الفقهاء هم المعنيون بالذين أغووا غيرهم، كما تقول هذه الآية الكريمة: قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ.(القصص:63)
    ويكون التشريع الإلهي ما ثبت عن الإله بطريق قطعي الثبوت لا لبس فيه ولا شك، وكل تشريع يصدر بألفاظ شخصية، فليس بتشريع إلهي ولو كانت ألفاظ شخصية للرسول محمد أو غيره من الرسل، لأن الدين دين الله وتشريعه سبحانه، ولن يعجزه سبحانه أن يضمن الوحي المنزل على رسله كل تشريعاته المفروضة على الناس.
    كما أن الرسول ليس أكثر من عبد لله مكلف بنقل رسالته وتشريعاته المتمثلة لنص الوحي الذي ينسخ في ذاكرته، ولا يملك الرسول إلا تبليغه كما هو دون أن يملك الحق في تعديله أو كتم بعضه أو الزيادة عليه، أو حتى صياغة بعضه بألفاظه الشخصية.
    ويمكن أن نخلص لقاعدة بسيطة ولكنها واضحة يمكن صياغتها كما يلي: كل وحي ينزل على الرسول فهو قرآن، وكل ما ليس قرآناً فليس بوحي. وكل وحي فهو تشريع، وكل ما ليس بوحي فليس بتشريع. فإذا أمر الله بالصلاة خمس مرات في اليوم فليس للرسول الحق بالطلب من الناس أن يصلوا ست أو أربع، أو أن يزيدوا ما شاؤا من الصلوات تحت مسمى سنن أو نوافل أو أي مسمى، فما بالك لو أن من أمر بالزيادة هم الفقهاء وليس الرسول. ومثلها الصوم والحج.
    ولو شاء الله أن يشرع فروضاَ ونوافل لذكر ذلك في محكم كتابه، ولقال بأن الحج للمرة الأولى فريضة والحج بعد ذلك له أجر كذا. وصوم رمضان فريضة والصوم في عاشورا أو في شوال أو غيرها لها أجر كذا. والصلوت الخمس فريضة وما زاد فله أجر كذا. ولكن الله لم يفعل، لأنه أراد من الناس التقيد بأوامر شرعه، والتقيد يعني عدم الإنقاص أو الزيادة عليها. فالصلاة أكثر من المفروض أو الصيام أكثر من المفروض أو الحج أكثر من المفروض مثل الإنقاص بأقل من المفروض، هذا هو معنى التقيد بأوامر ونواهي الشرع. والزيادة على شرع الله ليست خير بل هي غلو وقول على الله ما لم يقل.
    والفقهاء هم من قال بأن من يؤدي النوافل والسنن فله أجر، ولكن لا أحد يستطيع أن يؤكد هذا الكلام، أو يقيم عليه الدليل على الإطلاق. وليس من بين الفقهاء من يستطيع أن يبين لنا ما هو الفرق بين ثواب السنة وثواب السنة المؤكدة، وثواب المستحب، وثواب المندوب. وليس منهم من يستطيع أن يبين لنا ما المقصود بحكم المكروه؟ وهل هذا يعني أن الله يكره من عباده من يقدم على المكروه الذي صنفه الفقهاء بأنه مكروه، أم أنه مكروه لدى الفقهاء وليس عند الله. وهل إذا كره الفقهاء شيئاَ يمكنهم أن يدرجوه من المكروهات في تشريع الله، وهل هذا يعني أنهم يتطلعون إلى أن يستجيب الله لتدخلهم هذا وبالتالي سيكره فاعل المكروه الفقهي؟ أستغفر الله!
    ثم إن دين الله وتشريعاته واضحة كالمحجة البيضاء، وكل ما فيه لبس أو ظن أو شك أو إختلاف فليس من دين الله. فكل أمر في كتاب الله له أجر واضح ومنصوص عليه في القرآن، ومن خالفه فعقابه جهنم. وكل نهي في القرآن فله عقاب واضح ومنصوص عليه، ومن تجرأ وفعله فعقابه جهنم، وليس هناك في دين الله تشريعات أو أحكام لتشريعات باللون الرمادي أو بين بين أو فيها خلاف واختلاف.
    فلا يوجد في شرع الله اليقيني الثبوت، عدة أحكام لأمر واحد أو نهي واحد، مثلما يوجد في تشريعات الفقهاء حول حكم النوافل والسنن. فالله سبحانه لايمكن أن يقول بأن الوتر سنة مؤكدة مرة، ثم يقول بل هو فرض مرة أخرى، وفي مرة ثالثة يقول هو واجب، ولكنهم الفقهاء الذين قالوا بذلك. ولا يوجد في شرع الله فرائض وتشريعات غير واضحة ولا محددة، مثلما هو الوضع في تشريعات الفقهاء في النوافل والسنن، فمن قائل هي إثناعشر ركعة، وآخرون قالوا أكثر من ذلك، وغيرهم قال أقل.
    ولن نتتبع كل أدلة الفقهاء في السنن والنوافل ولكننا سنتعرض لدليلين سيكونان كافيان لدعم ما ذكرناه في الأسطر السابقة:
    الدليل الأول
    حديث مشهور ومتداول، هو حديث ضمام ابن ثعلبة، ذلك البدوي الأشعث الأغبر الذي قدم على الرسول وسأله عن العبادات، فأخبره الرسول بأن هناك خمس صلوات في اليوم والليلة وصوم شهر رمضان من كل عام وأن تحج إن استطعت مرة واحدة، فتعهد ضمام للرسول بأن يؤدي هذه العبادات دون زيادة أو نقصان، فلما أدبر قال رسول الله لقد أفلح إن صدق في تعهده. ولم يقل الرسول له أن عليه نوافل وسنن على الإطلاق. وقد جاء الحديث في كل كتب الحديث وروي بصيغ مختلفة، ولكنه يصور حادثة واحدة هي قدوم ضمام إلى الرسول، وهذا نص ما ورد في مسند أحمد برقم (2384): حدثنا عبد الله حدَّثني أبي ثنا يعقوب ثنا أبي عن محمد بن إسحاق حدَّثني محمد بن الوليد بن نويفع عن كريب ـ مولىٰ عبد الله بن عباس ـ عن عبد الله بن عباس قال : بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقدم عليه وأناخ بعيره على باب المسجد ، ثم عقله ، ثم دخل المسجد ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه ، وكان ضمام رجلاً جلداً أشعر ذا غريرتين ، فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه ، فقال : أيّكم ابن عبد المطلب ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا ابن عبد المطلب قال : محمد ؟ قال : نعم ، فقال : ابن عبد المطلب ، إني سائلك ومغلِّظ في المسألة فلا تجدن في نفسك ؟ قال : لا أجد في نفسي فسل عمّا بدا لك ، قال : أنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك ، وإله من هو كائن بعدك ، آلله بعثك إلينا رسولاً ؟ فقال : اللهم نعم ، قال : فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك ، وإله من هو كائن بعدك ، آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده لا نشرك به شيئاً وأن نخلع هذه الأنداد التي كانت آباؤنا يعبدون معه ؟ قال : اللهم نعم ، قال : فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك ، وإله من هو كائن بعدك ، آلله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس ؟ قال : اللهم نعم ، قال : ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة ، الزكاة والصيام والحج وشرائع الإسلام كلها يناشده عند كل فريضة كما يناشده في التي قبلها ، حتى إذا فرغ قال : فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن سيدنا محمداً رسول الله ، وسأؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه ، ثم لا أزيد ولا أنقص، قال: ثم انصرف راجعاً إلى بعيره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولى إن يصدق ذو العقيصتين يدخل الجنة، وفي رواية حديث الترمذي رقم (1585) أن ضمام قال: والذي أكرَمَكَ لاَ أتطوعُ شَيْئاً وَلاَ أنقِصُ مما فرضَ اللَّهُ عليَّ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلّم: أفلَحَ وأبيهِ أنْ صَدَقَ، أوْ، دَخَلَ الجنةَ وأبيهِ إنْ صَدَقَ.
    ولو كان هناك سنن ونوافل لقال له الرسول إستزد من النوافل ولك كذا من الأجر، بدل أن يقول أفلح وأبيه إن إلتزم بالفرائض فقط.
    ويبدوا أن قدوم ضمام ابن ثعلبة على الرسول كان في عام الوفود أي بعد السنة التاسعة للهجرة، وليس كما نقل ابن حجر العسقلاني في فتح الباري نقلاَ عن الواقدي بأنه كان في سنة خمس للهجرة، لسببين:
    الأول: أن أول وفد للقبائل قدم على الرسول كان وفد ثقيف في السنة التاسعة للهجرة، ومن بعده تقاطرت وفود القبائل، ومنهم ضمام ابن ثعلبة كوافد عن قومه بني سعد ابن بكر.
    الثاني: أن الخبر ذكر فيه الحج، والمسلمون لم يحجوا قبل السنة التاسعة، وهو عام الوفود أيضاَ، وبالتالي فمن يسلم قبل أن يؤدي المسلمون الحج لأول مرة لن يسأل عن الحج الذي لم يأت بعد.
    وبطبيعة الحال هذا الخبر لم يترك كما هو لأنه سيلغي تشريع الفقهاء حول السنن والنوافل، ولذلك نجد روايات أخرى تقول بأن الرسول كان يستدرك على الرجل في كل مرة يسأله، فيقول خمس صلوات إلا أن تتطوع، صوم رمضان إلا أن تتطوع ... وهكذا. ومن ذلك خبر رواه أبو داوود برقم (391)، وهذا نصه: حدثنا عَبْدُ الله بنُ سَلَمَةَ عن مَالِكٍ عن عَمِّهِ أَبي سُهَيْلِ بنُ مَالِكٍ عن أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بنَ عُبَيْدِالله ، يقولُ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائُرُ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلاَ يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا فإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عن اْلإسْلاَمِ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: خَمْسُ صَلَوَاتٍ في الْيَوْمِ وَالَّليْلَةِ . قال: هَلْ عَلَيَّ غَيْرَهُنَّ؟ قال: لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ. قال: وَذَكَرَ لَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ. قال: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قال لا. إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ. قال: وَذَكَرَ لَهُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الصَّدَقَةَ. قال: فَهَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قال: إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ. فأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يقولُ: وَالله لا أَزِيدُ عَلَى هَذَا ولا أَنْقُصُ. فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ.
    والملاحظ أن عبارة " إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ " مضافة على أصل الخبر عمداَ لأن من أضافها وحرص على تكرارها لم يفطن أن يعدل آخر الخبر بما يتناسب مع هذه الإضافة، حيث أبقى على عبارة " فأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يقولُ: وَالله لا أَزِيدُ عَلَى هَذَا ولا أَنْقُصُ. فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أَفْلَح إِنْ صَدَقَ.
    لأن قول ضمام بأنه لايزيد ولا ينقص ينطبق على خمس صلوات فقط، وصوم رمضان فقط، وحج مرة واحدة فقط، ولكن لو كان هناك صلوات وصوم وحج إضافية، وقد ذكرها الرسول له من باب أن يؤديها ليكسب بها أجراَ إضافياَ، فسيتعهد الرجل للرسول بأن يصلي الخمس وما يستطيع من سنن، وسيصوم رمضان وما يستطيع من سنن، وسيحج الفرض وسيكرره إن استطاع كنافلة، ولكنه لم يقل ذلك.
    كما أن الرسول لو كان قد ذكر " التطوع " لضمام ابن ثعلبة، وهو الرجل الذي ظهر حرصه على أن يعرف بالضبط ما هو المطلوب منه لله ليفعله، لحاول أن يستفسر من الرسول عن تلك السنن (التطوع) وكيف ومتى يؤديها، وكل ما يتعلق بها من معلومات، ولايكتفي بقوله سأفعل وهو لا يدري كيف سيفعل.
    وما يؤكد عدم وجود تطوع (سنن ونوافل للعبادات) أن الطبراني قد روى في الأوسط عن أبي سلمة خبراَ ينسب لإبي هريرة أن رسول الله قال: من لم يوتر فلا صلاة له. وقد بلغ هذا الخبر أم المؤمنين عائشة، فقالت متسائلة: من سمع هذا من أبي القاسم؟ ما بعد العهد وما فنينا.(أي أن عهدها برسول الله قريب، ولم تمت بعد) ثم تقول أم المؤمنين: إنما قال أبو القاسم: من جاء بالصلوات الخمس يوم القيامة يحافظ على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها، لم ينقص منه شيئ، كان له عند الله عهداَ ألا يعذبه. ومن جاء وقد أنقص منهن شيئاَ فليس له عهد عند الله، إن شاء رحمه وإن شاء عذبه. إنتهى
    فلا وجود للوتر في شرع الله، ولم تعرفه أم المؤمنين عائشة، ولكن الفقهاء اعتبروه سنة وواجباَ بل وفرض. كما أنه لا وجود لسنن ونوافل أخرى للصلاة أو الصيام أو الحج.
    الدليل الثاني
    حديث يستدل به بعض فقهاء الشافعية والحنابلة، في أن السنن الرواتب عشر ركعات، وهذا الحديث ورد في أكثر من كتاب من كتب الحديث، بنفس الصيغة تماماَ وبنفس السند حيث يرويه هشيم عن خالد المعنى عن عبدالله ابن شقيق الذي ينقله عن أم المؤمنين عائشة. وهذا التوافق في صيغة الخبر وفي السند بين عدد من كتب الحديث لخبر واحد، ليس فقط يقويه، بل إنه قليلاَ ما يحصل لحديث. وهذا نصه: حدّثنا يَحْيَىٰ بْنُ يَحْيَىٰ. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ شَقِيقٍ. قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ، عَنْ صَلاَةِ رَسُولِ اللّهِ ، عَنْ تَطَوُّعِهِ؟ فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعاً. ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ. ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ. ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ. وَيَدْخُلُ بَيْتِي فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. وَكَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ. فِيهِنَّ الْوِتْرُ. وَكَانَ يُصَلِّي لَيْلاً طَوِيلا قَائماً. وَلَيْلاً طَوِيلاً قَاعِداً. وَكَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ، رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ. وَإِذَا قَرَأَ قَاعِداً، رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ. وَكَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ، صلى رَكْعَتَيْنِ.(مسلم:1649)
    وهذا الحديث لا يمكن أن يستدل به على أن هناك سنن مطلوبة من المسلمين وعددها عشر ركعات كما قال الفقهاء، لأنه ليس فيها أمر ولا تحبيذ من الرسول للناس بأن يقتدوا به، ولأن الشاهدة عليه، وهي أم المؤمنين عائشة، لم تقل بأنها كانت تصلي تلك الصلوات لا مع الرسول ولا بعده أو قبله، ولم ينكر عليها الرسول ذلك، ولم يطلب منها أن تفعل. (إلا إذا كان الفقهاء يرون أن السنن والنوافل قصر على الرجال وليست للنساء)
    ويكون الخبر روته أم المؤمنين لتخبر أن الرسول كان يصلي صلوات إضافية، غير تلك الصلوات الخمس التي فرضت على المسلمين. وهذه الصلوات الخاصة والزائدة عن الصلوات المفروضة وقف على رسول الله دون سائر المسلمين. وهذه بعض الأدلة من القرآن على ذلك:
    - وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ.(هود:114)
    وهذه الصلاة لا يمكن أن تكون من الصلوات الخمس لأنها لا تتوافق مع أوقاتها، فليس هناك صلاة مفروضة في طرفي النهار، ولكن هناك صلاتين من الصلوات الخمس في طرفي الليل، وهما الفجر التي تصلى في الهزيع الأخير من الليل، والمغرب والتي تصلى في أول الليل بعيد غروب شمس النهار. إضافة إلى أن صلاة الليل الثالثة تصلى وقت العشي مرة واحدة، وليست على شكل صلوات متتابعة في أوقات مختلفة من الليل بدون تحديد كما تدل عليه عبارات الآية " زلفاَ من الليل" . إضافة لذلك فالأمر في الآية واضح أنه للرسول فقط.
    - ومثل الآية السابقة قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً.(بني إسرائيل:78)
    فهي أيضاً أمر للرسول وحده، دون سائر المسلمين، وهي صلاة غير الصلوات المفروضة، فهي نافلة (أو زيادة على الصلوات المفروضة على المسلمين، كما تؤكد ذلك الآية التي تليها، يقول تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً.(بني إسرائيل:79)
    - وهذا دليل آخر على أن الرسول قد طلب منه القيام بصلوات إضافية: بسم الله الرحمن الرحيم. يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا. إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا. إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا وَأَقْوَمُ قِيلًا. إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا. وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا. رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا. وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا. وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا. إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا. وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا.(المزمل:1 – 13)
    فهذه الآيات من سورة المزمل من أوائل الآيات التي نزلت على محمد صلى الله عليه وسلم، وقد تكون قد سبقت فرض الصلوات الخمس. وهي تأمر الرسول بقيام الليل بدون تحديد للوقت، مع أمر بقراءة القرآن وتدبره (ترتيلا) وذلك لسبب جوهري يتمثل بالإستعداد لتلقي (قولاَ ثقيلاَ) بمعيار إلهي، مما يعني الحاجة لأن يستعد له استعداداَ خاصاَ، يتمثل بتهيئة نفسية عالية جدا، ومن نوع خاص. لأنه تهيئة نفسية وتدريب ذهني يؤهل متلقيه لأن يكون كفؤَ لتحمل أعباء تبليغ رسالة الله إلى البشر والصبر على ما سيواجهه من صعاب وأذى نفسي وبدني وذهني لا يمكن أن يتحمله بشر في الحالات العادية، ولا يمكن أن يتحمله بشر ما لم يتلقى هذا التأهيل الرباني النفسي. لذلك جاء هذا التأهيل في بداية الدعوة واستمر إلى أن تأسست دولة الإسلام ولم يعد هناك ضغوط نفسية وبدنية على الرسول فنزل القرآن يعفي الرسول من قيام الليل ومن تلك الصلوات النوافل (أي الزائدة) والإكتفاء بما فرض من صلوات خمس، وقد جاء هذا العفو في نفس هذه السورة وفي الآية الأخيرة منها، في المدينة وفي آخر حياة الرسول، وبعد ما يزيد عن عشرين سنة من نزول الآيات الأولى لسورة المزمل في مكة. والآية تقول: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرأوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واقرضوا الله قرضاً حسناً وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خير وأعظم أجراً واستغفروا الله إن الله غفور رحيم.(المزمل:20)
    ومن بعد هذه الآية لم يعد الرسول ولا من تابعه من بعض المسلمين، أو من أهل بيته، يقومون بأداء تلك الصلوات النوافل، لأنها صلوات خاصة لغاية محددة كجزء من برنامج إلهي لتأهيل الرسول نفسياَ ليكون قادراَ على تبليغ الدعوة، وبما أن هذا قد تم وقامت دولة للإسلام، وانتفت الحاجة، فقد جاء العفو الإلهي عن تلك النوافل. (يمكن الرجوع لفصل برنامج التأهيل النفسي والإرشاد الإلهي)
    ومن الآيات التي تبين بكل جلاء أن محمداَ رسول فقط لا يستطيع أن يقول شيئاَ في سبيل الدعوة لله بغير ما يقوله القرآن، قوله تعالى مخاطباَ محمد بعد أن شعر بالضيق من عدم تصديق قومه لدعوته: فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ. أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ.(هود:12-14)
    ثم أليس من شرع تشريعاَ خارج قرآن الله وكأنه نصب نفسه رباَ مع الله ومن أطاعه فقد إتخذه رباَ مع الله: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ.(الأنعام:164)
    وهل يحتاج القرآن لإضافات، والله يشهد بأن فيه تفصيل كل شيئ: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.(يوسف:111)
    والإسلام يقوم على تشريعات متنوعة وكثيرة، وتشريعات العبادات في الإسلام بسيطة وواضحة، وهي محددة بثلاثة أنواع من العبادات فقط، هي:
    عبادة تؤدى يومياَ وهي الصلوات الخمس. وهي لازمة ما دام الإنسان قادراَ على ذلك ذهنياَ، ولو كان عاجزاَ بدنياَ.
    عبادة تؤدى مرة واحدة في العام وهي صيام شهر رمضان. ويمكن للمريض أو المسافر أن يفطر ويقضي فيما بعد.
    وعبادة تؤدى مرة واحدة في العمر، وهي الحج والعمرة. وهذه تسقط إذا كان الإنسان غير قادر على أدائها مادياَ ومعنوياَ وأمنياَ وبدنياَ أو لأي مانع آخر.
    وهذه هي العبادات الثلاث المطلوبة في الدين، ولذلك لا يستطيع الإنسان أن يزيد فيها ولا ينقص. فلا يجوز أن يصلي الإنسان أربع أو ست مرات في اليوم بدل خمس، كما لايجوز له أن ينقص في سجدات الصلاة الواحدة أو ركوعها أو وقوفها، ولا أن يزيد فيها بأقوال ليست منها. ولا يجوز أن يزيد فيما يقال في أوضاعها، فلا يقول غير سبحان ربي الأعلى للسجود، ولا يستطيع أن يبدل ذلك بأي دعاء غيره، أو يقول سبحان ربي الأعلى في وضع آخر غير السجود وهكذا.
    كما لايجوز أن يستبدل صيام رمضان بشهر غيره، أو يبدأ الصوم من الظهر إلى منتصف الليل، مثلاَ. ولا يجوز الحج في غير أشهر الحج، كما لايجوز القيام بأفعال في الحج ليست منه بدل أفعال مفروضة له.
    لأن كل هذه العبادات شرعها الله سبحانه وتعالى وقررها بصورتها وأوقاتها وهيئتها وما يقال فيها وما يفعل. وهو سبحانه أحكم الحاكمين، ولذلك فمن زاد على شرع الله فكأنما أنقص منه، ويكون قد خالف الشرع وخرج عن أوامر الله. لأن أمر الله وشرعه جاءت لكي تطاع ويلتزم بها كما شرعت بكل دقة، دون زيادة أو نقص. ولو أراد الله أن يفرض صلوات أو صوم أو حج أكثر مما فرض لفعل.
    ولأن من لم يؤد صلاته كما يجب من خشوع وإستحضار وتدبر فيما يقول في كل وضع من أوضاع الصلاة، فلن يكمل تلك النواقص في الصلاة لو صلى بعدها أو قبلها عشرات الصلوات، التي سماها الفقهاء سنن ونوافل. وذلك لأن الله فرض الفروض، وطلب أن تؤدى بصورة صحيحة وسيحاسب الإنسان على مدى تأديته للصلاة المفروضة بالشكل المطلوب، ولم يقل سبحانه بأن النوافل أو السنن متممة للصلوات المفروضة بحيث كلما زادت سدت فرجة أو نقص في الصلاة المفروضة.
    ثم إن الله سبحانه لحكمة لا نعلمها جعل الصلوات المفروضة خمس، ولو إقتضت حكمته أن يجعلها أقل أو أكثر لفعل، ولذلك يجب على الإنسان أن يتقيد بعدد الصلوات المفروضة ولا يزيد عليها، مثلما عليه ألا ينقص منها. لأن تقيده هذا جزء من إتباع شرع الله وتنفيذه بالصورة التي طلبها الله سبحانه، أما الزيادة عليها أو النقص منها فمعصية لأمر الله وخروج عن تشريعه.
    وإذا كان يكفر بشرع الله من قال بأن أداء أربع صلوات في اليوم بدل خمس كاف وإن نقص الأجر قليلاَ، فإن الشيئ نفسه ينطبق عليه لو قال إن على الإنسان أن يصلي أكثر من الخمس صلوات في اليوم، ولو ركعة واحدة. أو قال بأن أداء صلوات إضافية غير الصلوات الخمس المفروضة تفيد بإتمام النواقص التي قد تكون حدثت من المصلي في صلاته المفروضة.
    وما ينطبق على الصلوات ينطبق على الصيام، فمن قال يكفي أن نصوم تسعة وعشرون يوماَ من أصل ثلاثين في الشهر الكامل، فمثله من قال إن صيام شهر رمضان يكمل بصيام أيام أخر ولو كان يوماَ إضافياَ واحداَ. ومثله من قال بأن صوم النوافل يكمل ما قد يكون طرأ على صوم الفرض من نواقص، أو أن صوم النوافل يكمل أجر الفرض.
    ومثله من قال بأن حج البيت مرة واحدة واجبة، ولكن تكراره فضل وزيادة في الخير، وهو كمن يقول بالإكتفاء بالعمرة عن الحج، أو بالحج عن العمرة، مع القدرة.
    وكل صلاة أو صيام أو حج غير المفروضة من الله إنما هي من إجتهادات الفقهاء وليس من شرع الله، وكله يمكن تفنيده وإثبات عدم شرعيته، لأنه يعتمد على أدلة ظنية يسهل إختراقها وتعريتها، بينما ثبت تشريع الصلوات الخمس وصوم رمضان والحج والعمرة لمرة واحدة في كتاب الله ولا مجال للإنسان إن كان يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر إلا أن يؤديها. أما ما يسمى بالسنن والنوافل ففيها إختلاف كثير، وليس لها أصل يقيني ثابت.
    وحتى لو إفترضنا أن هناك ما سماه الفقهاء بالسنن التي يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، فلو تركها الإنسان فلن يسأله الله عنها، ولن يدخل النار بسبب ذلك، وإن فعل هذه " السنن " فله أجر السنن والنوافل، والذي هو فضل من الثواب أي ليس ثواباَ يدخل صاحبه الجنة وينجيه من النار.
    لكن لو أن أقوال الفقهاء في السنن والنوافل لم تكن صحيحة، فإن كل من صلى وصام وحج على شكل سنن ونوافل، فإنه قد زاد في دين الله ما ليس فيه، وشرع على دين الله ما لم يشرعه الله، وهذا لن يثيب الله فاعله بل ستكون جهنم نصيبه، حتى ولو كان ما أضافه قليل جدا، لأنه أضاف للدين ما ليس في الدين وقال على الله غير الحق، وهو ما حذر الله عنه بني إسرائيل: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً.(النساء:171)

  10. #100

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    المثال الثاني: صيام ست من شوال
    يعتمد الفقهاء الذين يرغّبون الناس في صيام ستة أيام في شوال على خبر نسب للرسول، ونصه: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِسِتَ مِنْ شَوَّالَ فَكَأنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ، أو فَكَأَنَّمَا صَامَ السَّنَةَ كُلَّهَا.
    وهذا الخبر لم يرد في كتاب البخاري، وأورده مسلم، وكرره أحمد في مسنده، والترمذي والدارمي وأبو داوود. وقد ورد الخبر إما عن طريق سعد بن سعيد الأنصاري، الذي ينسب منه الخبر إلى عمر ابن ثابت، ثم إلى أبي أيوب الأنصاري. أو عن طريق سعيد بن أبي أيوب ومنه نسب إلى عمرو بن جابر الحضرمي عن جابر بن عبد الله في عدد من الروايات في مسند أحمد. وعمرو ابن جابر الحضرمي من غلات الشيعة كما ورد في تاريخ الثقات للعجلي.
    وقد أورد مالك في الموطأ خبراً أظهر بجلاء كيف بدأت فكرة صيام ستة أيام شوال بين الناس وكيف كان موقف الفقهاء والناس المتدينين منها، ثم توقعاته في أن هذه البدعة سوف تتحول مع الأيام إلى فضيلة تقرب من الفريضة.
    وهذا نص ما ورد في الموطأ: قَالَ يَحْيَىٰ: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ فِي صِيَامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ إنَّهُ لَمْ يَرَ أَحَداً مِن أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ يَصُومُهَا وَلَمْ يَبْلُغْنِي ذٰلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ وَإنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ ذٰلِكَ وَيَخَافُونَ بِدْعَتَهُ وَأَنْ يُلْحِقَ بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ مِنْهُ أَهْلُ الْجَهَالَةِ وَالْجَفَاءِ لَوْ رَأَوْا فِي ذٰلِكَ رُخْصَةً عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَرَأَوْهُمْ يَعْمَلُونَ ذٰلِكَ.(الموطأ:693) إنتهى.
    وكتاب الموطأ قام مالك بتأليفه بتكليف رسمي من أحد خلفاء بني العباس وأغلب الظن أنه المنصور الذي طلب منه أن يضع كتاباً للناس يحملهم على الإستشهاد بما جاء فيه من أحاديث وترك ما عداها مما كان منتشراً بين الناس ويتناقلونه من أحاديث. ويعتبر أقدم كتب الأحاديث الموجودة لدينا الآن، وتأليفه سبق تأليف البخاري لكتابه بنحو مائة عام.
    وقد صدق حدس مالك، فقد بدأ في زمانه ينتشر بين الناس صيام الستة أيام من شوال، مع إنكار الفقهاء (أهل العلم) له باعتباره بدعة لم يفعلها السلف، ولكن هذا لم يمنعه من الإنتشار.
    ولما جاء البخاري لم ينقل في كتابه أي خبر يرغب في هذا الصيام لأن أَهْلُ الْجَهَالَةِ وَالْجَفَاءِ (كما سماهم مالك) لم يلحقوه برمضان بعد.
    ولكن مسلم الذي جاء بعد البخاري قام بذكر خبر ذلك الصيام في كتابه، فكان أن تبعه في ذلك غيره، مما جعل الفقهاء الذين جاؤا في عصور لاحقة، يعتقدون بأن ورود الخبر في كتب مسلم والترمذي والدارمي وأبو داوود يعني أن الرسول والصحابة قد صاموه بأمر من الله، فصامه (أهل العلم) الذين كانوا يتكرونه في عهد مالك، وأوصوا غيرهم بصيامه.
    واليوم، فصيام ستة أيام من شوال يقرب في فضله بين الناس من فضل صيام رمضان، على الأقل في بلاد الحرمين. وينظر إلى الشخص الذي لايصوم هذه الأيام الستة، على أنه ترك عبادة من العبادات، و لم يعد أحد يجرؤ على القول بأن هذا الصيام بدعة كما قال عنه مالك، وإلا لتعرض للإتهام بالمروق من الدين وحوكم على مقولته.

    المثال الثالث: صلاة التراويح
    تعرف الموسوعة الفقهية التي تطبعها وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية الكويتية، صلاة التراويح بما يلي: هي قيام شهر رمضان، مثنى مثنى، على اختلاف بين الفقهاء في عدد ركعاتها، وفي مسائلها.
    حكمها عند الفقهاء
    تقول الموسوعة: إتفق الفقهاءعلى سنية صلاة التراويح، وهي من أعلام الدين الظاهرة. وقالوا بأن من سنها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ورغب فيها. واستدلوا على ذلك بحديث رواه عدد من كتاب الحديث، وهذه إحدى نصوصه والذي جاء برقم(1112) في البخاري: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ يوسُفَ قال أخبرَنا مالكٌ عن ابنِ شهابٍ عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ عن عائشةَ أمِّ المؤمنينَ رضي اللهُ عنها أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم صلَّى ذاتَ ليلةٍ في المسجدِ فصلَّى بصلاتِهِ ناسٌ، ثمَّ صلَّى منَ القابلةِ فكثُرَ الناسُ، ثمَّ اجتمعوا منَ الليلةِ الثالثةِ أو الرابعةِ فلم يَخرُجْ إليهم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فلمَّا أصبحَ قال:قد رأيتُ الذي صنَعْتم، ولم يمنَعْني منَ الخروجِ إليكم إلاّ أني خشيتُ أن تُفرَضَ عليكم، وذلك في رمضان. إنتهى النقل من الموسوعة
    وأول ما يتبادر للذهن من تساؤل هو: متى سنها الرسول ومتى رغب فيها، إذا كانت كتب الحديث تورد نهيه عليه الصلاة والسلام عنها وعن فعلها؟
    ولذلك لم يصلها أحد من الصحابة زمن رسول الله، باستثناء أولئك النفر الذين لم يذكر من أسمائهم أحد، ولم يصلها أحد زمن أبا بكر، ولم تورد كتب الأخبار أن أحداً من كبار الصحابة بالإسم قد صلاها.
    وتقول الموسوعة أن عمر هو الذي جمع الناس فيها على إمام واحد، وهذا الخبر الذي استدلوا به على ذلك: عنِ ابنِ شِهابٍ عن عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيرِ عن عبدِ الرحمنِ بن عبدٍ القارِيِّ أنهُ قال: خرَجتُ معَ عُمرَ بن الخَطّابِ رضيَ الله عنهُ ليلةً في رمضانَ إِلى المسجدِ فإِذا الناسُ أوزاعٌ مُتَفَرِّقونَ يُصلِّي الرجلُ لنَفْسِهِ، ويُصلِّي الرجُلُ لنفسه ويُصَلِّي الرَّجُلُ فيُصلِّي بصلاتِهِ الرَّهطُ. فقال عمرُ: إِني أرَى لو جَمعتُ هؤلاءِ على قارىٍء واحدٍ لَكانَ أمْثَلَ. ثمَّ عَزمَ فجمَعَهم على أُبيِّ بنِ كعبٍ. ثمَّ خَرَجتُ معهُ ليلةً أُخرى والناسُ يُصَلُّونَ بصلاةِ قارِئهم، قال عمرُ: نِعْمَ البِدْعةُ هذهِ، والتي يَنامونَ عنها أفضَلُ منَ التي يَقومونَ ـ يُريدُ آخرَ الليلِ ـ وكان الناسُ يَقُومونَ أوَّلهَ.(البخاري:1986)
    ولم أجد لعبدالرحمن ابن عبدالقارئ ذكر في الكتب التي تترجم للصحابة مثل أسد الغابة والإصابة ولا في كتب السير كسيرة ابن هشام ولا في كتب التاريخ مثل الطبري والكامل، ولا في كتب الرجال كلها.
    وتزيد الموسوعة الفقهية: وروى أسد ابن عمرو عن أبي يوسف قال: سألت أباحنيفة عن التراويح وما فعله عمر، فقال: التراويح سنة مؤكدة، ولم ينخرص عمر من تلقاء نفسه، ولم يكن مبتدعاً، ولم يأمر به إلا عن أصل لديه وعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولقد سن عمر هذا وجمع الناس على أبي ابن كعب فصلاها جماعة والصحابة متوافرون من المهاجرين والأنصار وما رد عليه واحد منهم، بل ساعدوه ووافقوه وأمروا بذلك. (فتح القدير1/333، الإختيار1/68-69، المنتقى 1/207)
    وعن عدد ركعاتها فهناك خلافات كثيرة بين الفقهاء يمكن إيجاز أقوالهم حولها بأنها تكون فيما بين عشر ركعات إلى أربعين ركعة. وقال بعض الفقهاء إن صلاتها في البيت أفضل من صلاتها في المسجد بينما قال آخرون بصلاتها في المسجد. وهناك أحد آراء الحنفية أن من فاتته صلاة التراويح فعليه أن يقضيها ما لم يدخل وقت تراويح أخرى، وقيل ما لم يمض الشهر.
    هذا باختصار أهم ما جاء عن التراويح، فهل هناك في الإسلام فعلاً صلاة تراويح، وهل صلى الرسول التراويح؟ وإذا كان صلاها ومنعها فهل من حق غير رسول الله أن يعيد سنها بعد أن منعها الرسول؟
    وللإجابة على هذين التساؤلين نقول: سنسلم أن الرسول قد صلى مرة في مسجده الملاصق لحجرات زوجاته في إحدى الليالي الرمضانية، وإن كان من المحال أن ندري في أي سنة هجرية كان ذلك. ولكن بما أن رمضان فرض، كما يقال، في السنة الثانية للهجرة، فسنفترض أن هذه الحادثة قد جرت في أول رمضان يصومه الناس. ويكون نفر من الناس كانوا قريباً من مسجد رسول الله، ولما رأوه يصلي صلوا بصلاته ظناً منهم أنها مما يجب عليهم فعله في شهر الصوم الجديد عليهم.
    ولما شعر بهم الرسول لم يكمل صلاته ودخل بيته، في إشارة إلى أنه ليس عليهم أن يصلوا بصلاة الرسول تلك. ولكن يبدوا أن أولئك النفر لم يفهموا إشارة الرسول، فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن بين لهم بكل وضوح، في ليلة لاحقة، وبما لا يدع مجالاً للشك بأن هذه الصلوات ليست مفروضة عليهم ولا يلزمهم صلاتها، عندما لم يخرج بعد ذلك للصلاة في المسجد، وعندما قال لهم بصريح العبارة ألا يصلوها، خوفاً من يأخذ بها الناس ويواضبوا عليها، فيكون هو صلى الله عليه وسلم من فرضها عليهم ولم يأمرهم الله بها، أو أن الناس سيتناقلونها ويواظبون على أدائها وكأنها مفروضة، مع أن الله لم يفرضها. وهذا هو معنى " خشيتُ أن تُفرَضَ عليكم " وليس المعنى أن الله سيفرضها على الناس إذا داوموا عليها لأن تشريعات الله ليست إرتجالية، ولأنه سبحانه لا يحتاج لمن يوحي له بما يفعل (تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً) ولو صلى الناس ست صلوات كفريضة وداوموا على ذلك فلن يأتي الوحي من الله ليعدل الصلوات من خمس إلى ست لأن الناس داوموا على أداء ست صلوات.
    ويبدوا أن أولئك النفر ليسوا من كبار الصحابة من مهاجرين وأنصار، وإلا لذكرت أسماء البعض منهم، وقد يكونوا من أصحاب الصفة، وهم نفر من الفقراء والمساكين الذين ليس لهم ذكر في الصحابة والذين لا يجدون مأوى فيبيتون في صفة (حجرة أو غرفة) في مسجد رسول الله، ولذلك سهل عليهم ملاحظة الرسول عندما قام يصلي، وصلوا بصلاته، كما أن هذا يفسر حضورهم في الليلة التالية والتي تليها حتى أوقفهم الرسول ومنعهم من أدائها. وممن كان من أهل الصفة: طهفة ويقال طخفة والحارث بن نبيه، وجرهد بن خويلد بن بجرة بن عبد ياليل، وغرفة الأزدي، وطلحة بن عمرو النصري، وغيرهم، كما ورد في كتاب الإصابة في تمييز الصحابة، وأسد الغابة في معرفة الأصحاب، والذين ليس لهم ذكر في الصحابة كما أسلفنا.
    والرسول، وبنص القرآن، كان مطالباً بصلوات وأذكار وقراءة للقرآن خلال الليل، دون سائر المسلمين، وذلك لكي يساعده ذكر الله والصلاة على تحمل أعباء الدعوة ومشاقها والصبر على أذى المشركين،كما سبق وذكرنا في المثال الأول ( النوافل).
    وتكون تلك الصلاة التي رأى نفر من الناس الرسول يصليها في إحدى الليالي الرمضانية، والتي نهاهم الرسول عن أداءها، معه أو منفردين، هي صلاة خاصة بالرسول ولا شأن للناس بها.
    والآن لنرى مالذي نسبته كتب الأخبار لعمر ابن الخطاب فيما يخص ما سمي بصلاة التراويح.
    يقول نص الخبر، كما سبق ذكره: عنِ ابنِ شِهابٍ عن عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيرِ عن عبدِ الرحمنِ بن عبدٍ القارِيِّ أنهُ قال: خرَجتُ معَ عُمرَ بن الخَطّابِ رضيَ الله عنهُ ليلةً في رمضانَ إِلى المسجدِ فإِذا الناسُ أوزاعٌ مُتَفَرِّقونَ يُصلِّي الرجلُ لنَفْسِهِ، ويُصلِّي الرجُلُ لنفسه ويُصَلِّي الرَّجُلُ فيُصلِّي بصلاتِهِ الرَّهطُ. فقال عمرُ: إِني أرَى لو جَمعتُ هؤلاءِ على قارىٍء واحدٍ لَكانَ أمْثَلَ. ثمَّ عَزمَ فجمَعَهم على أُبيِّ بنِ كعبٍ. ثمَّ خَرَجتُ معهُ ليلةً أُخرى والناسُ يُصَلُّونَ بصلاةِ قارِئهم، قال عمرُ: نِعْمَ البِدْعةُ هذهِ.
    فإذا كان عمر ابن الخطاب لم يصل هذه الصلاة طوال زمن رسول الله وزمن خلافة أبا بكر، ولم يصلها بنفسه عندما رأى الناس في خلافته يصلونها، ولم يصلها بعدما أمرهم بصلاتها جماعة " على إفتراض أنه أمرهم" ، فهل يعقل أن يأمر الناس بصلاة هو لم يقم بأدائها طوال عمره مرة واحدة؟
    وقد سبق وذكرنا بأن أبا حنيفة نسب عنه تلميذه ابا يوسف ما يلي: وروى أسد ابن عمرو عن أبي يوسف قال: سألت أباحنيفة عن التراويح وما فعله عمر، فقال: التراويح سنة مؤكدة، ولم ينخرص عمر من تلقاء نفسه، ولم يكن مبتدعاً، ولم يأمر به إلا عن أصل لديه وعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم.إنتهى
    فإذا كان عمر قد أمر الناس بعهد من الرسول كما نسب له أبو حنيفة هنا، فلماذا انتظر حتى رأى الناس يصلون وجمعهم على أدائها جماعة، ولماذا لم يأمرهم بذلك بمجرد أن استلم الخلافة؟
    ولماذا لم يبلغ أبا بكر بما لديه من عهد من الرسول؟ وإذا كان عمر هو من جمع الناس على صلاة التراويح فلماذا لم يصلها بنفسه؟ ولماذا ترك إمامة المسلمين لأبي ابن كعب وهو إمامهم بحكم كونه الخليفة، والخليفة في ذلك العصر كان هو إمام المسلمين في مسجد رسول الله.
    ولكن يبدوا أن من وضع الخبر ونسبه لعمر، قد وضعه في زمن لم يعد الخليفة هو من يؤم الناس في الصلاة، ولذلك لم يفطن إلى أنه قد ارتكب خطأ بزعمه أن عمر لم يؤم الناس، وإنما أمر أبي ابن كعب ليكون إماما.
    ثم إن كانت تلك الصلاة بدعة، فكيف سمح عمر للناس بمزاولتها وهو الذي ضرب عدداً من الصحابة لأنهم يحدثون عن الرسول. وحتى لو قال عمر للناس صلوا جماعة في صلاة يعلم هو قبل غيره أنها بدعة، فهل من الشرع طاعة عمر؟
    وهل لو أطاعه الناس فإن تلك البدعة ستتحول إلى سنة؟ أم أن عمر لو كان فعل ذلك، وهو لا يمكن أن يكون فعل، لأثم بتصرفه وتشجيعه للناس، وأثم الناس بصلاتهم وطاعة عمر ، لأن عمر ليس نبياً يوحى إليه، ولا يستطيع تشريع صلاة لم يفرضها الله على الناس. ولو أن هذا ما حدث فسيأثم كل من يصلي تلك الصلاة لأنه جعل عمر رباً من الأرباب من دون الله.
    وإلا فالعبادات المفروضة من الله، لا يخفيها الله عن الناس إن كان سيطالبهم بها أو حتى سيثيب من يفعلها منهم. والدين ليس فيه اسرار يعلمها عمر وتخفى على ابي بكر، أو غير أبا بكر.
    ولكن يبدوا فعلاً أن الناس تناقلوا أخباراً عن صلوات الرسول الخاصة التي كلفه القرآن بها لوحده، وذكرنا بعضاً منها، والتي تندرج تحت إطار تهيئة الرسول لتحمل أعباء الدعوة، وبعد توسع " الفتوح " ودخول الملايين في الإسلام بدون تعمق في تشريعاته أو فهم كامل لها، جعل بعضهم يبحث عن أي خبر يتحدث عن أي عبادة كان الرسول يؤديها غير ما فرض على المسلمين، ومن ثم يحاول أن يقوم بها ويأمر الناس بفعلها، تأسياً برسول الله. فجاء ما سمي في الفقه بالسنن، والسنة إصطلاح فقهي محض من صنع الفقهاء، فليس في كتاب الله سنة وندب وسنة مؤكدة وغيرها من هذه المصطلحات التي لم يقل بها الرسول ولم يعلم بها طوال حياته، كما لم يعلم أو يسمع بها الناس في عهد أبا بكر وعمر وعثمان وعلي. ولا يستطبع أحد من الفقهاء من أن يدعي أنه لقى وحياً أو كلمه الله، وأخبره أن السنن يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، وأن المكروه يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، وغير ذلك من مصطلحات فقهية شرعها الفقهاء ولم يعلم بها رسول الله.

    المثال الرابع: صيام عاشوراء
    تكرر ذكر صيام عاشوراء عشرات المرات في كل كتب الحديث المعروفة عند السنة، بروايات مختلفة ومتفاوتة، وذلك عائد إلى أن كتّاب الحديث بلا استثناء يدونون ما يجدونه متداولاً بين الناس من أحاديث، مهما كانت متعارضة، دون تمحيص لمتونها. لأن مهمتهم تتوقف عند تدوين ما يعتقدون أنه حديث قاله الرسول، وليس لهم من دليل يثبت صلته به عليه الصلاة والسلام أكثر من كون الحديث مشهوراً ومتداولاً بين الناس في الزمن الذي عاش فيه المؤلف. فكان أفضل ما يقوم به الكاتب هو اختيار أفضل الأسانيد المتوفرة للخبر وقت تدوينه، أو إيراد عدة أسانيد لخبر واحد ليدعم بعضها بعضاً. وكلما اشتهرت رواية الخبر كلما قويت صحة نسبته للرسول، حسب ظنهم. لذا سنكتفي بمناقشة الأخبار الواردة في موطأ مالك بحكم أنه أقدم كتب الحديث الموجودة بين أيدينا، والأخبار الواردة في البخاري بحكم أن الناس يعتقدون أن ما في البخاري من أحاديث أصح من غيرها في الكتب الأخرى.
    ومما أورده مالك ثلاث روايات عن صيام عاشوراء، كما يلي:
    واحدة تنسب إلى عمر وليس للرسول، ونصها: وحدَّثني عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَرْسَلَ إلَىٰ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّ غَداً يَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَصُمْ وَأْمُرْ أَهْلَكَ أَنْ يَصُومُوا.(الموطأ:667)
    والرواية الثانية التي وردت في الموطأ منسوبة لمعاوية ابن أبي سفيان، ونصها: وحدَّثني عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمٰنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَامَ حَجَّ وَهُوَ على الْمِنْبَرِ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يقول في هذا الْيَوم هذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ صِيَامُهُ، وَأَنَا صَائِمٌ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ(الموطأ:666)
    أما الرواية الثالثة فقد أعادت سبب صيام الرسول لعاشوراء إلى أنه تقليد جاهلي صامه الرسول قبل الإسلام وداوم على صيامه إلى ما بعد هجرته للمدينة وفرض صيام رمضان فترك صيامه: حدَّثني يَحْيَــىٰ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْماً تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَصُومُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ، وَتُرِكَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ.(الموطأ:665)
    ولن تناقش الرواية الموقوفة على عمر ابن الخطاب، لأنها لا تعتبر تشريعاً لصوم عاشوراء، أما الروايتان المنسوبتان للرسول في الموطأ، فتدلان على أن الناس قد بدأوا فعلاً ينظرون لعاشوراء بشيئ من التبجيل في زمن مالك (الذي ولد سنة 93 ومات سنة 179 كما أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء).
    حيث بدأت تنتشر بعض الأخبار المنسوبة للرسول عن فضل صيام ذلك اليوم، ونسب أول تلك الأخبار إلى عائشة والذي ينص على أن ذلك اليوم كان معظماً عند قريش قبل الإسلام مع التأكيد على أن صيام عاشوراء لم يعد معمولاً به بعد فرض صيام رمضان: فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ، وَتُرِكَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ.
    ومجرد إيراد مثل هذا الخبر كفيل بغرس فكرة تميز يوم عاشوراء في عقول بعض الناس، وجعلهم يتقبلون كل ما يمكن أن ينسب لعاشوراء من فضائل بعد ذلك.
    وفي خطوة تالية لزرع تقديس عاشوراء في النفوس، جاءت الرواية الثانية المنسوبة لمعاوية ابن أبي سفيان العدو اللدود لعلي ابن أبي طالب حتى لا يربط الناس بين تبجيل عاشوراء وبين مقتل الحسين. فجاء الترغيب بصوم ذلك اليوم مع التشديد على أن صيامه ليس فيه فضل كثير: فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ. ليكون من السهل بعد ذلك على الناس أن يتذكروا الأمر بالصيام وينسوا خيار تركه.
    واستعراض أحاديث صيام عاشوراء في البخاري تعطي صورة واضحة عن النقلة الكبيرة التي أصبح عليها المجتمع المسلم في تقبل فكرة تعظيم عاشوراء عما كانت عليه أيام مالك ابن أنس المتوفى قبل مولد البخاري بحوالي (77) عاماً.
    • فالبخاري في الحديث رقم (1987) كرر نقل الخبر الذي ورد في الموطأ برقم (665)، السالف الذكر، ولكن بإضافة جملة في آخره. حيث ينتهي حديث الموطأ بقوله " فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ، وَتُرِكَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ". والجملة السحرية المضافة عند البخاري هي " فكان مَنْ شاءَ صامَهُ ومَنْ شاءَ لَمْ يَصُمْهُ " فأصبح الحديث ينتهي بهذه العبارة: فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ، وَتُرِكَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَمنْ شاءَ صامَهُ ومَن شاءَ ترَكه.
    والذي أضاف العبارة لم يفطن إلى أنه كان يجب عليه أن يعدل الصيغة حتى تبدوا أكثر إنسجاماً مع ما سبقها، فبدت العبارة المضافة " فَمنْ شاءَ صامَهُ ومَن شاءَ ترَكه " تحمل معنى خيار الصوم، وهو ما يتعارض مع معنى العبارة السابقة " وَتُرِكَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ" الذي يؤكد أن خيار صوم عاشوراء قد انتفى بعد فرض صوم رمضان، وتُرك.
    ومع ذلك فقد أدت العبارة المضافة الهدف الذي من أجله أضيفت، فألغت أن صوم عاشوراء قد ترك، وأبقت استمرارية فضل صيامه لمن يريد صيامه، دون تأكيد على صيامه.
    وهذا نص الخبر في البخاري: حدّثنا عبدُ اللهِ بنُ مَسْلمةَ عن مالكٍ عن هِشامِ بنِ عُروةَ عن أبيهِ عن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالت: كان يوم عاشوراءَ تصومُه قُريشٌ في الجاهلية. وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَصومُه في الجاهليةِ، فلما قَدِمَ المدينةَ صامَهُ وأمَرَ بصِيامهِ، فلما فُرِضَ رمضانُ تَرَكَ يومَ عاشُوراءَ، فَمنْ شاءَ صامَهُ ومَن شاءَ ترَكه.(البخاري:1978)
    كما يمكن ملاحظة إختلاف تشكيل كلمة " ترك " في الحديثين، فقد جاءت في الأصل، في الموطأ، بضم التاء " تُرك " وتدل على أن صيام عاشوراء قد ترك بعد فرض صيام رمضان، بينما حركت التاء في حديث البخاري بالفتح، لتدل على أن الرسول قد ترك صوم عاشوراء، مما يعني أن غيره له الخيار، وهو ما سهل إضافة العبارة المضافة "فَمنْ شاءَ صامَهُ ومَن شاءَ ترَكه ".
    وبطبيعة الحال فلم يكترث من أضاف هذه العبارة في البخاري بالتفكير في أنه وبناءً على ما درج عليه الفقهاء فهم يقولون بضرورة الإقتداء بالرسول، فما تركه يترك وما فعله يقتدى به، وإلا فإذا كان الرسول قد ترك صوم عاشوراء فيجب على المسلمين تركه.
    • ثم ورد في البخاري ومن جاء بعده، أحاديث لم تكن معروفة في الموطأ، تعيد صوم الرسول لعاشوراء إلى سبب استجد بعد الموطأ، وانتشر بين الناس بعد عصر مالك، يتمثل بإرجاع سبب صيام عاشوراء إلى إحياء ذكرى غرق فرعون ونجاة موسى، وهذا نص أحد الروايات: حدّثنا عليُّ بن عبدِ الله حدَّثَنا سُفيانُ حدَّثنا أيوبُ السَّختِيانيُّ عن ابنِ سعيدِ بنِ جُبَير عن أبيهِ عنِ ابنِ عبّاسٍ رضيَ الله عنهما: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لما قدِمَ المدينةَ وَجدَهم يَصومونَ يوماً ـ يعني يومَ عاشوراءَ ـ فقالوا: هذا يومٌ عظيم، وهو يومٌ نجّى اللهُ فيه موسى، وأغرَقَ آلَ فِرعون، فصام موسى شُكراً لله. فقال: أنا أولى بموسى منهم، فصامَه وأمَر بصيامه.(البخاري:3327)
    وهي نقله نوعية صار بموجبها صيام عاشوراء عبادة وعمل صالح، ولم يعد خيار صومه مساو لتركه، لأن الخبر ينص على أن الرسول صامه وأمر بصيامه. وبدأ الناس يتجاهلون أن سبب صوم عاشوراء كان كعادة جاهلية كما أورد الموطأ في البداية.
    • ثم تطورت الأخبار إلى القول بأن الرسول كان يرسل رسله للناس ليطلب منهم صيام عاشوراء، وحتى الذي أصبح وهو مفطر فعليه أن يمسك ويكمل صيامه إلى الليل: حدّثنا أبو عاصمٍ عن يَزيدَ بنِ أبي عُبَيدٍ عن سَلمةَ بنِ الأكْوَع رضيَ الله عنه: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بَعثَ رَجُلاً يُنادِي في النَّاسِ يومَ عاشُورَاءَ: أنْ مَنْ أكَل فلْيُتِمَّ أو فلْيَصُمْ، ومَن لم يأكُلْ فلا يأكُل.(البخاري:1902)
    وهذا الحرص على عدم تفويت الناس لصوم عاشوراء لم يحظ به رمضان، ولذلك تقبل الناس الأخبار التي تقول بأن فضل صوم عاشوراء قريب جداً من فضل صوم رمضان، وهذا نص أحدها: حدّثنا عُبيدُ الله بن موسى عن ابنِ عُيَينةَ عن عَبيدِ الله بن أبي يَزيدَ عن ابن عبّاسٍ رضيَ الله عنهما قال: مارأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يَتحرَّى صِيامَ يومٍ فَضَّلَهُ على غيرهِ إِلاَّ هذا اليومَ يَومَ عاشُوراءَ، وهذا الشهرَ يعني شهرَ رمضانَ.(البخاري:1982)
    • ويبدوا أن الأخبار التي تدعوا لصيام يوم ذكرى عاشوراء قد تعارضت مع أخبار أخرى تنهى عن صوم يوم معين، ما لم يسبق بيوم قبله أو يوم بعده، ومن ذلك ما ورد في حديث البخاري رقم (1962)، بهذا النص: حدّثنا عمرُ بنُ حفصِ بنِ غِياثٍ حدَّثَنا أبي حدَّثَنا الأعمشُ حدَّثَنا أبو صالحٍ عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ قال: سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: لا يَصومُ أحدُكم يومَ الجمعةِ إِلا يوماً قبلَهُ أو بَعدَه.
    فأورد مسلم وأحمد وغيرهم، من الإخباريين الذين جاؤا بعد ذلك، خبراً مفاده ضرورة أن يصوم الناس يوماً قبل عاشوراء أو يوماً بعده، وكان مسلم سباقاً لروايته قبل الجميع، وهذا نص مسلم: وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. و أَبُو كُرَيْبٍ . قَالاَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَيْرٍ، لَعَلَّهُ قَالَ: عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ : لَئِنْ بَقِيتُ إِلَىٰ قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ». وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: قَالَ: يَعْنِي يَوْمَ عَاشُورَاءَ.(مسلم:2620)
    • فلما جاء أحمد سمع بحديث يرجع صيام يوم آخر مع عاشوراء إلى سبب، فنقله لنا بهذا النص: حدثنا عبد الله حدَّثني أبي قال هشيم أنا ابن أبي ليلى عن داود بن علي عن أبيه عن جده ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه وصوموا قبله يوماً أو بعده يوماً(مسند أحمد:2163)
    ولكن نص الحديث لم يصرح لمن تكون المخالفة، لأن من رواه استصعب أن يقول خالفوا فيه اليهود، في الوقت الذي يقول بأن تشريع صومه جاء بناءً على موافقة وتقليد اليهود.
    • ولكن لاحقاً وعندما استمرأ الناس فكرة صيام عاشوراء أكثر، أصبح الإعلان عن مخالفة اليهود مقبولة ولن يتوقف عندها أحد، ولذا أورد الترمذي وغيره حديثاً آخر يقول بأن صوم يوم قبله أو بعده مخالفة لليهود: حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا عبدُ الوارِثِ عن ابنُ يونُسَ عنِ الحَسَنِ عنِ ابنِ عباسٍ قال: أَمَرَ رسولُ الله بِصَوْمِ عاشُورَاءَ يَوْم العَاشِرِ، قال أبو عيسى (أي الترمذي): حديثُ ابنِ عبَّاسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. (ويضيف الترمذي في نفس الحديث، قائلاً اخْتَلَفَ أَهلُ العلمِ في يَوْمِ عاشُورَاءَ، فقالَ بَعْضُهُم يَوْمُ التاسِعِ، وقال بعضُهم يَوْمُ العَاشِرِ. ورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسِ أَنَّهُ قالَ: صُومُوا التَّاسِعَ والعَاشِرَ وخَالِفُوا اليَهُودَ. وبِهذَا الحَدِيثِ يَقُولُ الشَّافِعيُّ وأَحمدُ وإسحاقُ.(الترمذي: 750)
    • ويبدوا أن من أراد تبرير مخالفة اليهود بصوم يوم قبل أو بعد عاشوراء كان يجهل تماماً متى هاجر الرسول للمدينة وكم لبث فيها، لدرجة أنه ظن أن الرسول مات في السنة التالية مباشرة، وهذا نص الخبر: وحدّثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيَ الْحُلْوَانِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ. حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا غَطَفَانَ بْنَ طَرِيفٍ الْمُرِّيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللّهِ: يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ: إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ : فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ، إِنْ شَاءَ اللّهُ، صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ. قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ، حَتَّىٰ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللّهِ.(مسلم: 2619)
    كما يظهر الخبر أن من اختلقه يجهل أيضاً الأخبار الأولى التي تحدثت عن صيام عاشوراء، والتي تقول بأنه يوافق ذكرى نجاة موسى من فرعون.
    وعلى أي حال فقد كانت الأيام كفيلة بتمسك المسلمون بصيامه، وأصبحوا يصومون يوماً قبله أو يوماً بعده، وأحياناً قبله وبعده. ولم يفطن العامة لملابسات بدء فكرة صوم عاشوراء التي بدأت في الموطأ وتحورت وتغيرت في البخاري ومن جاء بعده، وكل ما تذكروه هو أن لعاشوراء وضع خاص وأن صيامه عمل صالح يجب على المسلم ألا يفوته. أما الفقهاء فلا يذكرون الناس بتلك الملابسات ولو كانوا على علم بها.
    ولم يفطن مسلم وغيره لهذه الهنات في صيغت الخبر، وغيرها في كثير من الأحاديث التي في كتبهم، لأن دورهم يقتصر على إيراد الأحاديث الأكثر تداولاً بغض النظر عن ترابط معانيها وعباراتها. كما لم يفطن مسلم وغيره من كتبة الحديث إلى أن معظم روايات صيام عاشوراء تنسب لابن عباس، مع أنه يستحيل أن يكون ابن عباس شاهداً على تلك الأخبار، لأنه إن كان قد ولد، فهو لايزال في سن الرضاعة، وفي مكة عندما هاجر الرسول إلى المدينة ورأى اليهود يصومون، على إعتبار أن ابن عباس عندما توفي الرسول في العام الحادي عشر للهجرة، كان عمره (13) عاماً، على أكثر تقدير، حسبما ذكرت كتب التراجم ومنها الإصابة في تمميز الصحابة لابن حجر العسقلاني.
    • وقد استمر تطور تعظيم صيام عاشوراء جيلاً بعد آخر، حتى أصبح صيامه يكفّر سنة كاملة: حدّثنا عبد الله حدَّثني أبي حدثنا سفيان قال: سمعناه من داود بن شابور عن أبي قزعة عن أبي الخليل عن أبي حرملة عن أبي قتادة قال: صيام عرفة يكفِّر السنة والتي تليها، وصيام عاشوراء يكفِّر سنة. قال عبد الله: قال أبي: لم يرفعه لنا سفيان وهو مرفوع.(مسند أحمد:22152)
    • ولم يأت القرن السابع حتى أصبح حكم صيام عاشوراء فيما ذكره لنا ابن تيمية كما يلي: وقد تنازع العلماء: هل كان صوم ذلك اليوم واجباً؟ أو مستحباً؟ على قولين مشهورين أصحهما أنه كان واجباً. إنتهى كلام ابن تيمية الذي ورد ذلك في الصفحة (298) من الجزء (25) من مجموع فتاوى ابن تيمية.
    • فأصبح صوم عاشوراء عند السنة واجباً، وفي ذلك العصر وصل الغلو في يوم عاشوراء عند الشيعة إلى ممارسة طقوس بدنية مماثلة لما نراهم يمارسون هذه الأيام، ويصف ذلك ابن تيمية بقوله: وإذا كان الله تعالى قد أمر بالصبر والاحتساب عند حدثان العهد بالمصيبة، فكيف مع طول الزمان، فكان ما زينه الشيطان لأهل الضلال والغي من اتخاذ يوم عاشوراء مأتماً، وما يصنعون فيه من الندب والنياحة. إنتهى ما ورد في صفحة (298) من الجزء (25) من مجموع فتاوي ابن تيمية.
    • وابن تيمية عاب على الشيعة غلوهم في يوم عاشوراء، لأن الغلو محرم تحريماً صريحاً في كتاب الله، ولكنه لم يفطن إلى أنه هو نفسه، قد وقع في غلو يوم عاشوراء مماثل في المعصية لغلو الشيعة فيه وإن إختلفت الأفعال. فابن تيمية أفتى وشرع أن صوم يوم عاشوراء واجب، بدون دليل من رب السماوات والأرض، مغالياً في صوم يوم، كان صومه أصلاً بدعة، لأن الله سبحانه وتعالى لم يأمر أحداً بصومه.
    • ومع أن ابن تيمية قال بوجوب صيام عاشوراء، إلا أنه حتى ذلك الوقت بقي من يقول بكل حرية أن عاشوراء بدعة ويكره صومه، وقد نقل ابن تيمية في نفس الصفحة السابقة من فتاويه، هذا الموقف: وكان من الصحابة والعلماء من لا يصومه، ولا يستحِب صومه؛ بل يكره إفراده بالصوم، كما نقل ذلك عن طائفة من الكوفيين.
    وذكر ابن تيمية في نفس السياق أن عبدالله ابن عمر من الذين لا يصومون عاشوراء.
    • أما اليوم فقد أصبح إحياء ذكرى عاشوراء جزءً من الدين عند السنة والشيعة على حد سواء، وإن اختلفت مظاهر التعظيم فيما بينهم، باختلاف دوافعها.
    فالسنة اقتصروا على الصيام بحجة أنه تعظيم لليوم الذي نجا فيه الله موسى من فرعون، وتجاهلوا الأخبار الأخرى التي تنسب صيامه إلى أنه يوم تصومه قريش في الجاهلية، لأنه سبب غير مقنع. ولم يقو أحد منهم أن يعترف حتى بينه وبين نفسه أن الصيام كان نوع من الإعتصام أو الإحتجاج الصامت على سياسة القمع الأموية والعباسية ضد منافسيهم علي ونسله.
    بينما لم يجد الشيعة حرجاً، بعد زوال الدولة الأموية، في إعلان أن تعظيم عاشوراء جاء بسبب مقتل الحسين في ذلك اليوم، ولذلك تركزت جهود رجال دينهم على تأصيل مظاهر إحياء تلك الذكرى ونسبتها للدين، دون الصوم. وأصبح الندب والنياح وتنكيل الإنسان بنفسه بعنف وقسوة تسيل الدماء، تكفير عن عجزهم عن التنكيل بالأمويين. وتكفلت الأيام بتحويله إلى جزء من عقيدتهم الإسلامية، من تركه فقد أثم، حتى أنهم نسبوا للرسول أنه قد ناح هو نفسه على الحسين، في الخبر الذي أورده الإخباري السني، الترمذي: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ، حدثنا أَبُو خَالِدٍ الأحْمَرُ، حدثنا رَزِينٌ قالَ حَدَّثَتْنِي سَلْمَى، قالت: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَهِيَ تَبْكِي فَقُلْتُ مَا يُبْكِيكِ؟ قالَتْ رَأيْتُ رَسُولَ اللّهِ ـ تَعْنِي في المَنَامِ ـ وَعَلَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ التُّرَابُ فَقُلْتُ مَا لَكَ يَا رَسُولَ اللّهِ؟ قالَ: شَهِدْتُ قَتْلَ الْحُسَيْنِ آنِفاً.(الترمذي:3933)
    وإن كان بعض علماء الشيعة لا يرون أن تلك الممارسات من الدين.
    وصوم عاشوراء بدعة بكل المقاييس، ولم يأت لها ذكر في القرآن، والرسول لا يستطيع أمر الناس بشيئ من تلقاء نفسه وبدون وحي من السماء: قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاء إِذَا مَا يُنذَرُونَ.(الأنبياء:45)
    ولو إفترضنا أن الرسول عندما قدم المدينة رأى فعلاً اليهود يصومون ذلك اليوم، فكيف يؤمن الرسول بقول اليهود ويدخله في دين الله، مع أن الله قد أمره بعدم تصديق اليهود في ما يقولون، في أول سورة نزلت على الرسول في المدينة: وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.(البقرة:73)
    وكيف يأمر الرسول بطاعة اليهود مع أن من يطع اليهود فقد كفر: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ.(آل عمران:100)
    وهل يمكن أن يقول اليهود الحقيقة وقد ألفوا لهم ديناً من عند أنفسهم وتبعوه بدل دين الله: أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.(البقرة:75)
    وكيف يمكن تصديق اليهود وهم يحاولون تشكيك المسلمين في دينهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ.(النساء:44)
    وكيف يصدق الرسول زعم اليهود دون تثبت مع أنه أمر أن يتثبت من أي خبر قبل أن يأخذ به حتى لو كان قائله مسلم وليس يهودياً لا يؤمن بالإسلام: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ.(الحجرات:6)
    ومع ذلك فلو فرضنا جدلاً أن اليوم الذي نجا فيه الله موسى، قد وافق يوم العاشر من محرم في أول سنة عاشها الرسول في المدينة، فإنه يستحيل أن يتوافق اليومان في السنة التي تليها، لسبب بسيط.
    ذلك أن اليهود وإن كانوا يتبعون التقويم القمري مثل المسلمين، وهذه حقيقة، إلا أنهم يعتبرون الشهر 29 يوماً وبعد ثلاث سنوات يضيفون شهراً على السنة، وهذه حقيقة أخرى، مما يعني أنه لو توافق ذلك اليوم مع عاشوراء في سنة من السنين فلن يتوافق معها في السنة التي تليها والتي تليها، وهكذا، إلى أن يدور الزمن دورته ويلتقي اليومان مرة أخرى بعد سنوات، وليوم واحد. ويكون على المسلمين معرفة تقويم اليهود حتى يتسنى لهم تحديد اليوم الذي نجا الله فيه موسى من كل عام لكي يتسنى لهم صيامه، وسيجدون أنفسهم يصومونه مرة في محرم وأخرى في ذي الحجة، وأحياناً يكون ضمن رمضان، وبالتأكيد لكن يكون بالإمكان تسميته عاشوراء، بل سيسمى بما يسميه اليهود به، وهو اسم لو وجد فسيدل على علاقته بنجاة موسى.
    ولو كان من الممكن أن يتفق تقويم اليهود مع تقويم المسلمين لتوافق عيد الأضحى مع عيد الفصح لدى اليهود على الدوام، لأن عيد الفصح هو عيد لذكرى الذبيح من ولد ابراهيم وهو إسماعيل الذي يصر اليهود على أنه إسحاق. والذي نجده يأتي سنة في رمضان وأخرى في شوال، وفي كل سنة يأتي في يوم مختلف عن اليوم الذي جاء فيه في السنة الماضية، بينما يتكرر مجيئ عيد الأضحى في نفس اليوم كل عام، بالمسبة لتقويم المسلمين.
    وبرغم بقاء الأحاديث التي تعيد صيام عاشوراء إلى كونه يومٌ كانت تعظمه قريش وتصومه في الجاهلية وقد صامه الرسول في الجاهلية واستمر على صيامه في الإسلام حتى فرض رمضان، إلا أن تداوله والإستشهاد به من قبل رجال الدين لحث الناس على صيام عاشوراء توارى تماماً، ولم يعد أحد منهم يذكر تلك الأحاديث، وهذا نص أحد روايات الخبر في البخاري والذي يؤكد أن تعظيم عاشوراء كان عادة جاهلية معروفة لدى قريش، وأنهم كانوا يسترون الكعبة فيه، فيقول: حدَّثنا يحيى بنُ بكيرٍ حدَّثَنا الليثُ عن عُقيل عن ابنِ شِهابٍ عن عُروةَ عن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها. وحدثني محمدُ بنُ مقاتلٍ قال: أخبرَني عبدُ اللهِ هوَ ابنُ المباركِ قال أخبرَنا: محمدُ بنُ أبي حفصةَ عنِ الزُّهريِّ عن عُروةَ عن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالت: كانوا يَصومونَ عاشُوراءَ قَبلَ أن يُفرَضَ رمضانُ، وكانَ يوماً تُستَرُ فيه الكعبةُ. فلمَّا فرضَ اللهُ رمضانَ قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَن شاءَ أن يَصُومَهُ فلْيَصُمه، ومَن شاءَ أن يترُكَهُ فلْيَتْرُكْه.(البخاري:1573)
    ولا ندري لماذا تستر الكعبة في محرم بعد انقضاء موسم الحج وليس قبيل بدء الحج؟
    وبرغم أن هذا الخبر كان قد سيق لجذب الناس إلى تعظيم عاشوراء في البداية، إلا أن رجال الدين عدلوا عنه لأنه غير مقنع بما يكفي، خاصة وأنه فعل جاهلي، والفكرة السائدة عند الناس أن الإسلام جاء ليقضي على العادات والعبادات الجاهلية، فتحولوا عنه إلى القول بأن سبب تعظيم وصيام عاشوراء كونه يوم نجا الله فيه موسى من فرعون. وبما أن القرآن يؤكد على أن دين موسى ومحمد واحد فإن رجال الدين افترضوا أن قبوله لدى الناس سيكون أكبر، وهو ما حدث بالفعل.
    هذا هو أصل تعظيم عاشوراء وما قاله عنه الإخباريون ورجال الدين حتى وصل تعظيم صومه إلى درجة الوجوب، مع أنه بدعة بدأ وبدعة بقي، ولو تمسك الناس جميعاً بتعظيمه.

  11. #101

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    في المعاملات
    المثال الأول: الطلاق
    يقول الفقهاء الأصل في الطلاق أنه ملك للزوج وحده، وقد عرفه الشربيني نقلاَ عن التهذيب بأنه: تصرفٌ مملوكٌ للزوج يحدثه بلا سبب، فيقطع النكاح، ولا يسأل الزوج عن أسباب إقدامه على الطلاق.
    فيكون الطلاق حق يملكه الزوج، ويتم بعباراته وإرادته المنفردة دون تدخل القاضي أو غيره، وإذا ما حصل فهو الذي يسمى الطلاق. أما الزوجة فلا يحق لها الطلاق، وإن كان لها طلب إنهاء العلاقة الزوجية إذا وجد ما يبرر ذلك، واقتنع به القاضي، عندها يحق للقاضي إنهاء ذلك الزواج، ويسمى تفريق أو خلع ولا يسمى طلاق.
    أنواع الطلاق عند الفقهاء من حيث الصيغة
    الصريح: وهو ما يستخدم فيه لفظ صريح الدلالة على الطلاق.
    الكنائي: وهو ما يستخدم فيه لفظ يحتمل الطلاق وغيره، وهذا يشترط له النية ليتم الطلاق.
    من حيث الأثر
    الرجعي: هو ما يجوز معه للزوج رد زوجته في عدتها من غير استئناف عقد.
    البائن: وهو على قسمين:
    بائن بينونة صغرى، عندما يكون بالطلقة الواحدة والطلقتين، ويجوز للزوج الرجعة لزوجته أثناء العدة، فإن إنقضت العدة فله العودة لها بعقد زواج جديد.
    بائن بينونة كبرى، عندما يكون بالثلاث طلقات، ولا تعود له إلا بعد أن تتزوج بغيره.
    وفي كل الأحوال فعدد الطلاقات يعتمد على لفظ الزوج. فلو قال أنت طالق بالثلاث فيعتبر ذلك طلاق بائن.
    من حيث صفته الشرعية
    سني: وهو ماوافق ما يقول الفقهاء بأنه سنة في طريقة إيقاعه. أي أن يوقع الزوج على زوجته طلقة واحدة في طهر لم يطأها فيه، ولا في حيض أو نفاس قبله. أو أن يطلقها طلقة واحدة في طهر لم يطأها فيه ثم يطلقها طلقتين أخريين في طهرين آخرين دون وطئ.
    بدعي: ما سوى السني، كأن يطلقها مرتين أو ثلاثاَ في طهر واحد، أو يطلقها في حيض أو نفاس، أو طهر مسها فيه، أو في طهر وطئها في حيض قبله.
    وكلا النوعين يقعان، كما يقع الطلاق المضاف وهو الطلاق المقيد بمضي وقت معين، كأن يقول أنت طالق بعد شهر أو يوم موتي. وكذلك يقع الطلاق المعلق بشرط، فلو قال أنت طالق إن طلعت الشمس فتطلق بمجرد طلوع الشمس. أو قال أنت طالق إن جاء فلان أو ذهبت إلى فلانة..الخ. في تفاصيل كثيرة ومتشعبة. ويجوز للرجل أن يوكل من يراه لإيقاع الطلاق بزوجته بالنيابة عنه.
    (هذا هو أهم ما ورد في المغني لابن قدامة وما أوردته الموسوعة الفقهية التي تصدرها وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية الكويتية– الجزء التاسع والعشرون عن الطلاق عند المذاهب الأربعة)
    الطلاق في كتاب الله
    السورة الرابعة في الترتيب في المصحف تسمى سورة النساء لأنها تتحدث عن تشريعات كثيرة تخص المرأة، اليتيمة والمتزوجة والمطلقة والوارثة والأم وكل الصفات الأخرى التي تكون عليها. وتشرع السورة معاملات جديدة تخالف ما اعتاده الرجل العربي في تعامله مع المرأة.
    وتبدأ السورة بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً.(النساء:1)
    وهي آية تؤكد أن الرجل والمرأة خلقهما الله من نفس واحدة، أي بنفس الصفات والمشاعر والقدرات الذهنية. وأن المرأة خلقت من نفس ما خلق منه الرجل (خلق منها زوجها) سواءً جسدياً أو ذهنياً، ولا يعني اختلاف الجنس أن الرجل أكثر إنسانية من المرأة كما كان الناس يعتقدون قبل الإسلام.
    والرجل نفسه هو نتاج تزاوج بين رجل وامرأة، أو بمعنى آخر هو نصف رجل ونصف إمرأة، كما أن المرأة نصف إمرأة ونصف رجل، وهذا ما يؤكده العلم. حيث أن جسم المرأة يحوي هرمونات ذكرية، وجسد الرجل يحوي هرمونات أنثوية. ولو إضطربت النسبة لأي سبب عارض أو نتيجة لمعالجة معينة، وزادت هرمونات المرأة الذكورية فسينبت الشعر في أنحاء جسدها ووجهها كما الرجل، وسيصبح صوتها أجش، وستضمر ثدياها. بينما لو حدث وزادت الهرمونات الأنثوية لدى الرجل فسيختفي شعر الوجه وفي مناطق من الجسم، وسيرق صوته وسيبدوا كالمرأة.
    فجاء الإسلام ليؤكد هذه الحقيقة العلمية التي خلق بموجبها البشر، وليقول بأنه لا فرق بين الجنسين، مخالفاً بذلك العرف السائد في المجتمع.
    والتشريع الثاني جاء ليقول بأن المرأة ترث، وأنها إذا فقدت والديها وأصبحت يتيمة فلا يجوز أن يأكل أحد ما ورثته، تحت أي مسمى: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً.(النساء:2)
    والتشريع الثالث الخاص بالمرأة والذي خالف ما اعتاده العرب هو أن الفتاة اليتيمة ليست أقل شأناَ من أي فتاة أخرى في الإنسانية، ولا أقل من الرجل نفسه الذي ذكرته الآية الآولى أنه لا يزيد في إنسانيته عن المرأة، وهنا تقول له الآية أنه يحرم استغلال ضعف المرأة اليتيمة، والزواج بها فقط للإستيلاء على مالها، وأن على الرجل أن يعلم بأن هذا محرم وأن من الأفضل له أن يبحث عن زواج بفتاة أخرى أو بالعدد الذي يشاء من الفتيات الآخريات، حسبما كان شائعاً في المجتمع وقت نزول الآية: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا.(النساء:3)
    فهذه الآية ليست لتشريع تعدد الزوجات، لأنها لا تقول تزوجوا بأربع. ولكنها تخاطب وبكل وضوح من أراد الزواج بيتيمة مكسورة الجناح لكي يسلبها ما تملك من مال، ولا يعطيها ما فرض الله لها من حقوق مثلها مثل أي فتاة أخرى.
    وتبين الآية أن الزواج مبني على القسط في التعامل، وهو ما يعني التعامل الإنساني العادل، ومن لا يستطيع معاملة الفتاة اليتيمة بمنتهى الإنسانية ويوفر لها حقوقها فيجب عليه صرف النظر عن الزواج بها والزواج بفتيات أخريات وبدون تحديد عدد، فمثنى وثلاث ورباع لا تعني الإكتفاء بأربع بل تقول: تزوج بما شئت من غير اليتامى وبالعدد الذي ترغب كما جرت العادة في ذلك الوقت: مثنى أو ثلاث أو رباع أو أقل أو أكثر.
    وهذا نص الآية الرابعة: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً.(النساء:4)
    وهذه الآية تقول بأن دفع المهر من قبل الرجل للمرأة هو عادة (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) والنحلة العادة المتعارف عليها، وليس شرطاَ لازماَ للزواج لا يتم إلا به، ولكن لو دفع وتنازلت المرأة عنه أو عن جزء منه فلا ضير. وكما أن دفع المهر من قبل الرجل عادة منتشرة في جزيرة العرب عندما جاء الإسلام، ومثل العرب مجتمعات أخرى، فإن هناك مجتمعات لا تعرف الصداق، ومجتمعات تقوم المرأة بدفع الصداق للرجل الذي ترغب الزواج به، وهذه العادة لازالت حية في بعض المجتمعات الهندية إلى اليوم.
    المهم أن الإسلام ليس هو الذي شرع المهر، بل جاء ومجتمعات مكة والمدينة وقد تكون كل مجتمعات جزيرة العرب تنتشر فيها تلك العادة، وهذا يعني أنه لو وجدت مجتمعات مسلمة لا تعرف عادة المهر فلا يعني أنهم قد خالفوا شرعاَ إسلامياَ، وأن زواج الرجل بالمرأة بدون مهر إذا تراضيا على ذلك فجائز، وإن خالف عادة عربية.
    والتشريع الذي جاءت به الآية الرابعة يتلخص بأنه إذا ما دفع الرجل مهراَ عند الزواج وتنازلت عنه أو جزء منه الزوجة فلا بأس في ذلك. والوصاية على مال اليتيم (ذكراَ كان أو أنثى) جاء ليس لأنه أقل إنسانية، ولكن لأنه صغير ولم يرشد. ولو مكن من المال فقد يبذره، وتبذير المال من المحرمات في الإسلام، ولذلك فقد أمر الشرع بالحجر على كل من يبذر أمواله ولو كان بالغاَ: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً.(النساء:5)
    أما إذا كان راشداَ عاقلاَ فيمكّن من ماله ولو كان يتيماَ. والوصاية على مال اليتيم أو السفيه يمكن أن تكون عبر هيئة رسمية في دولة الإسلام تستثمر المال ويدفع منه رسوم التشغيل والوصاية وحقوق دولة الإسلام ، ثم تسلم له عندما يرشد بضوابط، للتأكد من أنه يحسن التصرف به.
    والوصاية يمكن أن تكون على أي شخص في أي مرحلة من العمر إذا ثبت أنه يصرف ماله بطريقة عبثية أو تبذيرية: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً.(النساء:6)
    ومن التشريعات الجديدة المخالفة لعادات العرب في سورة النساء والخاصة بالمرأة أنها ترث مثلها مثل الرجل، وهو شيئ لم يكن يعمل به رجال ذلك المجتمع الذي اعتاد أن يرث المرأة نفسها، حيث أن العادة جرت أن يرث الولد زوجة والده بعد وفاته.
    يقول تعالى: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضا.(النساء:7)
    وبعد سرد بعض تفاصيل المواريث تأتي الآيتان (13 ، 14) لتقولا لذلك المجتع بأن توريث المرأة من حدود الله ومن يتعد حدود الله فله نار جهنم: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ.
    وقد جاءت الآية (19) لتضع حداَ للعادة اتي تسمح بأن يرث الإبن أو القريب زوجة أبيه أو قريبه من ضمن ما تركه من متاع: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً.
    وبقية الآية تحرم عادات أخرى، هي العضل، وهو إجبار المرأة على الزواج بمن لا ترغب. وهذا هام جداَ حيث يلغي أن يكون للأب حق تزويج ابنته بمن يريد وبدون رغبتها هي، سواءَ كانت بكراَ أو ثيبا، فالعضل ليس فقط إجبار المرأة على البقاء مع زوج لا ترغبه لكي يضغط عليها لرد ما دفع لها من مهر: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ.
    أما إذا ما اقترفت الفتاة فاحشة السحاق " إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ." فعندها يطبق بحقها الحد الذي ورد في آية سابقة من نفس السورة، والمتمثل بحبسها في المنزل حتى الموت أو يجعل الله لها سبيلا، مثل أن تعالج نفسياً عن السحاق أو يتزوجها من سيحرص على مداوتها وإبعادها عن السحاقيات، وهذا نص الآية: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً.(النساء:15)
    وتكمل الآية (19) بتذكير رجال تلك الحقبة أن الزواج عقد بين الرجل والمرأة يقوم على المعاشرة الحسنة (بالمعروف) وأنه متى ما استحالت العشرة بين الزوجين فالحل هو الطلاق دون إضرار بالمرأة: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً.
    والحديث وإن كان موجهاَ للرجل لأنه هو سبب مشاكل المرأة، وهو من سلبها حقها وإنسانيتها، إلا أن الآيات تعطي الحق في التخلص من الزواج للمرأة أيضاً متى ما شعرت بأن العشرة مع زوجها أصبحت مستحيلة، وتلغي أن يكون الطلاق حق مطلق للرجل دون المرأة كما صور لنا ذلك الفقهاء، وهذا سيتضح أكثر في الآيات اللاحقة.
    وتقول الآيتان التاليتان: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً. وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً.(النساء:20-21)
    فمتى ما دفع الرجل المهر للمرأة، قل أو كثر، فلا يجوز استرداد بعضه أو كله بعد المعاشرة الزوجية، ولو لم تتم إلا مرة واحدة بين الزوجين، لأن المهر مقابل مادي لقبول الزوجة الزواج بذلك الرجل، وليس مقابل الممارسات الجنسية مدى الحياة بينهما.
    وتعود الآية التالية لتؤكد تحريم تلك العادة القديمة المتمثلة بنكاح زوجة الأب والذي ذكر في الآية (19) سواءَ كان بأن يرث الإبن زوجة أبيه من بين المتاع الذي يرثه عنه، أو بزواجه منها برضاهما: وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً.(النساء:22)
    والآيات من رقم (23) إلى رقم (32) تحدثنا عنهما ضمن موضوع الجهاد.
    ثم تتحدث السورة عن أن الرجال يفضلون النساء ويتميزون عنهن بصفات، وأن النساء تفضل الرجال وتتميز عنهم بصفات أخرى، وأن كل جنس خلق بمواصفات تتناسب مع مهامه في الحياة، ولذلك يجب ألا يتمنى الرجال بعض ما للنساء من صفات ليست عندهم ولا تتمنى النساء بعض الصفات الرجولية التي ليست عندهن، لأن هذه الصفات المختلفة لا تعني تفضيل جنس على آخر من الناحية الإنسانية، أو أن لأي منهما حق في الزواج أو الطلاق أكثر من الآخر: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيما.(النساء:32)
    والآية (33) تؤكد ما قالته الآية (7) من أن النساء أصبحن يرثن كالرجال مبطلة عادة قديمة تمنع النساء أن يرثن، حيث تقول بأن الرجال أو النساء يرثون أقرباءهم (موالي)، ومن التركة يجب أن يعطى أيضاَ من له عهد بهبة أو وصية: وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً.
    والآية (34) تقول: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً. وهي تتحدث عن موضوعين:
    الأول يتمثل في قوله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ.
    حيث تؤكد الآية أن من الصفات التي يتمتع بها الرجال دون النساء، القوامة، وهي القيادة العائلية. ذلك أن التركيبة الجسمانية والمشاعر الرجولية خلقت بصورة أكثر مناسبة للدور القيادي " بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ " ولأنه مناط بالرجل مهمة الصرف على العائلة، على الأقل في ذلك العصر. مع تأكيد الآية على أن هذا لا يعني التفوق الإنساني للرجل، لأن هناك صفات أخرى تمتاز بها المرأة على الرجل ولا تعني تفوقها من الناحية الإنسانية عليه " بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ".
    الأمر الثاني الذي تتحدث عنه الآية هو قوله تعالى: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً.
    حيث تقول الآية بأن من تظهر هجرانها لزوجها " نشوز " فيجب على زوجها أن يحاول أن يعظها " فَعِظُوهُنَّ " فإن لم تستجب فعليه أن يهجرها في المضاجع. وبعد ذلك تقول الآية " وَاضْرِبُوهُنَّ".
    وهنا يجب التوقف قليلاَ للتساؤل عن معنى النشوز الذي بسببه أجازت الآية أن تضرب الزوجة للعدول عنه. فنقول:
    النشوز هنا يأتي بمعنى الرغبة عن جماع الزوج. والآية التالية رقم ( 35) تقول: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً.
    أي أنه في حال ووجد خلاف بين الزوج والزوجة يعرض استمرار الزواج للخطر، فأول ما يجب فعله ليس ضرب الزوج لزوجته، لأن القلوب إذا تكسر ودها، فهي مثل الزجاجة كسرها لا يجبر. ولن يجبر الضرب سوء التفاهم بينهما بل سيزيد من حنق الزوجة وإصرارها على إنهاء الحياة الزوجية. ولذلك كان أول ما يجب القيام به عندما يكون هناك شحناء بين الزوجين هو تحكيم الآخرين في المشكلة القائمة، في محاولة لرأب الصدع والخروج بحل للمشلكة القائمة وتوقيع معاهدة تمنع وقوع مشاحنات في المستقبل حفاظاَ على تماسك رابط الزواج.
    والشحناء بين الزوجين تكون بسبب تعنت الزوجة وتكون بسبب تعنت الزوج، كما أن الزوجة قد تعرض عن الزوج وقد يعرض الزوج عن الزوجة، وهذا ما تقوله لنا نفس السورة في هذه الآية وفي الآية رقم (128) وهي وما بعدها متممة لهذا الموضوع، ونصها: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً.
    ويكون أول ما نقوم به هو محاولة الصلح كما ذكرت الآية (35)، ولكن إن كان الشقاق بين الزوجين كبيراَ فقد يكون الطلاق أفضل من استمرار الزواج مع تكرر المشاحنات، وهو ما تقول به الآية (130): وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً.
    فضرب الزوجة ليس لأنها امتنعت عن معاشرة زوجها أو أنها أعرضت عنه أو أن بينهما مشاحنات وتريد الطلاق، لأن كل هذا لا يوجب الضرب.
    والمتدبر للآية يرى أن المرأة الصالحة القانتة لله والتي تبتعد عن كل ما نهى الله عنه في السر والعلانية " الصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ " وهذه وإن اختلفت مع زوجها أو نشزت عن عشرته فلا يحق له أو لغيره ضربها.
    بينما من يحق ضربها عكس تلك، وهي التي لا تحافظ على ما نهى الله عنه في الحياة الزوجية كلما غابت عنها العيون، وهي التي تهجر مضجع زوجها بسبب ممارستها لشيئ آخر، وهذا الشيئ هو الموجب لضربها وهجرانها وموعظتها علها تتوب " َاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ".
    وهذا الشيئ قد يكون الذي تحدثت عنه نفس سورة النساء في آية رقم (15) السابقة، وهذا نصها: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً.
    ويكون هذا الأمر هو فاحشة السحاق التي توجب السجن في بيت أهلها إن لم تكن متزوجة، كما تقول الآية هنا. بينما توجب الضرب على الزوجة المتزوجه والوعظ والهجران فإن ثابت وتابت وإلا فالطلاق. وهو ما تقول به الآية (19): يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً.
    ويكون الضرب فقط بحق الزوجة التي تمارس فاحشة السحاق، والضرب يقع عليها ليس شرطاً من قبل الزوج، ولكن من قبل المحكمة، كحد للسحاق. وإلا فأي مشكلة تقع بين الزوجين أو إختلاف مهما كان بينهما لا يجيز للرجل أن يضرب زوجته، ولو ضربها فيقاد بذلك مثله مثل أي إعتداء من شخص على آخر.
    وما يؤكد ما ذهبنا إليه هنا حديث عن حجة الوداع التي كانت قبل وفاة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه بثلاثة أشهر فقط، أي بعد نزول كل آيات الحدود ونزول كل التشريعات. وهذا الحديث رواه الترمذي برقم (1906) والدارمي برقم (1854)، وهو حديث طويل جداَ، وقد رواه مسلم وبنفس الصيغة برقم (2903)، ويبدأ بقوله: حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. وَ إِسْحَـٰقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. جَمِيعاً عَنْ حَاتِمٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَىٰ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ. فَسَأَلَ عَنِ الْقَوْمِ حَتَّىٰ انْتَهَىٰ إِلَيَّ. فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ. فَأَهْوَىٰ بِيَدِهِ إِلَىٰ رَأْسِي فَنَزَعَ زِرِّي الأَعْلَىٰ. ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الأَسْفَلَ. ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلاَمٌ شَابٌّ.فَقَالَ: مَرْحَباً بِكَ. يَا ابْنَ أَخِي سَلْ عَمَّا شِئْتَ. ...... إلى أن يقول: فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللّهِ ......... ثم يستمر الحديث حتى يقول بأن رسول الله قال: فَاتَّقُوا اللّهِ فِي النِّسَاءِ. فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللّهِ. وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لاَ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَداً تَكْرَهُونَهُ. فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ. وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ. كِتَابُ اللّهِ. وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي. فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ. فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إلى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إلى النَّاسِ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ. اللَّهُمَّ اشْهَدْ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ...... إلى آخر الحديث.
    والحديث يؤكد أنه لا يجوز ضرب المرأة إلا في حالة واحدة فقط، تتمثل بأن توطئ فراش الزوج أحداً غيره " وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لاَ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَداً تَكْرَهُونَهُ. فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ." والمقصود هنا السحاق كما بينت ذلك آيات سورة النساء، لأن وطئ الزوجة من قبل رجل غير زوجها زنى، يوجب الجلد والطلاق ولا يكتفى فيه بالضرب الغير مبرح.
    ويبدوا أن الناس زمن الرسول لم يصدقوا بأن اليتيمة لها حقوق وأن المرأة فعلاَ فرض لها ميراث كما الرجل عندما نزلت الآيات الأولى من سورة النساء، فسألوا الرسول عن حقيقة توريثها فجاء القرآن مرة أخرى وفي الآية (127) من سورة النساء، وأكد أن ما تحدثت به السورة في أولها عن ميراث المرأة واحترام حقوق اليتيمة وتحريم أكل أموالها هو ما يجب العمل به: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً.
    هذا ما قالته سورة النساء عن المرأة والذي يمكن إجماله بالتالي:
    - المرأة والرجل خلقا من نفس العناصر والصفات والقدرات الأساسية " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ".
    - أن المرأة خلقت من نفس الطينة " َخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا " ولا تعني أنها خلقت من ضلع الرجل الأعوج كما قال مفسروا اليهود ونقله عنهم المفسرين المسلمين.
    - وأن الرجل عبارة عن موروثات نصفها يأتي من المرأة (الأم) ونصفها يأتي من الرجل (الأب) " َبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء" ، أي أن الرجل نصف إمرأة ونصف رجل، والمرأة نصف رجل ونصف إمرأة.
    - أن المرأة لا تقل عن الرجل في كل شيئ ولذلك فهي ترث مثله، كما أن كونها يتيمة لا يعني هظم حقوقها.(الآيات2-14)
    - أن من ترتكبت الفاحشة مع بنات جنسها (السحاق) فتعاقب بالحبس في البيت حتى تتوب أو تعالج أو تتزوج برجل قادر على هدايتها وعلاجها أو منعها من ممارسة تلك الفاحشة. (الآية15)
    - وأن الرجل أيضاَ الذي يقترف الفاحشة مع أبناء جنسه (فعل قوم لوط) يعاقب كما المرأة (الآية 16)
    - والآية (19) تقول بأن الزواج يجب أن يبنى على التفاهم ما بين الزوجين دون إضرار أحد بالآخر، ومتى ما أصبحت الحياة الزوجية لا تحتمل بينهما فإن الطلاق هو الحل، وهو ما يعني أن الطلاق حق متساو للطرفين وليس حق مطلق للرجل. وقد جاء في الآية (35) تأكيد أن هجر المرأة لزوجها أو هجر الزوج لزوجته كما ورد في الآية (128) لوجود خلاف مستعص بينهما، يوجب أن يكوّن لهما لجنة مصالحة لرأب الصدع، وفي العصر الحاضر يمكن أن تكون من المصلحين الإجتماعيين أو علماء النفس والإجتماع، فإن حلت المشكلة ورغب الزوجين بمعاودة حياتهما الزوجية المشتركة ولو بشروط جديدة فلهما ذلك، وإن كان الخلاف أكبر من يتفقا فالطلاق هو الحل. وهو ما يؤكد أن الطلاق حق متساو للزوجين، وأن توجيه الخطاب للرجل كان بسبب أن المجتمع كان ينظر للرجل بأنه هو المالك لحق الزواج والطلاق وحده، وهو ما تؤكده الآية (130)
    - وتقول الآيتان (20-21) أن المهر ليس شرطاَ لازماَ للزواج، ولكنه عادة، ومتى ما دفع فليس للرجل الحق بأن يسترد منه شيئاَ إذا عاشر زوجته ولو لمرة واحدة، فالمهر مقابل رضى الزوجة بذلك الرجل ليكون زوجاَ لها، وليس عوض عن معاشرتها الجنسية.
    - والآيات (32-34) تؤكد على وجود صفات في المرأة تفضل وتتفوق بها على الرجل، وهناك صفات في الرجل يفضل ويتفوق بها على المرأة، ومن ذلك ما يؤهل الرجل للدور القيادي في الأسرة، ولكن هذا لا يعني أن جنس المرأة أقل إنسانية أو عقلاَ أو قدرات من الرجل.
    هذا ملخص ما جاء في سورة النساء عن الحياة الزوجية، وهو مخالف لما قال به الفقهاء بأن الطلاق " ملك للزوج وحده، بحيث يمكن للرجل من أن يوقعه على زوجته بدون سبب، ولا يسأل الزوج عن أسباب إقدامه على الطلاق".
    كيف يقع الطلاق عند الفقهاء؟
    الفقهاء يقولون أن الطلاق يقع بمجرد أن يتلفظ الزوج بكلمة تدل على رغبته بالطلاق، مثل أن يقول لزوجته: أنت طالق. وقد كان الرجل في الجاهلية هو السيد المطلق، والمرأة هي العبد المطيع لسيده دون أن يكون لها الحق في الإعتراض على ظلم لحقها منه. ولذلك كان الطلاق من حق الرجل وحده، بل وكان قادراً على منع مطلقته من الزواج بغيره وله الحق في إعادتها لعصمته متى شاء ولو بعد سنين من طلاقها، و له حق إلزام مطلقته بقبول من يختاره لها لتتزوجه بعد طلاقه لها دون أن يكون لها حق الإعتراض، وهو ما يعرف بالعضل.
    كما كان الرجل يهجر زوجته ويتركها بدون حقوق لمدة تطول وتقصر كيفما يشاء دون أن يكون للمرأة أو أهلها الحق بالإعتراض. وهذا هو الإيلاء الذي جاء القرآن ليحرمه وليضع حداً أعلى لإبتعاد الرجل وهجره لزوجته لا يزيد عن أربعة أشهر، مع إبقاء النفقة وكامل الحقوق للزوجة أثناء فترة الهجران، وبمجرد أن تصل المدة لأربعة أشهر فإن الزواج يعتبر منتهياَ إن لم يعد الزوج للحياة الزوجية. لأن المرأة إنسان كامل الأهلية كالرجل وتستحق حياتها أن تحترم.
    وقد اشترط الفقهاء الحلف للإيلاء، لأن آية الإيلاء التي جاءت في سورة البقرة، قد سبقت بآيتان تتحدثان عن الحلف، والآية الأولى تحذر من جعل الله عرضة للأيمان، وهي: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ.(البقرة: 224-225) ثم تلت هاتان الآيتان آية الإيلاء: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. (البقرة:226) فظن الفقهاء أن اليمين شرط لكي يطلق على التعليق إيلاء. وهذا فهم غير دقيق، لأنه لو هجر الزوج زوجته أو علقها ولو بدون حلف فهو إيلاء، لأن المهم ما يسببه الإيلاء وليس كيف يصرح به.
    وأقوال الفقهاء في الطلاق وفي غيره من المواضيع المتعلقة بالأحوال الشخصية متأثر بالعادات الجاهلية المنتشرة في جزيرة العرب، وبثقافات مختلفة أخرى، منها الثقافة المسيحية، والتي ينقل عنها أبو الأعلى المودودي في الصفحة (24) وما بعدها من كتابه الحجاب أن المسيحية الأولى نظرت للمرأة على أنها أصل الخطيئة، ويقول أحد أئمة المسيحية الأولى، ترتوليان، في المرأة: إنها مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان، وإنها دافعة بالمرء إلى الشجرة الممنوعة، ناقضة لقانون الله، ومشوهة لصورة الله – أي الرجل، لأنهم يعتقدون أن الله قد خلق آدم على صورته سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً.
    وهذه النظرة المسيحية أدت إلى جعل المرأة تحت سلطة الرجل الكاملة، من الوجهة الإقتصادية، وأصبح كل ما لها ملك لزوجها، بل وخسرت إسمها عندما تتزوج لتنتسب لاسم زوجها.
    وقد أثرت هذه الثقافات على وضع المرأة المسلمة، فاعتبرت المرأة ناقصة عقل ودين، كما أعيدت الثقافة الجاهلية التي تنص على أن الطلاق ملك للرجل وحده، برغم أن الإسلام يقول بأن الزواج عقد بين طرفين (رجل وامرأة) لا يتم إلا برضى الطرفين وتوافق إرادتهما في الإرتباط. بمعنى أنه لم يعد ملكاَ خاصاَ بالرجل كما كان يعتقد الناس قبل الإسلام، وأن المرأة مجرد وعاء للمتعة ليس لها حق الموافقة أو الرفض للرجل الذي يرغب بمواقعتها تحت مسمى الزواج.
    كيف يقع الطلاق في القرآن؟
    لا يقع الطلاق بمجرد تفوه الرجل بكلمة أو كلمات تعني الطلاق، كقوله لزوجته أنت طالق ولو كررها مائة مرة. فليس في القرآن ما يؤيد ذلك على الإطلاق، والمسلمون يتبعون تشريعات فقهية قال بها الفقهاء، أما الطلاق في القرآن فيجب أن يمر بعدة إجراءت طويلة إذا استكملت حدث الطلاق، وكلها تخضع للتوثيق والتسجيل.
    وكان التوثيق يتم بشهادة الشهود في عصر الرسول لأن العرب أميون لا تتوفر لديهم أدوات القراءة والكتابة، ولو وجد نفر قليل يكتبون فإن تواجدهم وقت الحاجة قد لا يكون مضموناَ، لقلتهم. ولذا كان الشهود أكثر فاعلية في ذلك الوقت، أما في العصر الحاضر فالكتابة هي الوسيلة الأنجع لتحقيق التوثيق.
    ولذلك فإن إجراءات الطلاق في دولة الإسلام في العصر الحديث يفترض أن تكون بالترتيب التالي:
    1. وجود رغبة للطلاق عند أحد الزوجين، بسبب خلافات بينهما، أو لكراهية أحد الزوجين للآخر لدرجة أصبح لا يستطيع الإستمرار في الحياة الزوجية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً. (النساء:19)
    والآية تقول: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً. وهذا لا يعني فقط ما قاله المفسرون من أن المرأة كانت تورث كمتاع في الجاهلية فقط، بل ويشمل أيضاَ تحريم أن تكره الزوجة على البقاء مع زوج لا ترغب البقاء معه. مثلما أن للزوج أن يترك زوجته التي يكره البقاء معها: فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيرا. وهذا يعني أن الطلاق حق مشاع للرجل والمرأة على حد سواء، دون أن يكون هناك أسباب معلنة. ومخاطبة الآيات للرجل لا تعني أن حق الطلاق له وحده، ولكن الايات نزلت في مجتمع رجالي، كان لا يعتبر المرأة أكثر من وعاء للشهوة وإنجاب الأولاد. وإلا فيحرم على المرأة كل ما يحرم على الرجل في كل الآيات التي خاطبت الرجل في القرآن، لأنها تقصد الرجل والمرأة على حد سواء، إذ ليس هناك نواهي على الرجل فقط ونواهي على المرأة فقط.
    2. إذا رغب أحد الزوجين في الطلاق، فيجب أن تسجل تلك الرغبة رسمياَ عند جهة مختصة بذلك، ولتكن دائرة الأحوال الشخصية في دولة الإسلام. ولا اعتبار لتلفظ الرجل بألفاظ الطلاق، لأنها لا تعتبر طلاقاَ، فليس في القرآن ما يدل على أنها طلاق على الإطلاق، وإنما هي تدخل تحت رغبة إمضاء الطلاق وعليه أن يكمل الإجراءات اللاحقة ليتم الطلاق.
    3. يتبع هذه الخطوة، قيام دائرة الأحوال الشخصية بتحديد موعد للزوجين، للحضور أمام لجنة الصلح المختصة في محاولة لرأب الصدع وتذليل المشاكل الموجودة بينهما: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً. (النساء:35) وتكون لجنة الصلح من أهل الإختصاص وليس بالضرورة من الأقارب: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً.(النساء:128)
    4. يحق لأي من الزوجين فرض شروط يختارها للعودة لعش الزوجية وإلزام الطرف الثاني بالتقيد بها: ..... َوبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ.(النساء:228)
    5. إذا لم تتمكن جهود اللجنة، من حل النزاع، وكان الخلاف مستحكماَ وفشلت جهود الصلح، فيمضى الطلاق لأنه في هذه الحالة سيكون الحل الأمثل لكليهما حتى يبحث كل واحد منهما لزوج أكثر مناسبة له وليعيشا حياة أفضل مع زواج جديد: وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً.(النساء:130)
    6. عند هذه المرحلة تقوم دائرة الأحوال الشخصية بتسجيل رغبة الطلاق، وتبدأ عدة التربص منذ ذلك اليوم الذي سجلت فيه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ.....(الطلاق:1)
    7. مدة التربص هي: ثلاث حيضات، أو ثلاثة أشهر لغير الحائض، أو أن تضع الحامل حملها: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا.(الطلاق:4)
    8. لا يذكر القرآن أن الطلاق لا يتم إلا في طهر لا مواقعة فيه بين الزوجين، ولا في حيض ولا غيره مما ذكره الفقهاء، بل إن الآية السابقة تؤكد أن المطلقة وهي حامل عدتها وضع حملها. وعليه فالرغبة في الطلاق تتم في أي وقت، وتسجيل تلك الرغبة لدى دائرة الأحوال الشخصية بعد فشل لجنة الصلح في إيجاد حل للمشكلة القائمة بين الزوجين.
    9. خلال مدة التربص تبقى الزوجة في بيت الزوجية وتتمتع بكامل حقوقها الزوجية ونفقتها، ولا يجوز أن تخرج برضاها أو بدونه من البيت، أو تحرم من أي من حقوقها أو نفقتها المعتادة: ....... وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْد ذَلِكَ أَمْرًا.(الطلاق:1)
    10. إذا ما قرر الزوجان التراجع عن رغبة الطلاق خلال مدة التربص فلهما ذلك، ويتم توثيقه لدى دائرة الأحوال الشخصية. ويكون بشروط الزواج القديمة أو بشروط جديدة يتفقان عليها: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ..... (البقرة:229)
    11. إذا إنتهت مدة التربص ولم يتراجع الزوجان عن رغبة الطلاق، فيتم الطلاق: فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا.(الطلاق:2) والشهادة هنا تعني بلغة العصر تسجيل أن الطلاق قد حدث للمرة الأولى في ملفي الزوجين لدى دائرة الأحوال الشخصية.
    12. الطلاق في الإسلام يأتي كحل أخير لمشاكل قائمة بين الزوجين أو لوقف معاناة أحدهما، ولذلك يجب أن يتم بروح أخوية وبشكل إنساني لا ضرر منه ولا ضرار: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.(البقرة:231)
    13. كما لا يجوز أن يسترد الزوج بعض أو كل المهر الذي دفعه للزوجة، لأن المهر كان مقابل رضاها بالزواج منه وليس مقابل مواقعتها خلال فترة الزواج وبالتالي فله تقدير قيمة ما لم يستفد منه واسترداده: .... وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً.
    14. لكن إذا تبرعت الزوجة من تلقاء نفسها وعرضت على الزوج استرداد بعض المهر ليطلقها بسلام ودون انتظار مدة التربص فله الحق بالقبول، ليبقيا احترام حدود الله وعدم تجاوزها بالإضرار ببعض:.... إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.(البقرة:229)
    15. وهذا العرض ليس مفروضاَ على الزوجة التي يمكنها التقدم لدائرة الأحوال الشخصية برغبة الطلاق والإستمرار بالإجراءات مثلها مثل الرجل وستحصل في النهاية على الطلاق رغب الزوج أو لم يرغب.
    16. في حالة وقوع الطلاق قبل الدخول فللزوج الحق باسترجاع نصف المهر أو بعضه إن رغب، ولو تركه لكان أفضل. خاصة إذا كان الطلاق برغبة الزوج: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.(البقرة:237)
    17. إذا تم الطلاق قبل الدخول فلا عدة تربص له: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً.(الأحزاب:49)
    18. بعد الطلاق، للزوجة الحق بالزواج بمن ترغب من الرجال.
    19. إذا عاد الزوجان لحياتهما الزوجية قبل إنتهاء مدة التربص بنفس شروط الزواج الأولى أو بشروط جديدة، أو عادا للحياة الزوجية بعد إنتهاء مدة التربص وبعقد زواج جديد، وتكررت بينهما الرغبة بالطلاق بسبب تجدد المشاكل أو تجدد رغبة أحد الزوجين بالطلاق، فعليهما تسجيل رغبتهما لدى دائرة الأحوال الشخصية كما حدث في المرة الأولى، ويمران بنفس الخطوات، من الإحتكام أولاَ للجنة الصلح، ثم تسجيل رغبة الطلاق وابتداء فنرة التربص، وبقاء الزوجة في البيت وتمتعها بكامل حقوقها ونفقتها خلال فترة التربص.
    20. يحق للزوجين التراجع وللمرة الأخيرة أثناء فترة التربص للطلاق الثاني، بالشروط القديمة أو بشروط جديدة.
    21. إذا إنتهت مدة التربص للطلاق الثاني قبل أن يتراجع الزوجان فيعتبر الطلاق بائناَ (ماضياَ) وتخرج الزوجة من بيت الزوجية وتتوقف نفقتها الزوجية، وتصبح إمرأة أجنبية بالنسبة للزوج.
    22. تنظر دائرة الأحوال الشخصية في مصير الأولاد ونفقتهم ويعتمد صرفها أو بعضها للأم إن كان الأولاد أو بعضهم سيقيمون معها.
    23. لا يجوز للزوجين العودة للحياة الزوجية، بعد إنتهاء فترة التربص للطلاق الثاني، إلا في حال أن الزوجة تزوجت برجل آخر وعاشت معه حياة زوجية جديدة، فإن نشأ بينهما خلافات أو كراهية إستحال معها استمرار الزواج بينهما، وخضعا لنفس مراحل الطلاق السابقة الذكر وانتهى بهما المطاف للطلاق الثاني (البائن)، عندها فقط يجوز للزوج السابق من التقدم بخطبة الزوجة، فإن رغبته فيجوز لها الزواج به مثله مثل أي رجل آخر تقدم لخطبتها. وليس هناك في الإسلام ما عرفه المسلمون بالمحلل: فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.(البقرة:230)
    24. يفضل أن تختار الزوجة الزواج مرة أخرى بزوجها السابق على أي رجل آخر، وذلك لمصلحة الأولاد، ولما بينهما من حياة مشتركة سابقاَ: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ.(البقرة:232)
    25. الطلاق في الإسلام حل لمواقف شائكة بين الزوجين، وليس للتشفي أو الإضرار بأحد الزوجين، ولذلك يجب أن يتم بتسامح وإحسان: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ......(البقرة: 231)
    26. يجب حماية الزوجين من الضرر، وبما أن الزوجة عادة ما تكون المتضررة، فيجب حمايتها من أن يقع عليها أي ضرر بسبب الطلاق. فلا تمنع من نفقة ولا تضار بأي طريقة، ويتم ذلك باستصدار القوانين الكفيلة بمنع تعسف الرجل: .... أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.(البقرة:231)
    27. المطلقة، إن كانت حاملاَ، تسكن في نفس بيت الزوجية الذي عاشت فيه قبل الطلاق، طوال مدة التربص وتتمتع بنفس الميزات. ويصرف الزوج على متطلبات الحمل جميعها من علاج وبرامج حمل وغيرها. وبعد الولادة وحدوث الطلاق فلا تلزم الزوجة إرضاع الطفل، ولكن يمكنها ذلك نظير مقابل مادي أو بدون. فإن لم تقبل، لزم الأب البحث عن مرضعة بديلة أو إرضاعه بواسطة حليب بديل يجب أن يتوفر فيه مواصفات وعناصر حليب الأم لمصلحة الطفل: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى. لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا.(الطلاق:6-7)
    28. تكون عدة التربص ليس للتأكد من خلو رحم المرأة من الحمل، كما يظن الفقهاء، ولكنها عدة تربص وانتظار ومراجعة للنفس لكلا الزوجين، لأن الآية الرابعة من سورة الطلاق تبين أن الطلاق يمكن أن يحدث للحامل، يقول تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا.(الطلاق:4)
    29. يقع الطلاق إذا اقترف أحد الزوجين الفاحشة، أو تلاعنا، بدون أن يكون هناك حاجة للجنة المصالحة، أو فترة تربص.
    وهنا لابد من التطرق لتربص المرأة التي يتوفى عنها زوجها لمدة أربعة أشهر وعشرة أيام: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.(البقرة:234)
    وهي الآية الوحيدة في القرآن التي ذكر فيها مدة تربص المتوفى عنها زوجها وليس فيها ذكر لما يعرف بالحداد، والذي فرض الفقهاء بموجبه على المرأة المتوفى عنها زوجها، لبس السواد ومنعوها من الخروج من المنزل إلا في حالات الضرورة القصوى، وحرموا عليها مخاطبة الرجال، وغير ذلك مما قالوا في الحداد، والذي لا وجود له في كتاب الله.
    مما يعني أن الحداد على الأرجح صناعة فقهاء، وليس تشريعاَ إلهياَ، لأن الحداد بمثل تلك المواصفات فيه تعظيم لشخص الرجل ونوع من العبادة والتقديس التي لا تجوز لبشر، وهي طقوس تشابه طقوس الحكم على الزوجة بالموت إذا مات زوجها، والمتبعة في بعض المجتمعات الهندية والأفريقية.
    وتكون المدة التي لا يجوز للمرأة أن تتزوج فيها بعد وفاة زوجها هي كما نصت الآية " أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً" دون أن تلزم بلبس السواد أو تحبس في المنزل وغير ذلك مما يسمى اليوم بالحداد.
    ونختم موضوعنا بالقول بأن مفهوم الزواج في الإسلام هو إتفاق رجل وامرأة على أن يشتركا في تكوين حياة زوجية بينهما، لبناء أسرة وتربية أطفال، وبشروط يشترطانها ويجب عليهما الوفاء بها وإلا تعرضا لعقوبات جزائية.
    وليس في القرآن ما يمنع من أن يكون من بين شروط الزواج الإتفاق بين الزوجين على عدم الإنجاب لفترة محددة أو طوال فترة زواجهما، وهذا قد يبدوا وكأنه شبيه بما يعرف بزواج المتعة ولكنه ليس هو، لأن زواج المتعة زواج محدد بفترة زمنية، ينتهي بانتهائها بدون طلاق. أما هذا فزواج عادي ولكن الزوجين كان من بين شروطهما عدم الإنجاب، وتسري على هذا الزواج كل ضوابط وواجبات الزواج الشرعي، وكذلك ضوابط الطلاق، وبالتالي فهو زواج شرعي.
    أما زواج المسيار وزواج الصيف وكل أنواع الزيجات التي انتشرت حديثاَ، والتي ظاهرها مغلف بتبريرات تقربها من مظهر الزواج الشرعي، وباطنها تحايل لجعل المتعة الجنسية المحرمة (الزنى) تبدوا وكأنه علاقة شرعية. وهذه (الزيجات) يجب أن تستكمل ضوابط وشروط الزواج الشرعي، لتكون زواجاً شرعياً، ومن ذلك: الإعلان والتوثيق لدى الجهة الرسمية بتوثيق الزواجات، وليس توثيقاَ صورياَ، يتم في الشقق المفروشة في بعض البلاد العربية والإسلامية.
    والتوثيق لا يجب أن يتم إذا ثبت أن للزوج زوجة ثانية، ما لم يسجل توثيق رضى الزوجة وهي بكامل أهليتها العقلية بأن يتزوج زوجها زوجة أخرى، لأن هذا يدخل ضمن العدل مع الزوجة وعدم ظلمها، ومن الظلم أن يخدعها الزوج بالتستر على زواجه الثاني أو بالزواج بامرأة ثانية بدون رضى الزوجة الأولى وما سيسببه لها من ألم نفسي وجرح للكبرياء ومشاكل نفسية تعلمها جيداَ نساء بلاد الحرمين أكثر من غيرهن من نساء العالم. وإذا لم ترغب الزوجة في زواج زوجها فله الخيار بتطليقها والزواج بالفتاة الأخرى، أو الإبقاء على زوجته والتراجع عن الشروع بزواجه الجديد.
    وكل ما شرعه الفقهاء بخلاف ذلك فهو مجرد تبريرات من عند أنفسهم لتعدد الزواج وتسهيل الطلاق، وذلك لكي يتمتعوا جنسياَ بالتنقل بين نساء مختلفات، ولم ينزل به الله من سلطان.
    وكل زواج لا يستكمل ضوابط الشرع فهو فحش وزنى، وكل زواج يعمل على تحويل الزواج لما يشبه الزنى فهو كذلك ولو أطلق عليه لقب شرعي. ومن يراقب تلك الزيجات ذات المسميات المتعددة، فسيجد أن المرأة الواحدة تشارك العديد من الرجال المختلفين الفراش خلال أشهر قليلة، وأنها هي نفسها تعلم ذلك وتسعى إليه، ليس من أجل تكوين أسرة وبناء عائلة كما هو الهدف الأساسي من الزواج الإسلامي الذي يقوم على الرحمة والمودة: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.(الروم:21) ولكن الهدف المبطن هو إمتاع أولئك الرجال الذين يدفعون لها مقابل ذلك مادياَ. بينما يعلم الرجل بأنه يشارك المرأة في الفراش لمدة محددة وقصيرة قبل أن ينتقل لمرأة أخرى وهكذا، وهو يعلم أن الدافع هو إشباع رغباته الجنسية مع أكبر عدد من النساء المختلفات في أقل وقت ممكن، مع التبرير لنفسه بأنه يقوم بذلك تحت مسمى وغطاء ديني، حتى يبعد عن نفسه أي وساوس من أن ما يقوم به قد لا يكون جائز شرعاَ، حتى لا يؤرقه ضميره فيما لو صحى ولو للحظة في يوم من الأيام.
    وقد وجد هؤلاء العون من عدة جهات، فهناك سماسرة الجنس الذين لا يهتمون كثيراَ بالتجاوزات الدينية وكل ما يهمهم كسب المال عن طريق تلك الدعارة الحلال، كما سماها عبدالله كمال في كتابه الدعارة الحلال، وشيلا حائري الكاتبة الإيرانية في كتابها المسمى المتعة. وهناك الحظ العاثر لفتيات معدمات مادياَ الذي أوقعهن في تلك الطريق الشائك وهن يعلمن أن ما يقمن به ما هو إلا فاحشة محرمة. كما ساعد أولئك الرجال في متعتهم ما وجدوه من تشريعات (فتاوى) الفقهاء قديماَ وحديثاَ، ولا غرابة في تزاحم الفتاوى المحللة لتلك الزيجات لأن الفقهاء أنفسهم هم أول من استفاد من ذلك.
    فابن جريج (80 – 150 للهجرة) كان ممن يرى إباحة زواج المتعة لأنه تزوج بتسعين إمرأة زواج متعة. وينقل الذهبي في ترجمته لابن جريج في كتابه سير أعلام النبلاء ما يلي: وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، سمعتُ الشافعي يقول: استمتع ابن جُريج بتسعين امرأة، حتى إنه كان يحتقن في الليل بأوقية شيرج طلباً للجماع. إنتهى
    وهناك فقهاء يجيزون زواج المسيار الحالي، وهناك فقهاء يجيزون التعدد بلا شروط لأنهم يمارسونه، وهؤلاء هم من يقول بأن الطلاق ملك خاص بالرجل يتم بمجرد نطقه بلفظ يدل على الطلاق ولا يسأل عن السبب ولا حاجة لتسجيل ذلك في المحكمة أو في أي جهة رسمية.
    أما الزواج الشرعي فيقوم أساساَ لتكوين أسرة وتربية أطفال وليس فقط للمتعة الجنسية، ولذلك فليس للزوج الحق بالتعدد إذا لم ترغب الزوجة بذلك لأنه إضرار بها وخلاف للعدل معها، ويؤدي للعول، وهو سوء تربية الأطفال: ..... فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا.(النساء:3)
    ولكن يمكن للرجل والمرأة أن يتزوجا بشروط يشترطانها، ويجب إحترامها، وتوقيع الشروط الجزائية على من يخالفها من الزوجين، ومن هذه الشروط، عدم ممانعة الزوجة بأن يتزوج عليها زوجها متى شاء أو بعدد محدد من النساء غيرها، فإن قبلت فله ذلك. كما يمكن للزوجة إشتراط عدم زواج زوجها بغيرها وإن فعل فلها الحق بعقوبات جزائية أو الطلاق أو بهما معاَ.
    وللزوجين إشتراط عدم الإنجاب، لمدة معينة أو على الدوام، كما يمكن للزوجين إشتراط إنجاب عدد محدد من الأولاد، أو أي شروط أخرى يريانها ويقرانها عند عقد الزواج أو عند نشوب خلافات بينهما بعد الزواج.
    لكن أن يتمتع الزوج بمتع جنسية بخفية وبخلاف موافقة الزوجة فهذا ليس بزواج، كما أن عدم تسجيل وتوثيق الزواج يجلب الضرر ليس لأنه يصعب تحديد عدد الزوجات ونسب الأولاد وغير ذلك الكثير من المشاكل فقط، بل لأنه تدليس وإخفاء للحقيقة وهذا لا يقره الإسلام.
    وعليه ففي لغة العصر يجب أن يكون تسجيل الزواج وتسجيل الشروط التي اتفق عليها الزوجان والعقوبات الجزائية، وتسجيل الطلاق، حق مشروع للزوجين يجب أن تضمنه دولة الإسلام بموجب قوانين مكتوبة وثابتة.

  12. #102

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    المثال الثاني: الحجاب
    الحجاب في اللغة يعني الساتر، وهو الجسم الحائل بين شيئين أو جسدين منفصلين، وإذا لامس الساتر أحد الجسدين فهو غطاء، ويسمي قناعاً أو خماراَ. والقناع عند بعض الفقهاء تغطية كامل الجسد، وقال غيرهم القناع هو الثوب الذي يلقيه الرجل على كتفه ويغطي به رأسه ويرد طرفه على كتفه الآخر. بينما استخدم الخمار فقهياً بمعني ما يستر الرأس والصدغين أو العنق. أما النقاب فهو ما يغطي الوجه، فيقال تنقبت المرأة إذا غطت وجهها.
    وإذا كان ستر الرأس للمرأة أوجبه كثير من الفقهاء فإن تغطية الوجه لم يقل به إلا قلة منهم.
    ولن نناقش تحريم أو إباحة كشف المرأة لوجهها عن طريق استعراض ما يقوله الفقهاء، لأننا سندخل في دوامة كبيرة لا يمكن أن نخرج منها بنتيجة حتمية. فهناك من يصر على أن كشف الوجه حرام حرام حرام، وعلى رأس من سلف منهم ابن تيمية، ومن المحدثين في بلاد الحرمين ابن عثيمين وابن باز. وهناك من يقول بأن كشف المرأة لوجهها مباح، ومن المحدثين الذين قالوا بذلك والمقربين لفقهاء بلاد الحرمين، محمد ناصر الدين الألباني في كتابه " حجاب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة".
    ولو استعرضنا هذين القولين المتضادين في حكم تغطية المرأة لوجهها لوجدنا أن كلا الفريقين يعتمدان على أحاديث قولية أو تقريرية منسوبة للرسول، وإلى أقوال فقهاء سابقين، وإلى أقوال منسوبة لبعض الصحابة والتابعين، دون أن يكون للفقيه المعاصر أي رأي ناتج عن تحليله هو للآدلة أو للرجوع للآيات التي يستدل بها على الحجاب، إلا فيما ندر، وكل ما صححه فقهاء السلف الذين يتبع طريقتهم فهو صحيح وكل ما أنكروه فهو منكر. ثم يقوم بنقل ما يجده في كتبهم بعد إعادة صياغته.
    وبطبيعة الحال هناك من الأخبار والأقوال والأفعال المنسوبة للرسول وللصحابة في كتب الأخبار ما لا يمكن الإحاطة بها من كثرتها وتنوعها، وسيجد كل من يبحث فيها أدلة تؤيد وتمنع وتحرم وتبيح أي مسألة فقهية أخرى.
    وبما أن كتب الأخبار ظنية، أي أنها تورد أخباراَ لا تصل نسبة ثوبتها لمن نسبت له إلى حد اليقين، فإن أي حديث يخالف رأي معين يمكن للمخالف أن يجد في ذلك الحديث ما يشكك بمصداقية نسبته للرسول أو للصحابي.
    وسنورد مثالين على ذلك، الأول عن أحاديث نسبت للرسول والثاني لأقوال نسبت للصحابة، كما يلي:
    1. إستدل من أباح كشف وجه المرأة بحديث رواه أبو داود في سننه عن أم المؤمنين عائشة أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت سن المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا. وأشار إلى وجهه وكفيه.
    وقد رد هذا الحديث من يرى تحريم كشف وجه المرأة مثل ابن عثيمين في رسالة الحجاب ، والذي يقول عنه بأنه ضعيف بسبب الانقطاع بين عائشة وخالد بن دريك الذي رواه عنها نقلاَ عن أبو داود نفسه حيث قال: خالد بن دريك لم يسمع من عائشة وكذلك أعله أبو حاتم الرازي.
    لكن ابن عثيمين لم يشر إلى أن أحد الأحاديث التي استدل بها هو على وجوب غطاء وجه المرأة فيه نفس العلة التي رد بموجبها الإستدلال بالحديث السابق، وهي الإنقطاع.
    فكما أن خالد ابن دريك لم يسمع من عائشة في الحديث الذي يستدل به على إباحة كشف الوجه، فإن مجاهد لم يسمع عن عائشة في الحديث الذي أورده ابن عثيمين في رسالة الحجاب كدليل على وجوب غطاء وجه المرأة.
    والحديث الذي استدل به ابن عثيمين أورده أبو داوود برقم (1834)، وهذا نصه: حدثنا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أخبرنا هُشَيْمُ أخبرنا يَزِيدُ بنُ أبي زِيَادٍ عنْ مُجاهِدٍ عنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ الله عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنحْنُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مُحْرِمَاتٌ فَإِذَا حاذَوْا بِنا سَدَلَتْ إحْدَانا جِلْبَابَها مِنْ رَأْسِها عَلَى وَجْهِها، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْناهُ.
    وأورده أحمد برقم(23629)، وهذا نصه: حدثنا عبد الله ، حدثني أبي ، حدثنا هشيم ، قال: أنبأنا يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن عائشة، قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات، فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزنا كشفناه.
    وقد قال أبو الحجاج المزي في كتابه الشهير تهذيب الكمال عن مجاهد، راوي الحديث عن عائشة، ما يلي: قال أبو حاتِـم: روىٰ عن عائشة مرسلاً، ولـم يسمع منها، سمعتُ يحيـىٰ بن مَعِين يقول: لـم يسمع مُـجاهد عن عائشة.
    فكيف قال من يرى بتحريم كشف الوجه، والذين نقل عنهم ابن عثيمين، بعلة الحديث الذي يستدل به على إباحة كشف الوجه، ولم يقل بعلة الحديث الذي يستدل به غيرهم على تحريم كشف الوجه، مع أن العلة في الحديثين واحدة.
    2. أحد الأدلة التي أوردها ابن عثيمين في رسالة الحجاب للتدليل على تحريم كشف المرأة لوجهها قوله: الدليل الثالث: قوله تعالى: يأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لاَِزْوَجِكَ وَبَنَـتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَاـبِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً. (الأحزاب:59)
    ويقول ابن عثيمين في الصفحة (12) قال ابن عباس: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة. وتفسير الصحابي حجة، بل قال بعض العلماء أنه في حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلّم. إنتهى كلام ابن عثيمين.
    وابن عثيمين في الأسطر السابقة يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، وبدون قيد أو شرط، أن قول الصحابي (الذي هو هنا ابن عباس) حجة، بل هو بحكم قول الرسول.
    وفي الصفحة (25) من رسالة الحجاب لابن عثيمين، يقول: ولا أعلم لمن أجاز نظر الوجه والكفين من الأجنبية دليلاً من الكتاب والسنة سوى ما يأتي:
    الأول: قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى أَخَوَتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـنُهُنَّ أَوِ التَّـبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِى الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَتِ النِّسَآءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } حيث قال ابن عباس رضي الله عنهما: هي وجهها وكفاها والخاتم.
    (وهنا يجب أخذ قول ابن عباس على أنه حجة واجبة كما يؤخذ قول الرسول صلوات الله وسلامه عليه، بناءَ على ما ذكره ابن عثيمين في الصفحة (12)، لكن ابن عثيمين يقول في الصفحة (27) عن تفسير ابن عباس (الذي يقول بجواز كشف الوجه والكفين والخاتم) ثلاثة أوجه:
    أحدهما: محتمل أن مراده أول الأمرين قبل نزول آية الحجاب كما ذكره شيخ الإسلام ونقلنا كلامه آنفاً.
    الثاني: يحتمل أن مراده الزينة التي نهى عن إبدائها كما ذكره ابن كثير في تفسيره ويؤيد هذين الاحتمالين تفسيره رضي الله عنه لقوله تعالى: {يأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لاَِزْوَجِكَ وَبَنَـتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـبِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }. كما سبق في الدليل الثالث من أدلة القرآن.
    (ويبدوا أن ابن عثيمين نفسه لم يقتنع بالتبريرين السابقين، فهو يقول):
    الثالث: إذا لم نسلم أن مراده أحد هذين الاحتمالين فإن تفسيره لا يكون حجة يجب قبولها إلا إذا لم يعارضه صحابي آخر. فإن عارضه صحابي آخر أخذ بما ترجحه الأدلة الأخرى، وابن عباس رضي الله عنهما قد عارض تفسيره ابن مسعود رضي الله عنه حيث فسر قوله: { وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ... }. بالرداء والثياب وما لابد من ظهوره فوجب طلب الترجيح والعمل بما كان راجحاً في تفسيريهما. إنتهى كلام ابن عثيمين
    وهكذا يتراجع من يرى تحريم كشف الوجه، عن قوله بأن تفسير الصحابي حجة بلا قيد أو شرط، إلى أنه حجة فقط إذا لم يتعارض مع تفسير لصحابي آخر. ولذلك فابن عثيمين يرجح القول المنسوب لابن مسعود على القول المنسوب لابن عباس، لأنه يتوافق مع ما يريد إثباته. ونسي أو تعمد أن يتجاهل التفكير فيما قاله من تناقض.
    فإذا كان كلام الصحابي حجة كما التشريع الذي يثبت عن رسول الله، ووجد هناك صحابيان لكل منهما كلام مختلف في مسألة واحدة. فواحد يقول بإباحة كشف الوجه والآخر يقول بتحريمه، فهل هذا يعني أن الإسلام يقول بكلا القولين المتناقضين؟ أم أن أحد هذين القولين مردود على صاحبه، وهو ليس بحجة فيما ذهب إليه، وبالتلي فإن كلام الصحابي ليس حجة على الإطلاق، بل هو مجرد رأي شخصي يجوز عليه الخطأ والصواب، مثله مثل أي رأي شخصي لأي شخص آخر.
    وهناك أمر آخر لا يتطرق إليه الفقهاء في العادة وهو إحتمال أن يكون ما نسب لابن عباس ولابن مسعود مختلق، لأنه وردنا عن طريق كتب الأخبار الظنية. ومن أجل ذلك فلن نناقش إباحة أو تحريم كشف وجه المرأة عن طريق تحليل أو مناقشة أو تتبع أقوال الفقهاء أو ما نسب للصحابة أو للرسول من أخبار، لأن هذه الوسيلة قد طرقها الكثيرون في القديم والحديث. ومع ذلك لم ولن يقتنع من يؤمن بتحريم كشف المرأة لوجهها أو من يؤمن بعكس ذلك بتغيير آرائهم بما أورده أي من الفريقين من أدلة، لأنها أدلة ظنية لها نفس الصفات، وفيها نفس العيوب، ومناقشة الأدلة الظنية تدخل في دوامة يصعب الخروج منها بنتيجة حتمية، كما أسلفنا.
    شيئ آخر نود التنوية إليه وهو أن ذكر ابن عثيمين والألباني وغيرهما بالإسم هنا أو في موضوع آخر في الكتاب، يأتي من باب الإستدلال على أقوال الفقهاء بوجه عام، ولا يعني أننا ننتقد منهجهم كأشخاص، لأننا لا نملك الوسيلة اللازمة لذلك وهي صحيفة الأعمال، والتي لن تنشر إلا يوم القيامة بأمر الله وحده، أما في هذه الدنيا فكُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِين.
    وبما أن نقاش أقوال الفقهاء لن يغني من جوع فقد كان لزاماَ علينا أن نتجه لكتاب الله فنحرم حرامه الواضح ونحلل حلاله الواضح ونسكت عما سكت عنه كما أمرنا الله.
    نقول وبالله التوفيق
    يستدل الفقهاء على تغطية المرأة لوجهها بآيتين، الأولى هي الآية (31) من سورة النور والثانية هي الآية (59) من سورة الأحزاب، وسنستعرض هاتين الآيتين، فإن إحتوتا أو أحدهما أمراً لله تعالى بتغطية المرأة لوجهها، فلن يكون للبشر خيار في القول بغير ذلك، وإن لم تقل الآيتان بوجوب غطاء الوجه، فعلى الفقهاء الذين يقولون بذلك أن ينتهوا خيراًَ لهم.
    1- الآية (31) من سورة النور
    تبدأ سورة النور بتشريع حد الزنى للرجل والمرأة على أنه (100) جلدة في حضور جمع من الناس. ثم حرمت الآية الثالثة الزواج ممن يداوم على فعل فاحشة الزنى من الرجال والنساء. ثم تحدثت الآيات التالية عمن يقذف النساء بالزنى بدون دليل، ووضعت حداَ على من يفعل ذلك، يتمثل بالجلد (80) جلدة، كما شرعت الآيات التي تلي كيف يتم إثبات الزنى بين الزوجين أو نفيه إذا إتهم أحدهما الآخر بدون بينة. وتستمر الآيات حتى الآية (18) تتحدث عن قذف المؤمنات بالزنى بدون شهادة أربعة شهود، وسنعود لهذه الآيات في موضوع منفصل للحديث عما عرف بالتراث الإسلامي " بالإفك" في الملحق.
    وتحذر الآيات (19 – 21) وتتوعد كل من يعمل على إشاعة الفاحشة وتهوين أمرها بين الناس ولو بكلمة أو فعل يسير، وتبين أن كل من يقوم بذلك فهو يتبع خطوات الشيطان ويسهل عليه مهمته في إغواء الناس، كما تقول الآية (21) بأن العمل على حفظ المجتمع من الفحشاء مهمة الجميع، لأن الجميع معرضين للوقوع في الفواحش إذا إنتشرت وأصبحت في متناول اليد.
    وتأمر الآية (22) بالإنفاق، وهذا يمكن فهم علاقته بموضوعنا هنا إذا رجعنا إلى موضوع التوبة، حيث نجد أن الإنفاق هو أكثر الأعمال التي تغسل الذنوب بعد التوبة، يقول تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.(التوبة:103-104) (أنظر موضوع التوبة)
    وتتوعد الآيات (23 – 25) من يقذف المؤمنات بدون إثبات، بأن الله لعنه وأعد له عذاباَ أليما.
    وتؤكد الآية (26) بأن المجتمع المسلم يجب أن يكون أفراده طيبين طاهرين بعيدين عن الفحش من القول والفعل.
    ثم تشرّع الآيات الثلاث (27 – 29) آداباَ لدخول المنازل، لأن التسلل للمنازل من مساويه النظر للناس وهم بلباس غير محتشم، وهو من الفحش التي نهت عنه الآيات السابقة.
    ونصل للآيات (30 – 34) والتي يختتم بها الحديث عن موضوع محاربة الفحشاء من الفعل (الزنى) ومن القول (القذف) الذي بدأ منذ بداية السورة بلا انقطاع. يقول تعالى: قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ.(الآية:30)
    فمن أهم الممارسات التي تحارب انتشار الفحشاء هو غض البصر، والذي يعني عدم إطالة النظر والتحديق بجسد المرأة بشهوانية، لأن الرجل لو سمح لنفسه بذلك فستثيره هيئة المرأة وتقاطيع جسدها سواءً غطت وجهها أم كشفته، لأن المرأة خلقها الله بهذا القوام لكي تثير الرجل فيطلب مواقعتها وبالتالي يحدث الحمل والولادة والنتيجة بقاء الجنس البشري من الإنقراض.
    فجاء الإسلام لا ليستنكر هذه الغريزة ولكن ليجعلها تمارس ضمن حدود شرعية في إطار الزواج، فأمر الرجل بغض النظر عن المرأة الأجنبية. وهذا الأمر سبق وأمر الله به الرسول صلوات الله وسلامه عليه، عندما تصرف كبشر ولفت إنتباهه جسد ومنظر إمرأة متزوجة فنزل القرآن ليوبخه على ذلك: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ.(الحجر:88) ويبدوا أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه غلبت عليه طباعه البشرية فمد بصره مرة أخرى للنظر إلى إمرأة متزوجة أخرى، فجاءه التوبيخ مرة أخرى بعدم تكرار ذلك، ومجاهدة النفس على غض البصر: وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى.(طـه:131) (أنظر الباب الرابع - محمد)
    وغض البصر لا يعني أن يغطي الرجل وجهه كلما قابلته إمرأة حتى لا ينظر إليها، لأن غطاء الوجه لا يمنع من أن يسترق الرجل النظر بل ويطيله إلى وجه وجسد المرأة دون أن تشعر به، ولكن غض البصر في الآية يعني عدم إطالة النظر لأن ذلك سيثير الشهوة ولو بشكل عابر.
    وغض البصر بهذا المعنى هو ما أمرت به النساء، كما الرجال، في الآية التي تلي: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.(النور:31)
    ولا يعني غض البصر في الآيتين السابقتين تحريم نظر الرجل للمرأة ونظر المرأة للرجل نظرات عادية جادة لا تؤدي للتفكير بالجنس وإثارة الغريزة، لأنه جاء ضمن سياق الآيات التي تشرع إجراءات من شأنها الحد من شيوع الفاحشة في المجتمع الإسلامي ومن ذلك جهاد النفس من الرجل ومن المرأة على حد سواء بالإبتعاد عن كل ما يثير الغريزة ويؤدي لإنتشار الفحشاء، من قول وقصص أو تصرف، ويدخل ضمن ذلك الدعايات التي تروج للفحشاء بطريق مباشر وغير مباشر، والملصقات والصور الإباحية أو التي تؤدي لإستسهال الفحش، سواءَ كانت متحركة أو ثابتة، وسواءَ جاءت على شكل حديث أو أغنية أو تمثيل أو إعلان تجاري أو بأي طريقة أخرى.
    إضافة لذلك يجب على المسلمين رجالاَ ونساء أن يحفظوا فروجهم في حال ووجد الإنسان نفسه في خلوة مع الجنس الآخر، وتوافرت كل الظروف لممارسة الزنى، عندها يجب على الرجل الإمتناع " وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ" وعلى المرأة كذلك " وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ " بدافع ديني.
    وبما أن المرأة هي الجنس الناعم الأكثر جاذبية وإغراء فعليها أن لا تتبرج بزينة مبالغ فيها لدرجة تلفت نظر الرجل وتجعله يتناسى أمر الله بغض البصر" وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا". ويدخل في هذه الزينة كل ما يلفت النظر من مساحيق التجميل وتصفيف للشعر واللباس المثير.
    ولم يطلب من الرجل ذلك، لأن الرجل يمثل الجنس الخشن والذي يمكنه أن يجذب المرأة بمواصفات غير الجمال الخارجي وتناسق الجسد وتصفيف الشعر والعطر النافذ الرائحة، وحتى في هذا العصر فالرجل الذي يتزين بطريقة تشبه الطريقة النسائية لا يزداد رجولة بل على العكس ينظر إليه على أنه فقد تلك الرجولة أو شيئاَ منها.
    وتقول الآية (31): وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. فالبعد عن الفحشاء وما يقرب إليها من قول أو عمل جهد متساو بين الرجل والمرأة، وليس على أحدهما أن يقوم بأكثر مما يقوم به الآخر.
    وتأتي الآيتان (32 ، 33) لتختم موضوع محاربة الفحشاء الذي بدأ مع أول السورة، بالقول بأن الجماع حق مشروع للرجل والمرأة وإشباع لرغبة غريزية، ولدا وهما يتمتعان بها ولا يستطيعان كبح جماحها، ولكن عليهما أن يمارساها بطريقة شرعية تحت مظلة الزواج فقط: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.(النور:32) ومن لم يتزوج بعد فعليه أن يستعفف ويبتعد عن كل ما يؤدي لإثارته جنسياَ، رجل كان أو إمرأة، حتى يأتي الوقت الذي يتمكن فيه من الزواج: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.
    ولما نزلت تلك الآيات كان الرق منتشراَ في المجتمع، ولذلك أمر الله كل من لم يستطع الزواج بامرأة حرة أن يتزوج بأحد الإماء، وأن على من يملك الإماء مساعدة كل من يرغب الزواج بإحداهن أن يسهل له ذلك، كعمل يدخل ضمن الإجراءات الشرعية لمنع إنتشار الفاحشة، بل ويجب على الأغنياء الذين يملكون الإماء أن يزوجوهن بمن يرغبن من فقراء المسلمين ويساعدوا الزوجين مادياَ حتى يتمكنا من فتح بيت الزوجية: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ.
    وهذا العمل واجب على أثرياء ذلك الزمن الذين يملكون الإماء ومن لم يفعله فقد أثم، وهو خير من إبقاء الإماء عند الموسرين والتسري بهن بدون زواج، لأن ذلك فحشاء جاء الإسلام للقضاء عليها، ويجب على المسلمين التوبة إلى الله من ذلك: وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ.(النور:33) ولا يعني قوله تعالى " وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ" ما ذهب إليه الفقهاء والمفسرين من أنه إكراه الإماء على إمتهان الزنى مقابل المال الذي يأخذه منهن سيدهن، ويقولون بأنها نزلت في عبد الله بن أُبَيّ، وكانت له جاريتان إحداهما تسمى مُعاذة والأخرى مُسَيْكة، وكان يُكرههما على الزنى ويضربهما عليه ابتغاء الأجر وكسب الولد؛ فشكتا ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية فيه.(تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي)
    لأنه لا يمكن تصور أن تنزل سورة النور بتحريم الزنى بكل أشكاله وما يؤدي إليه من قول أو فعل أو عمل، وتحريم كل ما يساعد على نشر استسهال الفاحشة ولو كانت على شكل كلام فاحش ولو لم يصل لإقتراف الزنى ثم تختم الآيات هذا الموضوع برجاء المسلمين ألا يجبروا إماءهم لممارسة الزنى كمهنة تعود عليهم بالمال، وكأن ممارسة الزنى مع الجواري ليس بزنى أو أنه زنى من درجة ثانية وهو أقل في ذنبه من مجرد إشاعة التحدث الفاحش الذي كان من ضمن ما حرمته آيات سورة النور السابقة.
    ويكون إكراه الإماء على البغاء هو إبقائهن عند سيدهن بدون زواج ليتمتع بهن جنسياَ ولا يسمح لهن بالزواج والتعفف، ولا قيمة لكلام المفسرين، لأن المفسرين بوجه عام يقولون ما يرغبون أن يفهم من الآية ثم يسوقون قصصاَ قد لاتكون حدثت وكأنها السبب في نزول الآيات، وإلا فهذه الآية من سورة النور ليس بالضرورة لها سبب معين تمثل بجاريتي عبدالله ابن أبي، ولكنها جاءت بتشريعات جديدة تحرم عادات كانت قائمة في المجتمع ومنها إجبار الإماء على مزاولة الزنى مع أسيادهن الرجال.
    وقد جاءت هذه الآية ضمن حديث طويل بدأ من أول السورة عن الزنى ووجوب القيام بكل الإجراءات الإحترازية لمنع ما يحبب إلى كل الفواحش ولو لم تصل إلى إقتراف الزنى، كما أسلفنا، فكيف يتصور أن تتحدث نفس السورة وفي ختام حديثها عن التحذير من الزنى والفواحش، عن إباحة، ولو مع الكراهة، أن يقوم المسلم بدور (القواد) على رقيقه مقابل كسب المال، دون أن يكون على من يقوم بذلك حد أو عقوبة دنيوية أو في الآخرة. ويبدوا أن هذه الآية نزلت قبل أن يحرم الدين ممارسة الجنس مع الرقيق والذي كان منتشراَ في المجتمع الجاهلي قبل الإسلام، وأن الإسلام قد جاء لتحرير الرق، فجعل من أهم صفات المؤمن فك الرقبة (العتق): فَكُّ رَقَبَةٍ. أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ........ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ.(البلد:3-17)
    وجعل تحرير الرق من صفات البر، وهو الإيمان الخالص: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ.(البقرة:177)
    والإنفاق الذي يعتبر ركيزة إسلامية هامة يصرف في عدة مجالات تضمن تحقيق التكافل الإجتماعي ومنها عتق الرقاب: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.(التوبة:60)
    وجعل الإسلام كفارة الظهار عتق رقبة: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.(المجادلة:3)
    وجعل عتق الرقيق كفارة لليمين: لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.(المائدة:89)
    وحرم الإسلام استرقاق الناس في الحروب وهي المصدر الرئيسي للرق، وقد تحدثنا عن ذلك بإسهاب في موضوع الجهاد. ولو أن المسلمين تقيدوا بتشريعات الله في الرق لما بقي رقيق واحد في دولة الإسلام وإلى الأبد، ولكن ما حدث بعد وفاة الرسول أن المسلمين أعادوا الحروب بوجهها الجاهلي فأصبحت مدن الإسلام أكبر أسواق النخاسة في العالم على مر العصور.
    وتكون سورة النور خالية من أي إشارة لتغطية المرأة لوجهها، ولكنها تدعوا لما هو أهم من غطاء وجه المرأة، وهو محاربة كل ما يدعوا للفحش من قول أو عمل، لأن غطاء المرأة أو الرجل للوجه لا يعني العفة، ولايمنع من إنتشار الفحشاء، ومن أراد التحقق من ذلك بلغة الأرقام فعليه مراجعة الإحصائيات التي تصدر من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بلاد الحرمين، التي تجبر فيها النساء بتغطية الوجه وكامل الجسد، بل وضرورة لبس العباءة السوداء وأن تكون على الرأس ولا يسمح بتركها على الكتف ولو كان الرأس والوجه مغطيان بغطاء أسود مشابه للون العباءة. وسنجد آلاف بل عشرات الآلاف من جنح ضبط شاب وفتاة في خلوة (غير شرعية) أو ضبط رجال ونساء عراة وبأوضاع مشبوهة جنسياَ في جلسات شرب وعربدة وغير ذلك، وهذه الحوادث في تزايد مستمر، في العدد وفي النوعية، فالسحاق ينتشر في البلاد بنسب قد لا توجد في بلاد أخرى، وكذلك اقتراف فعل قوم لوط، والفضاء يغص بقنوات تنخر في جسد الأمة بما تحمله من سموم جنسية صارخة بكل أشكال الطيف، حتى أصبحت مكة المكرمة بلد الله الحرام ومقر بيته المعظم وقبلة المسلمين، ملتقى للفساد الأخلاقي والفواحش ما ظهر منها وما بطن، مثلها مثل كل مدن تلك البلاد. وأصبح الكثير من أهل بلاد الحرمين مهووسين جنسياَ، وتفنن الأغنياء منهم باستقدام الساقطات والشواذ وإقامة الحفلات الجنسية الصاخبة في القصور، كما داوموا وكثير غيرهم من طبقات أدنى مادياَ على الرحلات السياحية الجنسية والتي كانت قصراَ على الرجال في البداية، ولكنها الآن أصبحت تمارس من قبل النساء أيضاَ. حيث يسافر الناس لبلاد شقيقة وصديقة طلباَ لممارسة الفجور الجنسي بكل أشكاله، بمسميات بعضها له تسميات دينية، مثل زواج الصيف، زواج متعة، زواج بنية الطلاق، زواج الصداقة، وغيرها، وبعضها بدون زواج، ليس فقط للإبتعاد عن أعين مطاوعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن لممارسة تلك الفواحش مع أجناس غير محلية، مما يعني التنوع في الإمتاع. وعرفت نساء المسلمين كيف تقوم باتصالات تلفونية على مؤسسات الجنس الأوروبية (ESCORT) وأصبح لتلك المؤسسات عاملين من الجنسين يجيدون فن إشباع رغبات أبناء وبنات بلاد الحرمين المحرمة عليهم دينياَ واجتماعياَ. وصار من المألوف أن تسافر النساء بمفردهن بدون أزواجهن والرجال بدون زوجاتهم، وإن سافروا مع بعض فلكل طريقته في قضاء إجازته لايعلم بها قرينه، ولو من باب التظاهر بادعاء الثقة على الأقل.
    كل هذا لأننا أردنا أن نفهم كلام الله بما يتوافق مع عاداتنا وليس بما يتوافق مع تشريع الله، فالله يأمر بالعفة وتجنب كل ما يؤدي للفحش سواءَ في العلن أو في السر، ونحن نقول المهم أن تغطي المرأة وجهها، وكل ما يفعل في السر ولا يطلع عليه الناس فلا بأس.
    وكما بدأت سورة النور الحديث عن إجتناب الفواحش وإشاعة العفة فقد ختمت آياتها بالحديث عنها، يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.(الآيات:58-62)
    وكل آيات سورة النور جاءت على شكل تشريعات كان يجب على المسلمين أن يصوغوا منها قوانين مكتوبة بكل تفصيل في مجال الأحوال الشخصية وذلك للحماية من الفواحش.
    2- الآية الثانية التي يستدل بها على وجوب تغطية وجه المرأة هي الآية (59) من سورة الأحزاب، ونصها: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً.
    والآية تأتي ضمن آيات سبقتها تتحدث عن موضوع الحرص على العفة وهو ما تتحدث عنه سورة النور، وسنستعرض لآيات سورة الأحزاب بدءَ من الآية (53) والتي تقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً.
    فالموضوع يتعلق بتشريع يحرم على المسلمين أن يدخلوا على بيوت الرسول (والتي كانت عبارة عن غرف لأزواجه ملحقة بمسجده، ولم تكن تشابه بيوتنا الحالية) قبل أن يستأذن الداخل ويسمح له بالدخول، لأنه قد يدخل وإحدى زوجات الرسول في وضع بيتي مريح وقد تخلصت من بعض ثيابها، والنظر إليها في مثل ذلك الوضع يثير الغريزة، خاصة وأن هناك ممن يسمى بالصحابة من يتعمد الدخول فجأة لكي يسترق النظر بقدر ما يستطيع.
    ويذكر المفسرون أن أحد الصحابة، كان يقول لإن مات محمد لأتزوجن عائشة.(أنظر تفسير الآية (53) من سورة الأحزاب عند القرطبي والطبري) ونحن لا نأخذ كلام المفسرين بالإعتبار في أي شيئ يقولونه لأنهم يخترعون القصص أو ينقلونها ممن اخترعها لتؤيد ما يودون قوله من تأويل للآيات، ولكننا نقول بأنه وإن لم يعلن أحد الصحابة صراحة برغبته تلك فإنه من المعقول أن تكون موجودة لدى البعض منهم، وبالتالي فيمكن لأحدهم أن يتحين الفرص لإستراق نظرات شهوانية لزوجات الرسول، وغير الرسول، ولذلك جاءت الآية تقول بأن زوجات الرسول في مقام الأم بالنسبة للمسلمين عامة، نساءَ ورجالاَ، ولذلك لا يجوز أن يتزوجن بعد وفاة الرسول بغيره من الرجال.
    وتقول الآية التالية (54) بأن الله يعلم ما يختلج في صدور بعض الصحابة من رغبة في الإطلاع على عورات زوجات الرسول، ولو لم يحدثوا به علناَ، لأن الله يعلم الجهر وما يخفى: إِن تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا.
    وتبين الآية التالية (55) إباحة أن تتبسط زوجات الرسول في اللبس أمام محارمهن: لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ....
    مع الحرص منهن على تقوى الله والبعد عن إثارة الغرائز: وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا.
    وتقول الآية (56) بأن المطلوب من المسلمين ليس إيذاء مشاعر الرسول بمحاولة استراق النظر لعورات زوجاته، وغير ذلك، ولكن المطلوب هو الدعاء للرسول بالصلاة وإلقاء السلام عليه. وصلاة الله على الرسول تعني عطف الله والحنو والرحمة على رسوله (حسب ما جاء في الروض الأنف): إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.
    ثم يتوعد الله من يقصد إيذاء الرسول بتتبع عورات زوجاته: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا.(الآية:57) كما توعد سبحانه كل من يتتبع عورات غير الرسول من المسلمين: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا.(الآية:58)
    وبعد ذلك تأتي الآية (59) لتأمر نساء الرسول ونساء غيره من المسلمين بأن يحرصن على التستر حتى يقطعن الطريق على من يتربص بهن ويتحين الفرص للإطلاع على ما يستطيع من عوراتهن: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا.
    وفي الآيتين التاليتين يبين الله أن من يحرص على الإطلاع على كل ما يستطيع رؤيته من عورات نساء الرسول وغيره من المسلمين هم من المرضى المهووسين جنسياَ والذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم ليردع هوسهم ويشفيهم منه، فهم من المنافقين ال*******، ولإن لم ينتهوا عن أفعالهم فسيظهرهم الله وسيطلب من الرسول والمسلمين طردهم من المدينة: لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا.(الآية:60)
    فإن أبوا الخروج فسيسمح الله لرسوله والمؤمنين بتعقبهم وقتلهم: مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا.(الآية:61)
    لأن هذا من السنن الكونية التي أوجدها والتي تتمثل بالقضاء على من يقف ضد دولة الإسلام أو ضد تشريعاته: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا.(الآية:62)
    وهكذا يتضح أن سورة النور وسورة الأحزاب لم تتحدثا على الإطلاق عن تشريع يأمر المرأة المسلمة بتغطية وجهها، ولكن السورتان تتحدثان عبر آيات عديدة عن موضوع واحد هو تحريم الزنى والفواحش ووجوب محاربة كل ما يدعوا إليها أو يحببها في النفس من قول أو عمل، ومن هذه الأشياء ضرورة أن يبتعد الرجال عن التلصص على النساء في خلواتهن، ولو إتفق ولمحوا عورة امرأة فيجب عليهم غض البصر، وأن لا يلاحقوا النساء لإغوائهن وعمل الفاحشة معهن. وأن من يستمرئ ذلك فيجب على المسلمين فرض عقوبات جسدية عليهم ونفيهم فإن تابوا وإلا يتم القضاء عليهم لأنهم ليسوا مؤمنين بل هم يسعون لخراب المجتمع.
    وكما الرجال، يجب على المرأة أن تعي أنها خلقت لكي تغوي الرجل بمظهرها وتقاسيم جسدها المثير، وإلا لما كان هناك تزاوج وإنجاب، ولكن هذا يجب أن يتم في أطر شرعية وتحت مظلة الزواج، ولذلك يجب عليهن ما يجب على الرجل من غض البصر والحرص على حفظ الفرج من الوقوع في المحرم.
    كما تقول الآيات بأن على دولة الإسلام سن التشريعات اللازمة للقضاء على كل مظاهر التحلل الأخلاقي مهما صغرت، لأنه لا شيئ يبقى على حاله والسماح بصغير الشرر يحولها إلى حريق هائل.
    كما يجب سن التشريعات والقوانين اللازمة لمنع كل ما يساهم ولو بجزء ضئيل بإشاعة الفحشاء ولو قولاَ. فلا يسمح بقصص أو أفلام أو أغان أو إعلانات أو أندية أو نشاطات أو غيرها تساهم بخدش الحياء وهتك العفة للرجال أو النساء، تحت أي مسمى أو خدمة. وهذا كله لا يعني أن تقبع المرأة في بيتها ولا تخرج منه إلا لبيت زوجها وللقبر، ولا يعني أن تغطي المرأة وجهها، ولا يعني ألا تتسلم المرأة مناصب قيادية في المجتمع إن كانت في مستوى يؤهلها لذلك، ولا يعني أن صوتها عورة ولا يعني أن وجودها مع الرجال في مكان واحد حرام. ولكنه يعني أن تظهر بمظهر جاد ولا تسرف بالزينة التي تجبر الرجل على أن تستثار غرائزه، وأن تتمتع باستقامة ودين وخلق، وعلى الرجل نفس الواجبات.
    وعلى دولة الإسلام إذا كان مجتمعها مثل مجتمع بلاد الحرمين الحالي، أن تسن التشريعات والقوانين الكفيلة بتوعية المجتمع رجالاَ ونساء على هذه الأوضاع الطبيعية للمرأة وعلاقتها بالرجل في المجتمع، بجانب القضاء على كل ما يمس العفة ويدعوا أو يحبب للرذيلة، وعندما يعي الناس هذا الوضع الإسلامي الصحي، والذي يمكن تحقيقه بسرعة لو وجدت القوانين والتوعية المناسبة. عندها لن يتحرج الرجل من الحديث مع المرأة ولن تتحرج المرأة، وسينصرف ذهن الرجل عن تخيل عناق المرأة التي أمامه بمجرد أن تحدثت إليه، فهذا الشعور ولدته العادات التي عاشها المجتمع طوال قرون ورسختها الفتاوى الفقهية التي تأولت معاني الآيات كالتي في سورتي النور والأحزاب لتقول للناس بأن المرأة عورة وأن الرجل حمل وديع جرته المرأة للفحشاء بغوايتها الشيطانية................................
    ومن التشريعات والقوانين التي يجب على دولة الإسلام أن تسنها لمحاربة الفحشاء، تشريعات وقوانين تضمن للناس حياة كريمة تبعدهم عن الحاجة والسؤال وإلى طرق باب الحرام لكي يقتاتوا وينعموا بما ينعم به غيرهم من ملذات دنيوية، ومثل هذه الحقوق من واجبات دولة الإسلام توفيرها لكل مسلم وليس منة أو معروف أو مكرمة. وبدون كل ما سبق من تشريعات وقوانين فلن يتخلص المجتمع من الفساد الأخلاقي، ولن يمتنع الناس عن الفحشاء مهما حاول رجال الدين التباكي على الوضع ومهما وعظوا الناس وحذروهم، فتأليف القلوب يكون بإشباع بطونهم وسد حاجاتهم المادية، وليس بالوعظ والقصص والترغيب والترهيب، والإسلام يعلم ذلك. لذا كان تأليف القلوب من أهم ما يجب على دولة الإسلام القيام به للمسلمين في كل وقت وزمان وليس فقط في بداية عصر الإسلام كما يظن بعض الإخباريين والفقهاء. ومن تأليف القلوب ضمان حياة كريمة لكل فرد مسلم في دولة الإسلام أو مسلم تشمله دولة الإسلام برعايتها ولو كان خارجها.

  13. #103

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    المثال الثالث: التعدد
    يعتمد فقهاء المسلمون السنة على الآية الثالثة من سورة النساء في القول بإباحة زواج الرجل بأربع زوجات كحد أعلى في وقت واحد، كما اعتمد عليها فقهاء الشيعة في جواز التعدد أيضاً. وهذا نص الآية: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْْ.
    وليس هناك أحاديث صريحة تنص على الزواج بأكثر من واحدة أو على الحد الأعلى للتعدد، في صحيح البخاري ومسلم ومسند أحمد وسنن الترمذي والدارمي وأبي داوود، ولا في موطأ مالك، وإن كان هناك بعض الأحاديث تشير فقط إلى التعدد، ومن ذلك حديث رواه الترمذي تحت رقم 1137، وهذا نصه: حدثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدثنا عبدُ الرَّحمٰنِ بنُ مَهْدِي. حدثنا هَمامٌ عنْ قتادَةَ ، عنِ النَّضْرِ بنِ أنَسٍ ، عنْ بَشِيرِ بنِ نَهِيكٍ ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ ، عن النبيِّ قالَ: إذا كانَت عِنْدَ الرَّجُلِ امْرَأَتَانِ، فَلْم يعْدِلْ بَيْنَهُمَا، جَاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وَشِقَّهُ سَاقِطٌ. قال أبو عيسى (أي الترمذي): وَإنَّمَا أَسْنَدَ هذا الحَديثَ هَمَّامُ بن يَحْيَى عن قَتَادَة. ورَوَاهُ هِشَامٌ الدَّسْتَوَائيُّ عنْ قَتَادةَ قالَ: كانَ يُقالُ. وَلاَ نَعْرِفُ هذَا الحديثَ مَرفوعاً إِلاَّ مِنْ حدِيثِ هَمَّامٍ. إنتهى.
    إضافة لما أورده بعض المفسرين كالقرطبي في الجامع لأحكام القرآن، في تفسيره للآية المذكورة من سورة النساء، عندما قال: وأخرج مالك في موطئه، والنّسائي والدَّارَقُطْنِيّ في سننهما أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لغَيْلان بن أُمَيَّة الثَّقَفِيّ وقد أسلم وتحته عشر نسوة: اختر منهن أربعاً وفارق سائرهن. وفي كتاب أبي داود عن الحارث بن قيس قال: أسلمتُ وعندي ثمان نسوة، فذكرت ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: اختر منهن أربعاً. وقال مقاتل: إن قيس بن الحارث كان عنده ثمان نسوة حرائر؛ فلما نزلت هذه الآية أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلّق أربعاً ويُمسك أربعاً. إنتهى ما نقله القرطبي.
    والحديث الثاني موجود في سنن أبي داوود تحت رقم 1125 ، بهذا النص: حدثنا هَنَّادٌ. حدثنا عَبْدَةُ عنْ سَعِيدِ بنِ أبي عَرُوبَةَ ، عنْ مَعْمَرٍ ، عنْ الزُّهْريِّ ، عنْ سَالِمِ بنِ عَبْدِ الله ، عنِ ابنِ عُمَرَ أَنَّ: غَيْلانَ بنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ أسْلمَ ولَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ في الْجَاهلِيَّةِ، فَأسْلَمنَ مَعَهُ. فَأَمَرَهُ النبيُّ أَنْ يَتَخَيَّرَ منهن ارْبَعاً .
    قال أبو عيسى: هكذا رواه معمر عنِ الزُّهْرِيِّ، عنْ سَالمٍ، عنْ أبِيهِ. قال: وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ إسْمَاعِيلَ يَقُولُ: هذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ. والصَّحِيحُ مَا رَوَى شُعَيْبُ بنُ أبي حَمْزَةَ وَغَيْرُهُ عنِ الزُّهْرِيِّ وَحَمْزَةَ، قالَ: حُدِّثْتُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ سُوَيْدٍ الثَّقَفِيِّ، أَنَّ غَيْلاَنَ بن سَلَمَةَ أسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ. قالَ مُحَمَّدٌ: وإنمَا حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عنْ سَالمٍ، عنْ أَبِيهِ أنّ رَجُلاً مِنْ ثَقِيف طَلَّقَ نِسَاءَهُ. فقالَ لَهُ عُمَرُ: لَتُراجِعَنَّ نِسَاءَكَ، أوْ لأرْجُمَنَّ قَبْرَكَ، كَمَا رُجِمَ قَبْرُ أبِي رِغَالٍ. إنتهى ما نقله الترمذي.
    فهل الآية الثالثة من سورة النساء نزلت أصلاً لتحديد التعدد بأربع؟
    وهل الأحاديث المذكورة كافية للقول بأن الإسلام يبيح للرجل أن يجمع بين أربع زوجات في وقت واحد؟
    وهل هناك علاقة بين العدل بين الزوجات والآية رقم 129 من سورة النساء، التي تقول: وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا؟
    أم أنه ليس هناك في القرآن ولا في كتب الحديث المشهورة ما يستدل به على تحديد الزواج بواحدة أو أربع أو تسع أو أكثر، وأن التحديد بأربع جاء كعرف معمول به عند العرب، الذين لا يتجاوزون الزواج بالأربع، كما ذكر البخاري في كتاب التفسير للقرآن أثناء حديثه عن سورة النساء، عندما قال: ... وقال غيرُه: مَثنى وثُلاث ورُباع، يعني اثنَتين وثلاثاً وأربعاً، ولا تجاوِزُ العربُ رُباعَ.
    وأن الإسلام اشترط العدل المذكور في الآية الثالثة من سورة النساء لكي يمنع الزواج بأكثر من زوجة واحدة، وأن العدل بين النساء ليس في المأكل والمشرب والمبيت، بل في كل ما هو ضد الظلم، ولو كان في المشاعر؟
    والذي يقرأ الآيات العشر الأولى من سورة النساء بتمعن يجد أنها نزلت أصلاً للحديث عن بعض حقوق اليتامى، فقد بدأت السورة بقوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا.
    وهي دعوة صريحة لتذكير الناس بأنهم جميعاً خلقوا من نفس واحدة ويحملون نفس القدرات البشرية، وكون المرء يتيماً لا يجعله أقل قدراً وإنسانية من الأغنياء.
    ولذلك يجب أن لا تستغل ظروف اليتيم من قبل وكيله والقائم على أمواله ليأكلها بالباطل، أو تهظم حقوقه الأخرى ويتعرض للظلم، وهو ما تتحدث عنه الآيات التالية، والتي من بينها الآية الثانية والآية الثالثة التي يستدل بها على التعدد، يقول تعالى: وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا. وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْْ.(النساء:2-3)
    وهاتان الايتان تتناولان عدة نقاط، هي:
    • أنهما نزلتا لوضع ضوابط وشروطاً يجب مراعاتها في التعامل مع الأيتام وكيف تدار أموالهم ويحافظ عليها من قبل الوكيل عليهم، ولم تأت للحديث عن الزواج أو عن التعدد أصلاً، وإن جاء الحديث عن زواج اليتيمة ضمن الأمور التي يجب مراعاتها في التعامل معها: وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا.
    وهذا ما جاءت السورة لاحقاً بالتأكيد عليه، إذ يبدوا أن العرب لم يصدقوا بأن القرآن سيهتم بأمر اليتامى ويعتبر أن حفظ حقوقهن من الدين، فسألوا الرسول عن حقيقة ذلك، فجاء الجواب حاسماً ليؤكد على حفظ حقوق اليتامى والمستضعفين من رجال ونساء: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِه عَلِيمًا.(النساء:127)
    • أن من بين الضوابط في التعامل مع الفتاة اليتيمة إذا رغب وكيلها الزواج بها، مراعاة العدل الكامل في التعامل معها وعدم استغلال ضعفها لظلمها أو جرح مشاعرها أو التعامل معها بفوقية، وذلك لضمان حياة كريمة لها: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى.
    • التأكيد على أن الوكيل إذا لم يجد في نفسه القدرة على القيام بالعدل الكامل في معاملتها، ليس بالنسبة لزوجات أخريات، ولكن بصفتها إنسان سوي يجب أن ينظر إليها على أنها لا تقل عن أي إمرأة أخرى وأن على وكيلها إن أراد الزواج بها مراعاة ذلك. فإن لم يستطع، فعليه صرف النظر عن الزواج بها، والزواج بمن يشاء من النساء غيرها: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ.
    • أن هذه الآية ليست دليلاً على أن الإسلام جاء ليقول للرجال تزوجوا بأربع أو حتى بأكثر من واحدة، ولكن الآية تقول لوكيل اليتيمة الذي لايجد في نفسه القدرة على العدل معها أن يتزوج باثنتين أو ثلاث أو أربع أو أكثر أو أقل، كما هي العادة في المجتمع العربي آنذاك. لأن الآية نزلت في وقت كان العرف السائد يجيز للرجل الزواج بعدد غير محدد من النساء، دون أن يعتبر ذلك خروجاً عن المألوف. وتكون هذه الآية لم تنزل لتتحدث عن تعدد الزوجات، أولتحديد أربع زوجات كسقف أعلى للتعدد. أو أنها تحث المسلم على التعدد، أو لتقول بأن الأصل في الزواج التعدد بأربع كما يتمنى بعض رجال الدين ويروجون لذلك عبر كتب كثيرة تغص بها المكتبة العربية.
    • أوردت الآية، وبطريقة تبدوا وكأنها عرضية، تشريعاً إجتماعياً جديداً يحدد الزواج بامرأة واحدة فقط: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً. حيث اشترط للزواج بأكثر من واحدة وجود العدل الكامل الذي لا ظلم فيه. والذي يعني العدل النفسي والجسدي وفي التعامل وفي كل شيئ دون تحديد، ومن لم يستطع فيحرم عليه الزواج بأكثر من واحده: أو حتى الإكتفاء بجارية مما يملك: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ. (وهذا كان قبل تحرير الإسلام للرقيق).
    وليس العدل توفير الماديات بين الزوجات بالتساوي، بحيث يشتري لكل واحدة من الأغراض والملابس والسكن ما للأخرى أو الأخريات. بل العدل يشمل المعنويات والمشاعر وكل شيء، ولذلك لايمكن أن يحمل الإنسان شعورين متساويين تماماً لشخصين مختلفين: مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ .....(الأحزاب:4)
    • في الآية 20 من سورة النساء ما يؤيد أن الشرع الإسلامي جاء ليؤكد أن الزواج يجب أن يكون بامرأة واحدة: وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً. فذكرت الآية استبدال زوج مكان زوج، بما يوحي بأنه ليس هناك سوى إمرأة واحدة، وإلا لاستخدم لفظ يدل على استبدال امرأة بأخرى من مجموع الزوجات.
    • أن تعدد الزوجات، وتكرار الزواج بأكثر من إمرأة، بوجه عام، له مساؤ كثيرة منها إنجاب أولاد غير أشقاء، ويكون من نتيجة ذلك عدم المساواة في التعامل بينهم، وعدم توفر الأجواء المثالية لتربيتهم وإشعارهم بالحنان في الفترات الحرجة من أعمارهم، مما ينتج عنه مناخ مناسب للإنحراف والجريمة، وقد أطلق القرآن على هذه الأوضاع " العول "، في قوله تعالى: ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْْ.
    ومما يستفاد من سرد قصة يوسف في القرآن، التحذير من العول وإنجاب إخوة من عدة أمهات. لأن الأب مهما حرص على العدل بين أولاده فسيميل مع أبناء زوجته المحظية: لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ.(يوسف:7)
    فاخوة يوسف الغير أشقاء يمثلون الإنسان العادي الغيور الكاره للظلم والتفرقة: إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ.(يوسف:8)
    وبما أنهم لم يستطيعوا إقناع والدهم بالعدل في معاملته لهم مع يوسف وأخيه الشقيق والذي نصت السورة على أنهما من الزوجة الثانية، ومن النادر أن يعدل رجل في مثل هذا الوضع لأن مشاعره تميل للزوجة الشابة وما يمت لها بصلة وهذا يشاهد في كل زمان ومكان.
    وعادة ما ينتج عن هذه التفرقة وعدم العدل مواقف سيئة بين الإخوة، وبين النساء، وقد تكون عواقبها وخيمة. فقد يُهمل بعض الأولاد، وتُساء تربيتهم، وقد يُدفع البعض منهم للإنتحار إذا عجز عن تعديل الوضع أو مواجهته. والقراء قد مرت عليهم أو سمعوا بقصص مأساوية تحدث في البيوت بسبب تعدد الزوجات وإنجاب أولاد من أمهات مختلفات.
    وإخوة يوسف ليسوا سوى بشر، وتصرفوا بموجب مشاعرهم البشرية عندما أرادوا التخلص من يوسف لعل أبوهم يعود للإهتمام بهم كما كان سابقاً، وكأن يوسف هو السبب. بينما السبب عادة يرجع لأم يوسف مثلها مثل أي زوجة ثانية التي يميل لها الزوج لأنه تزوج بها صغيرة وهو قد كبرت سنه وشاخ، فسحرته بنضارتها وجمالها الذي فقد من زوجته الأولى، وعلى رغبة القلب تبنى التصرفات.
    وإذا كان الولد الذي يشعر بالظلم والصد من والده على استعداد لقتل نفسه، فإن قتله لأخيه الغير شقيق والذي يعتقد أنه سبب ابتعاد والده عنه، سيكون أهون، وهذا ما فكر في تنفيذه إخوة يوسف: اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ.(يوسف:9)
    ومثل هذا الشعور والتخطيط للإنتقام لا يصل إليه الإنسان إلا تحت وطأة ظلم قاهر ومتواصل وليس بمجرد وقوع حادثة واحدة. ومع ذلك، فقد غلب على إخوة يوسف الجانب الإنساني الحسن على الجانب السيئ حتى في الإنتقام: قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ.(يوسف:10)
    ويكونوا قد أدركوا أن معاناتهم وإن كانت بسبب يوسف وأمه، إلا أن يوسف نفسه لم يظلمهم ولم يتسبب لهم بمعاناة، ولكن الذي فعل ذلك هو والدهم، لذا لا يمكن قتل يوسف بجريرة غيره، وهو تصرف عاقل قلما يفطن له اليائس والمظلوم.
    وفي العادة فإن الوالد لا يقصد اذلال وظلم أبنائه من زوجته الأولى ولكن نتيجة لحبه وشغفه بالزوجة الثانية لا يستطيع أن يلاحظ ميله وبعده عن العدل، وسيعتبر أن كل شكوى أو احتجاج من أبنائه الآخرين وأمهم هو بدافع الغيرة والحقد والكراهية، ولذلك يمعن بمعاملة الأبناء الجدد بانحياز أكبر مقنعا نفسه أنه ليس ظلماً للآخرين، ولكن لتعويضهم بالحنان والعطف الزائد عما يواجهونه من كراهية محيطة بهم من إخوانهم الغير أشقاء وأمهم.
    وقد تخلص إخوة يوسف منه: وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ.(يوسف:18)
    ولم يصدق يعقوب روايتهم وعرف أنهم تخلصوا منه عمداً وبسبق إصرار وترصد، ولكنه لم يجرمهم حينها لأنه عرف بأن اللوم فيما حدث يقع عليه هو في المقام الأول.
    والجرح النفسي الناتج عن التفرقة في التعامل بين الأولاد الغير أشقاء، لا يبرأ مع الزمن، فمع أنه قد مضت سنين عديدة على فراق يوسف، واعتقاد إخوته الجازم أنهم تخلصوا منه وإلى الأبد إلا أن مشاعرهم لم يطرأ عليها أي تغير تجاهه، عندما قابلوه في مصر وعرفهم ولم يعرفوه: قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ.(يوسف:77)
    ولما قدم إخوة يوسف عليه وقد أصبح ذا شأن، وفي موقف يستطيع أن ينتقم منهم، لم يفعل، لأنه قدّر أن ما قام به إخوته ضده كان إثر ظلم وقع عليهم، ولم يكن بدءً لظلم أوقعوه عليه. وأنه هو وإخوته وجدوا أنفسهم في وضع لم يختاروه لأنفسهم، أوقعهم في مواقف متنافرة استوجبت منهم الحقد عليه والتصرف بما أملته عليهم أنفسهم لدرء الظلم عنهم: وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ.(يوسف:58)
    وعمل يوسف على اقتلاع ترسبات الماضي من النفوس، وإحلال مشاعر الود والتسامح بينهم محل الكراهية والبغضاء، عبر أحداث سردتها السورة، وانتهت باجتماع يوسف بوالديه وأخيه الشقيق وإخوته الآخرين: فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ. وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.(يوسف:99-100)
    هذه واحدة من العبر التي تستفاد من قراءة سورة يوسف، ولم يكن يعقوب صلوات الله وسلامه عليه وحده من الرسل الذين تزوجوا بأكثر من واحده وتسبب هذا الزواج بقطيعة بين الإخوة والنساء، فكتب الأخبار تعزوا لإبراهيم عليه الصلاة والسلام قيامه بإبعاد ابنه اسماعيل وأمه، لأن زوجته سارة، وهي المحظية، قد شعرت بالغيرة من تعامل ابراهيم اللطيف لأم ولده واهتمامه بها المتزايد بعد أن ولدت له ولده البكر اسماعيل. وهذه القصة مستقاة من تراث اليهود وكتبهم الإخبارية، ولم ترد في القرآن الحكيم.
    فإذا كان هذا ما صدر من نبي الله يعقوب، وقد يكون صدر من نبي الله ابراهيم، فمن باب أولى أن يصدر ظلم وجور أعظم من الرجل العادي لأبناءه ولبعض زوجاته إن هو جمع أكثر من زوجة واحدة في وقت واحد.
    وبرغم أن القرآن جاء صريحاً بالإقتصار على زوجة واحدة، إلا أن المسلمين تناسوا ذلك، واستمر الزوج بأربع، كما استمر الطلاق بيسر وسهولة، بل واستطاع الرجل المسلم (العربي) أن يغلف ممارسته تلك بغلاف يبدوا وكأنه من دين الله.
    وهناك حقيقة قد تغيب عن ذهن بعض القراء، وهي أن القرآن المجيد هو الكتاب الديني الوحيد الموجود على سطح الأرض، الذي ينص على أن الزواج يكون بواحدة فقط: " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ".
    وهنا أود أن أعرج ولو باختصار على جمع الرسول لعدد من الزوجات في وقت واحد، لأن له علاقة بموضوع التعدد.
    فالرسول قد جمع عدد من النساء في وقت واحد، ومع ذلك لم يرى أعداء الرسول من أهل مكة ولا يهود المدينة وخيبر ولا نصارى نجران واليمن ولا عرب بوادي نجد أو أهالي عمان والبحرين واليمامة وغيرهم، أن الرسول قد فعل ما يوجب النقد، أو أنه تزوج بعدد من النساء لأنه استغل دعوته لتحقيق ذلك، لأن الزواج بأكثر من واحدة في عرف ذلك الوقت لم يكن خروجاً عن المألوف، ويمكن لأي رجل أن يفعله.
    والإسلام ظهر في ذلك العصر الرجالي المحض الذي ينظر للمرأة على أنها سقط متاع لا تملك مشاعر نبيلة لكي تحترم، وما هي إلا وعاء للمتعة وإنجاب الولد. لذا كان التعدد من أقل المظالم التي وقعت على المرأة، التي كانت تدفن حية حتى لا تجلب لأهلها العار. وبما أن الإسلام جاء لكي يصحح كل المفاهيم الإجتماعية الخاطئة ومنها النظرة الدونية للمرأة واعتبارها اقل من أن تساوى بإنسانية الرجل، فقد جاء الإسلام بتشريعات لم يعتدها العرب ولا سكان شبه الجزيرة العربية الآخرين، ولكنها تتوائم أكثر مع العصر الحديث، وهي كثيرة جداً.
    ومن هذه التشريعات ما يؤكد أن المرأة تستحق ما يستحقه الرجل من إحترام للمشاعر والعدل وعدم التعرض للظلم، ولذلك فلا يجب أن يجمع الرجل لأكثر من امرأة واحدة في وقت واحد.
    وبما أن الرسول بشر مثل غيره من البشر ويعيش في ذلك المجتمع فقد جمع من النساء، وامتلك الجواري، كما كان يفعل رجال مجتمع ذلك العصر، وهو ما يصوره قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا. تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا. (الآيتان 50 ، 51 من سورة الأحزاب)
    وكان ذلك مباحاً في معظم أيام بعثته صلوات الله وسلامه عليه، ولكن مع التأكيد على مراعة العدل بين نسائه، حتى في أدق التفاصيل والمشاعر: ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا.
    وفي آخر دعوة الرسول حان الوقت لكي تبنى تشريعات جديدة تتوائم مع كل عصر، ومن ذلك العدل بين النساء وعدم التعداد، فنزلت الآية الثالثة من سورة النساء التي تمنع التعداد على الناس إن لم يتوفر العدل الكامل، والتي سبق الحديث عنها في موضوع الطلاق. ثم حرم على الرسول في آخر حياته، بنص صريح وواضح، الحصول على المزيد من الزوجات، وهو ما ذكرته الآية التالية رقم 52 في سورة الأحزاب: لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا.
    ومن السهل معرفة لماذا لم يؤمر الرسول بالإكتفاء بواحدة مثل بقية الناس، لأن نساء الرسول اللاتي بقين معه حتى آخر حياته هن من اخترن العيش معه وتركن كل متع الدنيا من أجل ذلك إتباعاً للآيتان رقم 28 - 29 من سورة الأحزاب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا. وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا. وطلاقهن بعد ذلك لن يبدوا كمكافأة مناسبة لصبرهن.
    وقد كافأ الله سبحانه من رضين العيش مع الرسول بثواب عظيم في الآخرة وبنيشان دنيوي تمثل بتلقيبهن أمهات المؤمنين، وبذلك حرم على الرجال الزواج بهن بعد الرسول: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا.(سورة الأحزاب:6)
    ولأنهن فضلن البقاء مع الرسول على متع الدنيا فكان من اليسير بحقهن أن يؤمر الرسول على الإبقاء عليهن ومنع من طلاقهن أو بعضهن، كما منع من التزوج عليهن بنساء أخريات.
    ونأتي الآن للحديث عن قوله تعالى في سورة النساء: وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا. (الآية 129 من سورة النساء) وهل لها علاقة بالآية الثالثة من نفس السورة التي تتحدث عن اشتراط العدل وإلا واحدة، فنقول:
    إن هذه الآية وردت ضمن أربع آيات، بدأت بالآية 127 ، وانتهت بالآية 130، كلها تتحدث عن موضوع واحد. يقول تعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا. وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا. وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا. وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا.
    فالعرب يبدوا أنهم لم يصدقوا أن القرآن قد جاء في أول سورة النساء ليقول بأن اليتيم ولو كانت إمرأة، لها حقوق موازية لكل فرد آخر في المجتمع، ومساوية لحقوق وكيلها الرجل، وأن للمرأة الحق برفض الزوج أو الإمتناع عن معاشرة الرجل، وأن للمرأة حقوق مثلما له تماماً، وقد تساءلوا عن حقيقة ذلك فنزلت هذه الآيات لتؤكده.
    والعدل الوارد في الآية رقم 129 : وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا. جاء بعد الآية رقم 128 التي تتحدث بأنه من حقوق الزوجة ألا يهجرها زوجها ولا يتصرف معها بغلظة، وأن على الرجل معاملة زوجته بإنسانية ليس تفضلاً منه ولكن لأن ذلك من ضمن حقوقها التي بينها لها الإسلام، والتي تتعارض مع ما كان سائداً في ذلك العصر. فإن استحالت العشرة بينهما لتعنت كل جانب بموقفه (وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ) فالطلاق هو الحل الأمثل. فيكون معنى العدل في الآية 129 هو إحقاق حقوق المرأة وعدم هظم حقوقها، ولكن بما أن المخاطب في الآية هم المسلمون زمن الرسول الذين اعتادوا التعامل مع الزوجة بجفاء وظلم، فمهما حرصوا على العدل كاستجابة لشرع الله فسيغلب الطبع الذي تطبعوا عليه خلال تاريخهم الطويل في معاملة المرأة على ما يحاول القرآن تطبيعهم عليه من وضع تعاملي جديد، ولذلك فالمطلوب منهم في تلك المرحلة الحرص على تذكر شرع الله الجديد وأن يتراجعوا قدر الإمكان كلما ظلموا المرأة أو قسو عليها إن كانوا يتقون الله وأن يصلحوا ويعدلوا ما أفسده ظلمهم لها: وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا.
    أما بعد عصر الرسول وبعد أن يصبح لدولة الإسلام دستور مستمد من القرآن، فيجب أن تنص فقراته على أن تعامل المرأة بكل عدل مع الرجل، ولا يسمح بأي تجاوزات في هذا المجال.
    وتختم الموضوع الآية 130 بالقول بأنه إن لم تنفع الحلول الوسط، ولم يستطع الرجل العدل في تعامله مع زوجته، فالطلاق هو الحل المثالي لهما: وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا.
    وهكذا منعت سورة الأحزاب على الرسول الزواج أو الطلاق في آخر أيامه، كما منعت بداية سورة النساء بقية الناس من التعدد، إلا بشرط العدل المطلق، والذي لا يمكن الوفاء به في الظروف العادية، كما منعت الآيات 127 – 130 من سورة النساء أن تعامل المرأة بأقل مما يعامل به الرجل في كل شيئ.
    وكل أمر في القرآن أو نهي هو حد من حدود الله التي نهى الله عن المساس بها: تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. (جزء من الآية 187 من سورة البقرة)
    وإذا أمر الله بأمر فليس للناس أن يصنفوا العمل به إلى واجب و مستحب و جائز، لأن أي أمر ورد في القرآن فيجب العمل به: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً.(الأحزاب:36)
    ويكون الإسلام لم يأمر بالتعدد لأن التعدد كان موجوداً قبل مجيئه، ولم يحدد عدد النساء اللاتي يمكن أن يتزوج بهن الرجل حتى لو زاد على الأربع أو التسع، ولكن الإسلام وضع شرطاً صارماً للزواج بأكثر من امرأة واحدة، يتمثل بمنع التعدد إذا كان يُخشى منه التفرقة في معاملة الأبناء، أو قد يؤدي إلى ظلم إحدى الزوجات.
    ويلاحظ أن المنع جاء كعمل إحترازي لمنع ظلم قد يقع، وليس علاجاً للظلم بعد وقوعه، بمعنى أن الزواج بأكثر من واحدة يمنع حتى لا يقع الرجل في الظلم، وليس المعنى أن يعطى الرجل فرصة للتعدد فإن ظلم إحدى زوجاته أو فرق في تعامله مع أبنائه أجبر على الإكتفاء بواحدة.
    كما صحح الإسلام النظرة إلى المرأة من مخلوق جالب للعار وليس له من المشاعر ما يستحق المراعاة، إلى إنسان سوي مثله مثل الرجل سواءً بسواء، ولا ينقص إختلاف جنس المرأة من قيمتها الإنسانية وحقوقها شيئاً.
    ولو قدر وجاءت دولة إسلامية عصرية بعد الرسول، تعتمد على دستور مكتوب، لوجدنا في دستورها فقرة في قانون الأحوال الشخصية تنص على أن الزواج بأكثر من واحدة ممنوع، إلا أنه في حال تغيرت الأحوال والأعراف، وجاء عصر لا تمانع فيه عدد من النساء من الزواج برجل واحد، فيسن من القوانين ما يضمن العدل والمساواة بكل دقة وتفصيل، فغاية تحديد الزواج في الإسلام هو ضمان العدل المطلق للزوجة في تعامل زوجها معها، وضمان أن يولد الأولاد في بيئة صحية سليمة وينشأون وسط جو من الرعاية والعناية، وضمان العدل في التعامل معهم وحفظ حقوقهم معنوياً ومادياً.
    كما أننا سنجد أن الدستور ينص على أن الرجل والمرأة شريكان متساويان في مؤسسة الزواج لكل واحد من الحقوق والواجبات ما للآخر دون تمييز.

  14. #104

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    بارك الله فيك اخي على هذا الموضوع

  15. #105

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابو معروف
    بارك الله فيك اخي على هذا الموضوع
    ...........


  16. #106

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    في الحدود
    المثال الأول: التعزير
    يعرف الفقهاء التعزير بأنه: عقوبة غير مقدرة شرعاً، تجب حقاً لله أو لآدمي، وفي كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة غالباً.
    وسنتوقف عند هذا التعريف قليلاً لنقول: إذا كانت العقوبة غير مقدرة شرعاً، في معصية لم ينزل الله فيها حداً ولا كفارة، أي أن الله لم يقرر لها عقوبة، وهو الذي يعلم السر وما يخفى والذي خلق الإنسان واختار له من الدين والتشريع ما يقوم حياته في الدنيا لو اتبعه وينجيه من النار في الآخرة، فكيف أجاز الفقهاء من عند أنفسهم أن يقرروا عقوبة لمعصية أو مخالفة لم يقرر الله لها عقوبة؟
    أليس هذا اتهام للقرآن بالنقص؟ مع أن الله يشهد بشموليته: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً.(بني إسرائيل:89)
    أليس التشريع بغير ما في القرآن تعد على حدود الله؟ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ.(النساء:14)
    ثم من أين قرر الفقهاء تلك العقوبات التي سموها تعزيراً؟
    هل كان يأتيهم الوحي كما جاء الرسل: أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ.(الطور:41)
    أم كانوا يسترقون الوحي: أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ.(الطور:38)
    أم أنهم في الحقيقة يتبعون تخمينات وظنون: أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ.(يونس:66)
    الم يسمعوا بقوله تعالى عمن يقترف ذلك: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ.(الأنعام:93)
    أليس تشريع عقوبة لم يأمر بها الله و ليست في كتابه إشتراك مع الله في ملكه؟ والله سبحانه ليس له شريك في الملك: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً.(بني إسرائيل:111)
    أليس تشريع عقوبة لم يأمر بها الله، تنصيباً لمن شرعها على أنه رب من الأرباب من دون الله: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ.(آل عمران:64)
    ألم ينهانا الله عن اتباع غير كلام الله: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ.(لأعراف:3)
    أليس تشريع عقوبة ليست في كتاب الله وتوقيعها على الناس على أنها من شرع الله، من الكذب والإدعاء على الله: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.(آل عمران:78)
    أليس الدين دين الله، والمشرع هو الله، والله وحده، ليس غيره، لا ملائكة ولا أنبياء، يستطيعون أن يشرعوا لدين الله ما لم يأمرهم به الله ، فكيف أجاز الفقهاء تشريع عقوبات باسم دين الله دون أن يخولهم الله بذلك؟
    أمثلة على التعزير وأنواعه
    لقد أورد الفقهاء أمثلة للحالات التي يكون فيها التعزير، والملفت هو ما أطلقوا عليه " قاعدة سد الذرائع " والتي تعني أن كل فعل أو تصرف أو قول مباح في ذاته، ولكن قد يفهم منه أنه يؤدي إلى مفسدة، أو مكروه أو حرام فإنه يمنع، ويعزر كل من يصدر منه.
    وهذه القاعدة التي لم يقل بها الله ولا رسوله، فتحت المجال لمعاقبة أي شخص لم يقترف ما يوجب العقاب، وهي سنة خطيرة جداً، وتعدِ على حدود الله، بل اتهام لذات الله جل وعلى أنه لم يستطع أن يقرر عقوبات لأفعال كان يجب أن يكون لها عقوبات.
    وحتى في الجنايات والمعاصي التي عقوبتها حد شرعي، لم يكتف الفقهاء بالحد الذي قرره الله بنص ثابت في القرآن، وأضافوا لها عقوبة تعزيرية من عند أنفسهم.
    فالقاتل الذي عفي عنه، يعزر بضرب مائة جلدة ويحبس سنة. والزاني الذي حده مائة جلده في كتاب الله يغرب لمدة عام عند الحنفية تعزيراً. وشارب الخمر يسب ويشتم تعزيرا، بل ويجلد تعزيراً، برغم أن شرب الخمر ليس له حد في كتاب الله. والسارق تقطع يده حداً وتعلق في عنقه تعزيراً.
    وحتى المعاصي التي فيها كفارة بنص كتاب الله يعزر مرتكبها بحسب ما يراه القاضي أو الفقهيه أو الحاكم، مثل من جامع زوجته في نهار رمضان أو أثناء الإحرام عامداً.
    وقال الفقهاء بأن هناك نوعين من التعزير:
    تعزير لحق الله، مثل تعزير تارك الصلاة أو المفطر في رمضان بغير عذر، أو من يحضر مجلس شراب. وهذا النوع من التعزير يستطيع السلطان (ولي الأمر) العفو عنه.
    وهناك تعزير لحق العبد.
    ومما يلاحظ على التعزير الذي وضعه الفقهاء للدفاع عن حقوق الله، أن الفقهاء نصبوا أنفسهم أوصياء على دين الله وعلى ذات الله (لاحول ولا قوة إلا بالله) وكأن الله جل وعلى قد قصر في تشريع يحفظ له حقوقه، فقام الفقهاء بذلك بالنيابة عنه. (تعالى عن ذلك علواَ كبيراَ)
    ثم إن التعزير الذي وضعوه لحقوق الله، قالوا بأن السلطان يمكنه أن يتسامح فيه، ويلغي الحكم. ويكون الفقهاء قد أعطوا السلطان صلاحيات فوق إلهية.
    حدود التعزير
    يقول بعض الفقهاء بجواز القتل تعزيراً، برغم أن الله سبحانه وتعالى يقول: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق.(الأنعام:151)
    وبما أن الحاكم هو المفوض بإصدار حكم التعزير، كما شرع له الفقهاء، فإن هذا يمكنه من قتل كل من يريد الحاكم قتله تعزيراً، ولو لم يرتكب ما يوجب قتله شرعاً. وهو ما حدا بالفقهاء ليقولوا: إن الله ينزع بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن (سبحان الله عما يصفون)
    برغم أن الفقهاء يوردون حديثاً يقولون بأن رسول الله قد قاله، وهذا نصه: لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى. وحديث آخر ثابت عن رسول الله عندهم، وهو: من بلغ حداً في غير حد فهو من المعتدين.
    ولذلك يرى أبو حنيفة ألا يزيد جلد التعزير عن تسعة وثلاثين سوطاً، لأن حد زنى الأمة أربعين جلدة. وتسعة وثلاثون تتجاوز العشرة أسواط التي حددها الحديث كحد أعلى للتعزير.
    لكن الأمر لم يقف عند الفقهاء إلى هذا الحد، فنجد أبو يوسف تلميذ أبو حنيفة ينسب له أن أقصى الجلد تعزيراً هو تسعة وسبعون أو خمسة وسبعون سوطاً، لأنه لم يأخذ بحد الأمة، كونه ليس حداً كاملاً، وأخذ بحد القذف وهو ثمانون جلدة.
    فيكون أبو حنيفة وتلميذه أبو يوسف قد تجاوزا نص الحديث الذي يقول لايجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله، مع أنهما يعتبران الحديث ثابت ولم يقولا بأن الحديث مكذوب، ومع ذلك لم يعملا بموجبه.
    أما مالك فقد تجاوز بالتعزير حدود الله في الجلد، وقال بجواز الجلد بأكثر من ثمانين ومائة جلدة، وأعطى هذه الصلاحية للحاكم (الإمام). واعتمد على خبر روي عن عمر أنه جلد معن ابن زياد مائة جلدة ثم مائة أخرى، ثم مائة ثالثة. كما رووا أن عمر ضرب صبيغ ابن عسل أكثر من الحد، ورووا أن علياً أتي له بالنجاشي وقد شرب خمراً في رمضان فجلده ثمانين كحد للخمر وعشرين لفطره في رمضان.
    وقد علل المالكية تجاوزهم لحديث لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط، بأنه مقصور على زمن الرسول. وبطبيعة الحال ليس هناك دين لزمن الرسول ودين لما بعد زمن الرسول.
    وأحكام الفقهاء تلك فتحت المجال للحاكم لكي يسوم الناس سوء العذاب تحت مسمى شرعي إخترعه له الفقهاء، بحيث يمكنه جلد الناس وتغريبهم، وفصلهم من أعمالهم، وكل ما يراه، مع أنهم لم يقترفوا ما يوجب العقاب في كتاب الله وشرعه.
    وحتى لو ثبت عن عمر أو غير عمر من الصحابة أنه تجاوز في حكم من أحكامه حدود الله فلا يعني أن هذا سيتحول إلى شرع جديد لله، بل يعني أن عمر أو غيره قد أخطأ، ومن اقتدى بخطأ فقد أصر على الخطأ.
    أما الحنابلة فيرون أن التعزير لا يزيد عن عشر جلدات. لكن عندما جاء زمن ابن تيمية وابن القيم قالا أن التعزير يكون بحسب المصلحة. (وهذا تعريف عام إذ أن تحديد مفهوم المصلحة لا يمكن أن يتفق عليه إثنان)، وتركا تحديدها للحاكم، الذي أصبح له حق تقرير الحكم التعزيري كما يحلوا له.
    التعزير بالحبس
    برغم أنه لا حبس في الإسلام، إذ لم يرد في كتاب الله إلا بحق اللاتي يأتين الفاحشة من النساء (السحاقيات): وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً.(النساء:15)
    ومع أن الحبس وسجن الناس لم يعرفه المسلمون إلا في زمن علي ابن أبي طالب كأول من أدخل الحبس في الإسلام، إلا أن الفقهاء أعطوا الحاكم حق التعزير بالحبس بالمدد التي يراها.
    كما أجاز الفقهاء التعزير بالنفي. وأجازوا التعزير بطرق كثيرة أخرى. ومما قالوه عن الجرائم التي فيها تعزير:
    الإعتداء على النفس بما دون القتل. والزنى الذي لم تتوفر أحد شروط ثبوته. ( مع أن القرآن صريح وواضح هنا، فلو ضبط رجل عار بين رجلي إمرأة عارية فلا يكفي هذا للحكم عليهما بالزنى، مالم يعترفا طواعية أو يشهد عليهما أربعة عدول أن الميل بالمكحلة، وإذا لم يثبت الزنى فليس عليهما أي عقوبة أخرى غيره، بل يطلق سراحهما).
    وما قالوه عما يستحق التعزير: السرقة التي لا حد فيها، وقطع الطريق الذي لا حد فيه، وشهادة الزور، والشكوى بغير الحق، وقتل حيوان غير مؤذ أو الإضرار به، وإنتهاك حرمة ملك الغير، والرشوة، وجور القاضي، وترك العمل أو الإمتناع عن تأدية الواجب، والغش بالمكاييل والآوزان.....وغير ذلك.
    وهذه المخالفات إذا لم يكن لها حكم في دولة الإسلام، بموجب نص من القرآن، فيلزم وضع عقوبات ثابتة ومعروفة لها، بدون إفراط ولا تفريط، في دستور دولة الإسلام، وتكون معروفة للجميع، ولا تكون مبهمة يستطيع كل حاكم أو قاض أن يحكم فيها بما يراه.
    والإعتراض على ما شرعه الفقهاء باسم التعزير كون التعزير كلمة مطاطة لا حدود لها ولا تعريف ثابت، فأصبح سوطاً وسكيناً بيد السلطان يخمد به أنفاس من ينتقده باسم الدين. وكان يجب أن يكون في دولة الإسلام دستور متكامل تشتمل قوانينه على كل العقوبات لكل المخالفات، وإذا ما اقتضى الأمر إضافة عقوبة لمخالفة جديدة وجب أن يكون ذلك بمشورة كل من بلغ سن الرشد من المسلمين من ذكر وأنثى، وبعد أن تحدد العقوبة تثبت على شكل قانون يصاغ صياغة قانونية. ولا يترك دين الله أداة بيد أي إنسان يحركه كيفما تقتضيه مصالحه وما يراه شخصياً. سواءً كان هذا الشخص حاكماً أو قاضياً.
    ونورد فيما يلي خبران نشرا في جريدة الإقتصادية السعودية كنموذج لبعض الأحكام التعزيرية التي تصدرها المحاكم هناك كل يوم، وهذه الأحكام هي نتاج ما توارثته أجيال القضاة والفقهاء جيلاً بعد آخر، مع ملاحظة أن هذه الأحكام ليست الأقسى وليست الأغرب ولكنها تعتبر أحكاماً معتادة، وإن كانت ستثير مشاعر الإستهجان لدى بعض القراء:
    الخبر الأول
    نشرت جريدة الإقتصادية، السعودية، في عددها (3219) الصادر يوم السبت 24/جمادى الأولى/1423 هـ / الموافق 3/8/2002 تحت عنوان:
    رئيس هيئة قباء للإقتصادية: للمحتسب الشرعي حق مصادرة مكان الفساد وإحراقه
    مصادرة منزل وهدمه والتشهير بأصحابه لإخلالهم بالآداب
    وهذا نص الخبر:
    كتب ب. ن. من المدينة المنورة
    كشف للاقتصادية الشيخ ( ع. ز) رئيس مركز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قباء، عن صدور حكم شرعي يقضي بمصادرة منزل وهدمه، وأخذ أرضه، والتشهير بموقعه وأصحابه وذلك نتيجة لممارستهم أعمالاً منافية للأخلاق.
    وكانت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قد داهمت منزلاً في ضاحية من ضواحي المدينة تدعى ((الدويمة)) وقبض على نحو أربعة رجال وسبع نساء أثناء المداهمة متلبسين بالأفعال المشينة، بينما أفراد هذه الشبكة يتجاوزون هذا العدد، وتمت إحالتهم إلى الجهات المختصة، وتعود جنسيات هؤلاء الجناة إلى بعض الدول العربية والأفريقية.
    وحكمت محكمة المدينة على المرأة التي تدير هذا الوكر بالسجن 15 عاما وجلدها خمسة آلاف (5000) جلدة مقسمة على عدد من السنوات. بينما تم الحكم على الآخرين بأحكام تراوحت ما بين خمس إلى عشر سنوات، وجلدهم من ألف إلى ثلاثة آلاف جلدة وتمت إحالتهم إلى السجن لتنفيذ القرار.
    من جهته، أكد الشيخ (ع. ز) أن للمحتسب الشرعي الحق في مصادرة مكان الفساد وإحراقه، ونظراً لأن الإحراق يسبب أضراراً للآخرين وللجيران، فإنه يكتفى بهدم المنزل ومصادرة أرضيته، كنوع من العقاب على الجرم الذي ارتكبه أصحابه. إنتهى الخبر
    والتعليق عليه كالتالي:
    الخبر يقول: " صدور حكم شرعي يقضي بمصادرة منزل وهدمه"
    وبطبيعة الحال لا يوجد في الإسلام حكم يقضي بمصادرة منزل وهدمه، ولكنه حكم تعزيري لا يقبله الإسلام ولا يقره.
    وبقول الخبر: " وتعود جنسيات هؤلاء الجناة إلى بعض الدول العربية والأفريقية"
    والجاني هو ما يثبت عليه الجناية، وليس عندما يقبض عليه بتهمة. وإن كان استخدام لفظ " الجناة " من تعبير الصحفي إلا أنه يظهر الفكر السائد أن المتهم مذنب حتى تثبت براءته.
    والخبر يقول: " وحكمت محكمة المدينة على المرأة التي تدير هذا الوكر بالسجن 15 عاما وجلدها خمسة آلاف (5000) جلدة مقسمة على عدد من السنوات."
    فهل في شرع الله مثل هذا الحكم؟
    والخبر يقول: " بينما تم الحكم على الآخرين بأحكام تراوحت ما بين خمس إلى عشر سنوات، وجلدهم من ألف إلى ثلاثة آلاف جلدة."
    والسؤال هنا هو: أليس إتهام الغير بالزنى دون شهادة أربعة شهود عدول بأن الميل قد دخل في المكحلة، يعتبر قذفاً ويعاقب عليه الإسلام بثمانين جلدة ولا تقبل شهادة القاذف أبداً : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.(النور:4) وعلى هذا الأساس فكان يجب جلد رجال الهيئة الذين قبضوا على أولئك الرجال والنساء واتهامهم بأن إجتماعهم في منزل تلك المرأة لممارسة الزنى. لأنه وإن كان إجتماعهم قد يكون الغرض منه غير طاهر، إلا أن الإسلام لايحكم على الظن. وحتى لو اجتمعوا بتلك الصورة وأنكروا ممارسة الفاحشة فلا حد عليهم ولا جلد، ولا أي نوع من العقوبة.
    ويقول الخبر: " من جهته، أكد الشيخ (ع. ز.) أن للمحتسب الشرعي الحق في مصادرة مكان الفساد وإحراقه ونظراً لأن الإحراق يسبب أضراراً للآخرين وللجيران، فإنه يكتفى بهدم المنزل ومصادرة أرضيته"
    فمن أعطى القاضي هذا الحق الذي لم يجرؤ على فعله محمد صلى الله عليه وسلم؟
    وإذا كان هذا تجاوز لحدود الله، ألا يعني تجاوز حدود الله التعدي على ذات الله واتهام الشرع بالقصور وعدم القدرة على وضع حدود صالحة لكل زمان ومكان ... وبعبارة أخرى وصف الله (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) بقصر النظر وعدم القدرة على التبوء بما ستكون عليه أوضاع الناس بعد قرون من عصر الرسول لكي توضع عقوبات رادعة للمخالفات التي ستحدث فيها: أم أن الناس ما قدروا الله حق قدره، كما يقول سبحانه: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ.(الزمر:67)
    وإذا كان البيت قد هدم وصودرت ملكية أرضه، فأين ذهبت؟
    لأنه حتى لو كان هناك بيت مال للمسلمين فلا يجوز أن تذهب إليه لأنها مال مغتصب، وبطبيعة الحال هي لم تذهب إليه، فأين ذهبت ملكية أرض البيت المهدوم بعد مصادرته؟
    الخبر الثاني
    نشرت نفس جريدة الاقتصادية في عددها(3220) الصادر يوم الأحد 25 جمادى الآخرة 1423 هـ الموافق 4/8/2002 تحت عنوان:
    ستة أشهر ومئتان وأربعون (240) سوطاً حجم العقوبة
    .............................
    إنتهت تعليقاتنا على حادثة الناقة البكر والمراهق المتيم، وبانتهاء ذلك نختم حديثنا عن التعزير الذي من الواضح أنه تشريع أقره الفقهاء بعد انقطاع الوحي، وهذا وحده يكفي لأن يكون بدعة مستحدثة وإضافة للدين مما ليس فيه.
    وبدون شك فأي حكم يسمى تعزيراً هو من صنع الفقهاء القدامى وتبعهم في ذلك من جاء بعدهم من فقهاء، مع أن الله حذر من مثل هذه الموروثات بقوله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ.(البقرة:170)
    وموقف الفقهاء هذا تكرار لمواقف اليهود من كتاب الله وشرعه، عندما نبذوه وراء ظهورهم واستبدلوه بما يشرعه لهم الفقهاء، الربانيون والأحبار، وهي تشريعات بغير ما أنزل الله: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ.(المائدة:44)

  17. #107

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    المثال الثاني: الحسبة
    في بلاد الحرمين هناك مؤسسة حكومية تسمى " هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" لها مكاتب فرعية في كل حي من أحياء المدن الكبرى، كما تنتشر في كل قرية وتجمع سكني في طول البلاد وعرضها، ويطلق على العاملين فيها تجاوزاً " الشرطة الدينية، أو المطاوعة".
    ويتركز عمل تلك الهيئات المعلن على عدم السماح لأي تصرف فيه مخالفة لما يعتبره العاملين فيها، من الإسلام. وذلك بأن تقوم فرق تتكون كل فرقة منها عادة من سائق ورجل شرطة وواحد أو إثنين من المطاوعة، بالتجوال في الشوارع والأسواق التجارية، كما تقوم بحملات تفتيشية على الأماكن السكنية العامة مثل الفنادق والبنايات السكنية، والمقاهي والمطاعم وأماكن الإستراحات والمتنزهات العامة والخاصة، وحتى المستشفيات. وفي حال العثور على شخص أو أشخاص مخالفين، يتم القبض عليهم ويساقون للحبس الموجود في كل فرع من فروع هذه المؤسسة، ويتم إستجوابهم.
    وبعض المخالفات يمكن لمطاوعة المركز معاقبة المتهم عليها، وبعضها تحتاج إلى رفعها لجهات رسمية أخرى حسب نوع المخالفة، ومن هذه الجهات الرسمية، إمارة المنطقة، وزارة الداخلية، المحكمة، والشرطة وأحياناً غيرها.
    وهذه المخالفات التي تحتاج لجهات رسمية للبت في عقوبتها، يقوم رجال الهيئة بتوثيق جلسات التحقيق التي حرروها ضد المتهمين بمحضر، ويتضمن توصيات لنوع العقوبة المقترحة، ثم ترفع للجهة الرسمية. وعادة يلعب رجال الهيئة دور المدعي العام على المتهم ودور الشاهد على التهمة، وهما دوران لا يمكن لشرع الله أن يقرهما لشخص واحد أو جهة واحدة مستفيدة، لأن المدعي العام يحاول إثبات التهمة على المتهم، والشاهد هو أداة الإثبات.
    ولا يخالج العاملين في هذه الهيئات أدنى شك أنهم بعملهم هذا يتأسون بما كان يفعله الصحابة زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنهم ينفذون حرفياً معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي جاء ذكره في القرآن.
    وهذا الشعور ليس قصراً على من يعمل في هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه البلاد، بل إن من يطالع كتب الفقه الإسلامي يجد أنها تتفق مع مطاوعة السعودية على مفهومهم لمعنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن أطلقوا عليها مصطلح " الحسبة "
    الحسبة عند الفقهاء
    تعرف الحسبة عند الفقهاء بانها الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه، والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله. ويقول الفقهاء إنها واجبة في الجملة، مستدلين على ذلك بأنها هي المقصودة بلفظ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي ورد في عدد من الآيات القرآنية. كما استدلوا على ذلك بحديث هذه إحدى رواياته التي وردت في سنن أبو داوود برقم (4332): حدثنا عَبْدُ الله بنُ مُحمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ أخبرنا يُونُسُ بنُ رَائِدٍ عن عَلِيِّ بنِ بَذِيمَةَ عن أبي عُبَيْدَةَ عن عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ ، قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ أوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يَا هٰذَا اتَّقِ الله وَدَعْ مَا تَصْنَعُ فإنَّهُ لا يَحِلُّ لَكَ ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ فَلاَ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ فلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ الله قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، ثُمَّ قالَ: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابنِ مَرْيَمَ ـ إلَى قَوْلِهِ ـ فَاسِقُونَ}، ثُمَّ قالَ: كَلاَّ والله لَتَأْمُرُنَّ بالمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عن المُنْكَرِ وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيِ الظَّالِمِ، وَلَتَأْطِرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أطْراً، وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْراً.
    وحديث آخر رواه عدد من المحدثين، وهذا نصه في مسلم الذي جاء برقم (140): حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى : حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ كِلاَهُمَا عَنْ قَيْس بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ. وَهٰذَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ، يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلاَةِ: مَرْوانُ. فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ. فَقَالَ: الصَّلاَةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ؟. فَقَالَ: قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هٰذَا فَقَدْ قضى مَا عَلَيْهِ. سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ يَقُولُ: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ. فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ. فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ. وَذٰلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ.
    ويقول بعض الفقهاء أنها فرض كفاية، وقال غيرهم بأنها قد تكون فرض عين على كل مسلم ومسلمة في حالات معينة لن نتطرق لها.
    ويقول الفقهاء أن الحسبة ولاية شرعية، ووظيفة دينية تلي في المرتبة وظيفة القضاء، إذ أن ولايات رفع المظالم عن الناس عند الفقهاء ثلاث مراتب: أقواها ولاية المظالم، تليها ولاية القضاء، وتليها ولاية الحسبة.
    وقالوا بأن الحسبة من الخطط الدينية الشرعية كالصلاة والفتيا والقضاء والجهاد. وهناك عشرون ولاية شرعية، حسب رأي الفقهاء، أعلاها الخلافة العامة.
    أنواع الحسبة
    يقول الفقهاء هناك نوعان للحسبة، هما: ولاية أصلية، وولاية مستمدة.
    ويقول الفقهاء أن المحتسب هو من يعمل بالحسبة بتكليف رسمي، أما من يعمل بالحسبة تطوعاً فيطلق عليه (المطوع)
    وللمحتسب أن يكون مدعياً في المحكمة على تهمة ضبطها بنفسه، وفي نفس الوقت شاهداً على نفس التهمة.
    شروط المحتسب
    1- الإسلام 2- التكليف 3- العلم (أي أن يكون عارفاً بأحكام الشريعة كلها، وقال بعض الفقهاء يجب أن يكون من أهل الإجتهاد ليجتهد بما يراه برأيه الشخصي ليحكم إن كان مخالفاً للشرع أم لا)
    4- العدالة 5- القدرة 6- الإذن من الإمام 7- الذكورة فلا يجوز تولي المرأة الحسبة عند بعض الفقهاء، وأجاز توليتها آخرون.
    ويستمر الفقهاء في بيان تفاصيل كثيرة عن الحسبة مثل: أجرة المحتسب، آداب المحتسب، عزل المحتسب. وتفصيلات كثيرة غيرها لن نتطرق إليها. (ونكتفي بما جاء عن الحسبة هنا والذي نقلناه مما جاء في الجزء السابع عشر من الموسوعة الفقهية التي تصدرها وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في دولة الكويت)
    كيف بدأت الحسبة وكيف تطورت
    يعرف ابن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري، الحسبة والاحتساب بأنها طلب الأجر من الله تعالى خالصا في أي عمل يقوم به بدون أجر. وذلك في الباب الذي سماه ( باب العمل الذي يبتغى به وجه الله).
    وهذا التعريف يتعارض مع تعريف الفقهاء الذي سبق وذكر وهو " أن المحتسب من يعمل بالحسبة بتكليف رسمي، أما من يعمل بالحسبة تطوعاً فيطلق عليه المطوع "
    وهذا الإختلاف من السهل فهمه، فصاحب فتح الباري عرّف الحسبة كما عُرفت في بادئ الأمر، بينما عرّفها الفقهاء بعد أن تحور معناها ووظيفتها من فعل الخير بدون مقابل طلباً للأجر، إلى وظيفة سلطانية لتتبع هفوات الناس وتصيد مخالفاتهم لإيقاع العقوبات عليهم.
    والحسبة كنشاط لم تكن معروفة في عهد الرسول صلوات الله وسلامه عليه ومن تبعه من الخلفاء الأربعة الأوائل وردحاً من الزمن بعدهم. فلم يكن هناك أناس مسئولين عما عرف بالحسبة على الإطلاق، وحتى مراقبة الأسواق لحماية المستهلك لم تكن موجودة في ذلك الزمن.
    وزعم بعض الإخباريين من أنه كان هناك إمرأة في عهد عمر تمر بالأسواق وتتفقد المكاييل، وقد نفى ذلك القرطبي في تفسيره للآية (23) من سورة النمل، بقوله: وقد روي عن عمر أنه قدّم امرأة على حسبة السوق. ولم يصح فلا تلتفتوا إليه، فإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث. إنتهى
    ولم تكن الحسبة إلا مجرد كلمة في اللغة العربية تعني كل عمل خير، لم يأمر به الشرع، يفعله الشخص من تلقاء نفسه بدون مقابل. يقول ابن منظور في لسان العرب: والـحِسْبةُ: مصدر احْتِسابِكَ الأَجر علـى اللَّه، تقول: فَعَلْته حِسْبةً، واحْتَسَبَ فـيه احْتِساباً، والاحْتِسابُ: طَلَبُ الأَجْر، والاسم: الـحِسْبةُ بالكسر، وهو الأَجْرُ.
    ولذلك لقب القاضي مـحمَّدُ بن علـي الـمروزي الذي عاش في القرن الثالث الهجري، بالخياط لأنه كان يَخيط علـى الأيتام والـمساكين حِسْبَة، أي بدون أجر. كما يقول عنه الذهبي في ترجمته له في سير أعلام النبلاء. ويقول صاحب البداية والنهاية أن الضحاك بن مزاحم كان يعلم الصبيان حسبة. أي بدون مقابل .
    وشملت الأعمال المجانية التي يقوم بها أصحابها حسبة، وضع الأحاديث ونسبتها للرسول، فقد كان يقوم به البعض حسبة طلباً للأجر، وهذا ما ينقله القرطبي في تفسيره تحت باب التنبيه على أحاديث وضعت في فضل سور القرآن وغيره، فيقول: ومنهم قوم وضعوا الحديث لِهَوًى يدعون الناس إليه؛ ومنهم جماعة وضعوا الحديث حِسْبَةً كما زعموا.....ويقول: وأعظمهم ضررا أقوام من المنسوبين إلى الزهد، وضعوا الحديث حِسبة فيما زعموا، فتقبل الناس موضوعاتهم. إنتهى
    ثم جاء زمان بدأ بعض الناس فيه بالقيام بمراقبة الأسواق لمنع الغش في المكاييل، حسبة وبدون مقابل. ويذكر ابن سعد في الطبقات ذلك في عدد من تراجمه، ومنه ما ترجم به لعاصم الأحول بن سليمان، حيث يقول: ويكنى أبا عبد الرحمن مولى لبني تميم، وكان ثقة، وكان من أهل البصرة وكان يتولى الولايات فكان بالكوفة على الحسبة في المكايل والأوزان، ثم كان قاضيا بالمدائن في خلافة أبي جعفر ومات سنة إحدى أو اثنتين وأربعين ومائة. إنتهى
    وتنقل رمزية الأطرقجي في كتابها الحياة الإجتماعية في بغداد (ص 80) أن المعتزلة هم أول من بدء نشاط التجول في الأسواق للكشف عن المخالفات، حسبة وبدون أجر.( نقلاَ عن الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج2 ص 466)
    ولكن عندما تولى المهدي ابن المنصور الخلافة (امتد حكمه من 159 إلى 168 للهجرة) تأسست في عهده ما عرف بالحسبة كوظيفة، وبدأت في الأسواق على المكاييل والآوزان، ولم يكن لها علاقة بتصيد مخالفات الناس الدينية ومحاولة الإيقاع بهم وعقابهم، بعد.
    يقول سيد أمير علي في الصفحة 362 من كتابه مختصر تاريخ العرب: أما الشرطة البلدية فكانت برئاسة ضابط خاص يعرف بالمحتسب، وهذا المنصب النافع المهم إنما أنشأه الخليفة المهدي.... وكان المحتسب هو المشرف الأعلى على الأسواق والإحصاء العام. وكان يطوف المدينة كل يوم مع فصيلة من أتباعه للتأكد من تنفيذ أوامر الشرطة. وكان يفتش الأرزاق ويفحص المكاييل والأوزان ويعاقب من يخلون بالأمن. وكانت أية محاولة للغش تلقى العقاب الفوري. إنتهى
    وهكذا أصبحت الحسبة وظيفة ذات سلطة تشريعية لأنها تلزم الناس بقوانينها التي يشرعها أفرادها، كما أنها سلطة تنفيذية حيث ينفذ أفرادها (المطاوعة) الأحكام على الناس التي قرروها بحقهم، فوراَ ودون الرجوع لأي جهة رسمية أخرى أو محكمة وقضاء.
    ولأنها أصبحت وظيفة، سلطوية، ومصدر رزق في نفس الوقت، فقد تهافت عليها الصالح والطالح من الناس، خاصة أنها منصب يتم الحصول عليها بالتقرب من السلطان والوساطة، وليس بمواصفات ومؤهلات. فمرة يتولاها من يظن به الصلاح، مثل أبو الفرج الجوزي الذي ولي الحسبة في بغداد سنة أربع وستِّمائةٍ، كما يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء.
    ومرة أخرى يتولى حسبة بغداد ابن الحجَّاج الذي يصفه الذهبي في سير أعلام النبلاء بأنه: سَفِيهُ الأدباء، وأميرُ الفُحش، وديوانُهُ مشهورٌ في خمس مجلّدات، وهو أبو عبد الله، الحسينُ بن أحمد بن الحجّاج البغداديُّ، المُحتسِبُ، الكاتبُ. وقد هجا المُتَنبّي، ومدح الملوكَ، مثلَ عَضُدِ الدولة وبنيه والوزراء. وله باعٌ أطول في الغزل. وأما الزَّطاطةُ والتفحُّش، فهو حامِلُ لوائها، والقائِمُ بأعبائها. وكان شيعياً رقيعاً، ماجناً، مَزَّاحاً، هجّاءً، أُمةً وحدَهُ في نظم القبائح.إنتهى كلام الذهبي
    ثم مع مرور الوقت تجرأ بعض الناس بتنصيب نفسه مسئولاً عن معاقبة من يراه يتصرف بغير ما يعتبره، هو، مخالف للشرع. ومن أولئك رجل ذو شخصية مضطربة، هو النوري الذي عرفه الذهبي في سير أعلام النبلاء بقوله: هو أحمدُ بن مـحمَّد الـخُراسانـيُّ البَغَويُّ الزَّاهد. شيخُ الطَّائفة بـالعِراق، وأحْذَقُهُم بلطائف الـحَقائق، وله عبـاراتٌ دقـيقة، يتعلَّق بها مَنْ انـحرفَ مِن الصُّوفـية، نسألُ الله العفو.
    (فكان يخيل إليه أنه صاحب كرامات، وكان يحدث بخيالاته تلك) قال أبو العبَّـاس بن عطاء: سمعتُ أبـا الـحُسَين النُّوريَّ يقول: كانَ فـي نفسي من هذه الكرامات، فأخذتُ من الصِّبْـيان قصبة، ثم قمتُ بـين زَوْرَقَـين وقلت: وعِزَّتِك لئن لـم تـخرجْ لـي سَمَكة فـيها ثلاثةُ أرطال لأغْرِقنَّ نفسي. قال: فخرجت لـي سمكةٌ ثلاثةُ أرطال.
    ويروي الذهبي كيف كان هذا الرجل يتصرف من تلقاء نفسه فيقول: قال ابن جَهْضَم: حدَّثنـي أبو بكر الـجلاَّء قال: كانَ النُّوريُّ إذا رأى منكراً غيَّره، ولو كان فـيه تَلَفُهُ. نزل يوماً، فرأى زورقاً فـيه ثلاثون دَنّاً، فقال للـمَلاَّح: ما هذا؟ قال: ما يـلزمُك؟ فألـحَّ علـيه، فقال: أنتَ والله صُوفـيٌّ كثـيرُ الفُضول، هذا خمرٌ للـمُعْتضِد، قال: أعطِنـي ذلك الـمِدْرى، فـاغتاظ وقال لأجِيره: ناوِلْه حتـى أُبصرَ ما يصنع، فأخذه، ونزل فكسَّرها كلَّها غيرَ دَنّ، فـأُخذ وأُدخـل إلـى الـمعتضد، فقال: مَنْ أنتَ ويـلك؟ قال: مُـحتسِبٌ، قال: ومَن ولاَّكَ الـحِسْبَة؟ قال: الذي ولاَّك الإمامَة يا أميرَ الـمؤمنـين فأطرق، وقال: ما حَمَلَك علـى فِعلك؟ قال: شفقة مِنِّـي عَلَـيْك قال: كيف سَلِـم هذا الدَّنّ؟ فذكرَ أنَّه كان يكسِر الدِّنان ونفسُه مُخـلِصَةٌ خاشِعَة، فلـمَّا وصلَ إلـى هذا الدَّنِّ أعجبَتْهُ نفسُه، فـارتاب فـيها، فتركه. وقد توفـي فـي سنَةِ خمسٍ وتِسْعينَ ومائتـين. إنتهى
    وحتى وإن كانت القصة مختلقة، فإنها تروي حال المجتمع في نهاية القرن الثالث الهجري، وكيف أصبح بعض الناس يتجرأون على محاسبة الناس ومراقبتهم باسم الدين ونيابة عن الله الذي لم ينيبهم عنه سبحانه.
    ومما يؤيد أن هذا الإعتقاد انتشر بسرعة بعد زمن النوري، وذلك في بداية القرن الرابع الهجري، يسوق ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ صورة من هذه الصور بعد أن تحول الناس إلى الحسبة بمعناها الجديد ونصبوا أنفسهم رجال شرطة لله في الأرض يحاسبون الناس بالطريقة التي يرون، على مخالفات يظنونها هم أنها مخالفة لشرع الله. يقول ابن الأثير ضمن سرده لأحداث سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وتحت عنوان: ذكر فتنة الحنابلة في بغداد:
    وفيها عظم دور الحنابلة وقويت شوكتهم، وصاروا يكسبون من دور القواد والعامة. وإن وجدوا نبيذاً أراقوه، وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء، واعترضوا في البيع والشراء. ومشي الرجال مع النساء والصبيان، فإذا رأوا ذلك سألوه عن الذي معه من هي، فأخبرهم وإلا ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة، وشهدوا عليه بالفاحشة. فأرهجوا بغداد. إنتهى
    فأصبح رجل الحسبة يخول لنفسه إفتراض التهم على الناس ويعاقبهم عليها. كما أصبح هو المدعي على المتهم، وهو الذي يشهد على المتهم بالتهمة عند الشرطة وفي المحكمة. (وقد تبنى هذه القاعدة الفقهاء وقالوا بأن من حق المحتسب ذلك)
    وبعد أن أصبحت الحسبة وظيفة يتم تعيين من يشغلها بواسطة السلطان، فإن المحتسب لابد أن يكون أداة تنفيذ لرغبات السلطان فيما يأمر، ومن ذلك ما فعله الإصطخري المتوفى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة عندما تولى حسبة بغداد، وهذا ما فعله حسبما روى الذهبي في سير أعلام النبلاء: ووَلِـيَ حِسْبَةَ بغدادَ، فـأَحْرَقَ مكانَ الـملاهي. واستفتاه (القاهر) فـي الصَّابئين، فأفْتَاهُ بقَتْلهم لأنَّهم يَعْبُدُون الكواكب، فعزَمَ الـخـلـيفةُ علـى ذلك، فَجَمَعوا مالاً جزيلاً، وقدَّموه (له).
    وقبل أن يظن القراء أن الإصطخري قد أحرق مكان الملاهي حسبة لوجه الله، عليهم أن يقرأوا ما قاله ابن كثير في البداية والنهاية عن السبب وراء إحراق تلك الملاهي.
    يقول ابن كثير أثناء حديثه عن أحداث سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة: وفيها أمر القاهر بالله بإبطال الخمور والمغاني والقيان، وأمر ببيع الجواري المغنيات بسوق النخس، على أنهن سواذج. قال ابن الأثير: وإنما فعل القاهر ذلك لأنه كان محباً للغناء فأراد أن يشتري الجواري المغنيات بأرخص الأثمان نعوذ بالله من هذه الأخلاق. إنتهى كلام ابن كثير
    ويكون المحتسب الإصطخري قد إحتسب حرق الملاهي لرب نعمته القاهر حتى يكسد سوق الجواري فترخص أسعارها وتتوفر أنواعها له.
    ومع أن من يتولى الحسبة أصبح يفرض العقاب على المتهم بما يراه، إلا أن أحداً لم تصل به السطوة والفحش تلك الدرجة التي وصلت بالحاكم بأمر الله الفاطمي حاكم مصر (المتوفى سنة 411)، فيما يرويه عنه ابن كثير في البداية والنهاية ضمن كلامه عن أحداث سنة إحدى عشرة وأربعمائة، فيقول: وقد كان يعمل الحسبة بنفسه فكان يدور بنفسه في الأسواق على حمار له ــــ وكان لا يركب إلا حماراً ــــ فمن وجده قد غش في معيشة أمر عبداً أسود معه يقال له مسعود، أن يفعل به الفاحشة العظمى. إنتهى
    (وهذا النوع من العقاب اقتبسته بعض دور المباحث والإستخبارات العربية ضد سجناء الفكر ومنتقدي حكوماتهم في هذا العصر)
    وحتى لو لم تكن قصة الحاكم بأمر الله صحيحة إلا أنها تكشف كيف تحور مفهوم الحسبة عبر الزمن، فبدأت عبارة عن كلمة تعني كل عمل أو قول مباح وفيه إحسان، لم يأمر به الشرع، يقوم به الإنسان لا يعلمه إلا الله، طلباً للأجر والثواب (كتدريس الفقراء أو حياكة الملابس لهم بدون أجر).
    ثم أضحت نشاطاَ لمراقبة الغش في الأسواق بدون أجر.
    ثم أصبح ذلك النشاط الخيري وظيفة رسمية لا يستطيع أحد مزاولتها إلا بتعيين سلطاني.
    ثم تحورت مهام تلك الوظيفة الرسمية لتنفيذ رغبات السلطان من جهة، ولإكراه الناس بالإلتزام بما يأمرهم به رجال الحسبة من جهة أخرى.
    ثم أصبحت سلطة تنفيذية وتشريعية بيد المنتسبين لها يقررون على الناس ما يرونه هم متوافقاَ مع شرعهم، ويعاقبون من يخالفهم، دون الرجوع لقضاء أو هيئة قانونية رسمية، ودون أن تطال أنشطتها علية القوم والسلطان ومن يدور في فلكه، لأنه هو راعيها وهو من يوافق على توظيف أفرادها، فأصبحت أداة سلطة، من التسلط، في أيدي أناس متعطشين لها، يمارسونها بكل ما تمليه عليهم أنفسهم دون رقيب أو حسيب، ويتقاضون على ذلك مرتبات يقتاتون منها.
    وفي الوقت الذي انتهى فيه ابن خلدون من كتابة مقدمته سنة تسع وسبعين وسبعمائة (779) للهجرة، كانت الحسبة: وظيفة دينية يعين الحاكم من يراه أهلاَ لها، وللمعين الحق باتخاذ الأعوان الذين يقومون بالبحث عن المنكرات ويعزرون ويؤدبون مقترفها. ولرجل الحسبة حمل الناس على ما يمكن تسميته المصالح العامة مثل منع المضايقات في الطرقات ومنع الحمالين وأهل السفن من الإكثار في الحمل، والحكم على أهل المباني المتداعية للسقوط بهدمها، والضرب على أيدي المعلمين لكي لا يبالغوا بضرب الصبيان المتعلمين. ولا يتوقف حكم رجل الحسبة على تنازع أو استعداء بل له النظر والحكم فيما يصل إلى علمه من ذلك، وليس له إمضاء الحكم في الدعاوي مطلقاَ بل فيما يتعلق بالغش والتدليس في المعايش وغيرها في المكاييل والموازين، وله حمل المماطلين على الإنصاف وأمثال ذلك مما ليس فيه سماع بينة ولا إنفاذ حكم... وقد كانت (وظيفة الحسبة) في كثير من الدول الإسلامية مثل العبيديين بمصر والمغرب والأمويين في الأندلس داخلة في عموم ولاية القاضي يولي فيها باختياره ثم لما انفردت وظيفة السلطان عن الخلافة اندرجت في وظائف الملك وأفردت بالولاية. إنتهى كلام ابن خلدون حول تعريف الحسبة في زمانه وفي المكان الذي عاش فيه.
    ويتضح أنها وظيفة تقوم بعدد من المهام التي كان يجب أن تقوم بها جهات مختلفة، حتى لا يكون هناك تضارب وتداخل في مهام ووظائف سلطات الدولة المختلفة.
    وحالياَ تغير مسمى الحسبة في بلاد الحرمين، وأصبحت تعرف باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
    وهذا التطور عميق الدلالة، لأنه يسبغ أفعال المحتسبين بصبغة دينية أكبر من لفظ حسبة ومحتسب، وتظهرهم وكأنهم ينفذون أمراً إلهياً تردد في القرآن في أكثر من موضع.
    فهل ما يقوم به المحتسب والمطوع هو معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فعلاً أم أن للقرآن رأي مختلف؟
    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في القرآن
    لو بدأنا بقراءة القرآن من الفاتحة فسنجد أن أول آية يذكر فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي الآية رقم (104) من سورة آل عمران: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
    ولكي نحدد معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه الآية لابد أن نعود إلى الآية رقم (98) حيث يبدأ منها الموضوع الذي تتحدث عنه الآيات من رقم (98) وحتى الآيات التي تلي الآية (104) :
    قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ. قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ. وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ. وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ.
    ولا ينتهي الحديث هنا بل يستأنف عن نفس الموضوع مرة أخرى بدءً من الآية (110) وحتى الآية (115) : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ. لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ. ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ. لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ. يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ.
    وكتب التفسير كالقرطبي والطبري وغيرهم قالوا بأن الآية رقم (100) نزلت في يهودي أراد تجديد الفتنة بين الأوس والخزرج وذلك بتذكيرهم بحرب حدثت بينهم في الجاهلية، فتنابز القوم وقالوا تعالوا نرد الحرب جدعاء كما كانت.... أو نحواً من ذلك.
    ولكن الآيات عباراتها واضحة فهي تتحدث عن أن جماعة من الصحابة كانوا يسمعون لبعض اليهود في أحاديثهم، ولو لم تكنً لإثارة النعرات الجاهلية، كما يقول المفسرون، ولكنها كانت قصص وأحاديث من بنات أفكار اليهود (إسرائيليات) وليست مما أنزل الله، فحذرهم الله من أن الإستماع لليهود وطاعتهم فيما يقولون سيؤدي إلى الردة عن دين الإسلام (إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ) لأن التصديق بتلك القصص وتداولها على أنها من شرع الله إضافة لدين الله ما ليس فيه.
    وما يؤكد ذلك أن الموضوع لا يبدأ من الآية (98) ولكنه يبدأ من آيات سابقة، ومنها الآية (78) والتي تقول: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.
    فاليهود يخترعون قصصاً وأساطير وتشريعات من صنع أنفسهم ويقولون هي من عند الله. وتستمر الآيات حتى الآية (83) والتي تقول: أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ.
    وهذه الآية تؤكد أن ما يتحدث به اليهود من تشريعات وقصص ليست من دين الله، وهي التي كانوا يحدثون بها فريقاً من الصحابة.
    ثم تأتي الآية (98) وما بعدها لتكمل تناول الموضوع. قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ..... قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ .
    ثم تخاطب الآية (100) أولئك الصحابة الذين يسمعون ويتبنون قصص اليهود: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ.
    ومن المؤسف أن هذا التحذير من الله تبارك وتعالى للمسلمين لم يلق عند البعض منهم آذاناً صاغية، فامتلآت كتب الحديث والتفسير والفقه بالإسرائيليات، بل ونسبت للرسول كذباً وبهتاناً، وبدل أن يكفر من تبناها وحدث بها، كما تقول الآية هنا، أصبح المسلمون يكفّرون من يحاول تبرئة الإسلام منها، واتباع ما تقوله هذه الآيات، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهل هناك منكر أكبر من منكر إدخال قصص اليهود إلى دين الله الإسلام، وهي التي لوو ألسنتهم بها لنحسبها من الدين وهي ليست منه.
    هذا ما يعنيه قوله تعالى: . وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
    وأمة الخير هي التي تكون تصرفات وأقوال وتشريعات كل أفرادها قدوة للغير، لأنها تلتزم بالإسلام الذي نزل على محمد كقرآن، وفيه كل مكارم الأخلاق، والمودة والتراحم بين الناس والعدل والإحسان ونبذ الجهل والخرافات وعمارة الأرض والحث على العلم وغير ذلك، ولو تطبع المسلمون بأخلاق الإسلام، وأقاموا دولته التي تعتمد على قوانين القرآن الإلهية والتزموا بها، فسيتحولون تلقائياَ لأفضل وسيلة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسيقتدي بهم غيرهم.
    ولكن المسلمين استمعوا لليهود وتبنوا قصصهم وخرافاتهم وأدخلوها لدين الله، وبالتالي أمروا بالمنكر ونهوا عن أمر الله، المعروف، وأصبحوا قدوة للمنكر أينما حلوا.
    والآية (100) تؤكد هذا المعنى عندما تكرر فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقترناً بقوله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ.
    فالموضوع يتعلق بأهل الكتاب واختلاقهم القصص والتشريعات وإدخالها لدين الله، ولو التزموا بشرع الله الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لكان خيراً لهم.
    وتستمر الآيات في الحديث عن اليهود، وأنهم أقل من أن يضروا المسلمين جسدياً، وكل ما على المسلمين هو عدم الإصغاء لما يقصونه عليهم من قصص.
    ثم تختم الآيات الموضوع قائلة: لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ. يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ.
    ولتكرر عبارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للمرة الثالثة في موضوع واحد، ليتأكد بما لا يدع مجالاً للشك بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو التطبع بأخلاق الدين وتشريعاته ليكون المسلم قدوة حسنة، وليس لها علاقة لا من قريب ولا من بعيد بما عرف بالحسبة وتصرفات المطاوعة، لأن بعض اليهود وصفوا في هذه الآيات بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، مع أنه لم يكن فيهم رجال يجوبون الشوارع للتأكد من أن بقية اليهود يتقيدون بما يمليه عليهم أولئك المحتسبين منهم، لا في زمن رسول الله ولا قبله، وهذا ثابت قطعاً وبشكل يقيني لأن القرآن يشهد بذلك: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ. كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ.(المائدة: 78-79)
    ولم يكن من بين المنافقين والمنافقات أمة تجوب شوارع المدينة في عصر الرسول لتأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف، ومع ذلك يقول القرآن الكريم عنهم: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. (التوبة:67) لأن ما يصدر منهم من أفعال وأقوال تؤدي للمنكر وتنهى عن المعروف لمن يقتدي بها، كما أن ما يصدر من المؤمنين والمؤمنات من أقوال وأفعال فهو يهدي للمعروف وينهى عن المنكر: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.(التوبة:71)
    لأن المؤمنين والمؤمنات سيتحلون بأفضل الصفات الحسنة وسيبتعدون عن كل منكر: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ.(التوبة:112)
    ولذلك جاء محمد ليتمم مكارم الأخلاق بحيث يكون المجتمع المسلم قدوة حسنة في الأخلاق والتصرفات والوفاء بالعهود والتفاني في العمل والإنتاج وعمارة الأرض والقيام بالعبادات: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (لأعراف:157)
    وقد وعد الله سبحانه المجتمع الإسلامي إن هم طبقوا مكارم الأخلاق في حياتهم وأصبحوا نموذجاً يحتذى لينصرنهم وليمكنن لهم في الأرض ليسودوا العالم في المثاليات وليس بالقنابل وأسلحة الدمار الشامل: .... وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج: 40- 41)
    ولم يزعم أحد من كتبة السير والتاريخ أنه كان في عصر الرسول فرق تمارس نشاط التجسس على الناس وتتبع هفواتهم وغير ذلك من النشاطات التي يقوم بها أفراد ما عرف بالحسبة في عصور لاحقة.
    هذا هو معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في القرآن، ومن الطبيعي أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقدوة الحسنة واتباع التشريعات الإلهية، لأن تطبيق تشريعات الله لا تقوم على تتبع الهفوات والإطلاع على العورات طلباَ لإيقاع العقوبة بهم. ولو أراد الله أن يشرع إجبار الناس على دخول المساجد وقت الصلاة لأمر بذلك في كتابه الكريم ولما ترك ذلك لمتسلط يشعر بالنشوة وهو يسوق الناس المساكين، عادة، إلى المساجد، ولا يهم بعد ذلك إن صلوا احتسابا لله أو بدون وضوء، ما داموا قد امتثلوا لأوامره وأرضوا ذلك الغرور في نفسه.
    ولو أراد الله أن يجعل التجسس من تشريعاته لما قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ.(الحجرات:12) ولو كان من تشريعات الله تسور الجدران على الناس لما قال سبحانه: ...... وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.(البقرة:189)
    وإذا كانت الحسبة تقوم على هذه الأمور التي نهى الله سبحانه من عليائه عنها، أفلا تكون الحسبة نبذ لكتاب الله وتشريعاته وتشبه باليهود الذين اخترعوا تشريعات من عند أنفسهم وتركوا شرع الله: وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ.(البقرة:101) فدولة الإسلام إذاَ، لا تقوم على مثل تلك الممارسات، ولا تسمح بمغامرات رجال شرطة دينية، قد تعرضهم أو من يتعاملون معه للأذى النفسي والهلاك البدني، سواءَ كان ذلك بأجر أو بدون أجر، وليس في دولة الإسلام مكان لفرض الآراء الشخصية على الناس تحت مسمى ديني، فيعاقب المرء لأن رجل الحسبة إرتأى عقابه. ولكن دولة الإسلام تقوم على تشريع دستور مكتوب يحدد ما هو الممنوع وما هو المباح، من وجهة نظر شرعية مبنية على أقوال إلهية، وليس على إجتهادات بشرية، وتحدد عقوبة كل ممنوع، وإذا ما خالف شخص أحد الممنوعات وثبت عليه ذلك بشهادة شهود عدول، وليس بينهم وبين المتهم عداء، أو ثبتت التهمة باعتراف المتهم طائعاً مختاراً وبدون إكراه، فقد استحق أن يوقع بحقه العقوبة المنصوص عليها في كتاب الله، مع وضوح في مسئوليات كل جهة تنفيذية في الدولة، وما يجب عليها وما لا يجب أن تقوم به.
    وليس في دولة الإسلام قانون إلهي يقول بمعاقبة من يعص الله في السر، ومن خلف الأسوار، ولكن دولة الإسلام تقوم على سن القوانين التي تمنع كل ما يساهم في انتشار الموبقات وتيسر حصول الناس عليها أو ما يشجع على ممارستها عبر قوانين صارمة ومكتوبة ومعلومة لدى الجميع.
    وتكون دولة الإسلام حريصة على الأمر بالمعروف بما تسنه من قوانين تؤصل الخصال الحميدة في المجتمع، وتكون حريصة على النهي عن المنكر بما تسنه من قوانين تمنع انتشار الفواحش والمنكرات والدعاية لها وترسخ مفهوم العفة والطهارة والنبل.
    ويكون معنى عبارة " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" في القرآن الشريف لا علاقة لها بما يمارسه بعض المسلمين باسمها لا من قريب ولا من بعيد.

  18. #108

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    المثال الثالث: الزنى
    الزنى هو ممارسة العملية الجنسية الكاملة بدون عقد زواج شرعي، بين رجل وامرأة، عاقلين، راشدين، مختارين.
    وقد جاء ذكر مشتقات الفعل زنى، خمس مرات في القرآن، كما يلي:
    يمكن أن يقال بأن أول ما جاء ذكر الزنى في القرآن كان في سورة الفرقان التي يقول رجال الدين المسلمون أنها سورة مكية، إلا الآيات 68 – 70 فمدنية. والواقع أن ذكر الزنى جاء ضمن آيات تتناول صفات المؤمن وتبدأ من الآية 63 وحتى نهاية السورة عند الآية 77، مما يعني أن هذه الآيات نزلت مرة واحدة وفي المدينة: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا. وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا. إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا. وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا. وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا. وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا. وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا. وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا. وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا. أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا. خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا. قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا.
    وقد بينت هذه الآيات أن من صفات المؤمن عدم اقتراف ما حرم ربه عليه، سواءً كان بالبعد عن الخيلاء والكبر والغطرسة، أو بالإنفاق، أو بعدم اقتراف جريمة القتل، أو الوقوع في الزنى، وغير ذلك من الصفات.
    ثم نزلت آيات أخرى مشابهة لآيات سورة الفرقان، تذكر بعض صفات المؤمن، وذلك في سورة بني إسرائيل، من الآية 23 إلى الآية 39: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا. إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا. رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا. وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا. إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا. وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا. إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا. وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا. وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً. وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا. وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً. وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً. وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً. وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً. كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا. ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا.
    وبعدما عرف المسلمون أن الزنى حرام، نزل حد الزنى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ.(النور:2)
    وبما أن العقاب يجب أن يتوافق مع عظم الجريمة، فإن عقاب الزنى جاء لكي يعذب الزاني والزانية ليس فقط بدنياً بالجلد 100 جلدة، وهو عذاب بدني أليم وعظيم، ولكن بعذاب نفسي هائل يكمن في الإحساس بالمهانة وهو يجلد، ولذلك كان حضورالناس جزء من عقاب الزاني، فلا يجلد في مكان منعزل. والعذاب النفسي أكثر تأثيراً وعمقاً من العذاب الجسدي الذي يختفي بمجرد زوال الألم البدني، لأن العذاب النفسي يبقى محفوراً في المشاعر طالما عاش الإنسان ولا يختفي مهما طال عليه الزمن. وبما أن الزنى ممارسة فيها إمتهان للضوابط الإلهية لتنظيم العلاقات الجنسية بين البشر، والتي وضعت لتنزههم عن المستوى الحيواني، فقد جاءت عقوبة الجلد في الإسلام حكرأ على الزنى وعلى قذف الغير بالزنى فقط: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.
    وفي الآية الثالثة من سورة النور ذكر بأن الزاني، أي الذي يستمرء الزنى، قد لا يمانع أن يتزوج بامرأة تزني، كما أن الزانية لا تمانع الزواج برجل تعود الزنى، ولايجوز للمسلمين الذين يتقون الله أن يتزوجوا بمن امتهن الزنى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.(النور:3)
    والموضع الخامس في القرآن الذي جاء ذكر الزنى فيه كان في الآية 12 من سورة الممتحنة: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وهذه الآية تتحدث عن بيعة النساء للرسول صلوات الله وسلامه عليه بالإلتزام بالإسلام ديناً، وليس لها علاقة بحكم الزنى أو عقوبته.
    حد الزنى عند الفقهاء
    يقول الفقهاء بأن الحبس في البيوت كان أول عقوبات الزنى، ويستشهدون بالآية الخامسة عشر من سورة النساء: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً.
    ويكون الحبس في هذه الآية حد للزانية، أما حد الزاني فهو الذي ذكر في الآية التالية: وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَحِيماً.(النساء:16)
    وقال الفقهاء بإن الحبس نسخ بالآية الثانية من سورة النور: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
    وقالوا بأن هذا حد البكر من الرجال والنساء، أما حد المتزوج من الجنسين فقد نسخ بالرجم واستدلوا بذلك على حديث رواه مسلم برقم (4368) منسوباً لعبادة ابن الصامت، وهذا نصه: وحدّثنا يَحْيَىٰ بْنُ يَحْيَىٰ التَّمِيميُّ : أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ الرَّقَاشيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ : «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ.
    ويكون حد الزاني المتزوج من النساء والرجال جلد مائة ثم الرجم. وقال فقهاء آخرون بأنه يكتفى بالرجم، مستدلين على ذلك بأن الرسول قد رجم ماعز والغامدية، وبحديث نسب لعمر ابن الخطاب وهذا نصه في موطأ مالك: (1518) ــ حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: لَمَّا صَدَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ مِنًى، أَنَاخَ بِالأَبْطَحِ ثُمَّ كَوَّمَ كَوْمَةً بَطْحَاءَ. ثُمَّ طَرَحَ عَلَيْهَا رِدَاءَهُ وَاسْتَلْقَى. ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاء فَقَال: اللَّهُمَّ كَبِرَتْ سِنِّي. وَضَعُفَتْ قُوَّتِي. وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي. فَاقْبِضْنِي إلَيْكَ غَيْرَ مُضَيِّعٍ وَلاَ مُفَرِّطٍ. ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ سُنَّتْ لَكُمُ السُّنَنُ. وَفُرِضَتْ لَكُمُ الْفَرَائِضُ. وَتَرِكْتُمْ عَلَى الْوَاضِحَةِ. إلاَّ أَنْ تَضِلُّوا بِالنَّاسِ يَمِيناً وَشَمَالاً. وَضَرَبَ بِإحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الأُخْرَى. ثُمَّ قَالَ: إيَّاكُمْ أَنْ تَهْلِكُوا عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ. أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ لاَ نَجِدُ حَدَّيْنِ فِي كِتَابِ الله. فَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ الله ، وَرَجَمْنَا. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلاَ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: زَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي كِتَابِ الله تَعَالَى، لَكَتَبْتُهَا (الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ) فَأَنَّا قَدْ قَرَأْنَاهَا. قَالَ مَالِكٌ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: قَالَ سَعِيدُ بْن الْمُسَيّبِ: فَمَا انْسَلَخَ ذُو الْحِجَّةِ حَتَّى قُتِل عُمَرَ. رَحِمَهُ الله. قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: قَوْلُهُ الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ، يَعْنِي الثَّيِّبَ وَالَّثيِّبَةَ. فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ.
    وقد اختلف الفقهاء حول نسخ الأذى الوارد في الآية 16 من سورة النساء، وممن قال بأنه منسوخ مجاهد، وقال غيره بأنه بقي في جلد الزاني أو الزانية المحصنين ويرجما، واستدل من قال بذلك بما نسب لعلي ابن أبي طالب أنه جلد امرأة يوم الخميس ورجمها يوم الجمعه، وهذا نص الخبر الذي تفرد به أحمد في مسنده: حدثنا عبد الله حدَّثني أبي ثنا حسين بن محمد ثنا شعبة عن سلمة و المجالد عن الشعبي أنهما سمعاه يحدث : أن علياً رضي الله عنه حين رجم المرأة من أهل الكوفة ضربها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة ، وقال : إجلدها بكتاب الله وارجمها بسنة نبي الله صلى الله عليه وسلم.(مسند أحمد:718)
    ولذلك فأحمد ابن حنبل يرى أن حد المحصن الجلد 100 جلدة ثم رجمه حتى الموت. بينما قال فقهاء آخرون بأن الرجم فقط للمحصن والجلد لمن لم يتزوج. وحد الزنى للعبد والأمة خمسون جلدة، سواءً كانا متزوجين أم بكرين. مستدلين بجزء من الآية الخامسة والعشرين من سورة النساء والتي تقول: فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابٌِ.
    وزاد بعض الفقهاء على جلد الرجل الحر البكر أن يغرب عاماً كاملاً، أي ينفى من موطنه. واستدلوا على ذلك بحديث هذا أحد نصوصه في البخاري: حدّثنا آدَمُ حدثَنا ابنُ أبي ذِئبٍ حدَّثَنا الزُّهريُّ عن عُبَيد اللهِ بنِ عبدِ اللهِ عن أبي هريرةَ و زيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنيِّ رضيَ اللهُ عنهما قالا: «جاءَ أعرابيٌّ فقال: يا رسولَ اللهِ اقضِ بَينَنا بكتابِ اللهِ. فقامَ خَصمهُ فقال: صدقَ، اقْضِ بَينَنا بكتابِ الله. فقال الأعرابي: إن ابني كان عَسِيفاً على هذا فزَنى بامرأتهِ، فقالوا لي: على ابنِكَ الرَّجْم، ففَدَيتُ ابني منهُ بمائةٍ منَ الغَنمِ ووَليدةٍ، ثمَّ سألتُ أهلَ العلمِ فقالوا: إنما على ابنك جَلدُ مائةٍ وتَغريب عامٍ. فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: لأَقْضِينَّ بَينكما بكتابِ اللهِ، أما الوَليدةُ والغَنمُ فرَدٌّ عليك، وعلى ابنِكَ جَلدُ مائةٍ وتَغريبُ عام. وأمّا أنتَ يا أُنَيسُ ـ لِرجُلٍ ـ فاغْدُ على امرأةِ هٰذا فارجُمها. فغَدا عليها أُنَيسٌ فرَجَمَها».(البخاري:2640)
    لاحظ أن الحديث ينص على أن الرسول قال: " لأَقْضِينَّ بَينكما بكتابِ اللهِ " وليس في كتاب الله التغريب ولا الرجم.
    هذه باختصار شديد هي عقوبة الزنى كما يراها الفقهاء، حسبما ورد في فصل الزنى - الموسوعة الفقهية – إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية الكويتية.
    ولعل من أبرز ما يلاحظ على هذه الأحكام أن أكثرها قسوة وهو الرجم قد اعتمد فيه على نص قالوا بأنه آية كانت موجودة في كتاب الله وأن رسول الله بعد أن قرأها على الصحابة لم يسمح بأن تضمن في المصحف، بينما عمل بمقتضاها حيث رجم الغامدية وماعز. كما أن التغريب أيضاً لا يوجد له نص في كتاب الله، إضافة إلى الإختلافات الكثيرة في أقوال الفقهاء حول عقوبة الزنى.
    فهل أن عقوبة الزنى لم ترد من الله واضحة ولذلك احتاجت لتأويل وأراء الفقهاء؟ أم أن الفقهاء شرعوا عقوبة للزنى لم يأمر بها الله؟
    عقوبة الزنى بين القرآن والفقه
    العرب لا يعيرون العذاب النفسي ما يستحقه من أهمية، وقد يعود السبب إلى أنهم مردوا على العيش بمشاعر مجروحه نتيجة لما اعتادوه من غطرسة من يفوقهم في المنزلة الإجتماعية ومن زعمائهم، فلم يستطيعوا إدراك ضخامة وهول العذاب النفسي المترتب على جلد الإنسان أمام الناس، وهو الذي كرمه الله على بقية مخلوقاته الأرضية، ونظروا إلى أن عقوبة الزنى يجب أن تكون أكثر قسوة من مجرد 100 جلدة، يمكن أن يتلقاها الزاني بطريقة رمزية، بحيث تستكمل عدداً، دون أن تضر بدنياً. واعتقدوا أن مثل هذه العقوبة لن تردع الناس عن ممارسة الزنى، لإعتقادهم بأن الخوف من العقاب وحده هو الذي سيحد من الوقوع فيه. ولم يفطنوا أن العقوبة الجسدية مهما كانت قاسية فلن تطهر الأرض من هذه الفواحش.
    ولما لم يجد الفقهاء المسلمون في كتاب الله أقسى من الجلد كعقوبة للزاني والزانية، قالوا بأن عقوبة الزنى أنزلت على موسى. وكما أن العين بالعين والنفس بالنفس وردت في توراة موسى ويعمل بها في الإسلام، فلماذا لا يبحث المسلمون في كتب اليهود عن العقوبة التي يطبقونها بحق مقترفي الزنى، خاصة وأن دين الله الذي أنزل على موسى هو دين الله الذي أنزل على محمد.
    ولكي يتقبل الناس تبني تشريعات اليهود، عمد رجال الدين المسلمون إلى توطئة يبدوا أنها أثمرت، تتمثل بإيراد خبر يفيد أن الرسول قد اشترك في الحكم على رجل وامرأة يهود بحد الزنى المذكور في التوراة، وهذا نص الخبر: حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: جَاءَتِ الْيَهُودُ إلَى رَسُولِ الله فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلاً مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله : «مَا تَجِدُونَ فَي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟» فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ. فَقَالَ عَبْدَ الله بْن سَلاَم: كَذَبْتُمْ. إنَّ فِيهَا الرَّجْمَ. فَأتُوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا. فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ. ثُمَّ قَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الله بْنُ سَلاَم: ارْفَعْ يَدَكَ. فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ. فَقَالُوا: صَدَقَ. يَا مُحَمَّدُ. فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ. فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ الله فُرجِمَا. فَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي عَلَى الْمَرْأَة. يَقِيهَا الْحِجَارَةَ. قَالَ مَالِكٌ: يَعْنِي يَحْنَي يُكِبُّ عَلَيْهَا حَتَّى تَقَعَ الْحِجَارةُ عَلَيْهِ.(الموطأ: 1509)
    ولم يفطن من أورد الخبر أن أي إنسان يمكن أن يتساءل مالذي يجعل اليهود يأتون للرسول ويسألونه أن يحكم فيهم، وهم لا يؤمنون أنه مرسل من الله؟
    وهل سيقبل اليهود بحكم الرسول لو حكم بغير ما في كتبهم؟ وما داموا سيطبقون ما في كتبهم، فلماذا جاؤا للرسول؟
    ولكن يبدوا أن رجال الدين المسلمون قد أقدموا على إيراد هذا الخبر بعد أن ترك الإنسان العادي أمر البحث والتحقق والقراءة لرجال دينه، وأصبح إمعة يتبع ما يقوله له مرجعه الديني بأنه حق، وما يقول له بأنه باطل. وغاب عنه أن الله لن يعذره وسيحيق به وبمن تبعه عذاب النار: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ. إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ. وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ.(البقرة:165-167(
    ولن ينقذ الإنسان العادي اتباعه فتاوى غيره من البشر، ولن ينقذه سوى فهمه هو للدين من مصدره بنفسه، وقد أنزل الله القرآن وجعله سهل الفهم، حتى للأمي الذي لا يحسن القراءة والكتابة وثقافته العامة ضحلة، مثلما كان عليه الناس زمن رسول الله.
    ولأن هناك أخباراً أخرى نسبت للرسول، ومنتشرة في المجتمع، تأمر بمخالفة اليهود، مثل صبغ الشعر وحلق اللحية والصلاة بالنعال والخفاف وغيرها الكثير، فقد أورد رجال الدين المسلمون أخباراً أخرى ونسبوها للرسول، تفيد أن حد الرجم لم يأت من تقليد اليهود أو من كتبهم، ولكنه فرض بموجب آية قرآنية نزلت على محمد.
    وهذا نص الآية المزعومة في الموطأ " الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ " . وهذا الخبر الذي وردت فيه: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: لَمَّا صَدَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ مِنًى، أَنَاخَ بِالأَبْطَحِ ثُمَّ كَوَّمَ كَوْمَةً بَطْحَاءَ. ثُمَّ طَرَحَ عَلَيْهَا رِدَاءَهُ وَاسْتَلْقَى. ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاء فَقَال: اللَّهُمَّ كَبِرَتْ سِنِّي. وَضَعُفَتْ قُوَّتِي. وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي. فَاقْبِضْنِي إلَيْكَ غَيْرَ مُضَيِّعٍ وَلاَ مُفَرِّطٍ. ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ سُنَّتْ لَكُمُ السُّنَنُ. وَفُرِضَتْ لَكُمُ الْفَرَائِضُ. وَتَرِكْتُمْ عَلَى الْوَاضِحَةِ. إلاَّ أَنْ تَضِلُّوا بِالنَّاسِ يَمِيناً وَشَمَالاً. وَضَرَبَ بِإحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الأُخْرَى. ثُمَّ قَالَ: إيَّاكُمْ أَنْ تَهْلِكُوا عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ. أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ لاَ نَجِدُ حَدَّيْنِ فِي كِتَابِ الله. فَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ الله ، وَرَجَمْنَا. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلاَ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: زَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي كِتَابِ الله تَعَالَى، لَكَتَبْتُهَا (الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ) فَأَنَّا قَدْ قَرَأْنَاهَا. قَالَ مَالِكٌ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: قَالَ سَعِيدُ بْن الْمُسَيّبِ: فَمَا انْسَلَخَ ذُو الْحِجَّةِ حَتَّى قُتِل عُمَرَ. رَحِمَهُ الله. قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: قَوْلُهُ الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ، يَعْنِي الثَّيِّبَ وَالَّثيِّبَةَ. فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ.(الموطأ:1518)
    والمتتبع لكتب الإخباريين المسلمين يلاحظ أن عمر ابن الخطاب هو القاسم المشترك لكل مسألة ليس لها دليل من القرآن ويريد الفقهاء أن يقنعوا الناس بأنها من الدين، وذلك بنسبته لعمر أو أن عمر قد فعله أو أمر به، لما شاع عنه من أنه صارم في اتباع الحق، مما يشعر القارئ بأنه لو لم يكن الخبر صحيحاً ما اتبعه أو فعله عمر أو أمر به. فعمر هو الذي سن صلاة التراويح، وهو الذي سن جلد شارب الخمر، وهو الذي حرم زواج المتعة، وهو الذي نزل القرآن ليؤيد أفكاره، وهو الذي روى أن للإسلام والإيمان أركان، وغير ذلك الكثير. ولذلك نسبت الأخبار إلى عمر أنه هو من قال بأن آية الرجم كانت في القرآن.
    وقد جاء التأكيد المنسوب لعمر في عدد من كتب الأخبار بأن آية الرجم كانت في كتاب الله وأنها نسخت لفظاً وبقيت حكماً. وسنكتفي بإيراد فقرة تتحدث عن عمر وآية الرجم من ضمن خبر (حديث) طويل أورده البخاري برقم (6681) روى فيه أن عمر ابن الخطاب أراد أن يبلغ الناس بشيئ لم يسبق أن أبلغهم به، وذلك أثناء حجه في آخر سنة من خلافته، ولكن عبدالرحمن ابن عوف نصحه بالتريث حتى يعود للمدينة، ففعل، وهذا نص الفقرة التي تهمنا: ..... قال ابن عباس: فقدمنا المدينة في عقبِ ذي الحجة، فلما كان يومُ الجمعة عجلتُ الرَّواح حينَ زاغتِ الشمسُ حتى أجِدَ سعيدَ بن زيد بن عمرو بن نُفَيل جالساً إلى ركن المنبر، فجلست حوله تَمسُّ ركبتي ركبتَه، فلم أنشَبْ أن خرَج عمرُ بن الخطاب فلما رأتيه مُقبلاً قلتُ لسعيد بن زيدِ بن عمرِو بن نُفَيل: لَيقولنَّ العشِيَّة مَقَالةً لم يَقلْها منذُ استخِلف. فأنكرَ عليَّ وقال: ما عسَيتَ أن يقولَ ما لم يَقل قَبله! فجلسَ عمرُ على المنبر، فلما سكتَ المؤذنونَ قام فأنثى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعدُ فإني قائلٌ لكم مَقالةً قد قُدِّرَ لي أن أقولها، لا أدري لعلها بَينَ يَدَي أجَلي، فمن عَقلَها ووَعاها فلْيُحدِّث بها حيثُ انتهتْ به راحِلَتُه، ومن خَشيَ أن لا يَعقلها فلا أُحِلُّ أن يكذِبَ عليَّ، إنَّ الله بَعَثَ محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزلَ عليه الكتاب، فكان مما أنزلَ الله آية الرَّجم، فقرأناها وعَقَلناها ووَعَيناها، رَجَم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ورَجَمنا بعدَه، فأخْشى إن طال بالناس زمانٌ أن يقولَ قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتابِ الله، فيضلوا بترك فريضةٍ أنزلها الله، والرّجم في كتاب الله حق على من زَنى إذا أُحصِنَ من الرجال والنساءِ إذا قامتِ البيِّنة أو كان الحبلُ أو الاعتراف. ثمَّ إنا كنا نَقرأُ فيما نقرأ من كتاب الله أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفرٌ بكم أن ترغبوا عن آبائكم ـ أو إن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم..... إلى أخر الخبر.
    وأول ما يستشف من هذا الخبر أن عمر لم ينفذ حد الرجم على أحد طوال فترة خلافته، ولو كان فعل فإن تصريحه بأن هناك آية للرجم نسخت لفظاً وبقيت حكماً، لأول مرة، لن يكون في آخر حياته، بل يفترض أن يأتي هذا التصريح عندما أراد أن يطبق حكم الرجم على أول من زنا في خلافته التي امتدت أكثر من عشر سنوات. لأنه لا يمكن تصور أنه قد طبق الرجم عدة مرات، ثم يأتي في آخر عمره ويقول للناس " مَقَالةً لم يَقلْها منذُ استخِلف " تتلخص بأن هناك آية للرجم نزلت على محمد ولكنها لم تكتب في المصحف.
    ونخلص للقول بأن كل من يخامر عقله تصديق وجود آية الرجم، إستناداً لما نسب إلى عمر في الخبر السابق، فإن عليه أن يصدق أيضاً بأن هناك آيات أخرى حذفت من القرآن، مثل " لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفرٌ بكم أن ترغبوا عن آبائكم ـ أو إن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم."
    ولابد أن نسلم بأن هناك آيات كثيرة أخرى حذفت من القرآن، ومنها على سبيل المثال، ما ذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري بشرح صحيح البخاري، وهذا نصه: ..... ويؤيد ذلك ما ثبت عن جماعة من الصحابة من ذكر أشياء نزلت من القرآن فنسخت تلاوتها وبقي حكمها أو لم يبق، مثل حديث عمر ” الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ” وحديث أنس في قصة القراء الذين قتلوا في بئر معونة، قال فأنزل الله فيهم قرآنا ” بلغوا عنا قومنا أنا لقد لقينا ربنا ” وحديث أبي بن كعب ” كانت الأحزاب قدر البقرة ” وحديث حذيفة ما يقرءون ربعها يعني براءة، وكلها أحاديث صحيحة، وقد أخرج ابن الضريس من حديث ابن عمر أنه ” كان يكره أن يقول الرجل قرأت القرآن كله، ويقول: إن منه قرآنا قد رفع ” وليس في شيء من ذلك ما يعارض حديث الباب، لأن جميع ذلك مما نسخت تلاوته في حياة النبي صلى الله عليه وسلم..... إنتهى .
    وهذا اتهام خطير لن يجنح له إلا من تمكنه وقاحته أن يوجه التهمة لمحمد بأنه تصرف في الوحي كما يمليه عليه مزاجه الشخصي، وأنه لم يكن أميناً في تبليغ رسالة ربه، التي كان يجب عليه أن يبلغها كما توحى إليه دون تصرف أو تعديل أو حذف أو إخفاء أو إضافة، شأنه في ذلك شأن رسل الله جميعا.
    وفيه إتهام أكبر لذات الله بأنه لم يحسن إختيار رسوله الذي بعثه لتبليغ رسالته، وهذا يقيم الحجة للناس على الله. لأنه إن ثبت أن محمداً قد تصرف شخصياً ولو بآية واحدة من الوحي، فلن يكون بالإمكان تصديقه ببقية ما ينقله عن ربه، ويكون بالإمكان رفض العمل بأي أمر لا يعجب الناس بحجة أن محمداً قد يكون قاله من عند نفسه.
    أو أن يكون محمداً لم يسقط هذه الآيات المزعومة من القرآن برأيه الشخصي، ولكن الله أمره بذلك، وهذا فيه تجن أشنع على الله سبحانه وتعالى، والإعتقاد بأنه سبحانه ينزل آية اليوم ويرى أنه يجب حجبها غداً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
    وقد ورد ذكر خبر آية الرجم المزعومة في كتب الأخبار الأخرى، أحياناً منسوباً لزيد ابن ثابت أو لأبي ابن كعب، ليضفي دعماً إضافياً للتصديق بالخبر، كون الآية قد سمع بها عدد من الصحابة بجانب عمر. ومن ذلك ما أورده أحمد في مسنده: حدّثنا عبد الله حدثنا خلف بن هشام حدثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن زر قال: قال لي أبي بن كعب: كائن تقرأ سورة الأحزاب أو كائن تعدها؟ قال: قلت له: ثلاثاً وسبعين آية. فقال: قط، لقد رأيتها وأنها لتعادل سورة البقرة، ولقد قرأنا فيها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله، والله عليم حكيم.(مسند أحمد:20830)
    وليس الملاحظ هنا الإضافة في النص عما كان عليه في الموطأ فقط، ولكن إدعاء أبي ابن كعب الذي أورد الخبر على لسانه، بأنه ليس فقط آية الرجم هي التي حذفت من القرآن، ولكن معظم سورة الأحزاب.
    ويبدوا أن أحمد قد شعر بشيئ من عدم الرضى لما رواه عن حذف آية الرجم، فأورد خبراً آخر لبيان كيف تم حذف تلك الآية المزعومة من القرآن، أو لماذا لم تكتب ضمن القرآن، وهذا نصه: حدّثنا عبد الله حدَّثني أبي حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن قتادة عن يونس بن جبير عن كثير بن الصلت قال: كان ابن العاص وزيد بن ثابت يكتبان المصاحف، فمروا على هذه الآية فقال زيد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها البتة. فقال عمر: لما أنزلت هذه أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أكتبنيها» قال شعبة: فكأنه كره ذلك، فقال عمر: ألا ترى أن الشيخ إذا لم يحصن جلد، وإن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم.(مسند أحمد:21214)
    وبدل أن يأت هذا الخبر بتبرير مقنع لخذف الآية المزعومة، كما أراد أحمد، زاد الطين بلة، لأنه احتوى على إتهامات مبطنة إضافية للرسول ولعمر. فالرسول كره أن يكتب عمر آية من القرآن أنزلها الله عليه، مع أن دوره كرسول ينتهي بتبليغ ما نزل عليه من وحي: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ.(النور:54)
    وليس للرسول من أمر الدعوة شيئ بعد التبليغ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ.(آل عمران:128)
    وليس للرسول خيار في ترك بعض ما أنزل عليه، ولو لم يعجبه: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ.(المائدة:67)
    فكيف يكره الرسول أن يملي على عمر آية قرآنية؟
    ولو كان محمد يستطيع إخفاء بعض ما نزل عليه لقام بإخفاء آيات نزلت في أشخاص معروفين من قريش في وقت كان فيه الرسول بأمس الحاجة لمداهنتهم وكسب ودهم، ولكنه تـلى على مسامع أبي لهب، قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم. تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ. سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ. وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ. فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ. في وقت كان بإمكان أبي لهب قتل الرسول أو إلحاق الأذى به، ومع ذلك لم يكن بإستطاعة الرسول إلا تبليغ أبا لهب ما نزل في حقه من قرآن. ولو لم يعلم الله أمانة الرسول في النقل، لما اختاره ضمن رسله الذين وصفهم بالأمانة: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ.(الشعراء:178)
    وقد يكون ابن كعب أراد أن يوحي بأن الرسول كره أن تكتب الآية المزعومة وقام بإخفائها بعد ملاحظة عمر ابن الخطاب، وليس قبلها، والتي يدعي ابن كعب أن عمر قال: ألا ترى أن الشيخ إذا لم يحصن جلد، وإن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم. وكأن عمر قد أحاط بالظلم الذي يحتويه حد الرجم، وهو ما لم يحط به الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
    وهذا الأسلوب الذي يوحي بأن الله جل جلاله، تصدر منه أحكام متسرعة وغير مدروسة بما يكفي، بحيث يكون فيها أحياناً جور للبشر أو تكون فوق طاقتهم، أو تكون خاطئة، أسلوب واضح في الإسرائيليات التي توجد في كل كتب أخبار المسلمين دون استثناء. ومن ذلك ما ورد في الكيفية التي فرضت بموجبها الصلاة، وكيف أن موسى قد اعترض على فرض الله خمسين صلاة على المسلمين، وأمر محمداً بالرجوع إلى الله للتخفيض. وفي كل مرة كان الله (تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا) يرضخ لرأي موسى، الذي يظهر خطأ قرار الله، فيقوم بتغييره ويخفض من الصلوات المفروضة، أنظر على سبيل المثال حديث رقم (347) في البخاري.
    ولابد للعودة إلى الحديث الوارد في الموطأ برقم (1509) والذي سبق ذكره يتحدث عن اليهود الذين حضروا للرسول يسألونه عن عقوبة رجل وامرأة منهم زنيا، ومراجعة كتب اليهود المقدسة والتعرف على آية الرجم التي حاولوا إخفاءها عن الرسول حسبما جاء في الخبر.
    وكتب اليهود المقدسة زمن الرسول هي نفس النصوص الموجودة الآن دون تغيير، بل وكانت كذلك منذ القرن الرابع للميلاد، ولو تصفحنا هذه الكتب لوجدنا أن الرجم جاء فيها كما يلي:
    1. ترجم الفتاة التي تتزوج للمرأة الأولى ويجدها زوجها ليست عذراء، مع أنها زنت قبل أن تحصن. وهذا نص الحد: إذا اتخذ رجل امرأة وحين دخل عليها أبغضها ..... وقال هذه المرأة اتخذتها ولما دنوت منها لم أجد لها عذرة. ............. ولكن إن كان هذا الأمر صحيحاً لم توجد عذرة للفتاة، يخرجون الفتاة إلى باب بيت أبيها ويرجمها رجال مدينتها بالحجارة حتى تموت، لأنها عملت قباحة في إسرائيل بزناها في بيت أبيها. فتنزع الشر من وسطك.(التثنية:الإصحاح 22: 13 – 21)
    2. وترجم الفتاة العذراء المخطوبة إذا زنت برضاها قبل أن يدخل بها زوجها، وهذا نص ما جاء في الكتاب المقدس: إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل فوجدها رجل في المدينة واضطجع معها فاخرجوهما كليهما إلى باب المدينة وارجموهما بالحجارة حتى يموتا الفتاة من أجل أنها لم تصرخ والرجل من أجل أنه أذل امرأة صاحبها الإصحاح السابق: 23-24)
    3. لا ترجم الفتاة الغير مخطوبة إذا زنت ولا يرجم الرجل الذي زنا بها بغض النظر إن كان متزوجاً أم لا: إذا وجد رجلٌ فتاة عذراء غير مخطوبة فأمسكها واضطجع معها فوجدا، يعطي الرجل الذي اضطجع معها لإبي الفتاة خمسين من الفضة وتكون هي له زوجة من أجل أنه قد أذلها. لايقدر أن يطلقها كل أيامه.(الإصحاح السابق:28 – 29)
    4. أما إذا زنا رجل بامرأة متزوجة فيقتل الإثنان، قتلاً وليس رجماً: إذا وجد رجل مضطجعاً مع امرأة زوجة بعل يقتل الإثنان الرجل المضطجع مع المرأة والمرأة.(الإصحاح السابق:22)
    ويلاحظ أن الرجل الزاني بامرأة متزوجة يقتل ولو لم يكن متزوجا.
    ويتضح مما ورد في كتب اليهود، أن الحديث عن الرجم عندهم جاء على لسان رجال الدين اليهود (الفقهاء والمفسرون) وليس هناك آية نزلت على موسى تنص على الرجم، وهذه ملاحظة هامة يجب أن نفطن لها ونأخذها بالإعتبار.
    وقد أورد رجال الدين اليهود الرجم وقتل الزاني للإنتقام من الإهانة التي حلت بالزوج (الرجل)، وليس لأن الزاني والزانية تجاوزا حدود الله. وهذا هو نفس الدافع للعربي الذي يقتل ابنته العذراء، بمجرد شكّ بأنها قد تكون زنت، لإن ما فعلته فيه أهانة له، وليس لأنها تجاوزت حدود الله الشرعية. وقد يكون هذا هو الدافع لأن يتبنى الفقهاء الرجم للزاني والزانية المتزوجين، وعدم الإكتفاء بالجلد الذي ورد في كتاب الله كحد للزنى.
    ومما يؤيد أن الفقهاء تأثروا بإهانة الرجل التي سببها زنا زوجته أو قريبته، والعار الذي يلحقه، ما ورد في مسلم عن وعيد من يتخلف عن الجهاد في المدينة ويزني بامرأة رجل خرج للجهاد، وهذا نص الحديث: حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ : «حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَىٰ الْقَاعِدِينَ، كَحُرْمَةِ أُمهَاتِهِمْ. وَمَا مِنْ رَجُلٍ مِنْ الْقَاعِدِينَ يَخْلُفُ رَجُلاً مِنَ الْمُجَاهِدِينَ فِي أَهْلِهِ، فَيَخُونُهُ فِيهِمْ، إِلاَّ وُقِفَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَأْخُذُ مِنْ عَمَلِهِ مَا شَاءَ. فَمَا ظَنُّكُمْ؟» (مسلم:4864)
    فالخبر يقول بأن من يزني بامرأة المجاهد يعاقب يوم القيامة بأن يدفع من حسناته لزوج الزانية، وكأنه تعويض له عما سببه له من إهانة في الدنيا. وهذا النوع من العقوبات لا يعمل بها عند الله ولا في كتاب الله: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ.(الأنعام:164) ولو زنت إمرأة متزوجة فسيعاقبها الله ولكن لن يزيد من حسنات زوجها لأنها زنت وهي زوجته.
    ولكن العرب ينظرون لزنى المرأة على أنه يجلب العار ويهدم شرف العائلة، مع أن الشخص ليس جزءً من أبيه أو أمه، وإن خلقه الله من ماء الرجل وبويضة المرأة، فهو إنسان مستقل بذاته، ولو أشبه اباه أو أمه بصفة أو لون الشعر أو شكل الوجه. وكل إنسان سيأتي الله فرداً وحيداً وسيحاسب على ما فعل إن خيراً فسينال وحده الخير وإن شراً فسينال وحده العقاب: إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا. لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا. وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا.(مريم:93-95)
    وكان يمكن أن يحكم الفقهاء برجم حتى الزاني الغير متزوج، لو لم يكن هناك آية قرآنية صريحة بجلد الزاني والزانية والتي لم يستطيعوا إخفاءها. ولذلك حولوا الحد المذكور في الآية إلى أنه حد للزاني والزانية الغير متزوجين. وتهاونوا في تطبيق قتل الرجل الذي يقتل ابنته وزوجته وأخته بشبهة الزنى.
    وحتى الآن هناك أحكام مخففة للرجل الذي يقتل قريبته أو زوجته بدافع الشرف، فلا يقتل بها وإنما يخفف الحكم للسجن، وذلك في العديد من البلاد العربية والإسلامية، وإن كانت الأردن من الدول التي ينص قانونها صراحة على ذلك.

    ولإقناع الناس أكثر بأن الرجم هو حد الزنى الذي فرضه الله، لجأ رجال الدين إلى إيراد خبر ساذج، رواه البخاري، وهذا نصه: حدَّثنا نُعَيمُ بن حمادٍ حدَّثنا هُشَيمٌ عن حُصَينٍ عن عمرِو بن مَيمونٍ قال: رأيتُ في الجاهليةِ قِردةً اجتمعَ عليها قِرَدةٌ قد زَنَت فرَجموها، فرَجمتها معهم.(البخاري:3762)
    ولكن يبدوا أن بقية كتّاب (الأحاديث) قد وجدوه على درجة كبيرة من الصفاقة بحيث أنهم لم يوردوه في كتبهم. واكتفوا بإيراد أخبار تتحدث عن أن الرسول قد نفذ حد الرجم على البشر.
    وقد يكون من روى الأحاديث التي تنسب للرسول أنه رجم الزاني، لم يطلع على أحاديث أخرى نسبت للرسول أنه اكتفى بجلد الزاني ولم يرجمه، دون أن يسأله إن كان متزوجاً أم لا، وهذا نص ما أورده مالك في الموطأ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ ،؛ أَنَّ رَجُلاً اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزنى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله . فَدَعَا لَهُ رَسُولُ الله بِسَوْطٍ فَأُتِيَ بِسَوْطٍ مَكْسُورٍ. فَقَالَ: فوق هذا. فَأُتِيَ بِسَوطٍ جَدِيدٍ، لَمْ تُقْطَعْ ثَمَرَتُهُ فَقَالَ: دَونَ هذَا. فَأتِيَ بِسَوطٍ قَدْ رُكِبَ بِهِ وَلاَنَ. فَأَمَرَ به رَسُولُ الله فَجُلِدَ. ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ. قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عَنْ حُدُودِ الله. مَنْ أَصَابَ مِنْ هذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئاً، فَلَيَسْتَتِرِ بِسِتْرِ الله. فَإنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَناَ صَفْحَتَهُ، نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ الله».(موطأ مالك: 1521)
    وهذا الخبر يقول لنا ليس فقط بأن حد الزنى هو الجلد فقط، بل إن على المرء الذي يريد أن يزني أن يأخذ كل الإحتياطات اللازمة لكي لا يفتضح أمره، وإذا زنا ولم يطلع عليه أحد فلا يفضح نفسه. وهذا تساهل في أمر الزنى خطير جداً ينسب لرسول الله الذي نزلت عليه آية في بداية دعوته في مكة تقول: وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلا.(بني إسرائيل:32)
    وهو نهي شديد اللهجة من رب السموات والأرض بأن نبتعد عن الزنى وما يقرب إليه من قول وعمل، في السر والعلانية.
    فكيف يريدنا رواة الأخبار أن نتهم الرسول بالإيحاء للناس بأن عظم ذنب الزاني في إفتضاح أمره، وليس باقترافه الزنى. وأنه لو احتاط المرء وزنى في الخفاء دون أن يطلع عليه أحد فإن الذنب سيكون أهون.
    وكيف يريدنا الإخباريون أن نتصور أن الرسول يمكن أن يصدر منه هذا القول وهو يتلوا ما نزل عليه من القرآن والذي منه قوله تعالى: َ.......... ولا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ .........(الأنعام:151)
    فذنب الزنى وكل معصية باقترافها ولو بالسر، ولكن الحد لا يقام إلا على من يشهد عليه أو يقر بها، أي من يجاهر بها ويعلم بها الناس عنه، فالحد هو للحد من انتشار المعاصي مجاهرة بين الناس، وبعد ذلك من فعلها عالماً بحرمتها فسيعاقبه الله في الآخرة بدون شك.
    والحديث عن حد الزنى لا يتم بدون التطرق لماعز والغامدية! فمن يكون ماعز ومن هي الغامدية؟
    وهل ما نسجه الإخباريون حولهما من روايات يمكن أن يكون كافياً لتشريع حد الرجم على الزانية والزاني المتزوجين؟
    ماعز والغامدية
    لقد صور هذين الشخصين على أنهما مسلمين وعاشا زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، لذا فإن البحث عن ترجمة (معلومات) شخصية لهما يجعلنا نتجه إلى أشهر ثلاثة كتب تخصصت في ذكر تراجم الصحابة، وهي:
    1. الإصابة في تمييز الصحابة لمؤلفه أحمد بن عليّ بن محمد الكنانيّ العسقلاني,أبو الفضل, شهاب الدين, المشهور بابن حَجَر العسقلاني.
    2. أسد الغابة في معرفة الأصحاب لمؤلفه المبارك بن محمد بن محمد بن محمد ابن عبد الكريم الشيباني الجزري, أبو السعادات, مجد الدين. المعروف بابن الأثير الجزري.
    3. الإستيعاب في معرفة الأصحاب لمؤلفه يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي, أبو عمر، المعروف بابن عبد البر القرطبي.
    والحقيقة أن مؤلفي هذه الكتب حشروا كتبهم بأسماء كل من اعتبروهم من الصحابة، حسب معيار فضفاض واسع، وضعوه هم. وبناءَ عليه فقد ذكروا في هذه الكتب أسماءً غير معروفه، ومجهولي الصحبة، وأسماء لأناس لم يكن لهم صحبة مع الرسول لأنهم ماتوا في الجاهلية، وأسماء مكررة، بل لقد ذكر في هذه الكتب أسماء الجن الذين قيل أنهم استمعوا لقراءة الرسول للقرآن فاعتبروا من الصحابة، وإن كنت لا أدري كيف تم التعرف على أسمائهم.
    ومع ذلك فقد عُرّف ماعز تعريفاً مقتضباً ومتشابهاً في الكتب الثلاثة، وهذا نص تعريف ابن عبد البر القرطبي في كتابه الإستيعاب في معرفة الصحاب: ماعز بن مالك الأسلمي، معدود في المدنيين، كتب له رسول الله صلى الله عليه وسلّم كتاباً بإسلام قومه، وهو الذي اعترف على نفسه بالزنى تائباً منيباً، وكان محصناً فرجم رحمة الله عليه، روى عنه ابنه عبد الله بن ماعز حديثاً واحدا.ً إنتهى
    وختم ابن الأثير الجزري في أسد الغابة تعريفه بماعز بقوله: أخرجه الثلاثة. فابن منده وأبو نعيم جعلا ماعزاً ثلاث تراجم، وقالا في الثاني ــــ الذي هو ماعز أبو عبد الله ــــ قيل: هو الأول. وأما أبو عمر فجعل ماعز بن مالك المرجوم هو ماعز أبو عبد الله، وقال في ترجمة ماعز بن مالك التميمي: «ماعز، رجل آخر، لا أقف على نسبه، سأل النبي : أي الأعمال أفضل». والله أعلم.
    وكلام ابن الأثير يوحي بأن من نقل عنهم ترجمة ماعز لم يكونوا متأكدين من شخصيته، أي أنه قد لا يكون له وجود.
    أما الغامدية فالذي وجدته في بحثي عن ترجمتها في الكتب الثلاثة هو أن ابن الأثير الجزري قد ذكر الغامدية في كتابه أسد الغابة في معرفة الأصحاب تحت عنوان: الغَامدية المرجُومة في الزنى. ولم يزد في ترجمتها عن سرد الخبر الذي يتحدث عن رجمها، مع أن الترجمة تعني إعطاء معلومات عن الشخصية وافية بما يكفي للتعرف على الإسم كاملاً وتاريخ ومكان الميلاد، ومتى أسلمت، وكل ما يمكن من أخبار أخرى عنها.
    يقول ابن الأثير: وهي التي أتت رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم فقالت: يا رسول الله، طهرني. فقال لها: «ارجعي» . ثم أتته من الغد فاعترفت بالزنى، وقالت: والله إني لحبلى. فقال لها: «ارجعي حتى تلدي» . فلما ولدت جاءَت بالصبي تحمله، فقالت: يا نبي الله، هذا قد ولدته. قال: «اذهبي فأَرضعيه حتى تفطميه» . فلما فَطَمته جاءَت بالصبي وفي يده كِسرة خبز، فقالت: يا نبي الله، هذا قد فطمته. فأمر النبي بالصبي فدُفِع إلى رجل من المسلمين. وأمر بها فرُجِمت. فرماها خالد بحجر فنضح الدم على وجه، فسبها. فسمع النبي سَبَّه إياها، فقال: «مه فوالذي نفس بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مَكْسِ لغفِر له» . فصلى عليها ودُفِنت . أخرجه أبو موسى، والله أعلم. إنتهى.
    وهذا يعني أنه لو لم تورد كتب الحديث عنهما أنهما زنيا ورجما، فلن يجدهما القارئ ضمن من عدهم الإخباريون من الصحابة، لأنه لا يعرف عنهما أي شيء آخر.
    فلم يأت ذكرهما في كتب التاريخ المشهورة مثل الطبري والبداية والنهاية، ولم يشر إليهما ابن هشام في سيرته التي جاءت في عدة مجلدات، وروي فيها قصصاً وأحداثاً تفصيلية بعضها يصل لحد الخرافة وبعضها ليس بذي بال، ومن ذلك على سبيل المثال، قصة قدوم إمرأة تدعى أم جميل على عمر بعد أن أصبح خليفة لكي يعطيها مكافأة على منعها قومها من قتل ضرار ابن الخطاب ابن مرادس الفهري ظناً منها أنه أخ لعمر. وكان ضرار قد خرج في نفر من قريش إلى أرض دوس في الجاهلية، ونزلوا على امرأة يقال لها أم غيلان، مولاة لدوس، وكانت تمشط النساء، وتجهز العرائس، فأرادت دوس قتلهم بقتيل لهم يقال له أبي أزيهر، فقامت دونهم أم غيلان ونسوة معها، حتى منعتهم. وأم جميل واحدة منهن. يقول ابن هشام: فلما قام عمر بن الخطاب (أي أصبح خليفة) أتته أم جميل، وهي ترى أنه أخوه : فلما انتسبت له عرف القصة، فقال: إني لست بأخيه إلا في الإسلام، وهو غاز، وقد عرفت مِنَّتك عليه، فأعطاها على أنها ابنة سبيل. إنتهى.
    وهذه القصة رواها ابن هشام برغم عدم أهميتها، فليس لها علاقة بالرسول صلوات الله وسلامه عليه، ولا يترتب عليها أمر للمسلمين، ووقعت لعمر ابن الخطاب أثناء خلافته، ومع ذلك أوردها ابن هشام تحت عنوان بخط عريض يقول: أم جميل وعمر بن الخطاب.
    فيما لم يورد قصة ماعز ولا قصة الغامدية ولو بإيجاز أو بإشارة عابرة، مع أن ما حدث لهما خطب جلل، وحادثة تاريخية كبرى، بوصفهما أول من رجم في الإسلام. خاصة وأنها حدثت، إفتراضاً، في أواخر عهد الرسول حسبما يفهم من الخبر الذي أورده مسلم، الذي سبق ذكره، والذي يفيد بأن خالد ابن الوليد كان من الذين رجم الغامدية، وخالد لم يسلم إلا قبيل فتح مكة.
    وقصة الرجم بإجمال تقول بأن ماعز زنى واعترف بذنبه أمام الرسول عدة مرات فأمر الرسول برجمه فرجم، وتكرر المشهد مع الغامدية. هذه هي الرسالة التي أراد الإخباريون إيصالها للمسلم العادي، وقد جاء التفاوت في التفاصيل لكي يستشهد بها من صاغها في أحكام فقهية مختلفة فيما يتعلق بالزنى وغير الزنى أحياناَ. وهذه بعض الروايات وبماذا استدل بها:
    • حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّىٰ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الأَعْلَىٰ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ،: أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَسْلَمَ يُقَالُ لَهُ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ، أَتَىٰ رَسُولَ اللّهِ . فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ فَاحِشَةً، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَرَدَّهُ النَّبِيُّ مِرَاراً. قَالَ: ثُمَّ سَأَلَ قَوْمَهُ؟ فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُ بِهِ بَأْساً، إِلاَّ أَنَّهُ أَصَابَ شَيْئاً، يَرَىٰ أَنَّهُ لاَ يُخْرِجُهُ مِنْهُ إِلاَّ أَنْ يُقَامَ فِيهِ الْحَدُّ. قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ، فَأَمَرَنَا أَنْ نَرْجُمَهُ. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَىٰ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ. قَالَ: فَمَا أَوْثَقْنَاهُ وَلاَ حَفَرْنَا لَهُ. قَالَ: فَرَمَيْنَاهُ بِالْعَظْمِ وَالْمَدَرِ والخَزَفِ. قَالَ: فَاشْتَدَّ وَاشْتَدَدْنَا خَلْفَهُ، حَتَّىٰ أَتَىٰ عُرْضَ الْحَرَّةِ، فَانْتَصَبَ لَنَا، فَرَمَيْنَاهُ بِجَلاَمِيدِ الْحَرَّةِ يَعْنِي الْحِجَارَةَ. حَتَّىٰ سَكَتَ. قَالَ: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللّهِ خَطِيباً مِنَ الْعَشِيِّ فَقَالَ: «أَوَ كُلَّمَا انْطَلَقْنَا غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللّهِ تَخَلَّفَ رَجُلٌ فِي عِيَالِنَا، لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التَّيْسِ، عَلَيَّ أَنْ لاَ أُوتَىٰ بِرَجُلٍ فَعَلَ ذَلِكَ إِلاَّ نَكَّلْتُ بِهِ». قَالَ: فَمَا اسْتَغْفَرَ لَهُ وَلاَ سَبَّهُ.(مسلم:4382)
    وقد استدل الفقهاء من هذه الرواية على ما يلي:
    o أن المحكوم عليه بالرجم لا يوثق، في رد واضح على من قال من الفقهاء أنه يوثق لمنعه من الهرب.
    o أن الرجم يكون حتى الموت، ولا يترك المرجوم لو هرب، بل يتابع ويستكمل الرجم.
    o أن اعتراف الزاني لا يشترط له عدد معين من الإعترافات، بعكس من اشترط أربع اعترافات.
    o ويستدل من أن الرسول لم يصل على المرجوم ولم يترحم عليه، أن المرجوم لا يصلى ولا يترحم عليه.
    • حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي الهيثم بن نصر بن دهر الأسلمي عن أبيه قال: أتى ماعز بن خالد بن مالك رجل منا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستودى على نفسه بالزنى فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمه فخرجنا إلى حرة بني نيار فرجمناه، فلما وجد مس الحجارة جزع جزعاً شديداً فلما فرغنا منه ورجعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرنا له جزعه فقال: هَلاَّ تَرَكْتُمُوهُ. وبإسناده قال: جاء ماعز بن مالك الأسلمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال يا رسول الله إني قد زنيت فأعرض عنه، ثم جاء من شقه الأيمن فقال: يا رسول الله إني قد زنيت، فأعرض عنه، ثم جاءه من شقه الأيسر فقال: يا رسول الله إني زنيت، فقال له ذلك أربع مرات، فقال: انطلقوا به فارجموه. وقال: فانطلقوا به، فلما مسته الحجارة أدبر واشتد، فاستقبله رجل في يده لحى جمل، فضربه به، فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فراره حين مسته الحجارة، قال: فهلا تركتموه».(مسند أحمد:15251)
    ويستدل من صدرهذه الرواية أن المرجوم إذا أبدى جزعه وعدم صبره على الرجم ولو لم يهرب يخلى سبيله.
    أما عجز الرواية فيدل على أن بعض الفقهاء لم يعجبهم أن مجرد الجزع من الرجم كاف لإخلاء سبيل المرجوم ولكن لو هرب فيترك.
    ويبدوا أن الأحكام التي استنبطت من الخبر السابق لم تعجب فقهاء آخرين يرون أن الرجم يجب أن يكون حتى الموت ولا مجال لترك المرجوم حياً لأي سبب، ولذلك أضيف للخبر السابق إضافة تفيد ما يودون تشريعه، وهذا هو الخبر:
    • حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ بنِ مَيْسَرَةَ حدثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ عن مُحَّمدِ بنِ إسْحَاقَ ، قال: «ذَكَرْتُ لِعَاصِمِ بنِ عُمَرَ بنِ قَتَادَةَ قِصَّةَ مَاعِزِ بنِ مَالِكٍ فقال لِي: حدَّثني حَسَنُ بنُ مُحمَّدِ بنِ عَلِيٍّ بنِ أبي طَالِبٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قال حدَّثني ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: «فَهَلاَّ تَرَكْتُمُوهُ» مَنْ شِئْتُمْ مِنْ رِجَالِ أسْلَمَ مِمَّنْ لا أتَّهِمُ. قال: وَلَمْ أعْرِفْ هٰذَا الْحَدِيثَ. قال: فَجِئْتُ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله فَقُلْتُ: إنَّ رِجَالاً مِنْ أسْلَمَ يُحَدِّثُونَ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال لَهُمْ حِينَ ذَكَرُوا لَهُ جَزَعَ مَاعِزٍ مِنَ الْحِجَارَةِ حِينَ أصَابَتْهُ: «ألاَ تَرَكْتُمُوهُ » وَمَا أعْرِفُ الحدِيثَ. قال: يَا ابنَ أخِي أنَا أعْلَمُ النَّاسِ بِهذَا الحدِيثِ، كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَ الرَّجُلَ «إنَّا لَمَّا خَرَجْنَا بِهِ فَرَجَمْنَاهُ فَوَجَدَ مَسَّ الحِجَارَةِ صَرَخَ بِنَا: يَا قُومِ رُدُّونِي إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فإنَّ قَوْمِي قَتَلُونِي وَغَرُّونِي مِنْ نَفْسِي وَأَخْبَرُونِي أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم غَيْرُ قَاتِلِي. فَلْم نَنْزِعْ عَنْهُ حَتَّى قَتَلْنَاهُ، فَلمَّا رَجَعْنَا إلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَأَخْبَرْنَاهُ قال: فَهَلاَّ تَرَكْتُمُوهُ وَجِئْتُمُونِي بِهِ لِيَسْتَثْبِتَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْهُ، فأَمَّا لِتَرْكِ حَدٍّ فَلاَ». قال: فَعَرَفْتُ وَجْهَ الحدِيثِ.(مسند أحمد:4415)
    وخبر آخر مماثل، وهذا نصه: حدّثنا عبد الله حدَّثني أبي حدثنا وكيع حدثنا هشام بن سعد أخبرني يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه قال: «كان ماعز بن مالك في حجر أبي فأصاب جارية من الحي فقال له أبي: ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما صنعت، لعله يستغفر لك وإنما يريد بذلك رجاء أن يكون له مخرج فأتاه فقال: يا رسول الله، إني زنيت فأقم عليَّ كتاب الله، فأعرض عنه، ثم أتاه الثانية فقال: يا رسول الله، إني زنيت فأقم عليَّ كتاب الله. ثم أتاه الثالثة فقال: يا رسول الله، إني زنيت فأقم عليَّ كتاب الله. ثم أتاه الرابعة، فقال: يا رسول الله، إني زنيت فأقم عليَّ كتاب الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك قد قلتها أربع مرات فبمن قال بفلانة قال: هل ضاجعتها؟ قال: نعم. قال: هل باشرتها؟ قال: نعم. قال: هل جامعتها؟ قال: نعم. قال فأمر به أن يرجم. قال: فأخرج به إلى الحرة، فلما رجم فوجد مس الحجارة جزع، فخرج يشتد فلقيه عبد الله بن أنيس وقد أعجز أصحابه، فنزع له بوظيف بعير فرماه به فقتله، قال: ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه» قال هشام: فحدَّثني يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي حين رآه: «والله يا هزال، لو كنت سترته بثوبك كان خيراً مما صنعت به».(مسند أحمد:21511)
    واستدل الفقهاء من هذين الخبرين على ما يلي:

  19. #109

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    واستدل الفقهاء من هذين الخبرين على ما يلي:
    o أن الزاني لابد أن يعترف أربع مرات.
    o وأن المرجوم إذا هرب أثناء الرجم فليترك. وقد سبق ذكر هذين الحكمين.
    o وأن التستر على الزاني خيراً من إقامة الحد عليه. وهذا فيه من الطعن بالرسول مافيه، وقد سبق وأشرنا لمثله.
    وتستمر الروايات تترى باختلاف وتناقض واضح يجسد تناقض واختلاف الأحكام الفقهية في الزنى، مثل اختلافهم في كل المسائل الفقهية. والضحية هو الإسلام.
    • ومن ذلك، القول بأن ماعز لم يأت للرسول ولكن الرسول علم بما فعله وبادره بالسؤال، وسيق هذا الخبر للتدليل على جواز أخذ الناس بالشبهة في الزنى والتحقيق معهم فإن أقروا فيقام عليهم الحد. وهذا نص الخبر: حدثنا عبد الله حدَّثني أبي ثنا يونس ثنا أبو عوانة عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : « لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ماعز بن مالك فقال : أحقٌ ما بلغني عنك ؟ قال : وما بلغك عني ؟ قال : بلغني أنك فجرت بأمة آل فلان ، قال : نعم ، فرده حتى شهد أربع مرات ، ثم أمر برجمه ».(مسند أحمد:2211)
    وتستمر الروايات حسب الإتجاهات الفقهية، وهي روايات كثيرة جداً ولن نتتبعها، إلا أن الخبر السابق يقول بأن ماعز زنا بأمة وأن الأمة لم تسأل ولم تحد. ونتوقف هنا قليلاً عند حد الأمة الزانية.
    فالذي عليه الفقهاء المسلمون أن الأمة عليها نصف حد الحرة، ولم يستطع أحد منهم أن يبين كيف يمكن حد الأمة المتزوجة نصف رجم. ودليل الفقهاء مستمد من قوله تعالى: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ. وهو جزء يسير من الآية 25 من سورة النساء، والتي نصها: وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.
    ونورد فيما يلي بعض الأحكام الفقهية المضحكة المبكية في الشروط الواجب توفرها في الزنى، والتي اقتبستها من الموسوعة الفقهية التي أصدرتها وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت- المجلد الرابع والعشرون- زنا:
     اشترط جمهور الفقهاء أن تكون الموطوءة حية..... والمالكية قالوا بأن المرأة إذا أدخلت ذكر ميت غير زوجها في فرجها فلا تحد.
    ويظهر أن من سن هذا التشريع لا يعلم أن العضو الذكري للرجل ينكمش ويستحيل أن يبقى منتصباً لدرجة لا تتمكن معها ..................
    ذهب الحنابلة إلى أن البهيمة (التي تعرضت للوطء من إنسان) تقتل، سواءً كانت مملوكة له أو لغيره، وسواءً كانت مأكولة أو غير مأكولة.
    فما الذنب الذي اقترفه الحيوان المسكين لكي يحكم عليه بالإعدام. خاصة أن الدين يخلو من أي حكم بالإعدام أو الجلد أو التعذيب لأي حيوان، حتى لو تسبب بقتل إنسان. وفي وضع الحيوان المعتدى عليه جنسياً من قبل الإنسان، فلو كره البعض أكل لحمها بعد اغتصابها، فليس هناك مبرر لأن يقتلها ويلقي بجثتها.
     اشترط الحنفية في وجوب حد الزنى أن يكون الزاني في دار الإسلام. فلا يقام الحد على من زنى في دار الحرب أو البغي ثم خرج إلى دار الإسلام وأقر عند القاضي.
    فهل هذا يعني أنه لو تحاربت دولتان إسلاميتان فإن الجيش المنتصر له الحق باغتصاب نساء البلد المهزوم، ولا يعتبر هذا زنى واغتصاب؟
    وهل مثل هذه الأحكام هي ما يفسر السكوت عما يفعله المسلمون، من الجنسين، في البلاد الصديقة و الشقيقة، لأن الزنى في تلك البلاد مشابه للزنى في دار البغي.
     لا يقام الحد على الكافر إذا زنى بمسلمة طائعة على المشهور، عند المالكية.
    وهو ما يفسر عدم تسجيل تاريخنا الإسلامي قديمه وحاضره حادثة واحدة إقيم فيها حد الزنى على خواجة . (الخواجة في لهجات المشرق العربي تعني الأجنبي أو العلج خاصة المتحدر من أصول أوروبية. )
    وهو ما يبرز أيضاً مدى التبجيل الزائد الذي يحظى به الخواجات في بلاد الإسلام منذ القدم، حتى في تشريعات الفقهاء.
     لا يقام حد الزنى على الأخرس عند الحنفية مطلقاً، حتى لو أقر بالزنى أربع مرات في كتاب كتبه أو إشارة ، ولو شهد عليه الشهود.
    وهذا يظهر مدى جهل من قال بهذا التشريع، بحكمة تحريم الزنى. فليس المقصود في الإسلام هو إعتراف شفهي للزاني، ولكن المقصود هو محاربة الزنى بذاته كفعل فاحش.
     إذا أكره السلطان شخصاً على الزنى، فلا يحد المكره، أما إذا كان غير السلطان فيحد. كما يرى ذلك أبو حنيفة.
    ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا لا يسأل ولا يحد السلطان إذا زنى. ولماذا اقترن تاريخ سلاطين الإسلام بالقيان والغلمان والجواري وبنات الليل، دون أن يسجل التاريخ الإسلامي حداثة واحدة إتهم فيها حاكم مسلم أو أحد من أفراد عائلته بالزنى.
     إذا طلق رجل زوجته طلاقاً بائناً لا رجعة فيه، ثم وطئها فلا يحد، حسب رأي الحنابلة.
    ويظهر بوضوح من هذا التشريع الفرق بين النظرة للرجل (السيد) والمرأة (المملوكة)، حتى لو طلقها. وهذا مما بقي من عادات كانت موجودة قبل الإسلام، ومن ذلك العضل وهو أن للزوج الحق بالتحكم في مصير زوجته المطلقة، فإن شاء أعادها متى رغب، وإن شاء منعها من الزواج بغيره، وإن شاء حدد لها بمن تتزوج.
    وقد بقيت ترسبات هذه النظرة للمرأة واستمرت بين المسلمين بعد الإسلام ممثلة في هذا التشريع وغيره. وإلا فإذا بانت المرأة وعاشرها مطلقها فهو زنى يوجب الحد، لأنها أصبحت إمرأة أجنبية بالنسبة له.
    وهكذا يتناحر الفقهاء فيما بينهم كل يفتش عن أي دليل يسند ميوله وما يظن وما يرغب في الإفتاء به، فأضحى التشريع الإسلامي يتبع الأهواء الشخصية للبشر. بينما يترك كلام الله المشرع لأنه جاء واضحاً لا مجال للإختلاف حول أحكامه.
    وتناسى الناس أن كل ما لم يأت في القرآن فلا يسأل عن حكمه البشر سواءً سموا أنفسهم فقهاء أو ملالي أو سادة أو أئمة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ.(المائدة:101)
    ويكون أي قول لرجال الدين لا يزيد عن مجرد تصورات وآراء بشرية ليس لها اتصال بالسماء الذي انقطع اتصاله بالناس بموت محمد صلوات الله وسلامه عليه قبل أن ينشأ الفقه وقبل أن يتسمى البشر بالفقهاء بعشرات ومئات السنين. والرأي الشخصي لمن تسمى بالفقيه لا يلزمه هو اتباعه، فمن باب أولى لا يلزم غيره.
    بل إن إتباعه يورد من قاله ومن تبعه النار: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ. قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ.(القصص:62-63)
    لأن اتباع أي تشريع بشري هو من باب إتخاذه الأرباب من دون الله: ...... وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ. قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ. وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.(سـبأ:30-32)
    ولن يكون بمقدور المتبوع الذي كان يشرع في الدنيا، من أن ينقذ نفسه، ولا من تبعه في الدنيا، من النار يوم القيامة، بل سيكونان شريكان في العذاب: وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ. قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَاد.(غافر:48 – 49)
    وهكذا يتضح أن قصة ماعز والغامدية صنيعة صنعها الفقهاء لكي يستنبطوا منها أحكامهم الفقهية المتناقضة كل بما يتناسب مع آراءه الشخصية والعادات والإتجاهات الفكرية التي ينتمي إليها.
    والزنى مثله مثل كل المجالات الأخرى. ومما استبطه فقهاء المذاهب الأربعة من أدلة الزنى، عدم قبول شهادة النساء في الزنى وفي غير الزنى، لأنهن نساء. وليس لأن اشتراط شهادة الرجال للزنى جاء، لأن المرأة الصالحة لا يتوقع منها، عادة، أن تتجرأ وتتجاسر لتكون في وضع يسمح لها بالتأكد من أن ميل الرجل قد دخل في مكحلة المرأة، لأن حياءها الفطري يمنعها، كما يمنعها حياؤها من التلفظ بالعبارات الجنسية الصريحة التي تتطلبها الشهادة في حالات الزنى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.(النور:4)
    ولو حدث وتجرأت إمرأة بالشهادة على حالة زنى، على غير عادة النساء، فليس هناك ما يمنع قبول شهادتها، لأن قوله تعالى: بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء، وقوله تعالى: فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ. ليس فيها ما يدل على أنها موقوفة على الرجال، فلو كان الشهود الآربعة مكونين من رجل وثلاث نساء أو رجلين وامرأتين، أو ثلاث رجال وامرأة، فسيطلق عليهم " أربعة شهداء."
    وليس هناك في كتاب الله ما يدل على أن شهادة المرأة لا تساوي شهادة الرجل، بما في ذلك شهادة توثيق المداينات، والمعاملات المالية، والتي وردت في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.(البقرة:282)
    وهذه الشهادة جاءت عندما كان التوثيق يتم من خلال شهادة الشهود، وعندما كان مجال المال والأعمال من اختصاص الرجل في تلك الأيام، على الغالب، بينما للمرأة مجالات أخرى تشغل بالها أكثر من التجارة, وهذا قد يتسبب في نسيانها تفاصيل ما حدث، لأن الإنسان ينسى الأشياء والأحداث التي لا يهتم بها أسرع من نسيانه لما يثير إهتماماته.
    ويبقى أن الآية تفيد أن شهادة المرأة في الدين ليست مرفوضة، لأنها صادرة من المرأة، بل إن إشتراط إمرأتين عوضاً عن رجل واحد، جاء فقط لكي تكون الثانية إحتياطاً للأولى، بحيث لو أدت الأولى شهادتها دون نسيان فسيكتفى بشهادتها، ولن يكون للثانية أي دور، ولن يطلب منها أن تشهد. وتكون الشهادة تمت برجل واحد وامرأة واحدة، وليس برجل واحد وامرأتين، وتكون شهادة المرأة قبلت بنفس مستوى قبول شهادة الرجل.
    وهنا لابد أن نتساءل! ماذا لو نسي الرجل شيئاً من الشهادة، وذكرته بها المرأة الثانية (الإحتياط) هل سيؤخذ بتذكيرها أم سيرفض لأنه صدر من إمرأة بحق رجل؟
    شخصياً أقول بأن الفقهاء المسلمين سيرفضونه ولو ضاع الحق، لأن المهم عندهم هو التأكيد على ضعة قدر المرأة وعدم السماح لها بالتعرف على إنسانيتها التي كرمها الله، والتي لا تنقص عما كرم به الرجل. حتى تبقى قابعة في مكانها الذي اختاره الفقهاء لها والذي لا يزيد على كونها مجرد عورة لم تخلق إلا لمتعة الرجل، ولذلك يجب أن تحجب عن الرجال الآخرين في مكان معزول لا يعرفه سوى رجلها الذي يغشى المكان كلما أراد أن يغشاها. وبما أن صوتها عورة أيضاً، فيجب أن يستر ولا يسمعه الرجال حتى ولو ترتب على حجبه وتغييبه ضياع الحقوق. ولذلك أوجز ابن عابدين رأي الفقهاء الحازم من شهادة المرأة، عندما قال: لا مدخل لشهادة النساء في الحدود. (أنظر ج3 ص 142 حاشية ابن عابدين، ج8 ص 198 المغني)
    وهذا يتجسد أيضاً في الأخبار التي تورد قصة ماعز والغامدية في خبر واحد وبطريقة توحي بأن الغامدية هي صاحبة ماعز التي زنا بها، وذلك لكي لا يسألوا عن مصير الرجل الذي زنا بالغامدية ولا بالمرأة التي زنت بماعز، أو للرد على الأخبار الأخرى التي تقول بأن ماعز زنا بأمة.
    يقول مسلم: وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا بُشَيْرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ،: أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ الأَسْلَمِيَّ أَتَىٰ رَسُول اللّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ! إِنِّي قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَزَنَيْتُ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي. فَرَدَّهُ. فَلمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ. فَرَدَّهُ الثَّانِيَةَ. فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللّهِ إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ: «أَتَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْساً تُنْكِرُونَ مِنْهُ شَيْئاً؟» فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ إِلاَّ وَفِيَّ الْعَقْلِ، مِنْ صَالِحِينَا، فِيما نُرَىٰ. فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَيضاً فَسَأَلَ عَنْهُ فَأَخْبَرُوهُ: أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ وَلاَ بِعَقْلِهِ. فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةَ حَفَرَ لَهُ حُفْرَةً ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ. قَالَ: فَجَاءَتِ الْغَامِدِيَّةُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي. وَإِنَّهُ رَدَّهَا. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ لِمَ تَرُدُّنِي؟ لَعَلَّكَ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزاً، فَوَاللّهِ إِنِّي لَحُبْلَىٰ. قَالَ: «إِمَّا لاَ، فَاذْهَبِي حَتَّىٰ تَلِدِي» فَلَمَّا وَلَدَتْه أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي خِرْقَةٍ. قَالَتْ: هَـٰذَا قَدْ وَلَدَتْ. قَالَ: «اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِميهِ». فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ وفي يَدِهِ كِسْرَة خُبْزٍ فَقَالَتْ هَـٰذَا، يَا نَبِيَّ اللّهِ قَدْ فَطَمْتُهُ، وأَكَلَ الطَّعَامَ. فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَىٰ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا، وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا، فَيُقْبِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ، فَرَمَىٰ رَأْسَهَا. فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلىٰ وَجْهِ خَالِدٍ، فَسَبَّهَا. فَسَمِعَ نَبِيُّ اللّهِ سَبَّهُ إِيَّاهَا. فَقَالَ «مَهْلاً يَا خَالِدُ! فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً، لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُغِرَ لَهُ». ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّىٰ عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ.(مسلم: 4386)
    ومن السهل ملاحظة أن الخبر حرص على تأكيد نظرة الفقهاء للمرأة، التي استعرضناها عند مناقشة الأخبار السابقة. فالخبر هنا يقول بأن المرأة شيطان، يحمل الرجس، وجسدها كله عورة، ولذلك فأهم ما يجب أن نتعامل به معها هو التأكد من أن عورتها لن تنكشف أمام الرجال، وتفتنهم، حتى ولو كان جسدها قد اختلط لحمه بعظمه بدمه نتيجة رجمه بالحجارة، ولذلك فالخبر ينص على أن الرسول قد " أمر بِهَا فَحُفِرَ لَهَا حفرة إِلَى صَدْرِهَا "، بينما طلب من ماعز الوقوف دون أن يوثق أو يحفر له حفرة، وعندما هرب وعلم رسول الله بذلك قال هلا تركتموه في إشارة إلى أنه كان يجب على المسلمين تركه. أما المرأة الغامدية المسكينة فحفر لها حفرة إلى صدرها يستحيل معها أن تجد فرصة للهرب، فستر جسد المرأة حتى لا يتكشف أمام الرجال، هو الأهم عند فقهاء المسلمين من إتاحة الفرصة لها للنجاة. وهذا الشعور حفر في عقول المسلمين وأصبح غائراً في ذاكرتهم حتى في هذه الأيام.
    وفي كل عام تقريباً تطالعنا وسائل الإعلام بغرق سفينة محلية تنقل الركاب بين الجزر الإندونيسية، نتيجة زيادة حمولة السفينة عن الحد الأقصى المسموح ولأسباب تقنية أخرى، ويغرق فيها المئات. ولا ينجوا من الغرق إلا من استطاع الوصول لأحد قوارب النجاة القليلة أو كان يجيد السباحة، واستطاع الصمود حتى وصل من ينقذه بعد ساعات طوال، أو استطاع السباحة إلى الشاطئ.
    والملاحظ أن الناجون عادة يكونون من الرجال، وإن كان هناك نساء ناجيات فهن من النساء الأجنبيات (الغير مسلمات) اللاتي استطعن السباحة حتى الشاطئ، أما النساء المسلمات ففي العادة ليس لديهن دراية بالسباحة كما لدى المرأة الأجنبية.
    وقد قرأت عن مثل هذه الحوادث في الصحف، وسمعت عنها في نشرات الأخبار التلفزيونية. كما شاهدت برنامجاً خاصاً عن إحدى هذه المآسي بثته قناة BBC الأمريكية في برنامج شهير إسمه Date Line وقد جرى لقاء في ذلك البرنامج مع عدد من النساء الأجنبيات (أمريكيات وأستراليات) كن قد نجون من الغرق بفضل قدرتهن على السباحة، وروين كيف منعهن الرجال الإندنيسيون، كما منعوا أي إمرأة إندونيسية حاولت الصعود لقوارب النجاة بحجة أنها مخصصة للرجال فقط ـ وبعبارة أخرى موت المرأة أهون من أن يموت الرجل.
    وكلامي عن إجادة المرأة الأجنبية الغير مسلمة للسباحة أكثر من المسلمة، ليس دعوة للمرأة المسلمة بأن تتحلل من ثيابها وتستلقي بالبكيني أو بدونه على الشواطئ كما تفعل المرأة الأجنبية، ولكنني أقول بأن المرأة الأجنبية لديها المجال مفتوحاً لتعلم السباحة وإجادتها مثل الرجل لأنها تقضي أوقاتاً طويلة في السباحة على الشواطئ، بينما المجال محدود للمرأة المسلمة لأن تتقن السباحة إتقاناً قد يكون سبباً في نجاتها من الغرق في يوم من الأيام.
    ويعود عدم إتقان المرأة المسلمة للسباحة إلى نظرة المجتمع الفقهي لسباحة المرأة على أنه كشف للعورة، يوقع المرأة في المحضور، حتى ولو كان أمام نساء فقط.
    وإلا ففي دولة الإسلام يجب أن ينص الدستور على ضرورة أن تتعلم المرأة السباحة ورياضة من رياضات الدفاع عن النفس واستخدام السلاح وقيادة المركبات، كما الرجل. (علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل). لأن إتقان هذه الأمور قد يترتب عليه الدفاع عن النفس أو إنقاذ حياة أو تجنب أضرار.
    كما يجب إعادة ترتيب الأولويات الفقهية بالنسبة للمرأة، وتسويتها بأولويات الرجل. فإذا وقعت كارثة في مكان ما مثل كوارث السفن الأندونيسية فيجب أن يبادر بإنقاذ الناس بغض النظر عن الجنس، رجلاً كان أو إمرأة، ودون أن يكون كشف العورة للمرأة أو ملامستها لرجل أجنبي مانعاً لإنقاذها.
    ولا زال الفقه في بلاد الحرمين ينظر إلى الحرص على عدم إنكشاف عورة المرأة أمام الرجال، على أنه يأتي أولاً في سلم الأولويات التي ينظر بها للمرأة، فخير لها أن تموت وهي متسترة، من أن تعيش بعد أن تكشفت عورتها أمام الرجال، أو لامسها أحدهم.
    ومن هذا المنطق فقد تم وأد عدد من النساء في تلك البلاد في حوادث متفرقة، ومن ذلك الحريق الذي حدث في الساعة الثامنة صباحاً من يوم الإثنين 27/12/1422الموافق 11/03/2002 في المدرسة (31) المتوسطة للبنات الواقعة على شارع أم القرى (الشارع الرئيسي الموصل إلى الحرم للقادم من جدة) بحي الهنداوية بمكة.
    وتسبب بمقتل (15) فتاة وإصابة (51) بسبب التدافع العشوائي ومنع رجال هيئة الأمر بالمعروف البنات من النجاة بأنفسهن والخروج إلى الشارع، بحجة أنهن حاسرات الرؤوس، ويجب عليهن لبس عباءآتهن وتغطية أجسادهن ووجوههن. كما منعوا الناس والدفاع المدني من الدخول لإخماد النار وإنقاذهن، لأنه لو سمح للرجال بالدخول عليهن لوقع الإختلاط المحرم شرعاً، في رأيهم، بين الرجل والمرأة، وقد يلامسن من الرجال.
    وقد هلك من هلك منهن دهساً والبقية حرقاً، وهو وأد أشد وحشية من وأد البنت في الجاهلية، لأنه حصل لنساء بعضهن عاش الرعب والألم والحرق قبل أن يموت، وهي لحظات رهيبة أشد وطئاً من الموت نفسه، الذي يكون رحمة لو حدث في مثل هذه الظروف، لأن من يعش منهن بعد ذلك فستحمل معها تلك اللحظات المرعبة، التي ستلازمها على شكل كوابيس وآلام نفسية إلى آخر لحظة من حياتها. أما في الجاهلية فقد كانت البنت تدس في التراب بعيد ولادتها، وهي غير مدركة لما يحدث لها، ولا تشعر بوحشيته.
    والمعلومات الواردة هنا تم اقتباسها مما جاء في بيان منظمة مراقبة حقوق الإنسان المذاع يوم 15/3/2002 من نيويورك/ وما نشر في جريدة عرب نيوز في 14/3/2002.
    وكما استعرضنا تناقض أدلة قصة ماعز والغامدية سنعرض لدليل آخر يظهر بجلاء أن الواقع يكذب حدوث قصة زنا ورجم الغامدية، وهذا هو الخبر: وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا بُشَيْرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ،: أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ الأَسْلَمِيَّ أَتَىٰ رَسُول اللّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ! إِنِّي قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَزَنَيْتُ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي. فَرَدَّهُ. فَلمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ. فَرَدَّهُ الثَّانِيَةَ. فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللّهِ إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ: «أَتَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْساً تُنْكِرُونَ مِنْهُ شَيْئاً؟» فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ إِلاَّ وَفِيَّ الْعَقْلِ، مِنْ صَالِحِينَا، فِيما نُرَىٰ. فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَيضاً فَسَأَلَ عَنْهُ فَأَخْبَرُوهُ: أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ وَلاَ بِعَقْلِهِ. فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةَ حَفَرَ لَهُ حُفْرَةً ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ. قَالَ: فَجَاءَتِ الْغَامِدِيَّةُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي. وَإِنَّهُ رَدَّهَا. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ لِمَ تَرُدُّنِي؟ لَعَلَّكَ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزاً، فَوَاللّهِ إِنِّي لَحُبْلَىٰ. قَالَ: «إِمَّا لاَ، فَاذْهَبِي حَتَّىٰ تَلِدِي» فَلَمَّا وَلَدَتْه أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي خِرْقَةٍ. قَالَتْ: هَـٰذَا قَدْ وَلَدَتْ. قَالَ: «اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِميهِ». فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ وفي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ فَقَالَتْ هَـٰذَا، يَا نَبِيَّ اللّهِ قَدْ فَطَمْتُهُ، وأَكَلَ الطَّعَامَ. فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَىٰ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا، وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا، فَيُقْبِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ، فَرَمَىٰ رَأْسَهَا. فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلىٰ وَجْهِ خَالِدٍ، فَسَبَّهَا. فَسَمِعَ نَبِيُّ اللّهِ سَبَّهُ إِيَّاهَا. فَقَالَ «مَهْلاً يَا خَالِدُ! فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً، لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُغِرَ لَهُ». ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّىٰ عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ.(مسلم: 4386)
    فإذا كان ماعز عندما أسلم كتب له الرسول كتاباً إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام كما يقول ابن عبدالبر في كتابه الإستيعاب في معرفة الأصحاب في ترجمته لماعز: ماعز بن مالك الأسلمي، معدود في المدنيين، كتب له رسول الله صلى الله عليه وسلّم كتاباً بإسلام قومه، وهو الذي اعترف على نفسه بالزنى تائباً منيباً، وكان محصناً فرجم رحمة الله عليه. إنتهى
    وإذا كانت وفود قبائل العرب قد وفدت على الرسول لتعلن إسلامها بعد فتح الطائف وقدوم وفد قبيلة ثقيف على الرسول، الذي كان في رمضان من العام التاسع من الهجرة، فيكون إسلام قبيلة ماعز في فترة إسلام الوفود، أي في نهاية السنة التاسعة والسنة العاشرة للهجرة، أو بمعنى آخر، قبل وفاة الرسول بسنة واحدة، على إعتبار أن الرسول توفي في ربيع الأول من السنة الحادية عشر، ويكون ماعز قد زنا بعد أن أسلم وأسلمت قبيلته، أي في أواخر السنة التاسعة للهجرة على أبعد تقدير.
    وإن كان ماعز والغامدية قد ارتكبا الزنى في وقت واحد كما يفهم من خبر مسلم السابق، سواءً كان ماعز قد زنا بالغامدية أو بأمة أو بامرأة أخرى. وإن كانت الغامدية قد حبلت من الزنى، والحمل يستغرق تسعة أشهر، ثم أرضعت طفلها، لمدة سنتين: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ......(البقرة:233)
    والغامدية أتمت رضاعة طفلها، بناءً على أمر رسول الله لها عندما قال «اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِميهِ». وقد فعلت، بدليل أنها أحضرته معها بعد تمام الرضاعة " وفي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ فَقَالَتْ هَـٰذَا، يَا نَبِيَّ اللّهِ قَدْ فَطَمْتُهُ، وأَكَلَ الطَّعَامَ."
    فتكون الغامدية قد بقيت سنتان وتسعة أشهر منذ زنت وحتى رجمت، وكان رجمها زمن رسول الله، فكيف أمكن للغامدية أن تختزل مدة السنتين وتسعة أشهر في مدة سنة واحدة بقيها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه حياً منذ وقت زنا الغامدية، المفترض، وحتى رجمها، المزعوم.
    ويكون ماعز والغامدية شخصين خياليين إخترعهما الإخباريون ورجال الدين المسلمين ليسنوا بموجب قصتهما تشريعاتهم التي يرغبون. ويكون ليس للزنى حد سوى الجلد، ولذلك جاءت الآية الثالثة من سورة النور، والتي تلت مباشرة آية حد الزنى، لتقول لكل الفقهاء المسلمين بأن حد الزنى في الإسلام واحد، مثلما أن العبادات واحدة، فلا يطلب من الثيب أن يصلي أو يصوم أو يحج أكثر من البكر، أو أن يقتل القاتل الثيب ويجلد القاتل البكر، أو أن يحل للبكر الخمر ويحرم على الثيب. أو أن تهظم حقوق البكر، وتحفظ حقوق الثيب. يقول تعالى: الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.(النور:3)
    ولو كان الزاني الثيب يرجم، فلزم أن تأت هذه الآية بصيغة تدل على أن المعني هو الزاني البكر، لأن الثيب، لو كان يرجم، فلن يبقى على قيد الحياة ليتزوج بزانية أو بغيرها.
    وبعد كل ما تقدم بقي أن يقال بأنه لن يكون من العدل، الذي هو أحد أسس الإسلام، بل ومن أهم الأسس التي قام عليها خلق الله كله، أن يزني شخصان عاقلان راشدان تجاوزا الأربعين من عمرهما، ويرجم أحدهما بحجة أن سبق له وتزوج عندما كان في الخامسة والعشرين من عمره، ولمدة يوم واحد قد لا يكون لمس زوجته فيه، بينما يجلد الآخر 100 جلدة ويطلق سراحه، ولو كان قد زنى مراراً وتكرارا قبل ذلك، لأنه لم يتزوج.
    والآن سنتناول الآيتان 15 و 16 من سورة النساء والتي يستشهد بهما الفقهاء على أنهما كانا أول حد للزنى وأن حكمهما قد نسخ بالجلد للزانية والزاني البكرين والرجم للزانية والزاني المحصنين، وذلك كما يلي:
    أولاً: هاتان الآيتان نزلتا في المدينة، ليس فقط لأن رجال الدين المسلمون والإخباريون يقولون بذلك، وليس لأنهما وجدتا في سورة النساء المدنية، ولكن لأنهما آيات حدود، وكل آيات الحدود بلا استثناء نزلت في المدينة.
    ثانياً: الفقهاء قالوا بأن الآية رقم 15 تمثل حد الزنى للمرأة، وهذا نصها: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً.
    بينما جاءت الآية التالية رقم 16 في نفس سورة النساء لتشرع حد الزنى للرجل، وهذا نص الآية: وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَحِيما.
    ويكون هناك حدين مختلفين بين الرجل والمرأة عقوبة لمعصية واحدة وهي الزنى. وهذا لا مثيل له في شرع الله على الإطلاق. فليس هناك حد للسارقة وحد مختلف للسارق، فتقطع يد الرجل ويكتفى بحبس المرأة مثلاً. وليس هناك ذنب للرجل يختلف عن ذنب المرأة إذا اقترفا نفس المعصية. وليس هناك جنة للرجل وجنة للمرأة (إلا في عقول بعض البشر)
    ثالثاً: لو سلمنا " جدلاً " بأن الزنى كان الوحيد في كتاب الله له حدين مختلفين بين الرجل والمرأة لحكمة أرادها الله وتخفى علينا، فلماذا لم تستمر هذه الخصوصية عندما استبدل الحد، فأصبحت عقوبة الزنى للمرأة والرجل واحدة إما الجلد فقط حسبما جاء في القرآن، أو الجلد والرجم حسبما يرى الفقهاء.
    رابعاً: إذا كانت آية الرجم التي حلت محل هاتين الآيتين قد أختفت من القرآن بعد نزولها وبقي حكمها، فلماذا تبقى هاتان الآيتان مع أن حكمهما قد عدل واستبدل. وهذا يدل على تخبط رجال الدين، والذي يقودنا للقول بإن أجتهادات الفقهاء تظهر بجلاء مدى قصور العقل البشري عن الكمال، ولذلك لا يمكن أن نحصل على تشريعات كاملة بشرية، سواءً كان في مجال الإدارة والحكم، أو في مجال حقوق الإنسان، أو في مجال التشريعات الدينية، أو في أي مجال آخر.
    وعندما حاول الناس تنصيب أنفسهم على أنهم رجال دين الله ولديهم القدرة على استنباط أحكام شرعية لم يتحدث عنها دستور دين الله القرآن، حسب ظنهم القاصر، ضلوا وأضلوا، وكانت النتيجة ظهور فرق ومذاهب تختلف فيما بينها في المسائل الفقهية.
    ولا يمكن أن يكون دين الله الواحد يحوي كل هذه الإختلافات والتباينات، ويكون الجميع على صواب. وبما أن كل الفرق والمذاهب تتشبث بما لديها وتتبع فقط ما يمليه عليها رجال فقهها، فقد أصبحوا كمن قال الله فيهم: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ. . فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ.(الروم:29-32)
    واعتقدوا أن ما هم عليه هو الحق وما سواه هو الباطل، بينما نسي الجميع أن هناك طريق واحدة هي الحق وما سواها فباطل، هذه الطريق ليست ما يقوله الفقيه بل ما يقوله الله: قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللّهَ حَرَّمَ هَـذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ. قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.(الأنعام:150-153)
    ومن أصر على اتباع قول الفقيه وترك قول الله فسيجد نفسه وقد أصبح مشتتاً بين فرق وآراء ومذاهب لم ينزل الله بها من سلطان: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ.(الأنعام:159)
    وشاهد هذا الكلام مع حديثنا عن الآيتين الخامسة عشر والسادسة عشر من سورة النساء هو أن هاتين الآيتين لم يوحي الله بهما لرسوله ليكونا حدين لزنى المرأة والرجل ثم يستبدلان بحد آخر بعد ذلك، كما يقول الفقهاء.
    وإنما نزلت الآية رقم 15 لتكون حداً لمن يمارس فاحشة السحاق من النساء، ولم تنسخ أو تستبدل بل بقي حكمها إلى الأبد، وليس لها أي علاقة بعالم الرجال على الإطلاق: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً.
    فاللاتي اسم موصول للجمع المؤنث، والضمير"هن" في قوله فامسكوهن، ولهن، ضمير مؤنث. وهو ما يعني أن المقصود هو المرأة إذا مارست الفاحشة مع إمرأة أخرى أو أكثر، وأن الحد هو أن تحبس في المنزل إلى آخر حياتها، لكي تمنع من الإلتقاء بالسحاقيات وممارسة الفاحشة معهن. أو يجعل الله لهن سبيلا، وذلك بعلاجها نفسياً وعضوياً إن كان هناك علاج، أو توبتها، أو تقدم من يود الزواج بها وقدرته على إقناعها بترك تلك الرذيلة أو القيام على علاجها ومنعها من الإلتقاء بغيرها من السحاقيات.
    أما الآية رقم 16 في نفس سورة النساء فقد جاءت لتشرع حداً لمن يفعل فعل قوم لوط من الرجال: وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَحِيماً.
    والإيذاء يكون نفسياً ويكون بمنعهما من الميزات المالية والعمل وفضح فعلهما ونشره على الملاء وأي إيذاء آخر يسئ لسمعتهما له علاقة بما اقترفاه. وهذا العقاب أبلغ وأشد وأقسى من اي عقاب بدني كالجلد.
    ومع أن هاتان الآيتان واضحتان في عباراتيهما وضوح الشمس في رابعة نهار يوم صيف في الصحراء، إلا أن الفقهاء لم يروا هذه الحقيقة، فتخبطوا فيما يقولون حول هاتين الآيتين، كما سبق إيضاحه.
    وجعلوا للزنى حدان أوليان تمثل بهاتين الآيتين، ولم يكن واضحاً لديهم كيف أن الحد يكون بالحبس في آية والإيذاء في آية أخرى، فقالوا إن المعنى هو أن يحبس الزاني في البيت مع الإيذاء المتمثل بأن يقال لهما " فجرتما وفسقتما وخالفتما أمر الله".
    ثم قالوا بأن حد الزنى في هاتين الآيتين قد نسخ، ولم يفطنوا إلى أنهم بقولهم هذا قد أفرغوا القرآن تماماً من أي حد لفاحشة السحاق وفاحشة فعل قوم لوط.
    وبما أنه يوجد حد صريح للزنى في سورة النور، فقد حاولوا الخروج من المأزق الذي أوقعتهم فيه إجتهاداتهم الشخصية، فقالوا بأن حد الحبس قد نسخ ولم يعد يعمل به في الإسلام واستبدل بحد الجلد الذي جعلوه للبكر واستحدثوا حد الرجم لمن هو محصن كما سبق وتم إيضاحه.
    وكان أن بقيت فاحشة السحاق بدون حد عند فقهاء المسلمين، وقالوا بأنه لا حد في السحاق لأنه ليس بزنى، وإنما يجب فيه التعزير، لأنه معصية.
    واختلفوا كثيراً في عقوبة فعل قوم لوط، فقال بعضهم إن عقوبته عقوبة الزنى، وقال آخرون بل إن العقوبة تكون تعزيراً. وقال المالكية يرجم الفاعل والمفعول سواء كانا بكرين أم متزوجين. وقد تم قتل عدد من الناس بهذه التهمة في بلاد الحرمين بناءً على تشريعات الفقهاء، وإن كانت بدأت تقل مثل هذه الأحكام حاليا.
    وهكذا لم يأخذ الفقهاء بقول الله الواضح في حدي السحاق وفعل قوم لوط، لأنهم أعملوا أرائهم الشخصية وتبعوا أقوال من سبقهم من فقهاء في أقوال الله وشرعه، فكانت النتيجة إضاعة شرع الله واستبداله بشرع بشري، وهم بهذا أضافوا لدين الله حدين لم يأمر الله بهما، إضافة لحد مفتوح سموه التعزير، بعد أن حذفوا من دين الله حدين نص عليهما القرآن.
    وفي مثل هذا السياق يقول الله تعالى في سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ. ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ.(البقرة:174-176)
    ثم يقول سبحانه وتعالى: فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.(البقرة:181)
    ويذكر القرآن موقفاً مشابهاً لليهود، حيث أنزل الله عليهم الدين لهدايتهم بما شرع لهم: وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.(البقرة:53)
    ولكنهم كانوا يستبدلون أحكام الله التي نزلت عليهم بتشريعات من عند أنفسهم: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ. (البقرة:59)
    وسنلقي نظرة سريعة على بعض أقوال المفسرين الأوائل في الآيتين 15 و 16 من سورة النساء، أولئك المفسرون الذين بقيت أقوالهم تشريعاً يتبع حتى اليوم ولا يجرؤ أحد أن ينتقده أو يقول بخلافه وإلا اعتبر كافراً بما نزل على محمد، مع أن مصادر أولئك المفسرين لم تكن الوحي ولم تكن الرسول، ولكن كانت عبارة عن نقل لما قاله أناس آخرين ولدوا بعد أن مات الرسول وانقطع الوحي، ولم يعد لهم من مصدر سوى آرائهم الشخصية المستقاة مما يحيط بهم من ثقافات.
    وقد ورد في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ما نصه: السابعة ـ قوله تعالى: {فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ} هذه أوّل عقوبات الزناة؛ وكان هذا في ابتداء الإسلام؛ قاله عبادة بن الصامت والحسن ومجاهد حتى نُسخ بالأذى الذي بعده، ثم نسخ ذلك بآية «النور» وبالرجم في الثيب. وقالت فرقة: بل كان الإيذاء هو الأوّل ثم نسخ بالإمساك، ولكنّ التلاوة أخرت وقدّمت؛ ذكره ابن فورك، وهذا الإمساك والحبس في البيوت كان في صدر الإسلام قبل أن يكثر الجناة، فلما كثروا وخشي قوّتهم اتخذ لهم سجن؛ قاله ابن العربيّ.
    الثامنة ـ واختلف العلماء هل كان هذا السجن حداً أو توَعّدا بالحدّ على قولين: أحدهما ـ أنه توعد بالحدّ، والثاني ـ أنه حدّ؛ قاله ابن عباس والحسن. زاد ابن زيد: وأنهم مُنِعوا من النكاح حتى يموتوا عقوبة لهم حين طلبوا النكاح من غير وجهه. وهذا يدل على أنه كان حداً بل أشدّ؛ غير أن ذلك الحكم كان ممدوداً إلى غاية وهو الأذى في الآية الأُخرى، على اختلاف أي التأويلين قبلُ.
    ومما أورده القرطبي في الجامع أيضاً، ما يلي: حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } فقد جعل الله لهنّ، وهو الـجلد والرجم.
    وحدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عطاء بن أبـي ربـاح وعبد الله بن كثـير: الفـاحشة: الزنى، والسبـيـل: الرجم والـجلد.
    وحدثنا أبو هشام الرفـاعي، قال: ثنا يحيـى، عن إسرائيـل، عن خصيف، عن مـجاهد: أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً. قال: جلد مائة، الفـاعل والفـاعلة.
    وحدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {وَاللَـٰتِى يَأْتِينَ الْفَـٰحِشَةَ مِن نّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مّنْكُمْ } إلـى: {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } هؤلاء اللاتـي قد نكحن وأحصن، إذا زنت الـمرأة فإنها كانت تـحبس فـي البـيت ويأخذ زوجها مهرها فهو له، فذلك قوله:{مُّبَيّنَةٍ }{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}[النساء:19] حتـى جاءت الـحدود فنسختها، فجلدت ورجمت، وكان مهرهَا ميراثا، فكان السبـيـل هو الـجلد.
    ومما يقوله الشوكاني في تفسيره: وقيل: الآية الأولى(رقم15) في النساء خاصة محصنات، وغير محصنات، والثانية (رقم16) في الرجال خاصة، وجاء بلفظ التثنية لبيان صنفي الرجال من أحصن، ومن لم يحصن، فعقوبة النساء الحبس، وعقوبة الرجال الأذى، واختار هذا النحاس، ورواه عن ابن عباس، ورواه القرطبي، عن مجاهد، وغيره، واستحسنه. وقال السدي، وقتادة، وغيرهما الآية الأولى في النساء المحصنات، ويدخل معهنّ الرجال المحصنون، والآية الثانية في الرجل، والمرأة البكرين، ورجحه الطبري، وضعفه النحاس وقال: تغليب المؤنث على المذكر بعيد. وقال ابن عطية: إن معنى هذا القول تام إلا أن لفظ الآية يقلق عنه، وقيل: كان الإمساك للمرأة الزانية دون الرجل، فخصت المرأة بالذكر في الإمساك، ثم جمعاً في الإيذاء، قال قتادة: كانت المرأة تحبس ويؤذيان جميعاً. واختلف المفسرون في تفسير الأذى، فقيل التوبيخ، والتعيير، وقيل: السبّ، والجفاء من دون تعيير، وقيل: النيل باللسان، والضرب بالنعال، وقد ذهب قوم إلى أن الأذى منسوخ كالحبس، وقيل: ليس بمنسوخ كما تقدّم في الحبس. قوله: {فَـئَاذُوهُمَا فَإِن تَابَا } أي: من الفاحشة {وَأَصْلَحَا } العمل فيما بعد {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا } أي: اتركوهما، وكفوا عنهما الأذى، وهذا كان قبل نزول الحدود على ما تقدّم من الخلاف.
    ويظهر مما سبق أن المفسر ينقل كلام مجاهد والسدي وابن عطية وعطاء وابن جريج وسفيان الثوري وقتادة واسرائيل وخصيف وأمثالهم ممن عاشوا في القرنين الأول والثاني، ودونوا آرائهم تلك متأثرين بخلفياتهم الإجتماعية التي جاؤا منها وببيئاتهم التي عاشوا فيها، فلما جاء جيل مالك وأنس وأبو حنيفة والشافعي وغيرهم أخذوا بأقوالهم على أنها عين التشريع الإلهي.
    والخلاصة أن ترك ما اختلف فيه من أقوال الفقهاء مما ليس في كتاب الله والإكتفاء بما جاء به القرآن، ليس تكذيباً لله ولا لرسوله ولا حتى لأحمد ومالك وأبوحنيفة والشافعي، ولكن تأكيداً على أن هؤلاء وغيرهم ممن سموا بأئمة المذاهب السنية والشيعية وغيرها، بنوا كل تشريعاتهم الفقهية على ما وجدوه من آراء مجاهد وإسرائيل وعطاء وقتادة ونحوهم، وبالتالي فعدم الأخذ بأقوال هؤلاء تنزيه لدين الله من أن يقال فيه بدون علم: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ. ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ.(الحج:8- 10)
    وحتى لا نتخذ البشر من دون الله أربابا نسألهم فيجيبون ونتبع: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ.(آل عمران:64)
    ولابد من نقل خبر يظهر كم هي النصوص والأخبار الواردة في كتب الفقهاء والمحدثين التي تحمل ما يرغبون في وجوده في دين الله، وليس بالضرورة ما ورد في تشريع الله فعلاً.
    فقد ورد في مسند أحمد خبراً يقول بأن علي ابن أبي طالب قد قضا فـي ثلاثة رجال مارسوا الزنى مع امرأة واحدة فـي طهر واحد، بأن يقرع بينهم ومن أصابته القرعة يدفع ثلثي الدية ويلزمه الولد إذا ولدته المرأة، ولم يأمر برجمهم ولا حتى جلدهم، وأن الرسول لما بلغه هذا القضاء ضحك حتى بدت نواجذه ولم يعلق عليه ولم يستنكره، والحديث يحمل الرقم (18981)، ونصه: حدّثنا عبدالله حدَّثني أبي حدثنا سفيان بن عيينة عن أجلح عن الشعبي عن عبدالله بن أبي الخليل عن زيد بن أرقم: «أن نفراً وطئوا امرأة في طهر، فقال علي رضي الله تعالى عنه لاثنين: أتطيبان نفساً لذا؟ فقالا: لا، فأقبل على الآخرين فقال: أتطيبان نفساً لذاً فقال: لا، قال: أنتم شركاء متشاكسون، قال: إني مقرع بينكم فأيكم قرع أغرمته ثلثي الدية وألزمته الولد، قال: فذكر ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: لا أعلم إلاّ ما قال علي رضي الله تعالى عنه». وفي رواية أخرى (18983) قال زيد بن أرقم: فأتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقضاء علي، فضحك حتى بدت نواجذه.
    فإذا كان ابن الأثير يقول في كتابه الكامل في التاريخ صفحة 271 أن الرسول أرسل علي ابن أبي طالب لليمن سنة عشر للهجرة، أي قبل وفاة الرسول بأقل من سنة، وبعد أن وقع الرجم المزعوم على ماعز والغامدية. وقد وقع زنى الرجال الثلاثة " المزعوم " بالمرأة بعد وصول علي لليمن وبعد أن دخلوا الإسلام، بدليل أن الحديث يؤكد أن الزنى وقع والمرأة في طهر، أي بعد أن عرفت الطهر الذي جاء به التشريع الإسلامي، ولأن الولد لم يولد بعد، ولأن علي سأل الرجال إن كانوا يستسيغون ذلك، ولو كان ما حدث زمن الجاهلية وقبل إسلامهم فلا داعي لإيقاع أي حكم باسم الإسلام عليهم، لأن الإسلام يجب ما قبله من معاصي.
    فهل يعقل أن نصدق أن مثل هذا الخبر قد حدث، وأن كل ما فعله الرسول هو أن يضحك حتى بدت نواجذه في تصرف علي ابن أبي طالب بحد من حدود الله الثابت، بما أملته عليه نفسه؟
    وهل المهم في الحادثة أن يلحق الولد بنسب أحد الرجال الثلاثة، ولذلك على من تقع عليه القرعة أن يدفع ثلثي الدية كقيمة للولد؟
    وهل هكذا كان رسل رسول الله الذين يرسلهم للأمصار يعلمون الناس الشرع، بما تمليه عليه أنفسهم ويقولون هو من عند الله؟ أستغفر الله.
    ويكون حدود الفواحش (الزنى والسحاق واقتراف فعل قوم لوط) واضحة في كتاب الله، ولكن الفقهاء تدخلوا في شرع الله بما تمليه عليه عقولهم الناقصة، فتحول حد الزنى عند المسلمين إلى أكثر الحدود غموضاً. فقد شرع له حد السجن ثم غير الحد إلى حد ثان هو الإيذاء ثم تغير مرة ثالثة إلى جلد البكر ثم جاء حد رابع للمحصن بالرجم، ثم ألغيت آية الرجم من القرآن، ثم كان يحكم على الزاني المحصن أحياناً بالرجم والجلد، وأخياناً بالرجم فقط، ثم شرع السماح للرجل المرجوم بالهرب، فإن فعل فيسقط عنه الرجم، ثم ألغي هذا الحد، وجاء الحكم على الزاني بالرجم حتى الموت. أما المرأة فلم يسمح لها بأي فرصة للهرب، بل يحفر لها حفرة لا تظهر سوى رأسها وترجم حتى الموت. وتركت فاحشة السحاق وفاحشة فعل قوم لوط بدون حد واضح، ثم شرع لها حدود متخالفة متفاوته لم يتفق عليها الفقهاء.
    فهل يعقل أن نترك شرع الله الواضح كالمحجة البيضاء والذي نص في كتابه الكريم على حد الزنى وحد السحاق وحد ثالث لفعل قوم لوط، ونلاحق تخبطات الفقهاء التي لم يستطيعوا كبحها؟

  20. #110

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    المثال الرابع: التوبة
    هي عند الفقهاء الإقلاع عن المعصية والندم على فعلها والعزم على عدم العودة إليها، وإن كانت معصية بحق آدمي، فيشترط رد المظالم لأهلها.
    والمالكية والحنابلة وظاهر مذهب الحنفية ورأي عند الشافعية لا يجيزون توبة الزنديق.
    ويعرف الزنديق عندهم بأنه الذي لا يتمسك بشريعة ولا يتدين بدين.(كما جاء ذلك في حاشية ابن عابدين 3/296 وحاشية القليوبي 4/177 وكشاف القناع 6/176- 178)
    ولا يشترط أكثر الفقهاء السنة في التوبة عدم العودة إلى الذنب مرة أخرى. أي أنه يمكن عندهم أن يتوب المرء من معصية الزنى الآن ويعود إليها مرة أخرى فيعتبر كأنه يرتكب الزنى للمرة الأولى.
    وتصح التوبة عندهم عن معصية مع الإصرار على اقتراف معصية أخرى عند بعض الفقهاء. أي أنه يصح أن يتوب عن الزنى ويداوم على السرقة أو أي معصية أخرى. وعند أحمد تصح التوبة من معصية والإصرار على معصية أخرى إذا كانت المعصية التي أصر عليها ليست من نوع المعصية التي تاب عنها. فمن تاب عن الخمر وأصر على الزنى فتوبته عن الخمر صحيحة، ولكن من تاب عن ربا الفضل ولم يتب عن ربا النسيئة فلا تصح توبته.
    واشترط بعض الفقهاء لقبول التوبة ظهور علامات الصلاح، وقدروا ذلك بستة أشهر وقال البعض سنة. ولم يذكروا كيف يمكن التأكد من علامات الصلاح، ولم يضعوا لها معايير.
    وقالوا بأن باب التوبة مفتوح حتى الغرغرة، أي اللحظة التي تفارق فيها الروح الجسد، معتمدين على خبر ورد في كتب الحديث، ومنه ما جاء في مسلم: وحدّثنا أَبُو بَكْرٍ وَ عُثْمَان ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ. وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ. قَالُوا جَمِيعاً: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ: لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ اللّهُ.(مسلم:2075)
    (هذا باختصار ما جاء عن التوبة في الموسوغة الفقهية- إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية – الكويت – الجزء الرابع عشر- توبة)
    والحقيقة أن ما ورد في القرآن يؤكد أن النطق بالشهادة ولو عن يقين راسخ، لحظة الوفاة، لا يسعف من نطق بها إن كانت أعماله سيئة في حياته: وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ.(يونس:90-91)
    لأن الإيمان ليس قول ويقين فقط ولكن يقين وأعمال: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً.(مريم:60)
    وعليه فلو لم يستطع المحتضر أن يتشهد فلا يعني أنه مات ميتة جاهلية أو أن مصيره النار، لأن مصيره يوم الحساب سيتقرر بناء على ما كتب في صحيفة أعماله منذ أن أصبح راشداً، وحتى مات، وليس بناءً على موقف واحد أو لحظة واحدة.
    والتوبة لا يقبلها الله إلا إذا استكمل المرء أربع أسس هي: التوبة المباشرة والإيمان الصادق والعمل الصالح والإستمرار على الهدى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى.(طـه:82)
    وهو ما ينفي أن تكون الأعمال معلقة بخواتيمها، أي أن المرء يمكنه أن يعمل ما يشاء من المعاصي وعندما يهرم ويعجز ولا تسعفه قوته لمزيد من ارتكاب الموبقات يعلن توبته وسيجد الله تواباً رحيما، وإلا لقبلت توبة فرعون لأنه نطق بالشهادة وهو يعي ما يقول، ولم يدخل في الغيبوبة التي يدخل بها الغريق والتي تستغرق وقتاً قبل أن يموت، أي أن فرعون تشهد قبل الغرغرة ولكن توبته لم تقبل.
    والتوبة في القرآن تكون عن الكبائر: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً.(النساء:31) أي أن كل أمر أو نهي في القرآن يعاقب مخالفه بالنار فهو كبيرة يجب التوبة عنها.
    وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ.(البقرة:186) والدعاء هنا لطلب التوبة من الذنوب والمعاصي وليس لأمور دنيوية أو مادية.
    فتكون التوبة مفتوحة للعبد إذا تقيد بشروطها التي أوردها القرآن والتي جاءت على الشكل التالي:
    - أن ترتكب المعصية في لحظة ضعف بشري دون تخطيط مسبق وتعمد لفعلها، أو أن ترتكب جهلاً بحرمتها: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً.(النساء:17)
    - أن لا يتكرر إرتكاب المعصية، سواءً كانت من نفس نوع المعصية السابقة أو من غيرها، وتكون التوبة عن كل ما يخالف أوامر ونواهي الله، بكل صدق، حال فعل إحدى المعاصي دون تأخير: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.(آل عمران:135) فالتوبة تكون من المعصية المرتكبة ومن كل الذنوب والمعاصي الأخرى (فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ) وليس فقط التوبة عن ما تم اقترافه كل معصية على حده.
    - ويلزم أن يتبع التوبة أعمالاً صالحة تمحوا آثار المعصية، فإن كانت موجهة للناس فيعوضون عما أصابهم من ضرر مادي أو معنوي حتى يصفحوا ويعفوا، لأن صفحهم شرط لازم لقبول التوبة.
    - وإن كانت المعصية ضد أوامر إلهية فتتبع التوبة بالإكثار من الأعمال الصالحة: وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.(الأنعام:54)
    - ومن أفضل ما أمر به القرآن من أعمال صالحة تكفر ذنوب المعاصي، الإنفاق: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.(التوبة:103-104)
    - والإنفاق بالمفهوم القرآني تم الحديث عنه بإسهاب في الركيزة الثالثة من ركائز الدولة الإسلامية – الإنفاق.
    - ولا تقبل التوبة إذا كانت بسبب الإحساس بالموت الحقيقي، أو في حال الموت المعنوي، أي العجز وعدم القدرة، جسدياً أو لأي مانع آخر: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا.(النساء:18)
    - وإذا ما تاب المرء وعمل صالحاً فيجب أن يستمر على أداء العمل الصالح والتقوى حتى آخر حياته: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى.(طـه:82)
    ومما ورد يتضح أن القرآن يقول بأن الدين كلٌ لا يتجزأ، فمن أراد التوبة فليتب فوراً عن كل مخالفة لأمر أو نهي إلهي، ولا يعود لغيرها سواءً كانت من نوعها أو معصية من نوع آخر وليستمر بطاعة الله واجتناب نواهيه حتى مماته، بينما تقول الإجتهادات الفقهية أن هذا الكلام فيه نظر وتفصيلات كثيرة قال بها البشر.

    المثال الخامس: الخمر
    إختلف الفقهاء المسلمون في تعريف الخمر وأنواعه وما يسكر منه، كعادتهم في الإختلاف حول أي مسألة فقهية. وهذا استعراض بتصرف لأقوالهم في الخمر كما ورد في الموسوعة الفقهية التي تصدرها وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في دولة الكويت.
    يقول الفقهاء إن كل مسكر خمر، وقال آخرون إن الخمر هو ما صنع من عصير العنب، وقال غيرهم هو ما صنع من عصير العنب شريطة أن يغلى ويقذف الزبد (بفتح الزاء والباء). ونتيجة لهذه الإختلافات فرقوا بين خمر مصنوعة من عنب أو زبيب وبين خمر مصنوعة من تمر أو بسر، أو خمر مصنوعة من غيرهما كالتين والعسل، فقال بعضهم إن ما صنع من غير التمر والعنب فهو مباح، واشترط أبو حنيفة لإباحته ألا يشرب للهو أو طرب. كما أباح بعضهم ومنهم أبو حنيفة النبيذ، وهو المطبوخ من نقيع التمر والعنب وغيرها، وهذه الإختلافات فتحت الباب على مصراعيه لتعود الخمرة إلى موائد السلاطين المسلمين وتجارهم دون مواربة أو وجل، تحت مباركة رجال الدين.
    عقوبة شارب الخمر
    لم يرد في القرآن الكريم عقوبة بدنية لشارب الخمر، ومع ذلك يحكم على شارب الخمر حالياً بالجلد 40 جلدة، وأحياناً 80، وقد تتطور القضية وتتفاعل فيسجن الشارب. وقد يصدر بحقه أحكاماً أخرى تكون سبباً في فقد وظيفته ومصدر رزقه ورزق عياله، مما قد يترتب على ذلك مفاسد أكثر بكثير من شربه الخمر.
    والحكم بجلد شارب الخمر أربعين جلدة قال به بعض رجال الدين السنة، بينما يقول البعض الآخر بأنه ثمانين، وهو ما يقول به رجال الدين الشيعة أيضاً. ويعتمد الطرفان على أخبار تنسب للرسول أو صحابته. ومما اعتمد عليه السنة خبر ورد في مسلم تحت الرقم (4406)، وهذا نصه: حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ النَّبِيَّ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْر فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ، نَحْوَ أَرْبَعِينَ. قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ. فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحمنِ: أَخَفَّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ. فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ.
    ولا يعقل أن يكون عمر لم يسمع بأن الرسول قد جلد شارب الخمر، مع أن عمر يسكن المدينة والتي لم تكن تزيد عن بلدة صغيرة يعرف الصحابة كل ما يقع فيها، خاصة إذا كان فعل من أفعال الرسول عليه الصلاة والسلام. وخاصة أن عمر كان من أحرص الناس على معرفة كل ما يقوله الرسول وليس فقط ما يفعله، وفي هذا المعنى يقول البخاري: حدَّثنا أبو اليمانِ أَخبرَنا شُعَيبٌ عنِ الزُّهْريِّ . ح. قال أبو عبد اللهِ وقال ابنُ وَهبٍ أخَبرَنا يونُسُ عنِ ابنِ شِهابٍ عن عُبَيدِ الله بن عبد الله بن أبي ثَورٍ عن عبد اللهِ بن عباسٍ عن عُمرَ قال: كنتُ أنا وجارٌ لي مِنَ الأنصارِ في بني أُمَيَّةَ بن زيدٍ ـ وهيَ مِن عوالي المدينةِ ـ وكنا نَتَناوَبُ النُّزولَ عَلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يَنزِلُ يَوماً وأَنزِلُ يَوماً، فإذا نَزَلتُ جِئتُه بِخَبرِ ذلكَ اليومِ مِنَ الوحيِ وغيرِه، وإِذا نَزَلَ فَعلَ مِثلَ ذلِكَ. فنزَلَ صاحِبي الأنصاريُّ يومَ نوبتهِ، فَضرَبَ بابي ضرباً شديداً فقال: أثمَّ هوَ؟ ففَزِعت، فخرَجْتُ إِليهِ فقال: قد حدثَ أَمرٌ عظيم. قال: فدخلتُ على حفصةَ فإذا هي تبكي، فقلتُ: طلَّقَكُنَّ رسول اللهِ؟ قالت: لاَأدري. ثمَّ دخلتُ على النبي صلى الله عليه وسلم فقلتُ وأنا قائم: أطلقتَ نساءك؟ قال: لا. فقلتُ: اللهُ أكبر.(البخاري: 89)
    وهناك أحاديث كثيرة أخرى متفاوتة في الخمر وشاربها. فما هو المقصود بالخمر؟ وكيف جاء تحريمها؟ وهل على شاربها فعلاً عقوبة بدنية؟
    والخمر يمكن تعريفها بعيداً عن تناقضات رجال الدين، بأنها كل مسكر(Intoxicant)، سواءً كان على شكل حبوب وعقاقير أو على شكل شراب، فليس المقصود من تحريمه أنه صنع من التمر أو من العنب أو من العسل أو التين أو غيرها، ولكن المقصود بالتحريم هو بسبب تأثيره على المتعاطي. فيدخل في ذلك الحشيش والقات وما شابهها، إذا ثبت طبياً أن تأثير هذه الأشياء لا يزيد عن تأثير الخمر.
    ولا يمكن اعتبار المخدرات خمراً بل هي مواد سامة. ويعتبر متعاطيها كمن يقتل نفسه، أما مروجها وصانعها وزارعها فيعتبر قاتلاً، لأنها تؤدي بمتعاطيها للإدمان الذي يقود إلى الجنون والموت. وليس مهماً إن كانت مادتها الخام مزروعة مثل الكوكايين وما شابهها، أو يتم تصنيعها في المعامل والمختبرات.
    والخمر وأكل لحم الخنزير محرمتان في كل الأديان السماوية التي نزلت على كل الرسل، ولازال نص التحريم موجوداً في الكتب المقدسة لليهود والصابئة.
    وقد نزل تحريم أكل الخنزير بنص صريح ومباشر في عدد من السور، منها سورة النحل المكية: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.(النحل:115)
    بينما لم يرد للخمر ذكر في كل الآيات المكية، لأن الخنزير غير مألوف ولا معروف في شبه الجزيرة العربية، أما الخمر فقد كان سكان شبه الجزيرة يكرعون منه بلا حدود، وكانت معاقرة الخمر تتم في أجواء حميمة بين أقرب الأصدقاء، لدرجة سمي جليس الشرب بالنديم، وكان لهذه المجالس طقوسها الخاصة، يصف جانباً منها طرفة ابن العبد بقوله:
    نديماي بيض كالنجوم وقينة تروح علينا بين برد ومجسد
    رحيب قطاب الجيب منها رقيقة بجس النادمى بضو المتجرد
    إذا نحن قلنا أسمعينا انبرت لنا على رسلها مطروقة لم تشدد
    ويقول طرفة بأن الخمر تأتي في مقدمة أهم ثلاث غايات يعيش من أجلها الإنسان:
    ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى وجدك لم أحفل متى قام عودي
    فمنهن سبقي العـاذلات بشـربة كميت متى ما تعل بالماء تزبـد
    واشتهرت قريش، كبقية سكان جزيرة العرب، بالخمر المعتقة التي كانت تخمر لمدد تصل إلى عشرات السنين. فكان الإقلاع عن الخمر في مثل ذلك المجتمع يحتاج إلى إرادة جبارة لا يولدها إلا تقوىً وإيمان عميق، وهو مالم يتوفر إلا في المجتمع المسلم المدني الذي أصبح الإسلام جزءً من تراثه. ولذلك جاء النهي عن الخمر في المدينة وعلى مراحل، وليس في مكة وبنص صريح ومباشر مثل الخنزير.
    وقد أورد البخاري خبراً، سواءً صحت نسبته لعائشة أم لم تصح، يشير إلى أن التدرج في الأحكام كان في الأشياء التي اعتادها الناس ويصعب عليهم التخلي عنها، وهذا نص الخبر: حدّثنا إبراهيمُ بن موسى أخبرنا هشام بن يوسُفَ أنَّ ابن جُرَيج أخبرهم قال: وأخبرَني يوسفُ بن ماهَكٍ قال: إني عِندَ عائشة أمِّ المؤمنين رضي الله عنها إذ جاءها عِراقيّ، فقال: أي الكَفَنِ خيرٌ؟ قالت: ويحك ومايضرك، قال: ياأمَّ المؤمنين أَريني مُصحفك، قالت: لِمَ؟ قال: لَعَلّي أؤلف القرآنَ عليه، فإِنه يُقرأ غير مَؤلف قالت: ومايَضُرُّك أَيهُ قرأتَ قبلُ. إنما نَزَلَ أول مانزل منه سورة من المفَصل فيها ذِكرُ الجنةِ والنار، حتى إذا ثاب الناسُ إلى الإسلام نَزَلَ الْحلالُ والحرامُ، ولو نزل أوَّلَ شيءٍ لاتشربوا الخَمرَ لقالوا لانَدَعُ الخمر أبداً، ولو نزل لاتزنُوا لقالوا لانَدَعُ الزنى أبداً، لقد نَزَلَ بمكَّةَ علَى محمد صلى الله عليه وسلم وإنَّي لجارِيةٌ أَلْعبُ، بل الساعةُ موعِدُهُم والساعةُ أدهَى وأَمَرُّ. ومانَزلت سورة البقرة والنساءِ إلا وأنا عندَه. قال: فأَخْرجت له المصحف، فأَمْلَت عليه (آيَ السُّور). (البخاري: 4873)
    وإن كانت آيات الخمر نزلت بالتدرج، فيكون أول ما نزل في الخمر الآية 43 من سورة النساء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا.
    فالصلاة لا تجوز من شارب الخمر حتى يعلم ما يقول، لأن الصلاة المقبولة هي التي يستحضر المصلي كل كلمة يقولها، ومع الخمر يفقد المرء التركيز. أما الجنابة فيكفي أن يغتسل عنها بالماء لتجوز الصلاة، ولو تعذر الحصول على الماء، فيكفي أن يتيمم المرء ويصلي..بينما لا تجوز الصلاة مع السكر لأن غُسل السكران لن يمنحه التركيز والخشوع المطلوبين.
    وبعد نزول الآية السابقة، ونزول آيات أخرى بتحريم الميتة ولحم الخنزير، وتحريم شرب الدم، مع أن شربه لا يخالط العقل، بدأ المسلمون يتساءلون عن شرب الخمر، هل هو حلال أم حرام؟
    فنزلت الآية 219 من سورة البقرة: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا.
    وإعلان الآية للمسلمين بأن هناك إثم في تناول الخمر، كان كافٍ للبعض منهم بأن يقلع عن احتسائها، وإن استمر البعض الآخر في تعاطيها، بحجة أن نص الآية لا يحمل التحريم القطعي. ومع ذلك فقد مثَّلت هذه الآية الخطوة الأخيرة لتهيئة المجتمع المسلم آنذاك لتقبل تحريم الخمر نهائياً، فكان آخر ما نزل في الخمر الآيات الثلاث 90، 91، 92 من سورة المائدة.
    ونصت الآية 90 على أن الخمر رجس من عمل الشيطان مثلها في ذلك مثل الميسر وعبادة الأصنام والإعتقاد بالطالع، ويكون حكم الخمر مساوٍ في التحريم لهذه الممارسات التي لا يشك المسلمون في تحريمها: ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
    والمسلم لا يكون مسلماً إذا لم يتعامل مع غيره من المسلمين بمنطق الأخوة الصالحة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ. وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.(آل عمران:102-103)
    وإذا ما حدث ما يعكر صفو هذه العلاقة الأخوية بين اثنين، فيجب أن يعمل المجتمع المسلم والدولة الإسلامية على إعادة الصفا بينهما: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.(الحجرات: 10)
    وشارب الخمر تلتغي لديه مراعاة المجاملات الإجتماعية التي تمنعه من قول رأيه حول أي موضوع يطرح بوقاحة قد تكون جارحة لشخص آخر لن يتقبلها، مما يؤدي إلى البغضاء والتنافر، والذي فطن له عنترة ابن شداد في معلقته فقال مفاخراً بأنه لا يصدر منه ما يصدر من شارب الخمر في العادة:
    وإذا سكرت فإنني مستهلك مالي وعرضي وافر لم يثلم
    لذلك حرمت الخمر، لأن معاقرتها تهيئ الجو للتنافر والبغضاء بين الندماء، مثلما يحدث التنافر والبغضاء أحياناً عند ممارسة الميسر، فجاء تحريمهما بنفس الصيغة. إضافة إلى أن الخمر والميسر تصدان عن ذكر الله والصلاة: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْر وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ. (المائدة: 91)
    وتتحدث كتب الأخبار عن استمرار بعض الصحابة في شرب الخمر بعد نزول هذه الآية، ومنهم قدامة بن مظعون، ومنهم أبو محجن الثقفي، أحد أبطال معركة القادسية، وضرار ابن الأزور وأبو جندب اللذان شربا الخمر قبل إحدى المعارك الهامة في فتوح الشام، وغيرهم. وسواءٌ صحت الأخبار أو لم تصح، فإن هذا لا يستدل منه على أن الأمر بالإنتهاء والإقلاع عن شرب الخمر وممارسة الميسر، كان للتخيير، وإن جاء على شكل تساؤلٍ. بل هو تساؤلٌ لحسم الأمر، فإما الإنتهاء والإيمان أو الاستمرار والكفر، وهو ما جاءت الآية الثالثة رقم 92 في سورة المائدة لتؤكده: وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ.
    فالخمر حرام، ومن استمر على شربها بعد أن تبلغ تحريمها عبر الآيتان السابقتان فهو مخالف لدين الله وتشريعاته، وبما أن الدين لا يتجزأ، فمخالفة تشريع واحد هو مخالفة لكل التشريعات، وهذا ما قالته آيات الخمر في سورة المائدة للمسلمين.
    وإذا قضى الله أمراً وأنزله كتشريع فليس لأحد من خلقه الخيار، إن شاء عمل به أو شاء تركه: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا.(الأحزاب: 36)
    ولا يعني عدم وجود نص واضح مثل " حرمت عليكم الخمر" في القرآن أن ما قالته الآيات السابقة ليس كاف للتحريم، وإلا فإن الزنى ليس محرماً، لأن القرآن يخلوا من أي آية تنص على لفظ التحريم الواضح، وأوضح ما قاله القرآن في هذا المجال هو: وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً.(بني إسرائيل: 32) وكانت كافية لئلا يشك أحد بتحريمه.
    متى حرمت الخمر
    جاء في البخاري وغيره من كتب الإخباريين ما يظهر حمزة ابن عبد المطلب وقد ثمل، وأن الرسول رآه وهو بحالة شديدة من السكر. ولو صدق الخبر، فإن الخمر لم تحرم قبل معركة أحد، لأن حمزة قتل في تلك المعركة. وقد ذكر البخاري القصة في حديث رقم (3023) وهو حديث طويل أوله: حدّثنا عَبدانُ أخبرَنا عبدُ اللهِ أخبرَنا يونُسُ عنِ الزّهريِّ قال: أخبرَني عليُّ بنُ الحسين أنَّ حُسينَ بنَ عليّ أخبرَهُ أنَّ علياً قال: كانت لي شارفٌ... ويستمر الحديث حتى قوله: فقلتُ: مَن فَعلَ هذا؟ فقالوا: فَعلَ حَمزةُ بنُ عبدِ المطَّلبِ، وهوَ في هذا البيتِ في شَرْبٍ منَ الأنصار..... الى آخر الحديث.
    كما أورد البخاري وغيره، أن مجموعة من الصحابة شاركوا في معركة أحد واستشهدوا فيها وهم قد شربوا الخمرة، يقول البخاري: حدَّثنا صدقةُ بن الفضلِ أخبرَنا ابنُ عيينةَ عن عمرٍو عن جابر قال: صبح أُناسٌ غَداةَ أُحدٍ الخمرَ فقُتلوا من يومهم جميعاً شهداء، وذلك قبلَ تحريمها.(البخاري: 4500)
    فإن صدقت هذه الأخبار يكون تحريم الخمر قد جاء بعد معركة أحد، وإن لم تصدق، فإن الخمر قد حرمت في المدينة وبعد عدة سنوات من هجرة الرسول، لأن سورة المائدة التي فيها آيات تحريم الخمر، من السور المدنية، وإن لم يعرف بالتحديد تاريخ نزول تلك الآيات.
    عقوبة شارب الخمر عند رجال الدين
    يلاحظ أن الخبر الذي ينسب للرسول بأنه جلد شارب الخمر، يدل نصه على عدم التأكد من عدد الجلدات التي أمر الرسول بها، لأن الراوي يقول " نحو أربعين". فيكون الرسول، حسب زعم هذا الخبر، لم يسن حداً معيناً في الخمر.
    كما أن الخبر المذكور وأخباراً أخرى تظهر أن عمر لم يكن لديه أدنى فكرة عن حد الخمر، ولذلك لما أتي له بشارب خمر استشار عبد الرحمن ابن عوف، وبناءً عليه جلد الشارب 80 جلدة، يقول مسلم: حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى : حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ : حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ جَلَدَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ. ثُمَّ جَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ، وَدَنَا النَّاسُ مِنَ الرِّيفِ وَالْقُرَىٰ، قَالَ: مَا تَرَوْنَ فِي جَلْدِ الْخَمْرِ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمٰنِ بْنُ عَوْفٍ: أَرَىٰ أَنْ تَجْعَلَهَا كَأَخَفِّ الْحُدُودِ. قَالَ: فَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ.(مسلم: 4408)
    ولو أشار عليه عبد الرحمن ابن عوف بأن يجعلها 20 جلدة أو يطلق سراح الشارب فقد يكون فعل، لأن الأمر لم يخرج عن كونه رأي شخصي وليس تشريع ديني.
    وتنقل لنا الأخبار أن شارب الخمر قد تعرض لعقوبات متباينة حسبما يراه الخليفة، فمرة يجلد أربعين وبعدها يجلد ثمانين ثم يعود آخر ويجلد أربعين، ومرة ينسب للرسول أنه أمر بجلد الشارب ومرة آخرى ينسب للرسول أنه لم يجلده. يقول أبو دلوود: حدثنا ابنُ السَّرْحِ قالَ وَجَدْتُ في كِتَابِ خَالِي عَبْدِ الرَّحْمٰنِ بنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عن عُقَيْلٍ أنَّ ابنَ شِهَابٍ أخْبَرَهُ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عَبْدِ الرَّحْمٰنِ بنِ الأزْهَرِ أخْبَرَهُ عن أبِيهِ ، قال: أُتِيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِشَارِبٍ وَهُوَ بِحُنَيْنٍ فَحَثَى في وَجْهِهِ التُّرَابَ، ثُمَّ أمَرَ أصْحَابَهُ فَضَرَبُوهُ بِنِعَالِهِمْ وَما كَانَ في أيْدِيهِمْ حَتَّى قالَ لَهُمْ: ارْفَعُوا، فَرَفَعُوا، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ثُمَّ جَلَدَ أبُو بَكْر في الخَمْرِ أرْبَعِينَ، ثُمَّ جَلَدَ عُمَرُ أرْبَعِينَ صَدْراً مِنْ إمَارَتِهِ ثُمَّ جَلَدَ ثَمَانِينَ في آخِرِ خِلاَفَتِهِ، ثُمَّ جَلدَ عُثْمانُ الْحَدَّيْنِ كِلَيْهِمَا ثَمَانِينَ وَأَرْبَعِينَ، ثُمَّ أثْبَتَ مُعَاوِيَةُ الْحَدَّ ثَمَانِينَ.(أبو داوود: 4482)
    ويصر رجال الدين الشيعة على قتل شارب الخمر إذا تكرر شربه للمرة الرابعة، بينما لا يأخذ رجال الدين السنة بالأخبار التي تقول بذلك، مع أنها جاءت في كتبهم، ومنها ما أورده أحمد في مسنده تحت الرقم 16528، وهذا نصه: حدّثنا عبدالله حدَّثني أبي حدثنا عارم حدثنا أبو عوانة عن المغيرة عن معبد القاص عن عبدالرحمن بن عبد عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد الرابعة فاقتلوه.
    ولا يأخذ رجال الدين السنة والشيعة بأخبار أخرى تظهر أن الرسول لم يجلد شارب الخمر ولم يضربه بنعال أو جريد أو غيره، وإنما أمر به فأوصل لمنزله. ومن ذلك ما أورده ابن حجر العسقلاني ضمن ترجمته لعلقمة ابن الأعور السلمي في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة، يقول: علقمة بن الأعور السلمي أبو الأعور ذكره بن السكن وغيره وقال بن إسحاق حدثني محمد بن طلحة عن عكرمة عن بن عباس قال ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر إلا أخيرا لقد غزا غزوة تبوك فغشي حجرته (أي خيمته) من الليل علقمة بن الأعور السلمي وهو سكران حتى قطع بعض عري الحجرة فقال من هذا فقيل علقمة سكران فقال ليقم إليه رجل منكم فيأخذ بيده حتى يرده إلى رحله هكذا رواه محمد بن سلمة والجمهور عن بن إسحاق ورواه يونس بن بكير فقال أبو علقمة بن الأعور بن قطبة والله أعلم. إنتهى
    وغزوة تبوك حدثت في السنة التاسعة من الهجرة، أي قبل سنة وبضعة أشهر من وفاة الرسول، وبعد أكثر من ست سنوات على نزول آيات تحريم الخمر، فيكون الرسول لم يجلد أبداً شارب الخمر. وتكون عبارة " إلا أخيراً " الواردة في الخبر قد أضيفت في عصور متأخرة، لأنه ليس هناك ما يدل على أن الرسول قد أتي له بشارب خمر بعد تلك الحادثة حتى توفي صلى الله عليه وسلم.
    ومما يؤكد أن الرسول لم يعاقب شارب الخمر ما رواه البخاري برقم 6630 بقوله: حدّثنا عبدُ الله بن عبدِ الوهاب حدَّثنا خالدُ بن الحارثِ حدثنا سُفيانُ حدَّثنا أبو حَصينٍ سمعتُ عُميرَ بن سَعيدٍ النَّخَعيَّ قال: سمعتُ عليَّ بن أبي طالب رضيَ الله عنه قال: ما كنت لأقيمَ حدّاً عَلَى أحد فيموتَ فأجدَ في نفسي، إلا صاحبَ الخمر فإنه لو مات ودَيْته، وذلكَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لم يَسُنَّه. وهذا الكلام لعلي، إن صح، قد قاله عندما أصبح خليفة وبعد موت الرسول بربع قرن من الزمن.
    عقوبة شارب الخمر في القرآن
    لم يرد في القرآن حد لشارب الخمر، لأن كل المحرمات من المطاعم والمشارب في القرآن ليس لها حد. فليس هناك حد على من أكل لحم الخنزير أو أكل الميتة أو ما أهل به لغير الله، وليس هناك حد على من شرب الدم، وبالتالي فليس من المتوقع أن يكون هناك حد على من شرب الخمر. وما يؤكده القرآن هو أن الخمر والميسر رجس من عمل الشيطان وجاء النهي عنهما بلهجة إلهية شديدة لا يتجاهلها انسان يؤمن بالله واليوم الآخر.
    ويكون الخمر واحد من المطاعم الحرام، ولكن لا يحد شاربه. وإذا ما ارتكب السكران أي معصية أو جنحة أو جريمة تحت تأثير الخمر فيعاقب عليها، ولا يعذر لأنه سكران، حتى لا يكون فعله المحرم المتمثل بالسكر، عوناً له على تخفيف العقوبة عن جرم، لو فعله شخص عاقل لعوقب عليه.
    والذي لم يفطن له بعض فقهاء المسلمين هو أن عقوبة الجلد في القرآن، دستور الإسلام، مقصورة على معصية الزنى والقذف بالزنى فقط: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.(النور:2)
    وقد سمى الله الجلد بالعذاب لأن الإحساس بالمهانة جراء الجلد، عذاب نفسي عميق يبقى محفوراً في المشاعر طالما عاش الإنسان ولا يختفي مهما طال عليه الزمن. فهو أكثر تأثيراً من العذاب الجسدي الذي يختفي بمجرد زوال الألم. وبما أن الزنى ممارسة فيها إمتهان للضوابط الإلهية لتنظيم العلاقات الجنسية بين البشر، وفيها إمتهان للعرض والكرامة، ونزول للمستوى الحيواني الذي يريد الله أن ينزههم عنه، فإن مرتكبها يستحق هذا العذاب المهين. لذا كان الجلد وقفاً في كتاب الله على معصية الزنى والقذف الذي يمت للزنى بصلة، دون سائر المعاصي.

  21. #111

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    أمثلة لأقوال المفسرين

    في هذا القسم من الملاحق سنورد ثلاثة أمثلة من تفسير بعض الآيات القرآنية، لبيان كيف ساهم التفسير في إخراج الأيات عن معانيها الأصلية، إلى معان لم ينزل الله بها من سلطان، وأدخلت في الدين ما ليس فيه وتقولت على رسول الله ما لم يقل، مظهرة الإسلام كدين للخرافات والعوالم الأسطورية.
    المثال الأول: أصحاب الفيل
    قصة أصحاب الفيل، وقعت قبل ولادة رسول الله، ولما بعث عليه الصلاة والسلام كان معظم من عاصروا تلك الحادثة قد فارقوا الحياة، ولعل أشهرهم جد الرسول لأبيه، عبدالمطلب، الذي اقترن اسمه بحادثة الفيل كونه القرشي الوحيد الذي التقى أبرهه، قائد جيش الغزاة، كما يقول الإخباريون. وكان يمكن أن لا نسمع عن حادثة الفيل، وتموت بموت من عاصرها، لولا أن القرآن الكريم تحدث عنها في إحدى قصار السور، والتي سميت بسورة الفيل.
    وهذه السورة أبقت ذكر تلك الحادثة حياً، مثلما أبقت ذكر حادثة أصحاب الأخدود، وغيرها من الأحداث التي ذكرها القرآن، لكن أسلوب القرآن المختصر المفيد، لم يقنع المفسرين فأطلقوا لخيالاتهم العنان لتصوير ما تعنيه الطير الأبابيل، ونوع العذاب الذي حل بأصحاب الفيل، بما يتناسب وما يظنونه من معتقدات وما يؤمنون به من خرافات وأساطير.
    وكان يمكن أن يعفوا الزمن على تلك التخيلات الأسطورية، ويأتي من يفهم السورة بشكل أكثر واقعية، لولا أن أقوال أولئك المفسرين الأوائل أضحت مقدسة للأجيال التي جاءت بعدهم، وبالتالي تم تبنيها وحرم المساس بها، وأضحت وكأنها فعلاً تمثل ما أراد الله جل وعلى أن يقوله في كتابه الكريم.
    أبرهة وعزمه على تخريب الكعبة
    تبدأ حادثة أصحاب الفيل عندما قرر أبرهه، الحاكم الحبشي على اليمن في تلك الفترة، هدم الكعبة لكي يجبر سكان الجزيرة العربية على الحج إلى كنيسته التي بناها في صنعاء. وهو سبب أكثر وجاهة من سبب آخر ترويه كتب الأخبار مثل ابن هشام والطبري وكتب التفسير كالقرطبي والطبري وابن كثير وغيرهم.
    وهذا نص ما أورده القرطبي في كتابه الجامع لأحكام القرآن في تفسيره لسورة الفيل، عن سبب عزم أبرهة على غزو الكعبة، حيث يقول: وذلك أن أبرهة بنى القليس بصنعاء، وهي كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشيء من الأرض، وكان نصرانيا، ثم كتب إلى النجاشي‏:‏ إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب فلما تحدث العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشي، غضب رجل من النسأة، فخرج حتى أتى الكنيسة، فقعد فيها - أي أحدث فيها نجاساته- ثم خرج فلحق بأرضه؛ فأخبر بذلك أبرهة، فقال‏:‏ من صنع هذا‏؟‏ فقيل‏:‏ صنعه رجل من أهل هذا البيت، الذي تحج إليه العرب بمكة، لما سمع قولك‏:‏ أصرف إليها حج العرب غضب، فجاء فقعد فيها‏.‏ أي أنها ليست لذلك بأهل‏.‏ فغضب عند ذلك أبرهة، وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه. إنتهى
    ويكون السبب وراء العزم على هدم الكعبة يعود إلى أن أبرهه كان يهدف إلى تنصير سكان الجزيرة العربية، وارتأى أنه لن يتمكن من ذلك إلا إذا هدم الكعبة وحول الناس للحج إلى كنيسة القليس، ولذلك كان سيتجه لهدم الكعبة سواءً أحدث أحد الأعراب في كنيسته التي في صنعاء أو لم يحدث.
    وقد وصل أبرهة وجيشه وعسكر قرب مكة، بمعونة عدد من زعماء قبائل الجزيرة العربية منهم ذو نفر أحد ملوك القبائل اليمنية، ونفيل ابن حبيب الخثعمي الذي رافق أبرهة في مسيرته، ومسعود ابن معقب الثقفي، الذي أرسل مع أبرهة أحد رجاله لكي يدله على الطريق إلى مكة، وكان إسم ذلك الدليل أبو رغال. وأبو رغال هو الذي اشتهر لأنه من ثقيف، وقام بدور الدليل لجيش أبرهة القادم لهدم الكعبة التي في مكة، برغم ما بين قريش وثقيف من أحلاف وروابط أسرية، فكان ما فعله أبو رغال منكراً لديهم.
    فلم تنسه قريش، ووصف بكل ألقاب العار والخزي، وأصبح قبره يرجمه كل من يمر بجواره، لأنه أعان المحتل على بني جلدته العرب، بينما لم يعيبوا على ذو نفر، لأنه يمني ليس له صلة بقريش، ولا على زعيم خثعم، نفيل ابن حبيب، لأنه لم يكن بين قريش وخثعم روابط أسرية ولا أحلاف، ولذلك اعتبرت تلك القبيلة كدولة أجنبية.
    أما أبو رغال فقد صبت قريش جام غضبها عليه وبقي ذكره سيئاً على مر العصور مع أنه كان منفذاً لرغبات زعيمه وزعيم ثقيف مسعود ابن معقب الثقفي الذي أمره ليكون دليلاً لجيش ابرهه، وتنفيذ أمر الزعيم العربي واجب على الرعية، ومن تخاذل عن تنفيذه فقد خان الوطن واستحق أشد أنواع العقوبة. ويبدوا أن قريش لم ترد خلق موقف عدائي مع ثقيف ولذلك فقد وجهت اللوم للمواطن المسكين أبو رغال المكلف بالتنفيذ ولو لم يكن لديه خيار بالرفض، بينما لم تشر لا من بعيد ولا من قريب لمسئولية الزعيم الثقفي وموقفه المداهن للغازي الأجنبي.
    وقد جاء ذكر مسير أبرهه وجيشه لمكة في كتب التفسير والأخبار الأخرى، وهذا نص ما جاء في تفسير القرطبي المسمى الجامع لأحكام القرآن في تفسيره لسورة الفيل: وسمعت العرب، فأعظموه وفظعوا به، ورأوا جهاده حقا عليهم، حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام‏.‏ فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة، وجهاده عن بيت الله الحرام، وما يريد من هدمه وإخرابه فأجابه من أجابه إلى ذلك، ثم عرض له فقاتله، فهزم ذو نفر وأصحابه، وأخذ له ذو نفر فأتي به أسيرا، فلما أراد قتله قال له ذو نفر‏:‏ أيها الملك لا تقتلني، فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيرا لك من قتلي، فتركه من القتل، وحبسه عنده في وثاق.(وقد يكون استعان به وبمن بقي من جيشه في حملته، وهو ما يعني أن بقاءه خير من قتله)
    ويواصل القرطبي قائلا: ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك، يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قبيلتي خثعم‏:‏ شهران وناهس، ومن تبعه من قبائل العرب؛ فقاتله فهزمه أبرهة، وأخذ له نفيل أسيرا؛ فأتي به، فلما هم بقتله قال له نفيل‏:‏ أيها الملك لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب، وهاتان يداي لك على قبيلتي خثعم‏:‏ شهران وناهس، بالسمع والطاعة؛ فخلى سبيله‏.‏ وخرج به معه يدله، حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب في رجال من ثقيف، فقالوا له‏:‏ أيها الملك، إنما نحن عبيدك؛ سامعون لك مطيعون، ليس عندنا لك خلاف، وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد، يعنون اللات، إنما تريد البيت الذي بمكة، نحن نبعث معك من يدلك عليه؛ فتجاوز عنهم‏.‏ وبعثوا معه أبا رغال، حتى أنزله المغمس فلما أنزله به مات أبو رغال هناك، فرجمت قبره العرب، فهو القبر الذي يرجم الناس بالمغمس. أهـ
    وهكذا وصل جيش أبرهة وعسكر قرب مكة استعداداً لدخولها وهدم الكعبة.
    وقد اتفقت كتب الأخبار على أن أبرهة قد كان معسكره الإستعدادي الأخير لدخول مكة في وادي المغمس الذي كان يمر به الطريق الموصل بين مكة والطائف، ويشرف عليه جبل يسمى كَتَدٌ (حسبما يقول ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان).
    المفسرون وقصة الفيل
    بما أن حادثة الفيل وقعت قرب مكة، وبالتحديد في بقعة ما من وادي المغمس خارج مكة، فقد كان من المفترض أن تنسب أخبار تلك الحادثة إلى عبدالمطلب الذي تقول الروايات أنه قابل أبرهة، وإلى رجال مكة الذين عاصروا الحادثة مثل حرب ابن أمية والحارث ابن علقمة والعاص ابن أمية وهشام ابن الحارث وغيرهم، أو على الأقل تنقل عن نسابة قريش من الجيل التالي، ولكن الملفت أن كتب الأخبار (السير والتاريخ والتفسير) التي تحدثت بإسهاب منقطع النظير عن تلك الحادثة نسبت رواياتها إلى أناس ولدوا بعد زمن الرسول، وبعد حادثة الفيل بعشرات ومئات السنين. وأولئك الرواة عاشوا طوال حياتهم في العراق وخراسان وما جاورهما، ولا يعرفون من مكة إلا بقدر ما يعرفه عنها الحاج من خارج جزيرة العرب الذي يعتزم الحج لأول مرة. ولم ينقلوا أقوالهم عن أشخاص كانوا شهود عيان أو حتى ممن أدركوا عام الفيل ووعوا ما حدث، وإن نسب أولئك رواياتهم إلى بعض صغار الصحابة، لدعم أقوالهم.
    وقد نقل الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمته لعكرمة قوله: قال الثوري: خذوا التفسيرَ عن أربعة: عن سعيد بن جُبـير، ومجاهدٍ، وعِكرمة، والضحَّاك. وسوف نورد بعضاً من تراجم هؤلاء وغيرهم للتعرف على بعض جوانب شخصيات من صنعوا التفسير، وجعلوه جزءً من دين الله.
    سعيد ابن جبير (قتل سنة 95 للهجرة أو 148 بعد عام الفيل )
    أحد أوائل المفسرين وقد تعاطف معه الإخباريون ورووا له سيرة مليئة بالخوارق والمعجزات الحسية نتيجة لأنه قتل على يدي الحجاج المشهور بظلمه وتسلطه وحبه لسفك الدماء، مع أن سعيد ابن جبير هو الذي ابتدأ قتال الحجاج عندما خرج عليه مع ابن الأشعث .
    وسعيد ابن جبير لا يختلف عن رجال عصره في الإيمان بالخرافات والأساطير، وسنورد نتفاً من تفسيره الخرافي للقرآن، لبيان أن تفسيره لا يعتمد على مصادر موثوقة، بل هو نتاج خيال شخصي، مثل كل سلف المفسرين، ومن ذلك ما راه الذهبي في ترجمته في سير أعلام النبلاء، يقول الذهبي: (حدثنا) محمد بن حُمَيد الرازي: حدَّثنا يعقوب القُمِّيّ بن جعفر بن أبـي المغيرة، عن سعيد بن جُبَـيْر، قال: لما أهبَط الله آدم إلى الأرض، كان فيها نَسْرٌ وحُوت، لم يكُن غَيْرُهما، فلما رأىٰ النَسْرُ آدم، وكان يأوي إلى الحوت يبـيتُ عنده، فقال: يا حوت لقد أُهبِطَ اليومَ إلى الأرض شيءٌ يمشي على رجليه، ويبطشُ بـيديه. قال: لئن كنتَ صادقاً ما لي في البحر منهُ منجىٰ، ولا لك في البَرّ.
    وفي نفس الترجمة يقول الذهبي: (حدثنا) ابن حُميد: حدَّثنا يعقوب القُمِّيّ عن جعفر، عن سعيد بن جُبَـيْر، قال: إنَّ في النار لرجلاً ينادي قدر ألف عام: يا حنَّان يا منَّان، فيقول: يا جبريل أخرجْ عبدي من النار، قال: فيأتيها فيجدها مُطبقة فيرجع فيقول: يا رب { إنَّها عَلَيْهُمْ مُؤْصَدَةٌ} فيقول: يا جبريل ارْجِعْ فَفُكَّها فأخرِجْ عبدي من النار، فيفكُّها، فيخرج مِثْلَ الخيال، فيطرحُه على ساحلِ الجنَّة حتى يُنْبِتَ الله له شعراً ولحماً.
    ويقول الذهبي: (حدثنا) إبراهيم بن طَهْمان، عن عطاءِ بن السائب، عن سعيد بن جُبَـيْر، عن ابن عبَّاس، عن النبـيِّ ، قال: كان نَبِـيُّ الله سُليمان إذا قامَ في مُصَلاَّه رأى شَجرَةً نابِتةً بَـينَ يَديهِ، فقال لها: ما اسْمُكِ؟ قالت: الخُرْنُوب. قال: لأيِّ شيءٍ أنت؟ فقالت: لخَراب هذا البَـيت. فقال: اللّهُمَّ عمِّ عليهم مَوتي حتى يَعْلَمَ الإنسُ أن الجِنَّ لا تَعْلَمُ الغَيْب.
    وكان ابن حبير له مجلسان في اليوم يقص فيهما على الحاضرين القصص والأخبار ومنها تلك التفاسير، وهذا ما أكده الذهبي في ترجمته حيث يقول: (حدثنا) عبد الواحد بن زياد، حدَّثنا أبو شهاب، قال: كان يقصُّ لنا سعيدُ بن جُبَـيْر كُلَّ يومٍ مرَّتين: بعدَ الفجر وبَعْدَ العَصر.
    ويضيف الذهبي أن ابن حبير كان يكتب الأحاديث والعلوم التي يسمعها على نعليه: (حدثنا) يعقوب القُمِّيّ، عن جعفرِ بن المغيرة، عن سعيد بن جُبَـيْر، قال: ربما أتيتُ ابنَ عباس، فكتبتُ في صحيفتي حتى أملأها، وكتبتُ في نعلي حتى أملأها، وكتبتُ في كفِّي.
    عكرمة مولى ابن عباس (توفي سنة 105 للهحرة أو 158 لعام الفيل)
    كان مكثراً من الحديث والقصص، ويقول عنه ابن سعد في الطبقات الكبرى: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا حماد بن زيد قال: حدثنا أيوب عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس قال: لو أن مولى بن عباس هذا اتقى الله وكف من حديثه لشدت إليه المطايا.
    وسبب كثرة حديثه وقصصه يفسره بنفسه فيما نقله ابن سعد، قائلاً: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب قال: قال عكرمة: إني لأخرج إلى السوق فأسمع الرجل يتكلم بالكلمة فينفتح لي خمسون بابا من العلم.
    فقد كان قصصه يعتمد على سماع جملة ويبني عليها قصة كاملة يحدث بها الناس.
    ويقول الذهبي في ترجمته لعكرمة في سير أعلام النبلاء أنه كان كثير الأسفار لطلب المال من الأمراء والسلاطين، وقد خرج للمغرب، ويورد الذهبي سبب ذلك بقوله: (حدثنا) سعيد بن أبـي مريم، عن ابن لهيعة، عن أبـي الأسود قال: كنتُ أوَّلَ من سبَّب لعكرمة الخروج إلى المغرب، وذلك أني قَدِمْتُ من مصر إلى المدينة، فلقيني عكرمة، وسألني عن أهل المغرب، فأخبرتُه بغفلتهم، قال: فخرج إليهم، وكان أوَّل ما أحدث فيهم رأي الصُّفريَّة.
    قال يحيـى بن بُكَير قدم عكرمة مصر ونزل هذه الدار، وخرج إلى المغرب، فالخوارج الذين بالمغرب عنه أخذوا.
    وينقل الذهبي ما يؤيد أن عكرمة له فكر مخالف، فيقول أن علي بن المديني قال: كان عكرمة يرى رأي نجدةَ الحروريِّ.
    وقال أحمد بنُ زُهير: سمعت يحيـى بنَ معين يقول: إنما لم يذكر مالك عكرمة ــــ يعني في «الموطأ» ــــ قال: لأن عكرمة كان ينتحل رأي الصُّفريَّة.
    وروى عمر بن قيس المكي، عن عطاء قال: كانَ عكرمة إباضياً. وعن أبـي مريم قال: كان عكرمة بـيَهسيَّاً.
    وقال إبراهيم الجُوزجاني: سألتُ أحمد بن حنبل عن عكرمة، أكان يرى رأيَ الإباضية؟ فقال: يُقال: إنه كان صُفرياً، قلت: أتى البربَر؟ قال: نعم، وأتى خُراسان يطوفُ على الأمراء يأخذ منهم.
    وينقل الذهبي أن عكرمة يكذب فيما ينقله على لسان ابن عباس بقوله: عن أبو خلف عبد الله بنُ عيسى الخرَّاز، عن يحيـى البَكَّاء سمعتُ ابن عمر يقول لنافع: اتَّقِ الله، ويحكَ، لا تكذب عليَّ كما كذبَ عكرمة على ابنِ عباس، كما أَحَلَّ الصَّرف، وأسلَم ابنه صَيرفياً.
    وعن إبراهيم بن سعد، عن أبـيه، عن سعيد بن المسيِّب أنه كان يقول لِغلام له: يا برد، لا تكذب عليَّ كما يكذب عكرمةُ على ابن عباس.
    وعن إسحاق بن الطَّبَّاع قال: سألت مالكاً: أبلغك أنَّ ابنَ عمر قال لنافع: لا تكذِبْ عليَّ كما كذب عِكرمةُ على عبد الله؟ قال: لا، ولكني بلغني أنَّ سعيدَ بن المسيِّب قال ذلك لبُرْد مولاه.
    وينقل الذهبي أن سعيد ابن المسيب يعلم أن تفسير عكرمة للآيات من تخيلاته، يقول الذهبي قال شعبة، عن عمرو بن مُرَّة: سأل رجل سعيد بن المسيِّب عن آيةٍ، فقال: لا تسألْني عن القُرآن، وسَلْ عنه من يزعم أنه لا يخفى عنه منه شيء يعني عكرمة.(من باب السخرية)
    ومن تفسيره ما نقله الذهبي عن بِشْرُ بنُ المُفَضَّل، عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيم سألت عكرمة، أنا وعبدُ الله بنُ سعيد، عن قوله { والنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ} قال: بُسُوقها كبُسوقِ النساء عند ولادتها، فرحتُ إلى سعيد، فأخبرته، فقال: كذب، بُسوقُها: طُولُها.
    وهذه بعض الأقوال من بعض المشاهير في عكرمة والتي نقلها الذهبي في ترجمته في سير أعلام النبلاء:
    سألت ابن سيرين عن عكرمة فقال: ما يَسُوؤني أن يكونَ مِن أهل الجنة، ولكنه كذَّاب.
    وقال معن وغيره: كان مالكٌ لا يرى عِكرمة ثقةً، ويأمر أن لا يُؤخذَ عنه. قال يحيـى بنُ معين: كان مالكٌ يكره عِكرمة، قيل: فقد روى عن رجلٍ عنه، قال: شيءٌ يسير.
    وروى الربـيع عن الشافعي قال: ومالك سيِّـىء الرأي في عِكرمة، قال: لا أرى لأحد أن يَقْبَلَ حَدِيثَه.
    قال أحمد بن حنبل: عِكرمةُ بن خالد أوثقُ مِن عكرمة مولى ابن عباس، عِكرمةُ مضطربُ الحديث يُختلَفُ عنه، وما أدري.
    وروى أبو داود السِّنجي، عن الأصمعي، عن ابن أبـي الزِّناد قال: مات كُثَيِّر وعِكرمة مولى ابن عباس في يوم واحد، فأخبرني غيرُ الأصمعي، قال: فَشهِدَ الناسُ جِنازة كُثَيِّر وتركوا جنازة عِكرمة.
    والضحاك ابن مخلد (توفي سنة 212 للهجرة أو 265 لعام الفيل)
    يقول عنه الذهبي في تذكرة الحفاظ: لم يحدث قط إلا من حفظه. (أي أنه كان يحدث ويقص مما تمليه عليه نفسه).
    ومثلهم:
    الواقدي (المتوفى سنة 207 للهجرة، اي بعد مضي 260 عاماً على حادثة أصحاب الفيل)
    والذي يقول عنه الذهبي في تذكرة الحافظ: وهو من أوعية العلم، لكنه لا يتقن الحديث، وهو رأس في المغازي والسير ويروي عن كل ضرب. (أي أنه يتحدث في كل شيئ).
    الكلبي (المتوفى سنة 146 للهجرة،أو 199 سنة من عام الفيل)
    يقول عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان: وكان الكلبي المذكور ...... يقول إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يمت وإنه راجع إلى الدنيا. وروى عنه سفيان الثوري ومحمد بن إسحاق، وكانا يقولان: حدثنا أبو النضر حتى لا يعرف.
    ومقاتل بن سليمان بن بشير (توفي سنة 150 للهجرة أو 203 لعام الفيل).
    وكان مشهوراً بتفسير كتاب الله العزيز، وله التفسير المشهور.
    أما كيف كان يفسر القرآن فقد أوضح هو نفسه ذلك بأنه كان من عند نفسه، كما نقل ابن خلكان ذلك في ترجمته: قال سفيان بن عيينه، قال مقاتل بن سليمان يوماً: إسلوني عما دون العرش.
    ويقول ابن خلكان في وفيات الأعيان أن العلماء قد اختلفوا في أمره، فمنهم من وثقه في الرواية، ومنهم من نسبه إلى الكذب وقال أحمد بن سيار: مقاتل بن سليمان كان من أهل بلخ، وتحول إلى مرو وخرج إلى العراق، وهو متهم متروك الحديث مهجور القول، وكان يتكلم في الصفات بما لا تحل الرواية عنه. وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: مقاتل بن سليمان كان دجالاً جسوراً.
    وعطاء ابن رباح (توفي سنة 115 للهجرة أو 168 لعام الفيل)
    وله قصص مماثلة لمن سبقه ولكنه امتاز عنهم كما أورد الذهبي في تذكرة الحفاظ وابن خلكان في وفيات الأعيان بأنه كان يبعث بجواريه إلى ضيفانه.
    وسبق وأوردنا بعضاً من تراجم مجاهد والحسن البصري وسفيان الثوري والسدي وقتادة في فصل ولادة الفقه والتفسير والحديث.
    وقد اتسمت تفسيرات أولئك وأمثالهم من سلف المفسرين، لسورة الفيل بأشكال أسطورية بعيدة عن الواقع، لأنهم اعتمدوا فيها على تخيلاتهم التي تأثرت بما كان عليه مجتمعهم من تدن في الوعي والثقافة العامة والعلوم وما اعتادوه من تصديق بخرافات وأساطير.
    وكانوا ينسبون قصصهم أحياناً إلى بعض صغار الصحابة خاصة ابن عباس، وأحياناً لأم المؤمنين عائشة، أو للرسول صلوات الله وسلامه عليه، وعادة ما يتوقفون دون أن يذكروا من أين استقى ابن عباس أو أم المؤمنين رواياتهم، وغالباً ما يدلون بقصصهم دون أن يكلفوا أنفسهم عناء ذكر مصادرهم التي استقوا معلوماتهم منها.
    وفي الأسطر القادمة سنورد بعضاً مما قاله أولئك المفسرون في تفسير قوله تعالى: وأرسل عليهم طيراً أبابيل، ونبدأ بما نقله القرطبي في تفسيره قائلاً: قال سعيد بن جبير: كانت طيراً من السماء لم يُرَ قبلها ولا بعدها مثلها.
    وعن سعيد بن جبير أيضاً: هي طير خُضْر لها مناقير صُفْر. وقيل: كانت بِيضاً. وقال محمد بن كعب: هي طير سود بحرية، في مناقيرها وأظفارها الحجارة.
    وروى جويبِر عن الضحاك عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنها طير بين السماء والأرض تُعَشِّشُ وتُفَرِّخ.
    وعن ابن عباس: كانت لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكف كأكف الكلاب.
    وقال عِكرمة: كانت طيراً خُضْراً، خرجت من البحر، لها رؤوس كرؤوس السباع. ولم تُر قبل ذلك ولا بعده.
    وقالت عائشة رضي الله عنها: هي أشبه شيء بالخطاطيف. ( ونسبة الحديث لعائشة قد يكون حصل بعد وفاتها ولم تعلم به)
    وقيل: بل كانت أشباه الوطاويط، حمراء وسوداء.
    وقيل: إنها العنقاء المُغْرِب التي تضرب بها الأمثال؛ قال عِكرمة: «أبابِيل» أي مجتمعة. وقيل: متتابعة، بعضها في إثر بعض؛ قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل مختلفة متفرّقة، تجيء من كل ناحية، من هاهنا وهاهنا؛ قاله ابن مسعود وابن زيد والأخفش. قال النحاس: وهذه الأقوال متفقة، وحقيقة المعنى: أنها جماعات عظام. يقال: فلان يؤبِّل على فلان؛ أي يعظم عليه ويكثر؛ وهو مشتق من الإبل. واختلف في واحد (أبابيل)؛ فقال الجوهريّ: قال الأخفش يقال: جاءت إبلك أبابيل؛ أي فِرقاً، وطير أبابيل. قال: وهذا يجيء في معنى التكثير، وهو من الجمع الذي لا واحد له. وقال بعضهم: واحده إبَّوْل، مثل عِجَّوْل. وقال بعضهم: ـ وهو المبرّد ـ: إِبِّيل مثل سِكِّين. قال: ولم أجد العرب تعرِف له واحداً في غير الصحاح.
    ونقل القرطبي في تفسير قوله تعالى: ترميهم بحجارة من سجيل: في الصحاح: حِجارة مِن سِجيلٍ» قالوا: حجارة من طين، طبخت بنار جهنم، مكتوب فيها أسماء القوم؛ لقوله تعالى: {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ مُّسَوَّمَةً} (الذاريات: 33 ـ 34).
    وقال عبد الرحمن بن أبزى: مِن سِجيلٍ: من السماء، وهي الحجارة التي نزلت على قوم لوط. وقيل من الجحيم. وقال الزجاج: {مِّن سِجِّيلٍ} أي مما كُتب عليهم أن يُعَذّبوا به؛ مشتق من السجل.
    قال عِكرمة: كانت ترميهم بحجارة معها، فإذا أصاب أحدَهم حجر منها خرج به الجُدَرِيّ لم يُر قبلَ ذلك اليوم. وكان الحجر كالحِمصَّة وفوق العدسة.
    وقال ابن عباس: كان الحجر إذا وقع على أحدهم نَفِط جلده، فكان ذلك أوّل الجُدرِيّ. وقراءة العامة {تَرْمِيهِم} بالتاء، لتأنيث جماعة الطير.
    وقرأ الأعرج وطلحة «يَرْمِيهم» بالياء؛ أي يرميهم الله؛ دليله قوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ} (الأنفال: 17) ويجوز أن يكون راجعاً إلى الطير، لخلوّها من علامات التأنيث، ولأن تأنيثها غير حقيقيّ.
    ونقل القرطبي في تفسير قوله تعالى: فجعلهم كعصف مأكول: أي جعل الله أصحاب الفيل كورق الزرع إذا أكلته الدواب، فرمت به من أسفل. شبه تقطع أوصالهم بتفرق أجزائه. روُي معناه عن ابن زيد وغيره.
    والعَصْف: جمع، واحدته عَصْفة، وعُصافة، وعَصِيفة. وأدخل الكاف في «كَعَصْف» للتشبيه مع مثل، نحو قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (الشورى: 11). ومعنى «مأكولٍ» مأكول حبه. كما يقال: فلان حسن؛ أي حسن وجهه. وقال ابن عباس؛ «فجعلهم كعصفٍ مأكولٍ» أن المراد به قشر البر؛ يعني الغِلاف الذي تكون فيه حبة القمح. ويروى أن الحجر كان يقع على أحدهم فيخرج كل ما في جوفه، فيبقى كقشر الحنطة إذا خرجت منه الحبة. وقال ابن مسعود: لما رمت الطير بالحجارة، بعث الله ريحاً فضربت الحجارة فزادتها شدّة، فكانت لا تقع على أحد إلا هلك، ولم يسلم منهم إلا رجل من كِندة.
    ويروى أنها لم تصبهم كلهم، لكنها أصابت من شاء الله منهم. وقد تقدّم أن أميرهم رجع وشِرْذمة لطيفة معه، فلما أخبروا بما رأوا هلكوا. فالله أعلم. وقال ابن إسحاق: لما ردّ الله الحبشة عن مكة، عَظَّمت العرب قريشاً وقالوا: أَهلُ اللَّهِ، قاتل عنهم، وكفاهم مؤونة عدوّهم؛ فكان ذلك نعمة من الله عليهم.
    وكتب التفاسير الأولى واللاحقة تنقل روايات متشابهة في الغرابة، ومن ذلك ما جاء في الدر المنثور في التفسير بالمأثور للخضيري ما يلي:
    وأخرج أبو نعيم عن حكيم بن حزام قال‏:‏ كانت (أي الحجارة) في المقدار من الحمصة والعدسة حصى به نضح أحمر مختمة كالجزع فلولا أنه عذب به قوم أخذت منه ما اتخذه لي مسجدا وهي بمكة كثير‏.‏
    وأخرج أبو نعيم عن أم كرز الخزاعية قالت‏:‏ رأيت الحجارة التي رمي بها أصحاب الفيل حمرا مختمة كأنها جزع ظفار فمن غير ذلك فلم ير منها شيئا، ولم يصبهم كلهم، وقد أفلت منهم‏.‏ وأخرج أبو نعيم عن نوفل بن معاوية الديلمي قال‏:‏ رأيت الحصى التي رمي بها أصحاب الفيل مثل الحمص وأكبر من العدس حمر مختمة كأنها جزع ظفار‏.‏ إنتهى
    وعن الجزع، يقول صاحب لسان العرب: والـجَزْعُ والـجِزْعُ: الأَخيرة عن كراع: ضرب من الـخَرَز، وقـيل: هو الـخرز الـيمانـي، وهو الذي فـيه بـياض وسواد تشبَّه به الأَعين؛ قال امرؤ القـيس:
    كأَنَّ عُيُونَ الوحْشِ حَوْلَ خِبائنا وأَرْحُلِنا الـجَزْعُ الذي لـم يُثَقَّبِ
    وكانت نساء العرب تصنع منه عقد تتحلى به.
    وحسبما رواه المفسرون فإن حجارة أصحاب الفيل قد كتب على كل واحدة منها إسم من ستصيبه من جيش أبرهه كما يورد الخضيري في تفسيره الدر المنثور، يقول: وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم عن أبي صالح أنه رأى عند أم هانئ بنت أبي طالب من تلك الحجارة نحوا من قفيز مخططة بحمرة كأنها جزع ظفار مكتوب في الحجر اسمه واسم أبيه‏.‏
    وجميع المفسرين تقريباً على مر العصور نقلوا تلك التفاسير، ولم يشذ إلا القليل عن تلك القاعدة. حتى أن جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، قد قالا كلاماً حول حادثة الفيل لا يمكن أن يتلائم مع ما نعتا به من عقلانية. وهذا ما قرأته في كتيب صفحاته 63 صفحة من تأليف محمد متولي الشعراوي بعنوان: تفسير سورة الفيل وقريش. يقول الشعراوي في الصفحة 23 أن محمد عبده قال: " أن الطير الأبابيل جاءت بمايكروبات الجدري ".
    ويكون محمد عبده وافق المفسرين الأوئل بأن هناك طيوراً أرسلت من السماء وأنها تحمل عذاباً لجيش أبرهة، وإن اختلف معهم بأن ما تحمله لم يكن حجارة بحجم الحمص أو مخططة أو كجزع ظفار، ولكنها كانت تحمل مواد جرثومية تتمثل بمايكروبات الجدري، ويكون قد استعار ثقافة مفسري الجيل الأول في عالم القرنين التاسع عشر والعشرين.
    بينما يوافق الشعراوي ما قال به المفسرون الأوائل بأن هناك طيوراً، وأنها حملت حجارة في مناقيرها وأرجلها، واعتبر ذلك من المعجزات الحسية التي حصلت بأمر الله، ومن لا يقتنع بذلك " يقول الشعراوي" فلا يعنينا أن تقتنعوا بهذه أو لا تقتنعوا.(ص 31)
    وتكون تفاسير الرعيل الأول من المفسرين قد بقيت هي السائدة حتى الآن، ليس لأنها هي القول الحق، ولكن لأن المسلمين لا يقرأون قرآنهم، وإن رددته حناجرهم فلا يصل إلى أذهانهم؟
    قصة اصحاب الفيل كما يرويها القرآن
    بسم الله الرحمن الرحيم. أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ. أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ. وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ. تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ. فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ.(سورة الفيل)
    ومفتاح فهم الآيات السابقة يكمن في قوله تعالى "طيراً أبابيل" وقوله تعالى "حجارة من سجيل" وقوله تعالى "عصف مأكول ".
    وسنحاول أن نتكلم عنها بقليل الكلام ومفيده، فنقول:
    إن لفظة (طير) الواردة في الآية إما أنها تعني الطيور كما نعرفها ذات الجناحين من الريش. وهذه المخلوقات تطير باختيارها ولديها القدرة على الطيران والهبوط متى شاءت.
    أو أنها تأتي من الطيران، أي التحليق فترة في الهواء قبل أن تقع على الأرض. وهذا الطيران ليس اختيارياً ولا يكون عن مقدرة، ولكنها أرغمت عليه بقذفها في الهواء سابحة لفترة قبل أن تسقط على الأرض.
    وفي هذا المعنى يمكن لإنسان أن يطير إذا قذف بواسطة آله أو قوة دافعة أو سقط من علو. ومثل الإنسان كل حيوان أو جماد ليس لديه القدرة على الطيران بذاته والهبوط بشكل إختياري.
    ويدخل في هذا المعنى الحمم البركانية إذا قذف بها البركان عند ثورانه.
    وهذا المعنى لـ " طير" هو المقصود في سورة الفيل، وليس الطير بمعنى الطيور القادرة على الطيران والهبوط.
    أما " أبابيل " فينقل ابن منظور في لسان العرب أن الأَبابـيل جمع لا واحد له. وقـيل: طير أبابـيل يتبع بعْضها بعضاً إِبِّـيلاً إِبِّـيلاً أَي قَطيعاً خَـلْفَ قَطيع؛ قال الأَخفش: يقال جاءت إِبلك أَبابـيل أَي فِرَقاً. إنتهى
    فهي جمع لا مفرد له، وتعني مجتمعة، أو جماعات جماعات، أو كتل كتل، ووصف القرآن الكريم للحمم البركانية بالطير الأبابيل، وصف دقيق، إذا أن الحمم البركانية جمع لا مفرد له، فلا يمكن أن يثور البركان بقذف حمة بركانية واحدة، وثوران البركان يطلق على قذف حمم متتالية ومتتابعة.
    وسجيل تعني الحجارة أو الطين المطبوخ وهي فارسية، كما يقول ابن المنظور في لسان العرب، وقد دخلت العربية كما دخلتها كلمات فارسية أخرى مثل ديباج وجاموس وغيرها. والعربية تخلوا مفرداتها من كلمة واحدة تعني الحجارة أو الطين المطبوخ، أو اللافا (Lava) التي عربت " اللابة" في عصور لاحقة.
    وقد جاء القرآن ليبين أن معنى سجيل هو الطين أو التراب أو الحجارة المطبوخة على شكل حمم بركانية في قوله تعالى: قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ. لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ. (الذاريات:32- 33) لأن هذا الطين المطبوخ هو الذي أهلك قوم لوط والذي وصف في آيات أخرى بأنه حجارة من سجيل، ومن ذلك: فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ.(هود:82)
    ومنضود معناها كما في لسان العرب إذا صار الشيئ بعضه فوق بعض. وأَنضادُ الـجِبالِ: جَنادِلُ بعضُها فوق بعض. وكذلك أَنضادُ السحاب: ما تراكبَ منه.
    فيكون السجيل حمم بركانية تطاير بعضها خلف بعض في الفضاء على شكل كتل (طيراً أبابيل) وهبطت على الأرض. والدليل على أنها سقط من علو كالمطر، قوله تعالى: فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ.(الحجر:74) في الحديث عن قوم لوط.
    والحمم البركانية (الطير الأبابيل) تندفع من باطن الأرض بدرجات حرارة قد تصل إلى (1500) درجة مئوية ، ولو وقعت على جسم الإنسان لحولته، خلال لحظات، إلى ما يشبه العصف المأكول. أي إلى ما يشبه تجاعيد القشرة الخارجية للتفاحة المتعفة، أو تجاعيد قشرة أي ثمرة أخرى أو حبة قمح قد أفرغت من ثمرتها وبقيت قشرتها المتجعدة، وذلك نتيجة لتبخر السوائل التي تكون 80% من جسم الإنسان في لحظات، وكأنه فرّغ من الداخل.
    وليس في القرآن ذكر لسجيل إلا في الحديث عن عذاب قوم لوط وعذاب أصحاب الفيل فقط. وقوم لوط عذبهم الله بالزلازل والبراكين، والذي صوره المفسرون على أن جبريل قد رفع القرية حتى سمع ملائكة السماء الدنيا صياح ديكتهم ونباح كلابهم ثم قلبها وتركها تهوي إلى الآرض. لأن هذا التصوير السطحي الخرافي لا يمكن أن يحدث. ليس لأن الله لا يمكن أن يرسل ملائكة لرفع القرية، ولكن لعدة اسباب، أهمها:
    • أنه بمجرد الخروج عن الغلاف الجوي للأرض فإن الإنسان، وكل ذي روح، يختنق من إنعدام الأكسجين إن بقي حياً بعد انخفاض الضغط الجوي المصاحب للإرتفاع، وبالتالي فلن تبقى الديكة تصيح بعد ذلك.
    • أن الله سبحانه لم يقل بذلك وكلما روي في كتب التفسير خيال بشر.
    • أن جبريل ليس بحاجة لرفع القرية للسماء الدنيا التي لا أدري كم تبعد عن مجرتنا، ولكني أعرف بأن الخروج من محيط مجرتنا المسماة " درب اللبانة " يحتاج إلى قطع مسافة طولها حوالي 100 ألف سنة ضوئية أي حوالي (9.5 مليون مليون كيلو متر) وليس مهما كم يستغرق الوقت على اعتبار أن جبريل يمكنه السير بسرعات كونية لا نعرفها.
    • ولكن المهم هو أنه ليس هناك داع لرفع القرية كل هذه المسافة لأن الديكة وأهلها من قوم لوط سيكونون قد ماتوا بمجرد الإرتفاع عن سطح الأرض بضعة كيلومترات في الفضاء. وأن جبريل لو ابتعد عن الجاذبية الأرضية وقلب القرية وتركها تهوي، فلن تعود إلى الأرض أبداً، بل ستدور في الفضاء المحيط بالأرض كما تفعل الأقمار الصناعية التي تبث بواسطتها القنوات التلفزيونية الفضائية، حتى ولو تعطلت.
    • وأن جبريل لو رفع القرية إلى ارتفاع مساو للإرتفاع الذي انفجرت فيه مكوك الفضاء كولومبيا يوم السبت الأول من الشهر الثاني لعام 2003، وكان على مسافة نحو 200 الف قدم فوق الارض فقط، فإن حطام القرية سيتناثر على مساحة تصل إلى مئات آلاف من الكيلومترات المربعة، وبحجم يصل إلى حجم مساحة الجزيرة العربية، ولن تهبط في نفس مكانها الذي رفعت منه كما تقول كتب التفسير، والذي لا يزيد عن كيلو متر مربع.
    والقرآن يؤكد أن القرية بقيت خراباً في مكانها بعد العذاب لتكون عبرة لقريش وغيرهم: وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. (العنكبوت:35) فمعنى " تركنا منها آية بينة " أي آثاراً وبقايا.
    والله سبحانه يقول عن عذاب قوم لوط بأنه كان عبر إرسال حاصب عليهم وليس برفعهم: إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ.(القمر:34) والحاصب كلمة تعطي نفس معنى (طيراً أبابيل) لأن الحاصب عبارة عن حمم بركانية مكونة من حجارة وطين وتراب منصهر تقذف في الفضاء وتهبط على القرية فيجعل أهلها كالعصف المأكول.
    وقد أكدت آيات أخرى أن ما حل بقوم لوط هو طمر القرية بحمم بركانية، ومن ذلك قوله تعالى: إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ.(العنكبوت:34) ولذلك قالت الآية منزلون، لأن الحمم تأتي من الفضاء بالنسبة للقرية، وليس رافعون للقرية كما يتخيل المفسرون.
    وقذف البركان للحمم البركانية يجعل منظر نزولها على الأرض يشبه هطل المطر الغزير، مع الفارق في المحتوى. ويقول تعالى يصف ما حل بقوم لوط: وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ.(النمل:58)
    ومن المؤكد أن ما حل بقوم لوط كان بركاناً مصحوباً بزلازل، يقول تعالى: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ. (الحجر:73)
    والصيحة ذاتها جاءت في القرآن كعقاب لقوم صالح: إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ.(القمر:31)
    والصيحة التي أخذت قوم صالح هي الرجفة أيضاً أو بلغة العصر الزلزال: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ. (الأعراف:78).
    وبالمناسبة فقد بقيت أجساد موتى من قوم صالح في مقابرهم الموجودة على شكل البناء المشهور بمدائن صالح حالياً في منطقة العلا شمال المدينة في جزيرة العرب حتى زمن ابن بطوطة حيث مر بتلك المدائن وكتب يقول: وهناك ديار ثمود في جبال من الصخر الأحمر، منحوتة لها عتب منقوشة، يظن رائيها أنها حديثة الصنعة. وعظامهم نخرة في داخل تلك البيوت، إن في ذلك لعبرة. (ص 133 رحلة ابن بطوطة – دار الكتب العلمية – بيروت)
    وإذا ما ترافق زلزال مع ثورة بركان فإن القرية سيكون منظرها بعد ذلك وكأنها قد قلب عاليها ليكون سافلها من أثر الزلزال ثم طمر البركان لها بحممه الملتهبة: فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ.(الحجر:74)
    وقد تمكن الإيطاليون أخيراً من اكتشاف مدينة بومبي الأيطالية التي طمرها البركان في العصر الروماني، والتي احتفظت بكامل شوارعها ومبانيها وسكانها على هيئاتهم التي كانوا عليها لحظة ماتوا خنقاً تحت الرماد أو حرقاً من الحمم البركانية، والمتاحف الإيطالية تحتفظ الآن بمجموعات من الناس والكلاب والحيوانات الأخرى، متحجرين في أوضاع مختلفة، بنفس الهيئة التي طمروا فيها وتحولوا إلى ما يشبه العصف المأكول.
    وقد بين الله سبحانه وتعالى أن ما حل بقرى لوط عبرة لمن يريد أن يعتبر: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ.(الحجر:75) ولو كانت قرى لوط قد رفعت للسماء وهوي بها للآرض فلن يبقى للمشاهدة إلا الحفرة التي قلعت منها القرية والتي لن يزيد قعرها عن قعر أساسات بيوت القوم، وستتكفل الرياح بدفنها بسرعة، ولن يبقى منها ما تعتبر منه قريش التي تخاطبها هذه الآيات والتي تؤكد أن قريش يعرفون موقع قرى قوم لوط لأنها تقع على سبيل تطرقها قريش باستمرار في رحلاتها التجارية: وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقيمٍ.(الحجر:76)
    ولو كان لدى أهل جزيرة العرب من التطور والحس العلمي ما لدى الغرب لأمكن، بمعاونة طرق التصوير المتقدمة والوسائل الحديثة للبحث عن الآثار، تحديد مكان قوم لوط الذي يقول عنه كمال سليمان الصليبي بأنه في منطقة جنوب غرب جزيرة العرب، وذلك بناءً على دلائل أوردها في كتابيه التوراة جاءت من جزيرة العرب وخفايا التوراة.
    ويكون ما حدث لأبرهة وجيشه هو أنهم تعرضوا لثوران بركان طمرهم بحممه، ومن الشواهد الواقعية التي تؤكد ذلك، ما يلي:
    • أن من هلك من جيش أبرهه لم يجده أهل مكة، ولما لم يجد المفسرون والمؤرخون تبريراً مقنعاً لاختفاء أجسادهم، قالوا بأن السيل احتمل جثثهم فألقاها في البحر، كما نقل ابن كثير في البداية والنهاية نقلاً عن النقاش في تفسيره .
    وبالطبع هذا لم يحدث والذي قد يكون حدث هو أن من طمرته الحمم البركانية قد اختفى تحتها إن بقي منه شيئ. ومن أصيب ببعض الحمم ولكنها لم تطمره فقد تفسخ جلده، وقد يكون هلك في وقت لاحق أو برئ.
    وقد يكون المؤرخون والمفسرون الأوائل قد نقلوا وصفاً حقيقياً لذلك عندما قالوا: قال ابن إسحاق: فخرجوا يتساقطون بكل طريق ويهلكون بكل مَهْلك على كلّ مَنْهَل. وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة، كلما سقطت أنملة اتبعتها منه مدة ثمت قيحاً ودماً حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر. فما مات حتى انصدع صدرُه عن قلبه فيما يزعمون . ومن يتعرض لحمم بركانية تصل حرارتها لمئات الدرجات المئوية فسيتفسخ جسمه ويسقط لحمه متبوعاً بالقيح والدم، كما حدث لأبرهه.
    وبطبيعة الحال فمنظر التفسخ الذي يصيب من يتعرض للحمم البركانية يتشابه نوعاً ما مع منظر جسد المريض بالجدري الذي تلتهب قروحه وكأن لحمه يتفسخ، ولذلك اعتقد المؤرخون أن عذاب أهل الفيل قد أوجد الجدري. يقول ابن كثير في البداية والنهاية: قال ابن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة أنه حدّث أن أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام، وأنه أوّل ما رُئيت بها مرائر الشجر الحرمل ، والحنظل والعشر ذلك العام.
    وهذا غير صحيح، ولكن ومع الأسف فقد اعتقده مفكرون إسلاميون بحجم محمد عبده الذي نقل عنه محمد متولي شعراوي كما أسلفنا أنه يعتقد أن عذاب قوم أبرهه كان بالجدري الذي بثت مايكروباته تلك الطيور الغريبة ذات المخالب التي نزلت من السماء.
    ومرة أخرى لو كان في بلاد الحرمين تقدم وإهتمام علمي كما في الغرب، لأمكن وبسهولة متناهية تحديد المكان الذي وقعت فيه حادثة الفيل وأمكن التنقيب والكشف عنها، وسنجد بكل تأكيد جثثاً متحجرة وقد لا نجد الفيل محمود لأنه قد يكون نجا بنفسه.
    • يقول القرطبي في تفسيره لسورة الفيل: فَبرَك الفيلِ ...... وضربوا الفيل ليقوم فأبى، وضربوا في رأسه بالطَّبَرْزِين ليقوم، فأبى، فأدخلوا محَاجن لهم في مراقّه، فبزغوه بها ليقوم، فأبى، فوجَّهوه راجعا إلى اليمن، فقام يُهَرْوِل، ووجَّهوه إلى الشام، ففعل مثل ذلك، ووجَّهوه إلى المشرق، ففعل مثل ذلك، ووجَّهوه إلى مكة فبرك. إنتهى
    وهذه الرواية تصور الحقيقة لأن الفيل عندما أبى أن يسير باتجاه مكة كان يتبع حاسة خاصة، لأن الحيوانات قد زودها الله بأجهزة إستشعار عالية الحساسية في أجسادها تمكنها من التنبؤ بوقوع الزلازل والبراكين والكوارث الطبيعية الأخرى قبل وقوعها, وهذه حقيقة علمية يعرفها الجميع، وقد استفادت منها الصين للتنبؤ بحدوث الزلازل وإخلاء السكان قبل وقوعها. ولذلك كان فيل أبرهه يسرع مهرولاً بأي اتجاه آخر عدا وجهة مكة التي يبدوا أن البركان قد ثار في منطقة بين الموقع الذي عسكر فيه جيش أبرهة وبين مكة. وقد ثار البركان بعد ذلك فطمر البعض بالحمم وهرب البعض وقد أصيب وقد يكون هناك من لم تلحقه أي إصابة.
    • ومن المؤكد أن ثورة البركان كانت محدودة ولذلك لم يره أهل مكة ولا الطائف، لأن الطائف متوارية خلف قمم جبال السروات الشاهقة، ولأن قريش قد أخلت مكة وهربت للشعاب الموجودة في الجبال الواقعة في الجهة المقابلة للجهة التي سيقدم منها جيش أبرهة. فإذا كان أبرهة سيقدم لمكة من جهة الشرق أو الشمال الشرقي، على إعتبار أن آخر معسكر له كان في المغمس الذي يقع على طريق مكة – الطائف القديم، فإن من البديهي أن يلجأ القرشيون إلى الجبال الواقعة إلى الغرب والشمال الغربي من مكة. ويكون هناك مسافة بينهم وبين مكة ثم مسافة أخرى بين مكة والموقع الذي ثار فيه البركان الذي قضى على بعض جيش أبرهة وبدد الباقين. وبما أن البركان ليس كبيراً وبما أن المنطقة المحيطة بمكة جبلية ومتعرجة فمن المعقول جداً ألا يرى القرشيون أو يسمعوا ثوران البركان.
    • وبرغم أن غالبية الأخبار التي تحملها كتب التفسير حول حادثة الفيل عبارة عن تصورات خرافية إلا أن يعضها قد لا يكون كذلك، ومن ذلك قصة امتناع الفيل عن التوجه لمكة، التي سبق وأشرنا إليها، ومن ذلك أيضاً ما ورد في الدر المنثور والذي قد يكون خبراً لشاهد العيان الوحيد الذي يصف ما حدث لأبرهه وجيشه، على أنه يجب أن يؤخذ الخبر وقد وضع في الحسبان حقيقتان، هما:
    1. أن الشاهد يصف شيئاً يراه لأول مرة في حياته، ولم يسمع عنه من قبل. ووصف من يشاهد شيئاً لأول مرة يكون مشوشاً، لأنه يصف إنطباعه الشخصي عما يراه للمرة الأولى وليس حقيقة ما يراه فعلاً. فهذا ابن بطوطة في رحلته يصف النارجيل الذي رآه أول مرة في ظفار، فيقول: ذكر النارجيل: وهو جوز الهند، وهذا الشجر من أغرب الأشجار شأناً وأعجبها أمراً، وشجره شبه شجر النخل لا فرق بينهما إلا أن هذه تثمر تمراً وتلك تثمر جوزاً. وجوزها يشبه رأس ابن آدم لأن فيها شبه العينين والفم، وداخلها شبه الدماغ، إذا كانت خضراء، وعليها ليف شبه الشعر. إنتهى كلام ابن بطوطة الذي يصور إنطباعه الشخصي الأول عن تلك الثمار، وليس وصفاً حقيقياً لها .
    2. والحقيقة الثانية حول خبر شاهد العيان الوحيد الذي سنسرده، تتمثل في أنه تم تناقله بعد أن إنتشرت الأقاويل التي وجدت فيما بعد طريقها لكتب المفسرين حول ما حدث لأصحاب الفيل، مما أثر على مضمون الرواية، إما من قبل الشاهد الذي رواها بما يتلائم مع الرأي السائد أو أن الرواية تعرضت للتحوير في وقت لاحق من قبل الرواة.
    وهذا هو الخبر عن شاهد العيان الوحيد: وأخرج أبو نعيم عن عثمان بن عفان أنه سأل رجلا من هذيل قال‏:‏ أخبرني عن يوم الفيل، فقال‏:‏ بعثت يوم الفيل طليعة على فرس لي أنثى فرأيت طيرا خرجت من الحرم في كل منقار طير منها حجر، وفي رجل كل طير منها حجر، وهاجت ريح وظلمة حتى قعدت بي فرسي مرتين فمسحتهم مسحة، كلفته كرداك وانجلت الظلمة، وسكنت الريح‏.‏ قال‏:‏ فنظرت إلى القوم خامدين ‏.‏
    وصياغة الخبر ليست مترابطة، ويبدوا أنه قد طرأ عليها بعض التعديل والتغيير والحذف والإضافة، ولذلك جاءت بعض عباراتها وكأنها مبتورة أو خافية المعنى، ومع ذلك بقي من أصل الخبر ما يفيد بأن ذلك الرجل كان على فرس له وأنه كان في موقع مكنه من رؤية ما حدث في سماء المنطقة المنكوبة، ولو لم يتمكن من رؤية ما حل بالقوم مباشرة، وقد يكون ذلك ناتج لأن البقعة التي كانوا فيها متوارية عنه خلف الجبال التي تتكون منها تضاريس المنطقة.
    ومن المحتمل أنه قد رأى طيوراً تطير فارة بعيداً عن مكان البركان، ولما جاء الإسلام ونزلت سورة الفيل وفيها الآية التي تقول: وأرسل عليهم طيراً أبابيل، ظن الراوي الذي سمع من الشاهد أو الشاهد نفسه أن الطيور التي رآها تطير قرب موقع الحدث هي الطير الأبابيل التي أرسلت بالعذاب، ومن ثم أضيفت لها قصة حملها للحصى وبقية الصورة الخيالية بعد ذلك من رواة لاحقين.
    ويكون الشاهد قد رأى بالفعل ظلمة (أي سحب سوداء ودخان) من النوع الذي يتكون عادة بفعل ثوران البركان، فوق المنطقة المنكوبة. كما أن ثوران البركان يصحب بالإعصار وهو ما قد يكون رآه الشاهد أيضاً.
    ومما قد يكون وقع بالفعل، حديث الشاهد عن الفرس وأنها قعدت به ولم ترد التقدم باتجاه الموقع، لأن الفرس قد استشعرت خطر البركان مثلها مثل أي حيوان آخر، بواسطة ملكاتها الخاصة.
    ويبدوا أن الشاهد قد بقي في مكانه يرقب الحدث حتى هدأ البركان وزالت السحب والأعاصير المرافقة له، ولاحظ أنه خلف هدوءً مميتاً في الموقع الذي كان يعج بجلبة عسكر أبرهة. " قال‏:‏ فنظرت إلى القوم خامدين‏." ثم فضل الإبتعاد ولم يجرؤ على الإقتراب من موقع الحدث.
    ومنطقة مكة تقع ضمن امتداد جبال السروات التي تكونت بفعل صدع البحر الأحمر الممتد من شرق أفريقيا جنوباً إلى تركيا شمالاً عبر البحر الميت، ولا زال الصدع يتسع بمعدل (2 سم) سنوياً وبالتالي فإمكانية حدوث براكين وزلازل على طول جانبي هذا الصدع واردة وحدثت وستحدث. وكان آخر ثوران لبركان في جزيرة العرب تم تسجيله في العام 654 للهجرة قرب المدينة، وقد ذكرها ابن كثير في كتابه البداية والنهاية ضمن حوادث تلك السنة نقلا عما كتبه شهاب الدين أبو شامة المقدسي وغيره.
    وكل العقوبات التي أهلكت بها الأمم السابقة التي ذكرت في القرآن كانت بسبب كوارث طبيعية. وأرجوا من بعض القراء ألا يخلطوا بين قولي كوارث طبيعية وبين من قال بأن الطبيعة خلقت نفسها وكل ما يحدث فيها يحدث تلقائياً وبدون خالق، لأن الفرق كبير جدا بين ما ذهبت إليه وبين ما يعنيه أولئكً. فأنا أقصد بالكوارث الطبيعية ما يحدث على الأرض من زلازل وبراكين وأعاصير ورياح وفيضانات وطوفان وغيرها، وهي التي أهلكت بها كل الأمم السابقة. ففرعون أهلك بالغرق بلا جدال، وكذلك قوم نوح. وقوم عاد أهلكوا بالريح بلا جدال، وقوم هود أهلكوا بالرجفة أو الصيحة وهي الزلازل كما أوضحنا، ومثلهم قوم لوط وقوم شعيب، وقد أجمل القرآن ذلك في الآية (40) من سورة العنكبوت: فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
    (( وأبرهة وجيشه أهلكوا بثوران بركاني أيضاً، وليس هناك من أهلك بعقوبة غير أرضية كما صور ذلك رجال التفسير. ))
    ولكن يبقى ان (( توقيت حدوث الكارثة الطبيعية هو المعجز )) . وهذا يتم بأمر الله وبواسطة (رسله). والرسل (نوع من الملائكة) مخلوقات من أماكن غير معروفة لنا في الكون، ومن صفاتهم التي تحدث عنها القرآن ما يلي:
    أنهم ذووا قدرات (اجنحة) متفاوتة :الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.(فاطر:1)
    ولديهم القدرة على التشكل بهيئة البشر: فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّا.(مريم:17) والتحدث بلغة البشر: وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ.(هود:69)
    ولكنهم لا يستطيعون تناول الطعام والشراب البشري، لأنه ليس لديهم جهاز هظمي كما البشر: فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ.(هود:70)
    ولديهم قدرات، تعتبر في العرف البشري، خارقة للعادة، ومن ذلك قدرتهم على إحداث كوارث طبيعية في وقت محدد، من زلازل وبراكين وأعاصير ورياح، فقد كانوا هم من عصف بقرى لوط بزلزال مدمر أعقبه مطر منهمر من الحمم البركانية: فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ.(هود:82)
    ولذلك فقد كانوا هم من أحدث البركان الذي قضى على جيش أبرهة، ولم يكن هناك طيور تعشعش وتفرخ بين السماء والأرض، ولها خراطيم كخراطيم الطير، وأكف كأكف الكلاب، إلا في مخيلة من تجرأ وتأول كلام الله الواضح عن أصحاب الفيل، والذي يصف بكل دقة كيف تم القضاء عليهم بواسطة بركان، ولكن المفسرين حوّلوا ذلك إلى صور أسطورية لا وجود لها على أرض الواقع.
    أين يمكن أن يكون قد حدث البركان؟
    وادي المغمس الذي يقول رجال الأخبار أن أبرهة وقومه قد عسكروا فيه إستعداداً لدخول مكة وهدم الكعبة وأنهم قد أهلكوا فيه، لم يبق منه اليوم إلا مزارع قريبة من الشرائع وإحداثياتها: (21:24:00N 39:59:45E) حسبما جاء في موسوعة أسماء الأماكن في المملكة العربية السعودية التي أصدرتها دارة الملك عبدالعزيز وهيئة المساحة الجيولوجية السعودية.
    وقد تيسر لي أن أطلع على صور ملتقطة بواسطة الأقمار الفضائية والمتاحة في موقع يعرف بـ (Google Earth) حيث يمكن الحصول على صور لأي بقعة على وجه الأرض، وكان هناك منطقتين تبدوان على شكل فوهات بركانية قديمة فيما بين الطائف ومكة.
    واحدة يمر بوسطها ما يعرف بطريق السيل الكبير، وهو الطريق القديمة بين مكة والطائف. وتقع بلدة السيل الكبير الحالية وميقات قرن المنازل في طرفها الشرقي الجنوبي.
    والفوهة لا زالت تحتفظ بشكلها الدائري ويمكن تقدير نصف قطرها بحوالي ستة كيلومترات، وفي وسطها مرتفع صغير يبدوا في الصورة وكأنه قمة بقيت على حالها التي كانت عليه قبل الزلزال ولم تغطها الحمم التي غطت الفوهة. ولا يزيد إرتفاعه عن (100) قدم ويسمى الآن جبل ديمه وإحداثياته التي حصلت عليها من الموقع المذكور هي: (21:38:20N 40:24:10E)
    والفوهة تنحدر باتجاه طرفها الشمالي الغربي حيث يكوت ارتفاعها حوالي (3400 قدم) بينما ترتفع أطرافها الجنوبية والشرقية إلى (4000 قدم). وتبلغ قمم المرتفعات المحيطة بها إلى (4600 قدم) في الجنوب، وما بين (4000 – 4200 قدم) في الشمال.
    وتبعد عن الطائف حوالي (45 كيلومتر) إذا استخدمنا طريق السيل الكبير، وتبعد عن مكة حوالي سبعين كيلو متر على نفس الطريق.
    والفوهة البركانية الأخرى تقع إلى الشرق أو الجنوب الشرقي عن حي الشرائع، ويطل عليها من جهة الغرب الجبل المسمى حالياً بجبل أسلع الذي يرتفع عن سطح البحر بحوالي (1650 قدم) ويجري في الطرف الغربي من الفوهة وبمحاذاة جبل أسلع من الشرق وادي عرنة، ويحاذيه مهبط للطائرات معبد ومبنى لمطار صغير.
    ويحد الفوهة من الشرق جبل يسمى الآن جبل كبكب ويرتفع حوالي (4800 قدم) ومن الجنوب يحدها جبل يسمى حالياً جبل سعد وارتفاعه يصل إلى (2500 قدم)، ويرتفع سطح الفوهة ما بين (1100 – 1200 قدم). ويخترقها وادي المغمس القديم، وتبعد عن الحرم بحوالي (25 كم) بخط مستقيم، ولكن يفصلها عنها سلاسل متوازية من الجبال يجعل من العسير تبين الحرم من ذلك الموقع.
    وإن كان لي أن أخمن أين وقع البركان فإنني أميل إلى أنه قد وقع في هذا المكان، ولكن التأكد من ذلك يحتاج لصور فضائية أكثر دقة وإلى دراسة متخصصة لتلك الصور ثم دراسة ميدانية للموقع وتحليل لتربته وقد يحتاج الأمر لحفريات ولو تم هذا فمن المحتمل أننا سنجد بعضاً من أفراد جيش أبرهة مطمورين تحت الحمم البركانية المتحجرة.

    .................................................. .................................................. .....................

    على إفتراض أن الرسول ولد عام الفيل، وعلى إفتراض أن الرسول بعث وهو ابن أربعين، وعلى إفتراض أنه هاجر وهو ابن ثلاث وخمسين، فيكون الفارق بين الهجرة وعام الفيل ثلاث وخمسين سنة.
    ورد ذلك في ترجمة سعيد ابن جبير التي أوردها الذهبي في تذكرة الحفاظ

    كما ورد في الموسوعة العالمية – الجزء الأول/ ص 14 / النسخة العربية تراد كسيم ش. م. – جنيف

    الطبري/ تفسير سورة الفيل

    ص 263-264 رحلة ابن بطوطة/ دار صادر – بيروت.

  22. #112

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة التالت
    أمثلة لأقوال المفسرين


    وكل العقوبات التي أهلكت بها الأمم السابقة التي ذكرت في القرآن كانت بسبب كوارث طبيعية. وأرجوا من بعض القراء ألا يخلطوا بين قولي كوارث طبيعية وبين من قال بأن الطبيعة خلقت نفسها وكل ما يحدث فيها يحدث تلقائياً وبدون خالق، لأن الفرق كبير جدا بين ما ذهبت إليه وبين ما يعنيه أولئكً. فأنا أقصد بالكوارث الطبيعية ما يحدث على الأرض من زلازل وبراكين وأعاصير ورياح وفيضانات وطوفان وغيرها، وهي التي أهلكت بها كل الأمم السابقة. ففرعون أهلك بالغرق بلا جدال، وكذلك قوم نوح. وقوم عاد أهلكوا بالريح بلا جدال، وقوم هود أهلكوا بالرجفة أو الصيحة وهي الزلازل كما أوضحنا، ومثلهم قوم لوط وقوم شعيب، وقد أجمل القرآن ذلك في الآية (40) من سورة العنكبوت: فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
    (( وأبرهة وجيشه أهلكوا بثوران بركاني أيضاً، وليس هناك من أهلك بعقوبة غير أرضية كما صور ذلك رجال التفسير. ))
    ولكن يبقى ان (( توقيت حدوث الكارثة الطبيعية هو المعجز )) . وهذا يتم بأمر الله وبواسطة (رسله). والرسل (نوع من الملائكة) مخلوقات من أماكن غير معروفة لنا في الكون، ومن صفاتهم التي تحدث عنها القرآن ما يلي:
    أنهم ذووا قدرات (اجنحة) متفاوتة :الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.(فاطر:1)
    ولديهم القدرة على التشكل بهيئة البشر: فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّا.(مريم:17) والتحدث بلغة البشر: وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ.(هود:69)
    ولكنهم لا يستطيعون تناول الطعام والشراب البشري، لأنه ليس لديهم جهاز هظمي كما البشر: فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ.(هود:70)
    ولديهم قدرات، تعتبر في العرف البشري، خارقة للعادة، ومن ذلك قدرتهم على إحداث كوارث طبيعية في وقت محدد، من زلازل وبراكين وأعاصير ورياح، فقد كانوا هم من عصف بقرى لوط بزلزال مدمر أعقبه مطر منهمر من الحمم البركانية: فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ.(هود:82)
    ولذلك فقد كانوا هم من أحدث البركان الذي قضى على جيش أبرهة، ولم يكن هناك طيور تعشعش وتفرخ بين السماء والأرض، ولها خراطيم كخراطيم الطير، وأكف كأكف الكلاب، إلا في مخيلة من تجرأ وتأول كلام الله الواضح عن أصحاب الفيل، والذي يصف بكل دقة كيف تم القضاء عليهم بواسطة بركان، ولكن المفسرين حوّلوا ذلك إلى صور أسطورية لا وجود لها على أرض الواقع. .

    بالرغم من ان هذا الكتاب الاستثنائي فعلا ..

    يبدأ سلسا رقيقا , في مواضيع غاية في الخلافية والقداسة ..

    ويختط فيه الباحث المتأني , بهدوء ودعة , تفسيرا طيبا وعقلانيا ومقنعا وجديدا وجميلا ..

    الا أنه مع تقدم النصوص والبحوث في المتن , وكان من المفروض ان نكون قراء في متن سفينة عظيمة في بحر شديد الاضطراب , الا ان اللغة تزداد وضوحا وشفافية وسلاسة , والمواضيع الأكثر قداسة , تصير أكثر وضوحا وتتسع دائرة الرؤية , وتميل النفس التواقة إلى المعرفة إلى العودة إلى مناهلها الأولى وينابيع المعرفة الإسلامية البكر .

    وهذه غاية هذا الكتاب وعين عقل صاحبه , رحمه الله في الدنيا والآخرة .

    ومع ذلك ..

    عندما تحدث النص هنا عن الملائكة في محاولة لطيفة لتقريب صنعة الله عبر ملائكته على الأرض ..

    ربما يجب علينا ان نقبل ان الملائكة لا تراها البشر العاديون بعد رسالة محمد (ص) , ولم يراها الا الرسل والنبيين وما رأوها , وإنما شبه لهم ..

    وكل ما يكتب في قدرة الله وصنائعه , الله أقدر على ما ندركه , وأقدر على خلقه , ما بان منه وما خفي , وما ظهر منه وما بطن ..

    الصورة الهادئة من النص السابق , بعيد الدلالة عميقة الأثر ..
    فأحداث الاسلام كلها جرت بتفاصيلها على هذه الأرض ..

    كلّ شيء في القران الكريم كتب , وكل حدث في ارض الاسلام المباركة وارض الله المقدسة , حفظ في مكانه , موجود في ميم موضعه .
    من اطمئن قلبه , ومن أراد استزادة في الطمأنينة , وبعض النبيين أراد , فللأحداث مواقعها في جغرافيتها , وليس في الحق شبة , وليس على المؤمنين حرج .

    بعض الضعف في بعض التفسير أو الحديث أو النقل أو الاجتهاد , قديما ومستقبلا , ضعف في قدرة الإنسان في جسده الفاني في توقه إلى الطمأنينة ..

    وليس في هذا الدين ضعف أو غموض أو إرباك أو نقص .
    وإنما الإنسان .

    1/5/007
    ..

  23. #113

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    المثال الثاني: الإفك
    ورد في سورة النور آيات يعتبرها المفسرون خاصة والمسلمون بوجه عام، أنها نزلت لتبرئة أم المؤمنين عائشة من إتهامها بالزنى عندما تخلفت عن جيش المسلمين العائد من إحدى غزوات الرسول، في إحدى الليالي، ولم تلتحق بالجيش إلا ظهر اليوم التالي، وبرفقة رجل من الصحابة إسمه صفوان ابن المعطل، والآيات هي: إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ. لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ. لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ. وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ. وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ. يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. (النور:11-17)
    وقد جاءت قصة إتهام أم المؤمنين عائشة مفصلة في كتب السير والتاريخ ومتوافقة مع ما جاء في كتب الحديث عنها، لأن القصة أوردها المفسرون على شكل خبر مروي على لسان صاحبة الشأن، عائشة أم المؤمنين. لذا سنورد الخبر كما رواه البخاري في حديث طويل برقم (4052) وهذا نصه: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ عبدِ الله حدَّثَنا إِبراهيمُ بن سعدٍ عن صالحٍ عنِ ابن شهاب (وهو محمد بن مسلم الزهري، مات سنة 124 للهجرة) قال: حدَّثني عُروةُ بن الزُّبير و سعيدُ بن المسيّبِ و علقمة بن وقّاصٍ و عُبيد اللّهِ بنُ عبدِ الله بن عتبة بن مسعود عن عائشةَ رضي الله عنها زوج النبيِّ صلى الله عليه وسلم حينَ قال لها أهلُ الإِفك ما قالوا، وكلهم حدَّثني طائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبتُ له اقتصاصاً، وقد وعيتُ عن كلِّ رجلٍ منهم الحديثَ الذي حدَّثني عن عائشةَ، وبعضُ حديثهم يصدِّقُ بعضاً، وإن كان بعضهم أوعى لهُ من بعضٍ، قالوا: «قالت عائشة: كان رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم إذا أرادَ سَفَراً أقرَعَ بينَ أزواجه، فأيتهن خَرجَ سهمُها خرجَ بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم معه. قالت عائشة: فأقرَعَ بينَنا في غزوةٍ غزاها فخرجَ فيها سهمي، فخرجتُ معَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بعدَما أُنزِلَ الحجابُ، فكنتُ أُحمَلُ في هَودَجي وأُنزَلُ فيه. فسِرنا، حتى إِذا فرغَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من غزوتهِ تلكَ وَقفلَ ودَنَونا منَ المدينة قافلِينَ آذنَ ليلةً بالرَّحيلِ، فقمتُ حين آذنوا بالرحيل فمشيتُ حتى جاوَزتُ الجيشَ، فلما قَضيتُ شأني أقبلتُ إلى رحلي فَلمستُ صدري فإِذا عِقدٌ لي من جَزع ظَفار قدِ انقطعَ، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه. قالت: وأقبلَ الرهط الذين كانوا يُرحِّلوني فاحتَملوا هَودَجي فرَحَلوه على بعيري الذي كنت أركبُ عليه ـ وهم يَحسبونَ أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خِفافاً لم يَهبَّلْنَ ولم يَغشَهنَّ اللحم، إنما يأكلن العُلقةَ من الطعام ـ فلم يَستنكِرِ القومُ خِفةَ الهودج حينَ رفعوه وحملوه، وكنت جاريةً حدِيثةَ السِّنّ، فبعثوا الجملَ فساروا، ووجدتُ عقدي بعد ما استمرَّ الجيش، فجئتُ مَنازِلَهم وليسَ بها منهم داعٍ ولا مجيب. فتيممتُ منزلي الذي كنت بهِ، وظنَنت أنهم سيَفقِدوني فيرجعونَ إِليّ. فبينما أنا جالسةٌ في منزلي غلَبَتْني عيني فنِمت، وكان صَفوانُ بن المعطِّل السُّلميّ ثم الذَّكوانيّ من وراء الجيش، فأصبحَ عند منزلي، فرأى سوادَ إنسانٍ نائم، فعرَفني حينَ رآني، وكان رآني قبلَ الحجاب، فاستيقظتُ باسترجاعهِ حينَ عَرفني، فخمَّرتُ وجهي بجلبابي. وواللّهِ ما تكلمنا بكلمة، ولا سمعتُ منه كلمةَ غيرَ استرجاعه، وهوَى حتى أناخَ راحِلتَه، فوطىءَ على يدِها، فقمت إليها فركبتُها، فانطلق يَقود بي الراحلة حتى أتينا الجيشَ موغِرِين في نحرِ الظهيرة وهم نُزول. قالت: فهلَكَ فِيَّ مَن هلك. وكان الذي تولَّى كِبرَ الإِفك عبدُ الله بن أُبيّ ابن سَلول. قال عروة: أُخبرتُ أنه كان يُشاع ويُتحدَّثُ به عندَه فيُقِرُّه وَيَستمعه ويستوشيه. وقال عروة أيضاً: لم يسمَّ من أهل الإِفك أيضاً إلا حسّانُ بن ثابتٍ ومِسطح بن أُثاثةَ وحَمنة بنت جَحشٍ في ناسٍ آخَرين لا علم لي بهم، غيرَ أنهم عُصبةٌ ـ كما قال الله تعالى ـ وإنَّ كِبرَ ذلك يقال عبدُ الله بن أُبيّ بن سَلولَ. قال عروة: كانت عائشة تَكرَه أن يُسَبَّ عندَها حَسّانُ وتقول إنه الذي قال:
    فإن أبي ووالدَه وعِرضي لعِرضِ محمدٍ منكم وِقاءُ
    قالت عائشة: فقَدِمنا المدينةَ، فاشتكيتُ حينَ قدِمتُ شهراً، والناسُ يُفِيضونَ في قولِ أصحابِ الإِفك، لا أشعُرُ بشيءٍ من ذلك، وهو يُريبُني في وَجعي أني لا أعرِفُ من رسولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم اللطفَ الذي كنتُ أرَى منه حينَ أشتكي، إنما يَدخُلُ عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيُسلِّم ثم يقول: كيفَ تِيكم؟ ثمَّ ينصرف، فذلَكَ يريبُني ولا أشعُرُ بالشرِّ، حتى خرَجتُ حينَ نَقَهت، فخَرَجتُ معَ أمِّ مِسطحٍ قِبَلَ المَناصعِ ـ وكان مُتَبرَّزَنا، وكنّا لا نخرجُ إِلاّ ليلاً إلى ليل ـ وذلكَ قبلَ أن نتَّخذَ الكنُفَ قريباً من بيوتِنا، قالت: وأمرُنا أمرُ العربِ الأُوَل في البرِّيةِ قِبَلَ الغائط، وكنا نَتأذَّى بالكنفِ أن نَتَّخذها عندَ بُيوتنا. قالت: فانطَلَقتُ أنا وأُمُّ مِسطحٍ ـ وهي ابنةُ أبي رُهم بن المطلبِ بن عبدِ مَناف، وأُمُّها بنتُ صَخر بن عامرٍ خالةُ أبي بكر الصدِّيق، وابنها مِسطحُ بن أُثاثةَ بن عبّاد بن المطّلب ـ فأقبلتُ أنا وأُمُّ مِسطح قِبَلَ بيتي حينَ فرغنا من شأننا، فعَثَرتْ أمُّ مِسطحٍ في مِرْطِها فقالت: تَعسَ مسطحٌ، فقلت لها: بئسَ ما قلتِ، أتسُبِّينَ رجلاً شهِدَ بَدراً؟ فقالت: أي هَنْتاهُ، أَولم تسمَعي ما قال؟ قالت: وقلتُ ما قال؟ فأخبرَتْني بقولِ أهلِ الإِفك. قالت: فازدَدتُ مرَضاً على مرَضي. فلما رَجَعتُ إِلى بيتي دَخلَ عليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فسلم ثمَّ قال: كيفَ تِيكم؟ فقلتُ له: أتأذنُ لي أن آتي أبوَيَّ؟ قالت: وأريدُ أن أستَيقنَ الخبرَ مِن قِبَلِهما. قالت: فأذِنَ لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. فقلتُ لأمي: يا أُمَّتاهُ، ماذا يَتحدَّثُ الناس؟ قالت: يا بنية، هَوِّني عليك. فواللّهِ لقلما كانتِ امرأةٌ قطُّ وَضِيئةً عندَ رجلٍ يحبُّها لها ضَرائرُ إِلاّ أكثرْنَ عليها. قالت: فقلت: سُبحانَ الله، أوَ لقد تحدَّثَ الناسُ بهذا؟
    قالت: فبكيتُ تلكَ الليلةَ حتى أصبحتُ لا يَرقأُ لي دَمعٌ ولا أكتَحلُ بنوم، ثمَّ أصبحتُ أبكي. قالت: ودَعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه وأُسامة بن زيدٍ حِينَ استَلْبَثَ الوحيُ يسأَلهما ويَستشيرهما في فِراق أهلهِ. قالت: فأما أُسامة فأشارَ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءةِ أهله وبالذي يَعلَم لهم في نفسهِ، فقال أسامة: أهلُكَ، ولا نعلمُ إلا خيراً. وأما عليٌّ فقال: يا رسولَ الله، لم يُضيِّقِ اللّهُ عليك، والنساءُ سِواها كثير، وسَلِ الجاريةَ تصْدُقْك. قالت: فدعا رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم بَريرةَ فقال: أي بَريرة، هل رأيتِ من شيءٍ يَريبكِ؟ قالت له بريرة: والذي بعثَكَ بالحقّ، ما رأيتُ عليها أمراً قطُّ أغمِصهُ، غيرَ أنها جاريةٌ حديثة السنِّ تنامُ عن عَجين أهلِها فتأتي الداجِنُ فتأكله. قالت: فقامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِن يومهِ فاستعذَرَ من عبدِ اللّهِ بن أُبيّ ـ وهوَ على المنبرِ ـ فقال: يا معشرَ المسلمين مَن يَعذِرني من رجلٍ قد بلَغَني عنه أذاهُ في أهلي، واللّهِ ما علمتُ على أهلي إلاّ خيراً. ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاّ خيراً، وما يَدخلُ على أهلي إلاّ معي. قالت: فقام سعدُ بن مُعاذٍ ـ أخو بني عبد الأشهل ـ فقال: أنا يا رسولَ الله أعذِرك، فإِن كان منَ الأوس ضرَبتُ عُنقه، وإن كان من إخواننا منَ الخزرَج أمرتَنا ففعلنا أمرَك. قالت: فقام رجلٌ منَ الخزرج ـ وكانت أُمُّ حسّانَ بنتَ عمه من فخذه وهوَ سعدُ بن عُبادةَ وهو سيِّد الخزرج. قالت: وكان قبلَ ذلك رجلاً صالحاً، ولكن احتمَلَته الحميَّة ـ فقال لسعد: كذَبتَ لعَمْرُ الله، لا تقتلهُ ولا تقدِرُ على قَتله، ولو كان من رَهطِكَ ما أحَبَبتَ أن يُقَتَل. فقام أُسَيدُ بن حُضير ـ وهو ابن عم سعد ـ فقال لسعد بن عُبادةَ: كذبتَ لعمر الله، لنقتلَنَّه، فإِنكَ منافقٌ تجادِل عن المنافقين. قالت: فثارَ الحيَّانِ الأوس والخزرج ـ حتى همُّوا أن يَقتتِلوا ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبر. قالت: فلم يَزَل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُخفِّضُهم حتى سَكتوا وسكت. قالت: فبكيت يومي ذلكَ كلهُ لا يَرقأُ لي دمع ولا أكتحلُ بنوم. قالت: وأصبحَ أبَوايَ عندي وقد بَكيتُ ليلَتَين ويوماً لا يرقأ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنوم، حتى إنِّي لأظنُّ أنَّ البُكاء فالقٌ كبِدي. فبينا أبوايَ جالِسان عندي وأنا أبكي فاستأذنَتْ عليَّ امرأةٌ منَ الأنصار، فأذِنتُ لها، فجلَسَت تبكي معي. قالت: فبينا نحن على ذلك دخلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم علينا فسلمَ ثمَّ جلَس.
    قالت: ولم يَجلِسْ عندي منذ قِيلَ ما قيلَ قَبلَها، ولقد لبث شهراً لا يُوحى إِليه في شأني بشيء. قالت: فتشهَّدَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حين جلسَ ثم قال: أما بعدُ يا عائشة إنه بلغَني عنكِ كذا وكذا، فإِن كنتِ بريئةً فَسَيُبَرِّؤكِ الله، وإن كنتِ ألممتِ بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإنَّ العبدَ إذا اعترفَ ثم تابَ تاب الله عليه. قالت: فلما قضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مَقالَته قَلَصَ دمعي حتى ما أُحِسُّ منه قَطرة، فقلتُ لأبي: أجِبْ رسولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم عني فيما قال، فقال أبي: واللّهِ ما أدري ما أقول لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم. فقلت لأمي: أجيبي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فيما قال. قالت أمي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلتُ ـ وأنا جاريةٌ حديثةُ السن لا أقرأ من القرآن كثيراً ـ: إني والله لقد علمتُ: لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقرَّ في أنفُسِكم وصدقتم به، فلَئن قلت لكم إني بريئة ـ لا تُصدّقونني، ولئنِ اعترفت لكم بأمرٍ ـ واللّهُ يعلم أني منه بريئة ـ لتُصَدِّقُنِّي، فواللّهِ لا أجِدُ لي ولكم مثلاً إلاّ أبا يوسفَ حين قال: {فصبرٌ جميل، واللَّهُ المستعانُ على ما تصفون} (يوسف: 18) ثمَّ تحوَّلتُ فاضطجعت على فراشي، واللّهُ يعلم أني حينئذٍ بريئة، وأنَّ اللّهَ مبرِّئي ببراءتي. ولكنِّي واللّهِ ما كنت أظنُّ أنَّ اللّهَ تعالى منزلٌ في شأني وحياً يُتلى، لَشأني في نفسي كان أحقرَ من أن يتكلم اللّهُ فيَّ بأمر، ولكن كنت أرجو أن يَرى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في النوم رُؤيا يُبَرِّؤني اللّهُ بها، فوالله ما رام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مجلِسه ولا خرَج أحدٌ من أهل البيت حتى أنزلَ عليه، فأخَذهُ ما كان يأخذهُ منَ البُرَحاءِ، حتى إنه لَيتحدَّرُ منهُ العرَق مثلُ الجُمان ـ وهوَ في يومٍ شاتٍ ـ من ثِقَلِ القولِ الذي أنزلَ عليهِ. قالت: فسُرِّيَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو يَضحكُ، فكانت أوَّل كلمةٍ تكلمَ بها أن قال: يا عائشة، أمّا اللّهُ فقد برأكِ. قالت: فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: لا واللّهِ لا أقوم إِليه، فإِني لا أحمدُ إِلاّ اللّهَ عز وجل. قالت: وأنزلَ الله تعالى: {إن الذين جاؤوا بالإِفك عُصبةٌ منكم..} (النور: 11) العشرَ الآيات. ثم أنزلَ اللّهُ تعالى هذا في براءتي. قال أبو بكرٍ الصدِّيقُ ـ وكانَ يُنفِقُ على مِسطحِ بن أثاثةَ لقرابتهِ منهُ وفقره ـ: واللّهِ لا أنفِقُ على مِسطح شيئاً أبداً بعدَ الذي قال لعائشة ما قال. فأنزَلَ الله تعالى: {ولا يَأتلِ أولوا الفضل منكم ـ إلى قوله ـ غفورٌ رحيم} (النور: 22). قال أبو بكر الصِّديق: بَلى والله، إني لأحِبُّ أن يَغفرَ اللّهُ لي. فرَجعَ إِلى مسطحٍ النفقةَ التي كان يُنفِقُ عليه وقال: واللّهِ لا أنزِعها منه أبداً. قالت عائشة: وكان رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم سألَ زينبَ بنت جَحشٍ عن أمري، فقال لزينبَ ماذا علمتِ أو رأيتِ؟ فقالت: يا رسولَ الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمتُ إِلاّ خيراً. قالت عائشة: وهيَ التي كانت تُسامِيني من أزواج النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فعصَمَها اللّهُ بالوَرَع. قالت: وطَفِقَت أختُها حمنةُ تحاربُ لها، فهلكتْ فيمن هلك» قال ابن شهاب: فهذا الذي بلغني من حديث هؤلاءِ الرَّهْط. ثم قال عروة: «قالت عائشة: واللّهِ إنَّ الرجُلَ الذي قيلَ لهُ ما قيل ليقول: سُبحانَ الله، فوالذي نفسي بيدِه ما كشفتُ من كَنَفِ أنثى قطّ. قالت: ثمَّ قُتِل بعدَ ذلك في سبيل الله. إ. هـ.
    والحديث قصه ابن شهاب ورواه عنه البخاري وغيره، وهو موجود في كل كتب المفسرين المشهورة، فهل حدثت لعائشة هذه الحادثةً؟ وهل نزلت الآيات 11 – 17 من سورة النور لتبرئة عائشة فعلاً؟
    وللوصول لإجابة مقنعة لابد من مناقشة بعض نصوص الحديث قبل أن نتدبر آيات سورة النور وما تتحدث عنه.
    الإفك في الحديث الذي اعتمده المفسرون
    لو تتبعنا نصوص القصة التي وردت في الخبر السابق لوجدناها تذكر الآتي:
    " كان رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم إذا أرادَ سَفَراً أقرَعَ بينَ أزواجه ".
    والواقع أنه لا يوجد في كتب الحديث والتفسير والتاريخ والسير وغيرها من كتب الأخبار ما يؤيد هذا المنحى على الإطلاق. فمن التي صحبت الرسول في غزوة خيبر، ومن صحبته في غزوة تبوك، وغزوة أحد وبدر وغيرها من الغزوات؟ ويبدوا أن من وضع القصة أراد أن يسبق بالإجابة كل من يتساءل عن سبب وجود عائشة في الغزوة.
    أن عائشة قامت لقضاء حاجتها عندما آذنوا بالرحيل: " فقمتُ حين آذنوا بالرحيل فمشيتُ حتى جاوَزتُ الجيشَ ".
    ولو كان قد حدث ذلك بالفعل، فإن أي إمرأة في موقف عائشة ستبلّغ الركب وستطلب منهم أن ينتظروها، وبما أنها زوج رسول الله، فلابد أن الرسول هو الشخص الذي ستبلغه عائشة أولاً. وحتى لو افترض أنها لم تبلغ وذهبت لقضاء حاجتها في تلك اللحظة، فستتمكن من قضاء الحاجة والعودة قبل أن يكمل الجيش شد رحاله، لأن حمل المتاع والإستعداد للرحيل على الجمال يأخذ وقتاً أطول بكثير من وقت قضاء الإنسان لحاجته.
    وكيف تسير عائشة بين الرجال وهي في طريقها للخلاء دون أن يلحظها أحد؟ إلا إذا كانت تنيخ بعيرها في طرف المعسكر لأنها إمرأة يجب ألا تختلط بالرجال، ولو كانت أم المؤمنين وزوج رسول الله.
    يقول الخبر: " فلما قَضيتُ شأني أقبلتُ إلى رحلي فَلمستُ صدري فإِذا عِقدٌ لي من جَزع ظَفار قدِ انقطعَ، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه ".
    فإذا كانت قد فقدت عقدها الذي لا يعوض لأنه صنع من جزع ظفار، ألا تطلب من الرسول أن يتريث الجيش قليلاً حتى تبحث عنه؟
    ويزعم الخبر: " وأقبلَ الرهط الذين كانوا يُرحِّلوني فاحتَملوا هَودَجي فرَحَلوه على بعيري الذي كنت أركبُ عليه ـ وهم يَحسبونَ أني فيه ".
    فهل من المعقول أن يحمل الرجال الهودج على البعير، دون أن يسلموا على أمهم، وهذا يظهر أن من صنع الخبر عاش في وقت وصل فيه التشدد في عزل النساء عن الرجال أوجه، ولذلك لم يكن يتوقع أن يتساءل أحد عن عدم اكتشاف الرجال غياب عائشة، وكأنهم اعتادوا عدم الحديث إليها واعتادت هي عدم الحديث إلى الرجال، وغاب عن واضع الخبر أن كتب الحديث تمتلئ بأحاديث مروية عن عائشة، وأنها لم تنقطع عن مخالطة الرجال والرد عليهم.
    وكم متراً إبتعدت فيه عائشة عن الجيش لكي تقضي حاجتها في ليل دامس، لدرجة أنها لم تتمكن من رؤية الناس وهم يبتعدون عنها؟ أو تصرخ طلباً لإنتظارها؟
    وحتى لو لم تتمكن من رؤيتهم فبإمكانها سماع أصواتهم الصاخبة المصاحبة لحمل متاعهم على ظهور الجمال التي لابد أنها كانت تصدر رغاؤها العالي أيضاً. وهذا يجعل من السهل على عائشة أن تتبين ابتعاد الأصوات كدليل على ارتحال القوم، وفي هذه الحالة، فأي امرأة في وضع عائشة ستهرول راكضة وهي تصرخ بأعلى صوتها طلباً من الركب أن ينتظرها، ولن تبقى تبحث عن عقدها ولو كان يساوي وزن الدنيا ذهباً، لأن بقاء امرأة بمفردها في الصحراء، سيعرضها لأن تكون فريسة للسباع الحيوانية والإنسانية على حد سواء، وإذا كانت عائشة صغيرة السن في ذلك الوقت فهذا سيجعلها أكثر خوفاً من الإبتعاد عن الجيش والتخلف عنه ولو لدقيقة واحدة.
    ولايمكن أن تشعر طفل أو إمرأة مسنة، بالأمان في تلك الأوضاع وذلك الزمن، حتى تنام نوماً عميقاً لا تنهض منه إلا صبيحة اليوم التالي وسط صحراء موحشة. " فبينما أنا جالسةٌ في منزلي غلَبَتْني عيني فنِمت ".
    وحتى لو كان خرز ظفار لا يعوض، فقد كان الخيار الأمثل لأي شخص، في ثوب عائشة، أن يطلب من الرسول التريث في الرحيل، والبحث عن العقد في الصباح وعندما يعثر عليه يؤذن بالرحيل، خاصة أن مسير القوافل يكون في العادة أثناء النهار، وخاصة أن سير القوافل في الصحراء يتم بوتيرة متثاقلة يحكمها سير الجمال المتأني، ولذلك فنقص أو زيادة يوم في سفر القوافل لا يعتبر فارقاً ذا بال.
    ولماذا ذكر على لسان عائشة أنها قالت " ودنونا من المدينة " ؟
    وكأن ذكر دنوهم من المدينة مبرراً لرحيلهم في الليل، لكي يصبِّحوا المدينة، ولكن الحديث يظهر أنهم لم يصلوا المدينة صبيحة اليوم التالي، بل ساروا طوال ذلك اليوم وأياماً لاحقة بعده. ويكون طلب الرحيل منتصف الليل غير مبرر وغير معتاد، لأن المعتاد والطبيعي أن يسير الركب في النهار، للتعرف على معالم الطريق. كما أنهم قافلون من غزوة وليسوا في أرض حرب يخافون أن يدهمهم العدو وهم نيام، ولم يكونوا على مشارف المدينة لكي يرحلوا من مكانهم الذي باتوا فيه، منتصف الليل أملاً في الوصول للمدينة مع تباشير الصباح الأولى.
    ولم يعط الخبر أي مبرر لتأخر صفوان عن الجيش، وهذا عيب آخر في بناء القصة لم يفطن له من إختلقها. ومثل ذلك تصويره لمرور صفوان بالبقعة التي نامت فيها عائشة وكأنه مجرد صدفة. إلا إذا كان مختلق القصة أراد أن يوحي أن ما قالته عائشة عن سبب تأخرها عن الجيش وتزامن ذلك مع تأخر صفوان، هو إتفاق مسبق بين عائشة وصفوان ليقضيا تلك الليلة مع بعض، وبالتالي فعائشة متهمة بجرم مع سبق الإصرار.
    ولم يفطن مخترع القصة أن عائشة لو كانت على علاقة محرمة وسرية بصفوان، فسيكونا حريصين على عدم إفتضاح أمرهما وبالتالي عدم الإجتماع إلا في ظروف يأمنا فيها أنه لا أحد يعلم بتواجدهما، وأنه من الحمق أن يخططا للتخلف عن الجيش ويبيتا لوحدهما ثم يلحقا بالجيش نهار اليوم التالي على مرأى ومسمع من الرسول وكل المشاركين في تلك الغزوة، وكأنهما يقران بكل وقاحة بما اقترفاه في الليلة السابقة على رؤوس الأشهاد، ولا يمكن أن يكون أحد بهذا الحمق.
    ويعد ذلك يقول راوي القصة أن صفوان عرف عائشة حين رأى سواد إنسان نائم، دون أن يرى وجهها لأنها متغطية بعباءة سوداء على ما يبدو، ولم تكلمه ولا بكلمة. وهذا الكلام يدل على أن واضع الخبر قد وضعه متأثراً بثقافة المجتمع الذي عاش فيه والذي تفشى فيه تسمية غطاء وجه المرأة بالحجاب، ولذلك كان واثقاً من أحداً لن يحتج عليه بأن معنى الحجاب في الآية هو الجدار والساتر وليس غطاء وجه المرأة.
    وهل يعقل أن لا يكلم صفوان أم المؤمنين ولا تكلمه؟ وما المانع في أن يكلمها وتكلمه، ولو بإلقاء السلام، وسؤالها عن سبب وجودها بمفردها في أرض فلاة؟
    ولكن من الواضح أن مؤلف القصة قصد عمداً أن يثير هذه التساؤلات لكي يوحي بطريق غير مباشر للقارئ أن شيئاً ما حدث بينهما معاكس لما أفصحت عنه القصة. وهو حريص على أن يكون ذلك الرجل هو صفوان بالتحديد، ولذلك أورد إسمه كاملاً حتى لا يخلط بينه وبين صفوان آخر. وإلا فمن يسرد قصة مثل هذه القصة لا يحتاج للتأكيد على أنه " صَفوانُ بن المعطِّل السُّلميّ ثم الذَّكوانيّ " كما جاء في الخبر وبإصرار مريب.
    وعندما لحقت عائشة بمعية صفوان بالجيش لم يتكلم الناس بشيء، ولم يسألها الرسول ولا غيره لماذا تخلفت، ولو من باب الإطمئنان؟ وسار الجميع وكأن شيئاً لم يكن. وهذا وضع غير طبيعي ولا يمكن حدوثه على أرض الواقع، ولكن القاص أراد أن يتوافق هذا الموقف مع ما يريد أن يقوله لاحقاً من أن الإشاعة بدأت تنتشر رويداً رويداً، ولو أن الرسول والجيش المسلم سألوا عائشة وصفوان عن سبب تأخرهما في اللحظة التي انضما فيه للجيش فإن الألسن ستلوك تصرفهما لحظتها وبدون تأخير.
    ولذلك زعم رواي الخبر أن عائشة مرضت لمدة شهر، لكي تعطى الفرصة للإشاعة أن تنتشر ويتحدث بها الناس وفي نفس الوقت لكي ينزل بها قرآن من السماء لتبرئتها.
    ومن التخبط الذي وقع فيه واضع الخبر ما قاله في نزول الوحي ببراءة عائشة، فمرة يقول بأن عائشة تنتظر الوحي وتعلم بأنه سينزل، وذلك عندما قالت " حِينَ استَلْبَثَ الوحيُ". وتؤكد هذا الشعور مرة أخرى بقولها " ولقد لبث شهراً لا يُوحى إِليه في شأني بشيء". ولكن عائشة تعود وتؤكد أنها لم تعتقد بأن وحياً من السماء سينزل بشأنها " ولكنِّي واللّهِ ما كنت أظنُّ أنَّ اللّهَ تعالى منزلٌ في شأني وحياً يُتلى".
    ويتضمن الخبر ما يظهر بأن الإعتقاد السائد في الزمن الذي وضع فيه الخبر كان اعتماد الأحلام كدليل شرعي " ولكن كنت أرجو أن يَرى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في النوم رُؤيا يُبَرِّؤني اللّهُ بها ".
    ولماذ لم يخبر الرسول عائشة أو يخبرها والدها أو والدتها أنها متهمة، ولم تعلم إلا بالصدفة من أم مسطح التي خرجت معها لقضاء الحاجة في الخلاء.
    وكيف يتهم رجال بقذف عائشة مع أن أول من قذفها زوجات رسول الله الأخريات بدافع الغيرة، كما ورد على لسان أم عائشة "قالت: يا بنية، هَوِّني عليك. فواللّهِ لقلما كانتِ امرأةٌ قطُّ وَضِيئةً عندَ رجلٍ يحبُّها لها ضَرائرُ إِلاّ أكثرْنَ عليها ".

    ثم كيف يستشير الرسول أُسامة بن زيدٍ في فِراق عائشة. مع أن أسامة ابن زيد كان عمره عند وفاة الرسول ثمانية عشر عاماً، وإذا كانت غزوة المريسيع وقعت في السنة الخامسة من الهجرة، والتي حدث ما حدث لعائشة أثناء الرجوع منها، فإن عمر أسامة ابن زيد عندما استشاره الرسول كان 12 عاماً على أكبر تقدير. وهو ما يؤكد أن واضع الخبر عاش في زمن لاحق وبعد وفاة أسامة ابن زيد بوقت طويل، ولم يكن سمع أن أسامة قد عينه الرسول لقيادة جيش وهو في الثامنة عشر من العمر وتوفي الرسول قبل أن يخرج ذلك الجيش من المدينة.

    ونأتي لما قد يكون المغزى الأهم للقصة وهو ذكر أن علي ابن أبي طالب قد أشار على الرسول بترك عائشة والزواج بغيرها من النساء الكثر. ليوحي كاتب القصة أن هذا كان مبرراً وجيهاً في قيام عائشة بعد واحد وثلاثين سنة من تلك المشورة بمحاربة علي ابن أبي طالب لأنها أرادت أن تنتقم منه لما سبق وأشار به على رسول الله بطلاقها، ولينسى الناس السبب الحقيقي وراء تحريض أم المؤمنين عائشة المسلمين ضد علي ابن أبي طالب، وخروجها على رأس الجيش الذي حاربه في معركة الجمل المشهورة. ونسيان ما قد يكون لدى عائشة من دافع قوي، جعلها تخرج لحرب علي وتحريض الناس ضده، إعتقدت معه أن على المسلمين منع علي من الإستيلاء على السلطة.

    وما الهدف من ذكر قصة اعتذار الرسول من عبد الله ابن أبي والتي جاءت عرضية وكأنها محشوة في سياق الخبر لأن الرسول لم يصل إلى ما أراد أن يصل إليه؟ ومع ذلك فقد أظهرت هذه القصة التخبط الذي وقع فيه مؤلف الخبر، في من يضع عليه اللوم باتهام عائشة. فهو مرة يقول إنه عبد الله ابن أبي، ومرة زوجات الرسول، ومرة حسان ومسطح ومن معهم، ومرة علي.
    وتستمر التساؤلات بلا نهاية حول هذا الخبر الذي لا يماثله في الطول سوى خبر المعراج الذي يشابهه في افتقار فقراته للترابط والذي سيأتي ذكره في الحديث عن الإسراء.
    وكل هذه التساؤلات المطروحة والتي لم تطرح أردنا أن نقول بواسطتها أن من وضع هذه القصة كره معارضة عائشة لعلي ابن أبي طالب، فأراد أن يطبع في أذهان الناس صورة لعائشة لم يستطع أن يقولها لهم بصراحة. لأنه لو قال إن عائشة امرأة سيئة، حتى ولو لم يقل بأنها زنت، فلن يجد من يجرؤ على تناقل قصته، لاعتبارات عدة أهمها قوة حضور الرسول في نفوس المسلمين على اختلاف فرقهم وعقائدهم.

    وقد نجحت مساعي واضع القصة، ووجد المسلمون في أنفسهم من أم المؤمنين عائشة، وإن اختلفت ردود أفعال المسلمين حيالها، باختلاف مذاهبهم وعقائدهم. فبعض الشيعة لم يجدوا في أنفسهم حرجاً من وصف عائشة بأي صفة تحط من قدرها، وتصورها على أنها امرأة سوء.
    بينما ترجم بعض من يسمون أنفسهم بالسنة موقفهم من أم المؤمنين، بعدد من التشريعات التي جاءت بخلاف تصرفاتها. ومن ذلك تحريمهم أن تصل المرأة للمراكز القيادية، لأن عائشة قامت بقيادة حملة معارضة لعلي ابن أبي طالب وقيادتها للجيش الذي التحم معه في معركة الجمل المشهورة. وبطبيعة الحال نسبوا تشريعهم لخبر منسوب للرسول، حتى لا يفطن عامة الناس أن سبب التشريع هو مناهضة تصرفات عائشة، وتأثرهم بخبر الإفك. والخبر كما جاء في البخاري هو: حدَّثنا عثمانُ بن الهيثم حدَّثَنا عوفٌ عن الحسنِ عن أبي بكرةَ قال: لقد نفَعني اللهُ بكلمةٍ سمعتها من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أيامَ الجمل بعدما كِدتُ أن ألحقَ بأصحابِ الجمل فأُقاتلَ معهم. قال: لما بلغَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن أهل فارسَ قد ملَّكوا عليهم بنتَ كِسرَى قال: لن يُفِلحَ قومٌ ولوا أمرَهُم امرأة.(البخاري: 4317)
    وإن صحت نسبت الخبر لإبي بكرة، فهو يظهر أن الرجل لم يرغب في الإشتراك بجيش علي ابن أبي طالب ضد عائشة، وبما أنه يعيش في المناطق التي يسيطر عليها علي، فأراد أن يبرر موقفه الرافض حتى لا يعتبر عصياناً، فأورد هذا الخبر، وبما أنه ضد إمرأة فقد كان متأكداً من قبول الناس له، في ذلك المجتمع الرجولي.
    ويؤيد كراهية أبا بكرة للإنضمام لجيوش علي حتى بعد موقعة الجمل أنه أورد خبراً آخر يبرر به موقفه، وهذا نص الخبر كما جاء في مسلم: حدّثني أَبُو كَامِلٍ، فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ وَيُونسَ، عَنِ الحَسَنِ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ ، قَالَ: خَرَجْتُ وَأَنَا أُرِيدُ هَـٰذَا الرَّجُلَ. فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ يَا أَحْنَفُ قَالَ قُلْتُ: أُرِيدُ نَصْرَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللّهِ . يَعْنِي عَلِيًّا. قَالَ فَقَالَ لِي: يَا أَحْنَفُ ارْجِـعْ. فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ يَقُولُ: «إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» قَالَ: فَقُلْتُ، أَوْ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللّهِ هَـٰذَا الْقَاتِلُ. فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ قَدْ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ.(مسلم: 7201)

    الإفك في القرآن الكريم
    لو أن القراء تمعنوا بالآيات الست والعشرون الأولى من سورة النور، وقرأوها وكأنهم يقرأونها لأول مرة، مع نسيان ما قد يكونوا سمعوه من أقوال المفسرين والفقهاء وغيرهم من رجال الدين المسلمين حولها، لوجدوا أن الآيات تتحدث عن موضوع ليس لعائشة علاقة به، لأن سورة النور تفتتح بهذه الآية: سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فهي نزلت خصيصاً لفرض بعض الحدود، وليست للحديث عن حادثة معينة، ولذلك تسمى سورة النور أو سورة الحدود.
    وفي الآية الثانية جاء حد الزنى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ.
    ثم جاءت الآية الرابعة لتبين حد (عقاب) من يقذف (يتهم) أي إمرأة مسلمة بأنها اقترفت الزنى بدون بينة: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. لتقرر أن حد القاذف أو المتهم (بكسر الهاء) هو 80 جلدة، وعدم قبول شهادته مستقبلاً إلا لو تاب، وهو ما تقرره الآية الخامسة: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.
    ويلاحظ أن حد القذف يتساوى فيه الثيب والبكر من الرجال والنساء، وهو ما يؤيد أن حد الزنى كذلك. فالمحصنات لا تعني بالضرورة المتزوجات أو من سبق لهن الزواج، بل تعني النساء الحرائر، لآن الآية نزلت عندما كان المجتمع يعج بالإماء، وقد ورد معنى المحصنات بمعنى الحرائر في عدد من الآيات القرآنية، منها ما جاء في الآية 25 من سورة النساء: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا.
    وتأتي الآيات من السادسة وحتى الآية العاشرة لبيان الحكم في حال إتهم أحد الزوجين الآخر بالزنى بدون دليل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ. وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ. عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ. وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ. وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ.(النور:6 – 10)
    فإن ثبت على المتهم الزنى وإلا يقام على الزوج الآخر حد القذف مع عدم قبول شهادته في المستقبل إلا إن يتوب.
    وتعود الآيات التالية من 11 إلى 18 من سورة النور، إلى الحديث عن القذف، وهو الإتهام الظني بدون دليل قاطع على ارتكاب الزنى، لأن هذا إفك وكذب وبهتان: إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ. لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ. لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ. وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ. وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ. يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
    والآيات السابقة جاءت لعموم المسلمين، ولا يوجد فيها إشارة إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه ولا زوجه عائشة أم المؤمنين، لا من قريب ولا من بعيد.
    ولا يوجد فيها ما يفهم منه على أنه تبرئة لشخص معين بما اتهم به. يقول تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ. وهذا لا يشير لأناس تكلموا في عرض عائشة، ولكن الآية تقول إن الحديث في أعراض الناس كلهم يحرمه الإسلام، وجاءت الآيات لتشرع حداً لمنع تكرار ما اعتاده الناس من الخوض في أعراض بعض، وهذا ما جاءت الآيتان 19 & 20 لتأكيده، ولتمنع القذف منعاً باتاً في المجتمع الإسلامي لأنه ترويج للفواحش ونشرها: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ.
    ولو كانت هذه الآيات نزلت لتبرئة عائشة، لما طلبت الآيات من الناس أن يأتوا بأربعة شهداء، لأن القصة تزعم، أن كل جيش الغزوة رأوا صفوان وعائشة عائدين لوحدهما للجيش صبيحة اليوم التالي، ولم يكن من الممكن أن يكون هناك أربعة شهداء سيشهدون بما فعله صفوان وعائشة، ولم يكن أمام الرسول في هذه الحالة سوى سؤالهما فإن أقرا أقيم عليهما حد الزنى وإن أنكرا فلا حد عليهما، ولكن لا مجال لطلب الشهود على الإطلاق.
    وتكون هذه الآيات نزلت لتحريم الخوض في أعراض الناس عموماَ، وتأمر المسلمين بأن يقدموا الدليل القطعي على الزاني والمتمثل بأربعة شهود، فإن لم يتمكنوا من ذلك فيجب عليهم السكوت.
    وقد حرم الإسلام الخوض في الأعراض، حتى ولو بعرض شخص ثبت عليه الزنى، في الآية (21) لأن منع القذف يأتي لتنزيه المجتمع من الفواحش، وإلا لو تم تتبع هفوات الناس فلن يوجد شخص إلا وقد وقع في الفواحش التي يتهم بها أخيه أو أخته، أو أنه عرضة للوقوع فيها في أي وقت، فكيف يعيب ويتهم الآخرين بما وقع أو قد يقع هو نفسه فيه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
    وأكدت الآيات من (23 إلى 25) أن من يقذف المؤمنات فعليه لعنة رب السماوات والأرض، وأن مصيره النار، وسيكشف له يوم القيامة ما اقترفه هو من فواحش، عاب الآخرين على اقتراف مثلها أو أقل منها: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ.
    ولتختم الآية (26) موضوع القذف والزنى بالقول بأن المجتمع المسلم لابد أن يتصف كل أفراده بالطيبة وإحسان الظن بالغير، والبعد عن الخبث والخبائث: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ.
    وتكون هذه الآيات الست والعشرون الآولى من سورة النور تتحدث عن موضوع الزنى والقذف عموماً، وليس لها علاقة بحادثة معينة، قالت كتب الأخبار أنها حدثت لعائشة. ويكون خبر الإفك إفكاً بذاته، تم إلصاقه بعائشة لتبدوا وكأنها ومنذ كانت زوجة للرسول لم تكن تلك المرأة الصالحة، وأن موقفها المعادي لعلي لم يكن أول ما ظهر منها من سوء، لتصوير أن موقف عائشة المعادي لعلي وشحنها الناس ضد توليه الخلافة ناتج من فساد عائشة وليس من عدم صلاحية علي للحكم.
    وبطبيعة الحال لسنا هنا لنسجل موقفاً معادياً أو متعاطفاً مع عائشة أو علي أو صفوان أو غيرهم ممن سموا بالصحابة من رجال أو نساء، لأن كل واحد منهم قد يصدر منه صالح الأعمال، وفي نفس الوقت ليس معصوماً من الوقوع في الخطأ. وسيسأل عما بدر منه ويجزى عليه، إن خيراً فخير وإن شراً فشر. ولأن ما اقترفوه من أعمال لا يمثل الإسلام ولا يقاس به، وإن كانت أعمالاً حسنة، فالإسلام دين الله والصحابة عباد الله، ولا يمكن قياس صلاحية دين الله بتصرفات عباده.
    ولكننا نقول بأن أي شخص يقرأ قصة ما سمي (الإفك) يدرك أنها مفبركة وموضوعة، وأن واضعها لم يحسن حبكها، كما أن من يقرأ آيات سورة النور بتجرد يرى أن الآيات نزلت لتشرع حد القذف لعموم المسلمين من بين عدة حدود أنزلت السورة من أجل تشريعها، ولم تنزل أي من آياتها لتبرئة أم المؤمنين عائشة من تهمة لم تحدث لها.

  24. #114

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    من المؤسف ..

    ان تكون رحلتنا في تقديم هذا الكتاب قد شارفت على نهايتها ..

    لم يبقى الا نص واحد وأخير فقط ..

    لقد فتح هذا الكتاب أبوابا لم يعد احد يستطيع إغلاقها , وقد لا يبدو ذلك محسوسا أو معلنا , ولكن الكثير الكثير من النقاط التي أعادها مؤلفنا هنا , إلى جذور أبعد وتاريخ أدق ومواضع جديدة وجغرافية صحيحة ومنطق جيد وإنسانية أغنى , في التراث الإسلامي الخلافي , سوف يأتي اللاحقون فيبحثون فيها أعمق وأعمق ..

    هذا لا يعني ان شيئا في المدى المنظور سيتغير , ولكن وبالتأكيد :
    توترات غبية في عالمنا الإسلامي , ستخف ..
    وعداوات موروثة في تاريخنا السياسي الإسلامي , ستخبو ..
    ومقدسات بغيضة في دين توحيدي في أصغر تفاصيله , لا يمكن ان يتقاطع مع القداسة والشخصنة أبدا , ستهمل ..
    وعقل يرى بعينه ما يحتاج رؤيته , وقلب ما أن يبدأ يقرأ في كتاب الله , حتى يطمئن ..

    المعرفة بالله عقل , والأيمان قلب ..

    والهداية في قاف القلب وبائه ..

    افتح عين عقلك على ودائع الله في قلبك , فترى ما يجب ان تراه , وتطمئن .

    كل هذه التفاصيل لا تغني عن بحث العقل في داخل النفس المؤمنة بفطرتها , فإذا التقيا , كان الإيمان خفيفا لطيفا سهلا ..
    وإذا اضطربا كان الإيمان صعبا قاسيا ثقيلا .

    وكل ما في هذا الكون , خير من الله .
    وكل هذا الفعل الإنساني , من الإيمان , أو بعضه , أو سعيا اليه .

    هذا التراث الإسلامي السياسي , هو صراع سياسي , وهذا موضعه في الدين , فالدين قائم دائم , وكل ما عداه فان وزائل .

    والانتصار لمن سبق , لا يغني عن شيء , والحكم فيما مضى وكان , باطل , باطل .

    كل التراث الإسلامي , يقبل الرواية والأخرى , الا القرآن الكريم .

    فمن أراد اهتدى , ومن أراد ضل وبغى .

    ما بالنا
    نجعل بعض أهل البيت , وبعض اوائل الصحابة , وبعض اوائل الشهداء , وبعض اوائل المؤمنين
    غرانيق .

    هذه الأفراد الأول , لها إرادتها , واختطت بحريتها , ذنوبها وتوبتها , ورحيلها وترحالها , لها عند الله ما لها , وعليها ما عليها , والكل فردا فردا , تواقة نفسه إلى ربها , تحتاج مهما فعلت وكان , إلى رحمته , والله الواحد , الغني , العدل , غني برحمته .

    وهذه الجماعات الأول , سارت إلى الحرب والسلم , والخلافة والخلاف , والقرب والبعد , بقضاء من الله في ثوب الاسلام , في دروب مقاديرها .

    قدر الله لها , وقضى فيها , وشاء , وفعل .

    تلك خليقته , وتلك حكمته , وتلك أمته , والإسلام دينه , والنبي نبيه , والكتاب كتابه .

    ما أحوجنا يا الهي
    إلى القليل من العقل , في عظيم ودائع القلب .

    الهي الهي
    ما لي , وعدلك ينصفني , وفي نفسي ظلم كبير .
    ما لي , ورحمتك تغمرني , وفي نفسي شر كبير .
    ما لي , وعظمتك تحيطني , وفي عقلي مثاقيل من كبر .
    ما لي , ووحدانيتك تظللني , وانا الفرد الواحد الأصغر .

    ارحمني يا الهي واعفو عني , إني يضيق بي صدري , ويغلبني ظني .

  25. #115
    عضو نشيط الصورة الرمزية صقر جباليا
    تاريخ التسجيل
    01 2007
    الدولة
    جباليا القسام
    المشاركات
    1,248

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    بارك الله فيك والى الامام"

  26. #116

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    المثال الثالث: الإسراء والمعراج

    السورة السابعة عشر في المصحف تبدأ بقوله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ.
    وهذه الآية تحدث عنها المفسرون أكثر مما تحدثوا عن أي آية من آيات السورة الأخرى والبالغ عددها (111 آية). ويقولون أنها تخبر عن رحلة ليلية لمحمد صلوات الله وسلامه عليه من مكة إلى القدس على ظهر حيوان إسمه البراق "وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه " وقد ركبه الرسول حتى أتى بيت المقدس، حيث ربطه في حلقة هناك مخصصة لربط دواب الأنبياء، ثم دخل المسجد الأقصى وصلى بالملائكة ركعتين ثم عرج به إلى السماء، دون إيضاح للوسيلة التي أقلته إلى هناك، وقد تجول في السماوات السبع، بدءً من السماء الأولى، والتقى برسل وأنبياء ذكروا في القرآن. ودخل الجنة ورأى بعضاً من نعيمها المعد للمؤمنين " ثم أدخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها من المسك "، كما دخل النار ورأى كيف يعذب بعض الناس عن ذنوب مختلفة، قبل أن يستكمل رحلته إلى شجرة سدر تقع تحت العرش، حيث خاطبه الله "دنا الجبار ربّ العزّة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أمته كلّ يوم وليلة " ولكن موسى إعترض وأقنع محمداً بالرجوع لربه طلباً للتخفيض، فخفضت إلى خمس وأربعين، فاعترض موسى مرة أخرى، وعاد محمد لربه يطلب مزيداً من التخفيض، وتكرر المشهد عشر مرات قبل أن يستقر عدد مرات الصلاة إلى خمس فقط، لأن محمد استحى أن يعود إلى ربه بعد ذلك.
    وقد أنكر بعض المفسرين أن يكون الرسول قد رأى ربه في تلك الرحلة، بينما أكد الرؤية البعض، ومنهم الجلال السيوطي الذي ذكر في تفسير الجلالين أن الحاكم روى في المستدرك عن ابن عباس قال: قال صلى الله عليه وسلم « رأيت ربي عزّ وجلّ».
    وخبر الإسراء والمعراج يحوي تفاصيل كثيرة وغريبة غير ما ذكر، موجودة في كتب التفسير وكتب الحديث المشهورة.
    وقد تحولت قصة الإسراء بالرسول والعروج به للسماء من المسلمات الثابتة لغالبية المسلمين، عامتهم ورجال دينهم، التي لا تقبل الجدل أو النقد. وسنتطرق لبعض ما ورد في الخبر، ونمتحن مصداقيته، ثم نتعرف على تاريخ المسجد الأقصى وهل كان هناك مسجد أيام محمد صلوات الله عليه، أو مكان لعبادة الله في القدس لإبراهيم الخليل أو لموسى عليهما الصلاة والسلام. ثم نتدبر الآية وما تتحدث عنه.
    مناقشة الخبر
    • يقول المفسرون أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد ركب " وسيلة نقل " أوصلته من مكة إلى القدس في لحظات، وإذا عرفنا أن المسافة بين البلدين، وبخط مستقيم، تزيد عن (1500) كيلو متر، فإن وسيلة النقل كانت غير اعتيادية حتى في لغة العصر الحاضر، ويكون البراق يسير بسرعة تزيد عن سرعة الصوت، وقد أوحى المفسرون بذلك عندما وصفوا سير البراق بأنه " يضع حافره عند منتهى طرفه". وهذا لا اعتراض عليه، ولكن لم تذكر الأخبار أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قد لبس ملابس خاصة لهذه الرحلة على ظهر ذلك الحيوان الذي يسير بهذه السرعة العالية، لأن جسد الإنسان سيتمزق بسبب قوة إحتكاكه بالهواء. ويكون الخبر أغفل هذه الحقيقة لأنها غير معروفة للناس ومنهم رواة القصة، في ذلك الوقت.
    وتكون الرحلة إما أنها لم تحدث، أو أن الرسول لم يتحدث عما لبسه.
    • وتقول قصة الإسراء أن الرسول عليه الصلاة والسلام وصل مباشرة للمسجد في بيت المقدس ولم تذكر كيف دخل المدينة، وكل ما تذكره أنه ربط البراق في حلقة مخصصة للأنبياء لربط دوابهم.
    فلماذا تربط وسيلة النقل التي أرسلت بعلم الله جل وعلى لهذه المهمة الخاصة؟
    والبراق ليس حيواناً كالخيل أو البغال أو الحمير أو الجمال التي اعتاد الناس ركوبها في ذلك الزمن والتي تحتاج لحلقة تربط فيها حتى لا تتجول بحرية قد تنتهي بها إلى الضياع.
    ولماذا هناك حلقة مخصصة للأنبياء لربط دوابهم في ذلك المكان؟
    فإن كان المقصود بدوابهم الدواب العادية من خيل وجمال، وأن لها حلقة خاصة لا يجوز للإنسان العادي أن يربط فيها دابته، ففي هذا تعال وكبر وتميز ينهى عنه الدين.
    ولو كان هناك حلقة خاصة بالأنبياء لحافظ عليها الناس وعظموها حتى الوقت الحاضر، ولذكرها المؤرخون من كل دين. أما إن كان المقصود هو أن الأنبياء قبل محمد أسري بهم إلى ذلك المكان ومنه عرج بهم للسماء، مستخدمين ذلك البراق أو دواب من جنسه، فهذا ما لم يقل به أحد من المفسرين ورجال الدين، الذين يؤكدون أن الإسراء والمعراج خاص بمحمد.
    والأقرب أن الراوي الذي فلتت منه عبارة ربط البراق في حلقة، أراد أن يجعل تلك العبارة مقبولة، فأشار إلى أن تلك الحلقة التي ربط إليها البراق ليست أي حلقة من الحلقات التي تربط إليها دواب العامة، بل هي حلقة لها منزلة خاصة، حيث لا يستخدمها إلا الأنبياء، ولم يفطن لما قد تثيره عباراته من تساؤلات!
    • ويقول الخبر " ثم عرج به إلى السماء " دون بيان للوسيلة التي استخدمت لتقل رسول الله وجبريل، وكأن الرحلة من مكة للقدس أصعب من الرحلة من الأرض للسماء، ولذلك حرص على أن يذكر أن الرسول ركب البراق إلى القدس، ولم يذكر الوسيلة التي أقلته إلى السماء.
    أو أن الراوي اعتاد ركوب الدواب على الأرض فذكر البراق، ولكنه لا يتصور على الإطلاق أن هناك وسيلة نقل يمكنها الطيران في الجو، فترك ذكر الوسيلة التي أقلت الرسول للسماء لعجزه عن تصور وصف لها.
    • وقصة الإسراء وإن كانت لا تُظهر كيف وصل رسول الله للسماء، إلا أنها تؤكد أنه وصل بمعية جبريل.
    فهل احتضنه جبريل وطار به؟ أم أنه ركب وسيلة نقل أخرى؟
    بطبيعة الحال هذه تفاصيل لم تساعد الراوة مخيلتهم لتصورها، ولم يفطن لها أحد منهم، لأن تركيزهم لم يكن منصباً على حبك القصة، بل على توصيل خبر الرحلة من مكة للقدس ومن القدس إلى السماء.
    • وعندما وصل الرسول مع جبريل إلى السماء الدنيا، يقول الخبر بأن جبريل طرق أحد أبوابها، " قيل: مَن هذا؟ قال: جِبريل. قيلَ: ومَن معك؟ قال: محمد. قيلَ: وقد أرسِلَ إِليه؟ قال: نعم. قيل: مَرحباً به، فنِعمَ المجيءُ جاء. ففَتَح".
    فهل السماء عبارة عن بناء له أسوار، كما القلاع والحصون التي قد يكون رآها الرواة، وقاسوا عليها هيئة السماء، فتصوروا أن لها عدة أبواب، وأن على كل باب حرس، وأنه لا يمكن الدخول قبل أن يتأكد الحرس من شخصية الطارق، تماماً كما الحصون والقلاع الأرضية في ذلك الزمن.
    والرواة اضطروا أن يتناسوا حقيقة جبريل، وأنه من الملائكة، ومخلوق نوراني مثلهم، وأنه لا يحتاج إلى طرق باب مقفل، ولا استئذان، للتأكيد على أن محمداً قد دخل مع جبريل للسماء، ولذلك فقد تكرر في الرواية أن جبريل كان يطرق الباب عند كل سماء، ليأتيه الجواب: من الطارق؟ ليجيب جبريل، ليقال له: من معك؟ فيقول: محمد.
    ولم يفطن أحد من الرواة أنه حتى لو كان على جبريل أن يستأذن، فلم يكن من المتوقع أن يسأله حرس الباب: ومن معك، إلا بعد فتح الباب ورؤية المخلوق الغريب مع جبريل، وليس أثناء طرق الباب حيث أن السور الذي تخيله الراوي لابد أنه كان يحجب الرؤية بين الحرس وجبريل، وإلا لما سألوا: " من الطارق؟ ".
    • ثم إنه كان من المفروض على حرس السماء أن يكون لديهم علم مسبق بحضور الرسول عليه الصلاة والسلام في زيارته الخاصة لرب السماوات والأرض، وهذا التنسيق يجيده البشر، فما بالك بعالم الملائكة المثالي، ولو أخفق ملائكة التنسيق والإعلام بإخبار حرس الباب بوقت الزيارة والباب الذي سيدخل معه لكانت معصية يعاقبون عليها كما عوقب ابليس، لأنها معصية لأمر الله ومشيئته مماثلة لمعصية إبليس.
    ويكون من المفترض أن يتهيأ أهل السماء لمجيئ محمد صلوات الله وسلامه عليه، الضيف الخاص المدعو من قبل رب العالمين، في تلك الزيارة الفريدة من نوعها لبشر، يدعى للتجول في السماوات السبع والإطلاع على أحوال أهل النار وأهل الجنة قبل أن يصل لسدرة المنتهى والعرش والتحدث مع الله جل وعلى. وبالتالي فبرنامج زيارة من هذا النوع يجب أن يكون معلوماً مسبقاً من قبل ملائكة السماوات بما في ذلك حرس الأبواب.
    ولكن يبدوا من عرض الخبر أن هذا لم يحدث، لأن حرس الباب لم يكن لديهم علم بأن محمداً قد بعث، عندما كانوا يسألون جبريل: " قيلَ: وقد أرسِلَ إِليه؟ قال: نعم ". ولم يكن لديهم علم بزيارته للسماء، وهذا التخبط في التنسيق غير موجود في عالم الملائكة المثالي، ولكنه موجود في عالم من قال بقصة الإسراء.
    • وثقافة من روى القصة متأثرة بثقافات ومعتقدات غير إسلامية، والتي تؤمن بأن الإنسان إذا مات وكان صالحاً فإن روحه تنتقل إلى السماء ويعيش هناك، وهو ما يتضح جلياً في حديثه عن مقابلة الرسول للأنبياء في السماوات بأشكالهم الدنيوية. ولم يتوقف المفسرون ورجال الدين الآخرون عند هذه النقطة ولم يلتفتوا لما تحمله من ثقافة منافية للثقافة الإسلامية التي تؤكد أن الإنسان يموت، ويفنى جسده: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ.(المؤمنون:15) أما روحه فتحفظ بعلم الله فيما سماه القرآن " البرزخ " ولا يشعر الإنسان بشيئ طوال فترة موته لأن ذاكرته توقفت عن التسجيل بمجرد موته، وستعود الذاكرة عند بعثه يوم القيامة: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ.(المؤمنون:16)، وكأنه مات للتو، بقول تعالى: وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.(النحل:77) وقد تحدثنا عن ذلك في فصل عذاب القبر.
    ويكون كل الأنبياء والرسل السابقين أموات الآن، مثلما أن محمداً نفسه ميت الآن: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ. ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ.(الزمر:30-31)
    والأنبياء عبيد لله يجري عليهم الموت بنفس الطريقة التي تجري على كل خلق الله من البشر: كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ.(آل عمرآن: 185)
    • وقد استمرأ القاص جرأته أكثر، فأورد أن الرسول قد تحدث مع الله كما يتحدث أي شخص مع شخص آخر، وذلك عندما تردد عليه طلباً لتخفيض عدد الصلوات. ولم يكترث أحد من رجال الدين أن يقول بأن هذا يتعارض مع قول الله تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ.(الشورى:51)
    وأن الرسول محمد وبشهادة القرآن وفي الآية التالية المباشرة من سورة الشورى يؤكد أنه لم يكلمه الله من وراء حجاب أبداً ولكنه كان يتلقى الوحي بواسطة (روح من الملائكة) الذي يلقى الوحي في ذاكرة الرسول دون الحاجة للتحدث معه ، يقول تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ.(الشورى:52)
    • وكل ما جدف به القاص لا يساوي شيئاً بالنسبة لما زعمه حول الطريقة التي فرضت فيها الصلاة. ومن ذلك ما جاء في كتاب البخاري بهذا النص: ....... حتى جاء سِدْرَةَ المنتهى ودنا الجبَّارُ ربُّ العزَّةِ فتدلَّى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحَى اللَّه فيما أوحَى خمسين صلاةً على أمَّتِكَ كُلَّ يومٍ وليلةٍ ثم هبطَ حتى بلغ موسى فاحتبسَهُ موسى فقال يا مُحمد: ماذا عَهد إليكَ ربُّك قال: عَهِد إليَّ خمسين صلاةً كلَّ يومٍ وليلةٍ، قال: إن أمَّتَكَ لا تستطيعُ ذلك فارجع فليخفف عنك ربك وعنهمْ فالتفت النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كأنه يستشيرُه في ذلك فأشار إليه جبريلُ أن نعم إن شئت فعلا به إلى الجبَّار، فقال وهو مكانُه: يا رب خَفِّف عنَّا فإِنَّ أمتي لا تستطيعُ هذا فوضع عنه عشر صلواتٍ ثمَّ رجع إلى موسى فاحتبَسه فلم يَزَل يُرددهُ موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صَلواتٍ ثم احتبسهُ موسى عند الخمسِ فقال: يا محمد واللَّهِ لقد راوَدْتُ بَنِي إسرائيل قوْمي على أدْنى من هذا فضعُفُوا فتركوه، فَأُمَّتُكَ أضعفُ أجساداً وقُلوباً وأبداناً وأَبصاراً وأسماعاً، فارجع فلْيُخفِّف عنكَ ربكَ، كلّ ذلك يلْتَفِتُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى جبريلَ لِيُشير عليه ولا يَكرَهُ ذلك جبريلُ، فرفعَهُ عند الخامسة فقال: يا رب إنَّ أمَّتي ضُعفاء أجسادُهُم وقُلُوبهم وأسماعُهم وأبدانهم فخَفف عنَّا، فقال الجبَّار: يا مُحمد، قال: لبيَّك وسعدَيك، قال: إنه لا يُبَدَّلُ القولُ لدَيّ كما فرضتُ عليكَ في أم الكتاب قال: فكلُّ حسنةٍ بعشْر أمثالِها فهي خمسونَ في أم الكتاب وهي خمسٌ عليكَ، فرَجع إلى موسى فقال: كيف فَعَلْتَ؟ فقال: خفَّفَ عنا، أعطانا بكُل حسنةٍ عشرَ أمثالِها. قال موسى: قد واللَّه راوَدْتُ بني إسرائيلَ على أدنى من ذلك فتركوه، ارجع إلى ربك فلْيُخفِّف عنكَ أيضاً، قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يا موسى قد واللَّهِ استَحْيَيْتُ من ربي مما اختلَفْتُ إليه..... أهـ.
    وهو جزء من حديث طويل أورده البخاري برقم (7351) والذي أوله: حدَّثَنا عبدُ العزيز بن عبداللَّهِ حدثني سليمانُ عن شريكِ بن عبداللَّه أنه قال: سمعتُ أنس بنَ مالكٍ يقول: «ليلةَ أُسْرِيَ برسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبةِ إِنه جاءه ثلاثةُ نفرٍ قبل أن يوحى إليه وهو نائمٌ في المسجد الحرام .....الخ.
    وهذا الخبر فيه تسفيه للمسلمين، في ما نسب لموسى أنه قال لمحمد " فَأُمَّتُكَ أضعفُ أجساداً وقُلوباً وأبداناً وأَبصاراً وأسماعاً ". وفيه تسفيه لمحمد الذي ليست لديه القدرة الذهنية لتقرير ماذا يفعل " فارجع فليخفف عنك ربك وعنهمْ فالتفت النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كأنه يستشيرُه في ذلك فأشار إليه جبريلُ أن نعم ".
    وهذا الخبر يصور الله - تعالى عن ذلك علواً كبيراً - وكأنه قرر فرض الصلاة بطريقة إرتجالية، ولم يكن متأكداً من صواب قراره، لأنه غير رأيه مراراً وتكراراً. بل إنه (سبحانه عما يصفون) لا يعلم إذا كان الناس يستطيعون القيام بالصلاة كما قرر في البداية أم لا، حتى إهتدى بخبرة وحنكة موسى نبي اليهود في هذا المجال، وكأن موسى مستشاراً إلهياً يستشيره الله فيما لا يستطيع تقريره (تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).
    وفوق هذا فالخبر فيه تسفيه أكبر من ذلك لذات الله، لأنه يصوره وكأنه لا يعرف ما لذي يستطيع الناس تحمله، ولولا موسى لأجبر الناس على أداء خمسين صلاة في اليوم، كل صلاة لها آذان ووقت للإنتظار بين الأذان والإقامة، بما يعني أن كل صلاة ستستهلك نصف ساعة، وبمجموع قدره خمس وعشرون ساعة في اليوم يقضيها الناس في الصلاة، أي أكثر من عدد ساعات اليوم الواحد، وهو ما استطعت أنا العبد الفقير أن أحسبه بكل سهولة، ولكن الله لم يستطع – حسب ما رواه البخاري والمفسرون.
    ثم إن الله بعد أن وصلت الصلوات إلى خمس رفض التخفيض قائلاً: " إنه لا يُبَدَّلُ القولُ لدَيّ ". وهو اقتباس للآية التاسعة والعشرون من سورة ق: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ. مع أن الله - حسب ما ورد في الخبر – بدّل قوله مرات عديدة، وكان سيظلم عباده بتحميلهم مالا طاقة لهم به. وهذه صورة تظهر الله وكأنه أحد المتغطرسين من الزعماء البشر الذي يصدر قراراً الآن ثم ينقضه بعد لحظة بقرار آخر، ويقول بكل وقاحة أن أمره لا يمكن نقضه.
    وبقدر ما أبرأ شخصياً من كل هذه الأخبار وأشهد بأن الله سبحانه منزه عنها، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، فإنني أيضاً أجزم بأن مختلق القصة متأثر بالتراث اليهودي الذي يرى أن من المعتاد أن يتكلم الله (جل وعلى) مع موسى وجهاً لوجه، كما ورد في كتابهم المقدس في عدة مواضع، ومنها ما جاء في كتاب الخروج وهذا نصه: ويكلم الرب موسى وجها لوجه كما يكلم الرجل صاحبه. واذا رجع موسى الى المحلّة كان خادمه يشوع بن نون الغلام لا يبرح من داخل الخيمة.(الخروج:33 : 11)
    ويستمر السفر واصفاً اللقاءات التي كانت تتم بين الله وبين موسى بقوله: وقال موسى للرب: أنظر أنت قائل لي أصعد هذا الشعب.... فقال الرب لموسى: هذا الأمر أيضاً الذي تكلمت عنه أفعله.... (الخروج:33 : 12 – 17)
    وقد نقل مختلق قصة الإسراء هذه الثقافة للتراث الإسلامي عندما صور موقفاً مماثلاً بين الله (جل جلاله) وبين محمد.
    وتظهر الثقافة اليهودية مرة أخرى لدى راوي القصة في زعمه أن موسى كان يشير على الله بالرأي الأصوب، لأن اليهود يؤمنون أن الحاخام الذي على الأرض وهو أقل من موسى مرتبة يستشيره الله (جل وعلى) إذا واجه مشكلة مستعصية، وهذا نص ما ورد في التلمود: إن الله يستشير الحاخامات على الأرض عندما توجد مسألة معضلة لا يمكن حلها في السماء.
    قلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ. (يونس:18)
    وإلا فالصلاة مثلها مثل بقية التشريعات الإسلامية والعبادات قد فرضها الله عن طريق الملك المكلف بالوحي دون أن يحتاج الرسول للصعود إلى لقاء الله تبارك وتعالى.
    وفوق هذا فإنه يستحيل أن يرى البشر الله سبحانه وتعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ. (الأنعام:103)
    أو يكلمهم الله مباشرة: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ.(الشورى:51)
    والتكليم من وراء حجاب لا يعني أنه مثلما يتحدث شخص مع آخر، ولكن يعني تكليما بطريقة لا نفهمها يتم بموجبها توصيل المعلومة لعقل البشر دون محادثة معتادة، كما حدث مع موسى: وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً.(النساء: 164)
    ومما سبق يتضح أن قصة الإسراء والمعراج بالسرد الوارد في كتب التفسير والحديث لا يمكن أن تصمد للنقد، وبالتالي فلا يمكن أن تكون حدثت، ولكن لو قال قائل إن تركيب القصة ضعيف ولكن هذا لا يلغي أن يكون الإسراء والمعراج قد حدث بوصف آخر. أي أن الرسول قد أسري به من مكة للقدس، ولو لم يركب البراق، وفي نفس الليلة عرج به إلى السماوات، ولو لم يلتق بالرسل ولم يرى الجنة والنار اللتان لم تخلقا بعد، ولم يصل لعرش الرحمن، ولم يكلمه سبحانه وتعالى، ولم تفرض الصلاة بتلك الطريقة.
    عندها نقول بأن هذا يعني أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد استخدم وسيلة نقل تسير بأسرع من الصوت لقطع الطريق بين مكة والقدس وهذا ممكن جداً، لأن بعض الطائرات الحربية تسير بمثل هذه السرعات العالية هذه الأيام. لكن كيف عُرج بمحمد عليه الصلاة والسلام إلى السماء؟
    وليس مهماً معرفة وصف المركبة بل المهم هو هل يمكن لبشر أن يصل إلى السماء، بموجب القوانين الفيزيائية والطبيعية التي أودعها الله سبحانه وتعالى في الكون، والمسافات الهائلة التي تفصل بين أجزائه؟
    وما نعرفه كبشر حتى اللحظة عن الكون الذي نعيش فيه والذي نشاهد نجومه (شموسه) تسطع في سماء أرضنا، أن سعته أكبر من أن نتخيلها، وأن مجرتنا المسماة درب اللبانة والتي تقع فيها مجموعتنا الشمسية ومليارات المجموعات الشمسية الأخرى، واحدة من مليارات المجرات التي يحويها هذا الكون، وأن الضوء يحتاج لقطع مسافة (100،000) سنة ليصل من أحد أطراف مجرتنا للطرف المقابل، وقطع مسافة تقدر بمليوني سنة ضوئية للوصول إلى أقرب مجرة لمجرتنا ، برغم أن الضوء يقطع مسافة (000،300) كلم في الثانية الواحدة، أو (9.460.800.000.000) كلم في السنة.
    ولا ندري كم هو الوقت اللازم للخروج من محيط هذا الكون، كما لا ندري إن كان المقصود بالسماوات السبع هو أكوان سبعة كل واحد له محيطه وعوالمه. ولكننا ندري أن أي جسم مادي، سواءً كان إنساناً أو جماداً، إذا تحرك بسرعة الضوء تحوَّل إلى طاقة وتلاشى، وبالتالي فلا يمكن لبشر أن يسير بسرعة الضوء، وهذه حقيقة وضعها الله سبحانه وتعالى وعرفها البشر.
    ولذلك كانت الملائكة نورانية، أي مخلوقة من نور(طاقة) أو ضوء خاص لكي تستطيع التجول في الكون بسرعات فلكية، قد يكون الضوء أقلها سرعة: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ.(الأعراف: 12)
    ومرة أخرى يكون الرسول صلوات الله وسلامه عليه لم يصعد للسماوات، ولم يكن هناك معراج، لأنه لكي يعرج بالرسول خارج مجرتنا فلابد أن تتغير جميع القوانين الطبيعية والفيزيائية التي خلقها الله سبحانه ليسير عليها الكون، وهذا لم يحدث ولن يحدث، لأن الله سبحانه وتعالى خلق الكون وتلك القوانين لحكمة أكبر من خلق الإنسان ووجوده، ولو إختلت تلك القوانين لاختل الكون بأكمله.
    ولو أصر بعض الناس على أن المعراج قد حدث بطريقة لا نعلمها، فسنقول: ما هي الحكمة من المعراج؟
    وماذا يحدث لو أن الرسول قد عرج به لخارج حدود مجرتنا " درب اللبانة" وليس لخارج الكون المعروف لدينا؟
    ولو استعرضنا القصص لمعرفة ما حدث للرسول في السماء فلن نستنتج منها أي حكمة على الإطلاق. فالرسول مؤمن بأنه مرسل ولا يحتاج لأن يتحدث مع الله سبحانه وتعالى لكي يؤمن. وطلب التحدث مع الله جل جلاله، منطق الكفار على مر العصور: وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ.(البقرة:118)
    أما طلب رؤية الله جل وعلى فهو ثقافة يهودية: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُّبِيناً.(النساء:153)
    ولو أن الرسول أخبر قريش بأنه عرج به للمساء فلن يصدقوه لأنهم لم يشهدوا ذلك، وإن كان الهدف من الإسراء هو تمكن الرسول من وصف الطريق بين مكة والقدس مما يعني إثبات الإسراء، فلماذ عرج به للسماء؟ ولم يكتفى بالإسراء.
    والإنسان خلقه الله بقدرات جسدية وعقلية محدودة جداً لا تمكنه من رؤية الله سبحانه وتعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ.(الأنعام:103)
    كما أن الجنة والنار لم تخلقا بعد لأن الله سبحانه وتعالى يقول بأن الجنة ستكون بعرض الكون الحالي: وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.(آل عمرآن:133)
    ولأن عالم الآخرة مختلف عن هذا العالم، وسوف يفنى هذا الكون ثم ينشأ كون الآخرة المختلف: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ [يونس : 4]
    ويتم ذلك بالنفخ في الصور مرتين، مرة لنهاية الكون الحالي، ومرة لقيام كون آخر ليتوائم مع حياة يوم القيامة: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ.(الزمر:68)
    والنفخ بالصور يعني انهيار الكون وكأنه قد نفخت كواكبه فتطايرت بدون ضوابط: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَة. وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً. فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ.(الحاقة:13-15)
    ويصور القرآن ذلك في مواضع كثيرة، منها: يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاء مَوْراً. وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْراً.(الطور:9-10)
    ويكون الصور هو الكون وليس كما تصوره كتب الأخبار التي تأثرت بالثقافة اليهودية وما جاء في كتبهم المقدسة، والتي تقول بأن إعلان القيامة يتم عبر النفخ في بوق يشبه البوق (القرن) الذي يستخدمه اليهود في مناسباتهم الدينية. ولم يكلف الراوي نفسه عناء إيضاح لمن ينفخ هذا القرن إذا كانت القيامة لا تقوم إلا بعد فناء الخلق كلهم ولا يبقى إلا الله. فإن كانت الخلائق ميتة فلن يسمعه أحد، وإن كان النفخ موجه لله فلن يكون سبحانه وتعالى بحاجته.
    ويكون النفخ في الصور مماثل لما حدث عند بداية الخلق والمسمى بالإنفجار العظيم وهو نفخ لا يمكن تصور أعظم نفخ منه. والنفخة الأولى نفخة تؤدي لانهيار نظام الكون (الصور) الذي يسير عليه وتداخل مسار الكواكب والشموس، أما النفخ في الصور (الكون) مرة ثانية فلخلق الكون الجديد: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ.(ابراهيم:48)
    ويكون المعراج للسماء مستحيلاً على البشر ولا حكمة لحصوله لمحمد عليه الصلاة والسلام. وتأكيداً لأن الرسول لا يمكن أن يكون قد صعد إلى السماوات بل ولا يمكن أن يكون خرج من محيط مجرتنا "درب اللبانة" أو حتى محيط مجموعتنا الشمسية، من وجهة نظر علمية، نقول بأن كل من قرأ عن النظرية النسبية لآنشتاين على علم بما يعرف بالتأخر الزمني، والذي يعني أن الوقت يتباطئ بالنسبة للمسافر بسرعة الضوء عن الوقت على الأرض، بحيث لو أن إنساناً، على سبيل الإفتراض، قد استقل مركبة تسير بسرعة الضوء في رحلة إلى أقرب مجموعة شمسية لمجموعتنا، والتي تبعد عنا أربع سنوات ضوئية ذهاباً ومثلها إياباً. وكان عمره أربعون عاماً، ولديه ولد عمره عشرة أعوام. فإنه عندما يعود بعد ثمان سنوات سيكون عمره ثمانية وأربعون عاماً، بينما سيكون عمر ولده ستة وستون عاماً، لأن الوقت على الأرض مر بأسرع مما مر عليه الوقت في المركبة التي تسير بسرعة الضوء، حسب قانون التأخر الزمني.
    وتكون رحلة الإسراء والمعراج لم تحدث لأنها لا يمكن أن تحدث بحسب قوانين طبيعية وضعها الله في الكون، ولأنه لا حكمة من حدوثها. ولكن بحكم أن المسلمين قد مسخت عقولهم واعتادوا سماع وتبني ما يقوله لهم رجال الدين دون تفكير، فسيأتي منهم من يقول بأن كل ما سبق من نقاش غير مقبول، وأنه يؤمن بأن هناك إسراء ومعراج، فنقول لمثل هؤلاء تعالوا لنرى هل كان هناك مسجد أقصى زمن الرسول صلوات الله وسلامه عليه في فلسطين، وهل كان هناك مصلى لإبراهيم وموسى عليهما الصلاة والسلام في فلسطين؟ بل هل كان هناك تواجد لإبراهيم وموسى في فلسطين أصلاً؟
    التاريخ المختصر للمسجد الأقصى
    في العام (16 للهجرة) استولى المسلمون على إيليا التي سميت فيما بعد ببيت المقدس ، وقد قدم الخليفة عمر ابن الخطاب من المدينة ودخل إيليا بعدما كتب لأهلها معاهدة تحفظ حقوقهم وأملاكهم وحرياتهم. ولم يكن فيها مسجد، بل كنائس مسيحية ومعابد يهودية، مما جعله يصلي في إحدى تلك الكنائس وفي موضع يسميه الناس وقتها " محراب داوود "، حسبما أورده الطبري في سرده لأحداث سنة ست عشرة للهجرة، كما يلي: ثم قصد المحراب محراب داود عليه السلام وذلك ليلاً فصلى فيه ولم يلبث أن طلع الفجر فأمر المؤذن باٌقامة فتقدم فصلى بالناس وقرأ بهم ((ص)) وسجد فيها ثم قام وقرأ بهم في الثانية صدر ((بني إسرائيل)) ثم ركع ثم انصرف فقال: على بكعب فأتى به فقال: أين ترى أن نجعل المصلى فقال: إلى الصخرة فقال: ضاهيت والله اليهودية يا كعب وقد رأيتك وخلعك نعليك فقال: أحببت أن أباشره بقدمي فقال: قد رأيتك. بل نجعل قبلته صدره كما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلة مساجدنا صدورها اذهب غليك فإنا لم نؤمر بالصخرة ولكنا أمرنا بالكعبة. أهـ
    وفي المكان الذي اختاره عمر بني بعد ذلك المسجد العمري الذي يعتبر أول مسجد في إيليا التي أصبحت تسمى " بيت المقدس".
    وفي سنة خمس وستين للهجرة ابتدأ عبد الملك بن مروان ببناء القبة على صخرة في إيليا، يظن الناس أن لها قدسية خاصة. ثم ابتدأ بعمارة مسجد أطلق عليه الجامع الأقصى الذي أكمل بناؤه الوليد ابن عبد الملك. كما ورد في الطبري والبداية والنهاية، وبذلك سمع الناس بالمسجد الأقصى لأول مرة في التاريخ، والذي لم يكن معروفاً زمن عمر ابن الخطاب لما فتح إيليا، وبالتالي فلم يكن هناك مسجد أقصى في عصر رسول الله عليه الصلاة والسلام.
    فهل كان هناك مسجداً (مكاناً لعبادة الله) في بيت المقدس " إيليا" كان يصلي فيه موسى ابن عمران، ومن قبله ابراهيم عليهما الصلاة والسلام؟
    وهل كان هناك تواجد لابراهيم أو موسى في فلسطين؟
    ابراهيم وموسى و فلسطين
    إلى عهد قريب كان الإعتقاد بأن تواجد اليهود في فلسطين إبان عهد موسى من المسلمات التي لا تقبل الجدل، ولكن هذه المسلمات إهتزت بشدة زلزلت أركانها، بعدما أثبتت الدراسات والبحوث والحفريات الأثرية أنه لا وجود لليهود في فلسطين في تلك الأزمنة، وهذا يؤيده خلو الكتابات المصرية والبابلية والسورية من ذكر لليهود لا في فلسطين ولا في بلاد النيل في تلك الفترة. كما تخلوا الكتابات التاريخية في بلاد الشام والعراق من ذكر لمملكة سليمان وداوود في فلسطين. وقد حرثت إسرائيل كل شبر من شبه جزيرة سيناء، إبان إحتلالها ولكنها لم تجد ما يشير إلى أي وجود يهودي فيها، مما جعلها تعيد جميع الآثار التي وجدتها هناك إلى مصر.
    وتهاوت جميع التفسيرات التي كانت تقول بأن كتاب اليهود المقدس كان يتحدث عن أماكن في فلسطين، وألف في ذلك كتب وبحوث ودراسات عالمية كثيرة، ومن أشهر الكتابات باللغة العربية في هذا المجال ما سطره كمال الصليبي، دكتور التاريخ في الجامعة الأميركية في بيروت، والذي أصدر كتابه الأول حول تاريخ اليهود و فلسطين بعنوان " التوراة جاءت من جزيرة العرب" ثم ظهرت له كتب أخرى تعالج نفس الموضوع، وهي: خفايا التوراة، أسرار شعب بني إسرائيل، حروب داوود، والبحث عن يسوع. إضافة إلى كتاب آخر باللغة الإنجليزية بعنوان: The Historicity of Biblical Israel
    وقد فند الدكتور الصليبي في كتبه المستندات الأثرية التي اعتمد عليها دعاة مدرسة علم الآثار التوراتي في إثبات علاقتها بفلسطين، معتمداً على الدراسة اللغوية لأسماء الأماكن التي وردت في الكتاب المقدس، وأنها أماكن موجودة في جنوب غرب الجزيرة العربية، وأن موطن ابراهيم وذريته بما فيهم موسى كان هناك وليس في فلسطين التي لم يكن لليهود فيها تواجد يذكر إلا بعد القرن الخامس قبل الميلاد، لأن المؤرخ اليوناني هيرودتس لما زار فلسطين في أواسط القرن الخامس قبل الميلاد لم يكن لهم أي تواجد يذكر هناك. وهذا ما تؤيده آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن ابراهيم وسليمان والتي سنتطرق لها في أسطر قادمة.
    ولن نذكر ما كتبه علماء غربيون كثر والمتوافق مع ما ذهب إليه الصليبي، ولكننا سنكتفي بإيراد فقرات مما جاء في مقال نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية في تشرين أول عام 1999، بقلم البروفيسور زئيف هيرتسوغ ، المدرس في قسم آثار وحضارة الشرق القديم في جامعة تل ابيب، تحت عنوان: الحقائق تكذب التوراة، والذي يقول في مقدمته: من المعتقد ان سكان العالم كله وليس مواطنو “اسرائيل” وابناء الشعب اليهودي وحدهم سيذهلون لسماع الحقائق التي باتت معروفة لعلماء الآثار الذين يتولون الحفريات في ارض “ اسرائيل” منذ مدة من الزمن.
    ويتابع قائلاً: من الواضح للعلماء والباحثين اليوم ان شعب “اسرائيل” لم يقم في مصر ولم يتيه في الصحراء ولم يحتل الارض من خلال حملة عسكرية ولم يستوطنها من خلال اسباطه الاثنا عشر. والاصعب من ذلك ايضا هو هضم الحقيقة التي تتضح رويدا رويدا بان مملكة داوود وسليمان الموحدة التي وصفتها التوراة على انها دولة عظمى اقليمية كانت في اقصى الاحوال مملكة قبلية صغيرة.
    ويقول: وكتلميذ للمدرسة التوراتية ادرك عظم الاحباط الناجم عن الفجوة بين التوقعات للبرهنة عن العهد القديم كمصدر تاريخي وبين الحقائق التي تتكشف على الارض، انا اعيش هذا الوعي "على لحمي" وافحص وانتقد التحليلات والاستنتاجات السابقة قبل كل شيء الى جانب انتقادي للتأويلات الحديثة لأعمال زملائي.
    ويضيف: الوثائق المصرية الكثيرة المعروفة لنا لا تتطرق بالمرة الى مكوث شعب “اسرائيل” في مصر او لخروجهم منها، برغم أنه في وثائق ومستندات كثيرة تطرقوا الى عادة وتقاليد الرعاة ـ الرحل (الذين يسمون شاسو) في الدخول الى مصر ابان القحط والجوع والاستيطان في اطراف الدلتا.
    ويقول: المكتشفات الاثرية في القدس العاصمة (المفترضة) للمملكة الموحدة، اجزاء واسعة من المدينة حفرت خلال 150 سنة الاخيرة وخلال ذلك اكتشفت بقايا مثيرة من العهد البرونزي الاوسط والعهد الحديدي "ب" (ايام مملكة يهودا)، ولم تكتشف من عهد المملكة الموحدة (حتى حسب التوثيق الذي يحظى بالاجماع) اثار بناء ولم تكتشف فقط الا مجموعة من الاواني الفخارية. إنتهى كلام البروفيسور زئيف هيرتسوغ.
    يضاف إلى ذلك أن مصر الحالية سماها العرب بهذا الإسم في عصور تالية لعصور الفراعنة. و " مصر" لفظ يدل في اللغات السامية علي الحد أو الحاجز أو السور، وعلى معني الحصانة والحماية والتمدن. (أي المدينة المحاطة بسور وحصون منيعة) وهو بهذا المعنى يصلح لأن يتسمى به مملكة قديمة مكونة من مدينة واحدة محاطة بسور وحصون منيعة، كممالك جنوب غرب جزيرة العرب القديمة، ولا يمكن أن توصف به بلاد النيل، تلك المملكة الممتدة على ضفاف النيل من بلاد النوبة جنوباً إلى سواحل البحر المتوسط شمالاً، والتي كانت تضم مدناً وقرى كثيرة مفتوحة على النيل وليست محاطة بأسوار ولا حصون.
    أما إسم بلاد النيل زمن الفراعنة فقد كان " كيمي " وإن كان الإغريق في فترة زمنية قديمة يطلقون عليها (حا ـ كا ـ بتاح) أي مكان الإله بتاح. وكان سكان بلاد الفراعنة يطلقون علي أنفسهم اسم " رمث " بمعني الناس، و" رمثن كيمة " و" كيمتيو" بمعني أهل كيمي و" رمثن باتا " بمعني ناس الأرض.
    ومن أقدم أسماء مصر اسم تاوي أو طاوي بمعني الأرضين مثني أرض، إشارة إلي الصعيد تاشمعو , والدلتا تامحو. وذكروها مرة باسم تامري وسموها إيرة رع أي عين الشمس, وجاة أي السليمة , وإثرتي أي ذات المحرابين وباقة أي الزيتونة كناية عن خضرتها الدائمة. ولكن لم يطلق عليها أهلها ولا غيرهم أيام الممالك الفرعونية إسم مصر على الإطلاق.
    ولم يرد في الكتابات الفرعونية أي ذكر لمصر، وإن جاء ذكر مصر وفرعون مصر في عدد من اللوحات الأثرية في العراق، ومن ذلك تلك اللوحة التي وجدت مكتوباً عليها رسائل من أمير كنعاني موجهة إلي فرعون مصر والتي يعود تاريخا إلى الربع الثاني من القرن الرابع عشر قبل الميلاد‏. وعدة رسائل أخري ترجع إلي الربع الثاني من القرن الرابع عشر قبل الميلاد، ورد فيها أسماء قريبة من اسم مصر كمشري ومصري في لوحة ميتانية وجدت في شمال غرب العراق وجهت إلي فرعون مصر وفي لوحة أشورية ونص من رأس الشمرة في شمال سوريا، كما وردت كلمة مصرم في نص فينيقي يعود إلي أوائل الألفية الأولي ق.م. وجاء ذكر مصر عند البابليون، كما ذكرها المعينيون في اليمن.
    ولكن مصر المذكورة هنا ليست بالضرورة هي مصر الحالية، لأن بلاد النيل في الفترة التي كتبت فيها تلك الرسائل لم تسمى مصر بعد. وتكون مصر الوارد ذكرها هي مصر فرعون موسى التي في جنوب غرب جزيرة العرب، والتي قد تكون قد توارث حكمها سلسلة من الفراعنة على مدى قرون من الزمن، كان هناك الكثير من التواصل بين العراق وفارس وبين اليمن .

    فإذا كان العالم اليهودي الإسرائيلي يقر بأن الواقع والحقيقة والآثار والدراسات أثبتت بأنه لم يكن هناك وجود لليهود في فلسطين زمن موسى، ولا حتى زمن سليمان، فإن إبراهيم لم يكن موجوداً هناك أيضاً، وبالتالي فليس هناك مصلى ولا مسجداً لله كان ابراهيم وموسى يصليان فيه.
    وهنا علينا أن نرجع إلى ما يقوله القرآن الكريم وكتاب اليهود المقدس عن موطن ابراهيم عليه الصلاة والسلام الأصلي وأين ارتحل بعد أن هدده قومه بإحراقه.
    ابراهيم في القرآن
    يذكر القرآن في عدد من السور، كيف اهتدى ابراهيم لوجود الخالق وآمن به، قبل أن يأتيه الوحي ويطلب من قومه هجر عبادة الأصنام التي قام بتكسيرها في محاولة لإثبات أنها جماد لا تستطيع دفع الضر عن نفسها فكيف يرجى أن تنفع غيرها: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ. فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ.(الأنبياء:57-58)
    فعقدوا العزم على حرقه بالنار: َقالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ. قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيم. وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ.(الأنبياء:68-70)
    وقبل أن ينفذ القوم حرق ابراهيم، طلب منه والده الرحيل وترك العشيرة وشأنها، وهو ما يتضمنه معنى " وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا " في قوله تعالى: قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا.(مريم:46)
    فقام ابراهيم بتنفيذ رغبة والده ونجا من مكائد قومه: قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا. وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا,(مريم:47-48)
    وخرج ابراهيم ومن آمن معه ومن بينهم لوط من أرض عشيرتهم: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.(العنكبوت:26)
    وذهاب ابراهيم إلى ربه لا يعني أنه سيصعد للسماء، ولكنه يعني الذهاب لمكان يعتبر بيتاً للرب جل وعلا، وهو ما ذهب إليه ابراهيم ولوط ومن خرج معهم: وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ.(الأنبياء:71)
    والآرض التي بارك الله فيها للعالمين المذكورة في القرآن هي التي فيها بيته الحرام: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ.(آل عمرآن:96)
    فإذا كانت أورشليم لم تظهر إلى الوجود في فلسطين بعد، إضافة إلى أن أول بيت وضع للناس وباركه الله للعالمين هو في مكة، أفلا يعني أن الأرض التي بارك الله فيها لكل الناس والتي قصدها ابراهيم وبرفقته لوط ومن آمن معهم، هي مكة، والتي لابد أنها قريبة ومعروفة لموطن ابراهيم الأصلي؟
    ويكون ابراهيم خرج من قومه القاطنين أصلاً في شبه الجزيرة العربية وفي غربها تحديداً، إلى مكة التي تقع قريبة من تلك المنطقة والمعروفة لديهم، لسبب وجيه هو الهرب بدينهم خوف الفتنة وخوف الإضطهاد والحرق بالنار الذي توعدهم به قومهم.
    ولو كان ابراهيم في العراق كما يقول التراث اليهودي الذي سنأتي عليه لاحقاً، فبإمكانه الهرب من عشيرته إلى مكان آخر في العراق الخصيب، ولن يحتاج لقطع مئات الكيلومترات عبر الصحاري القاحلة من العراق إلى فلسطين، التي لم يكن فيها بيت لله ولا مكان مقدس في ذلك الوقت.
    وعندما وصل إبراهيم لمكة، إهتدى لمكان البيت العتيق، يقول تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ.(الحج:26)
    الذي يبدوا أنه قد استخدم لعبادة الأوثان، وهو ما تشير إليه الآية بالقول " وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ". كما قد يكون لحقه الخراب ولذلك قام ابراهيم بعد سنوات وبعد أن ولد ابنه اسماعيل وأصبح في سن تمكنه من معاونة والده بترميمه وإعادة بنائه: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.(البقرة:127)
    وقد أصبح لإبراهيم مقام يصلي فيه عرف باسمه من كثرة تواجده: فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ.(آل عمرآن: 97)
    وهو ما يعني أن إبراهيم كان يقطن قريباً من مكة.
    وفي إحدى المرات التي تواجد فيها ابراهيم في الحرم مع ابنه اسماعيل، حدث ما عرف بالرؤيا وكبش الفداء: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ. فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ. وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ.(الصافات:102-108)
    ويبدوا أن الحادثة وقعت في موسم الحج فأصبحت الأضحية عيداً متبعاً كما تقول الآية " وتركنا عليه في الآخرين". أي ذكرى متبعة في الأجيال اللاحقة، والتي لازال المسلمون يحيون ذكراها بذبح الكبش كما فعل ابراهيم عليه الصلاة والسلام. ولولا أن اليهود الذين يعملون بالتاريخ القمري، مثل المسلمين، يزيدون شهراً كل ثلاث سنوات، لتوافق عيد الفصح مع عيد الأضحى لدى المسلمين الذي هو نفس اليوم الذي حدث فيه فداء إسماعيل.
    والقرآن لم يأت على ذكر هاجر ولا بئر زمزم ولا قصة تسكين هاجر وإسماعيل بعيداً عن سارة. وكل ما جاء في تراث المسلمين حول هذه المواضيع مبني على أقوال المؤرخين الذين استمدوا معلوماتهم من كتب اليهود. قارن ما جاء في كتاب الكامل في التاريخ أو سيرة ابن هشام تحت عنوان ولادة اسماعيل عليه السلام مع الإصحاح الحادي والعشرون من سفر التكوين لملاحظة الإقتباس الحرفي. وقد جاء في ذلك الإصحاح أن سارة، التي كانت قد طلبت من ابراهيم التسري بهاجر جاريتها عله يرزق بطفل، قد عادت بعد أن رزقت هي بولدها اسحاق وطلبت من ابراهيم أن يطرد هاجر وولدها إسماعيل: فقالت لإبراهيم اطرد هذه الجارية وابنها، لأن ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني اسحاق . فبكر ابراهيم صباحاً وأخذ خبزاً وقربة ماء وأعطاهما لهاجر واضعاً إياهما على كتفها والولد وصرفها. فمضت وتاهت في برية بئر سبع.(التكوين:الإصحاح الحادي والعشرون:10) فإبراهيم لم يصحبها لمكان يبعد مسيرة شهر، ولم يؤمنها بمؤنة تكفي لسفر طويل، وكل ما أعطاها هو قليل من الزاد وقربة ماء. ويكمل النص اليهودي القصة بأن هاجر قد اهتدت لبئر ماء في الصحراء وأنها سكنت في تلك البرية التي تسمى فاران مع ابنها حتى كبر وتزوج بفتاة ممن كان يعرف بمصرايم.
    وقد اختار المؤرخون المسلمون أن يحوروا في القصة قليلاً، وهذا النص الذي أوردوه: وإنما أخرجتها (أي هاجر) سارة غيرة منها، وهو الصحيح. وقالت سارة: لا تساكنني في بلد. فأوحى الله إلى ابراهيم أن يأتي مكة وليس بها يومئذ نبت، فجاء ابراهيم بإسماعيل وأمه هاجر فوضعهما بمكة بموضع زمزم، فلما مضى نادته هاجر: يا ابراهيم من أمرك أن تتركنا بأرض ليس فيها زرع ولا ضرع ولا ماء ولا زاد و لا أنيس؟ قال: ربي أمرني . قالت: فإنه لن يضيعنا. فلما ولى قال: " ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم. ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم".
    وبطبيعة الحال لا يمكن أن يأمر الله بترك طفل رضيع وأمه المسكينة وحيدين في أرض غريبة وبعيدة وموحشة فقط لكي يرضي رغبات إنسان آخر (سارة). وحتى لو أصابت الغيرة سارة وأراد ابراهيم أن يطاوعها في إبعاد إبنه من جاريته، فلماذا أبعدها آلاف الكيلومترات في زمن يستغرق السفر إلى ذلك المكان أسابيع طويلة عبر صحراء مهلكة يصفها ابن بطوطة بأن داخلها مفقود وخارجها مولود ، بدل أن يسكنها في طرف البلدة التي يعيش فيها أو في بلدة أخرى في المنطقة التي يتحدث أهلها نفس اللغة ولديهم نفس التقاليد والطعام. ولذلك أقحم مؤرخو المسلمين في القصة أن الله قد اختار المكان لإبراهيم، حتى تنتفي تساؤلاتنا السابقة.
    فابراهيم لم يكن في فلسطين ولم يرحل هاجر وابنه اسماعيل بعيداً، ولم تحفر زمزم بأجنحة ملائكة لإطفاء ظمأ رضيع تركه والده في فلاة قاحلة لكسب رضى زوجته الغيور، وإلا لإتهم ابراهيم بالقسوة والظلم. كما أن السعي ركن من أركان الحج فرضه الله كما الطواف وركعات الصلاة وسجودها، وليس تقليداً لهرولة أم تبحث عن ماء لإطفاء ظمأ رضيعها، كما تقول كتب المسلمين الإخبارية، وإلا لأتخذ السعي مساراً متعرجاً وفي كل الإتجاهات بدلاً من مسار واحد، لأن البحث عن الماء في أكثر من اتجاه يضاعف الفرصة في العثور عليه، بدل تكرار الهرولة سبع مرات بين مكانين سبق التأكد من خلوهما من الماء: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ.(البقرة:158)
    فالسعي بين الصفا والمروة ذهاباً باتجاه ومسار، وإياباً باتجاه معاكس ومسار محاذ للمسار الأول، من شعائر الله التي فرضها على الناس مثل الطواف والوقوف بعرفات والمبيت بمنى منذ بني البيت وفرض الحج قبل زمن هاجر وسارة.
    ولا ينفي هذا أن تكون سارة قد طلبت من ابراهيم تغييب هاجر (إن كان هذا فعلاً إسمها) وابنها اسماعيل عن ناظريها، لأنها تصرفت كإمرأة أحست بالغيرة مثل غيرها من النساء، وأن ابراهيم نقل الجارية وابنها إلى مكان يبعد عن سكن العائلة ولكنه في نفس المنطقة كما روته الكتب اليهودية التي أخذ منها المسلمون أصل القصة.
    المهم أن ابراهيم قد استقر به المقام في مكان قريب من مكة بعد ترحاله الذي تلى خروجه من بلده الأصلي هرباً من عشيرته الكافرة، وبعد سنوات رزق بأولاد، والبداية كانت بإسماعيل، الذي يعني إسمه، سمع الله، لأن الله قد استجاب لدعاء ابراهيم بأن يرزق بذرية، وهو الذبيح، والذي فداه الله بكبش، ثم رزق الله ابراهيم بولد آخر كمكافأة له على عزمه على التضحية بابنه الوحيد، وهذا ما تظهره الآيات التالية: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ. فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ. فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ. وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ. سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ. كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ. وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ.(الصافات:101-112)
    وإسحاق، أو يتسحق بالعبرية، من الضحك، لأن سارة عندما سمعت رسل الله الذين استضافهم ابراهيم يبشرونه بأنها ستلد له ولداً ضحكت لكونها عجوز متقدمة في السن ولا تصدق بأنها ستحبل: وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ.(هود:71)
    وبعدما طال بابراهيم المقام في ذلك المكان القريب من مكة وأصبح موطناً له، دعا ربه قائلا: رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ.(ابراهيم:37)
    وليست الآية تتحدث عن ابراهيم عندما ترك اسماعيل وأمه هاجر في مكة وعاد لفلسطين، كما أورد المفسرون، لأن الآية تقول " أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي" وتقول " لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ " فهم من ذرية ابراهيم أي جمع من الأولاد، وهو ما تؤكده الآية بترديد الضمير العائد على الجمع (ليقيموا... تهوي إليهم... وأرزقهم.... يشكرون)، ولو كان المعني اسماعيل وامه لقال ابراهيم بأنه ترك ابنه وامه، ولجاء الحديث بضمير المثنى.
    وعندما قال ابراهبم دعاءه السابق كان قد تقدمت به السن ورزق بولديه اسماعيل ثم اسحاق، وهو ما تؤكده الآيات التي تلت الآية السابقة: رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء. الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء. رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء.(ابراهيم:38-40)
    أما لماذا سكن ابراهيم بقرب مكة ولم يسكن في مكة نفسها وبجوار بيت الله، فقد نجد الإجابة فيما فعله محمد (صلى الله عليه وسلم). فقد أبعدته قريش عن مكة فهاجر للمدينة وبقي فيها ثمان سنوات قبل أن يتمكن من فتح مكة. وبعد الفتح لم يعد محمد للعيش في مكة برغم أنها موطنه الأصلي ومسقط رأسه، إضافة إلى أن فيها بيت الله الحرام، وقفل راجعاً للمدينة وبقي فيها لثلاث سنوات أخرى قبل أن يتوفاه الله.
    فإذا كان خليل الله لم يسكن في مكة بل في منطقة قريبة منها، برغم أن الله كلفه بإعادة بناء وترميم البيت وتطهيره، وبرغم أنه كان متواجداً فيه بصورة شبه دائمة للتعبد. ولم يسكن محمد في مكة، برغم أنه كان يستطيع ذلك بعد الفتح، لأنها بلده الأصلي، ولمجاورة بيت الله! أفلا يعني هذا أن مكة ليست مكاناً للسكن، ولكن مكاناً للعبادة والحج والعمرة، لأنها لو سكنت فستزحف المباني على المشاعر وستحيط بالحرم الذي يجب أن يتسع حسب حاجة المسلمين. وحتى لا تتحول مدينة بيت الله إلى سوق تنافس عقاري كما هو الآن حيث تقف أسعار الأراضي والعقارات في المستوى الأول عالمياً: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ. وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ. ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ.(الحج:26-29)
    ولهذا وجدت مكة ولهذا يجب أن تبقى.
    هذا ما يقوله القرآن عن ابراهيم، والمتدبر للآيات التي جاء فيها ذكر سليمان والهدهد، سيجد أن مملكة سليمان لابد أنها كانت مجاورة لمملكة سبأ، التي لا يختلف إثنان أنها كانت في جنوب غرب جزيرة العرب، ولذلك استطاع الهدهد أن يطير إليها ويغدو في نفس اليوم. ولو كان سليمان في فلسطين لما استطاع الهدهد أن يطير كل تلك المسافة التي تزيد عن (1500) كلم ويعود في نفس اليوم، لأن سرعة طيران الهدهد، والمسافة التي يستطيع ان يطيرها في يوم واحد لا تؤهله للقيام بذلك.
    وفيما يلي نتفاً مما قاله كتاب اليهود المقدس عن رحلة ابراهيم من موطنه وأين ذهب، مع الوضع في الحسبان أن كتاب اليهود المقدس هو كتاب تاريخي أكثر منه ديني.

    ابراهيم في كتاب اليهود المقدس
    في كتاب التكوين هناك رواياتان مختلفتان لقصة نزوح ابراهيم، الرواية الأولى تبدأ عندما: " أخذ تارح (الإسم المزعوم لوالد ابراهيم) ابنه ولوطاً ابن هاران ابن ابنه (أي لوط ابن هاران ابن تارح) وساراي (التي سميت سارة فيما بعد) كنته إمرأة ابرام إبنه. فخرجوا معاً من أور الكلدانيين ( والتي يصر اليهود على أنها في العراق بينما يقول الصليبي أنها جنوب المدينة ) إلى أرض الكنعانيين (التي يصرون على أنها فلسطين). فأتوا إلى حاران وأقاموا هناك. وكانت أيام تارح مئتين وخمس سنين. ومات تارح في حاران.(التكوين:الإصحاح الحادي عشر:27 – 32).
    ولم يذكر الكتاب لماذا أرادوا الهجرة من أرض العراق الخصيبة إلى بلاد غريبة عليهم ولا يعرفون ما فيها، ويفصلهم عنها صحار قاحلة، وبعكس ما جرت عليه العادة، فليس من المعتاد حدوث هجرات من بلاد الرافدين إلى فلسطين.
    ثم إن والد ابراهيم لم يذهب إلى أرض الكنعانيين (اي فلسطين)، برغم أن الذهاب إليها كان السبب في خروجه من بلاده الأصلية، بل ذهب إلى حاران، التي يصر اليهود على أنها حوران، تلك الأرض الصحراوية شرق دمشق، كما يظن كتبة الكتاب المقدس. وهذا تصرف آخر غير إعتيادي، إذ جرت العادة أن يرتحل البدو من البادية ويستقرون في المناطق الزراعية والقروية، أما أن يقرر أناس من الحاضرة يعيشون في مناطق زراعية غنية كبلاد الرافدين، ولم يتعرضوا للإضطهاد أو أي سبب آخر يضطرهم لتركها والعيش في بادية جرداء تحتاج لوقت طويل للتأقلم والتكيف مع حياتها الصعبة وأسلوب معيشتها الضنك، فهذا ما لم يستطع كاتب الرواية اليهودي شرح دوافعه.
    ويبدوا أن كل هذه الرحلة لم تحدث، والدليل جاء من نص الإصحاح التالي الذي يروي قصة نزوح ابراهيم بقلم كاتب آخر، والذي يقول بأن ابراهيم خرج هارباً من أبيه وقومه " وقال الرب لإبرام إذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك.(التكوين: أول الإصحاح الثاني عشر)
    فكان المفترض به أن يتجه للأرض التي سيهديه الله إليها، أو بعبارة أخرى، الأرض المباركة التي هداه الله إليها، كما يقول النص القرآني: " وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ ".
    ويقول الكاتب: وأجتاز ابرام في الأرض إلى مكان شكيم إلى بلوطة مورة . وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض. وظهر الرب لإبرام وقال: لنسلك أعطي هذه الأرض. فبنى هناك مذبحاً للرب الذي ظهر له. ثم انتقل من هناك إلى الجبل شرقي بيت إيل ونصب خيمته. وله بيت إيل من المغرب وعاي من المشرق. فبنى هناك مذبحاً للرب ودعا باسم الرب. ثم ارتحل ابرام ارتحالاً متوالياً نحو الجنوب.
    إذاً، ابراهيم انتقل من بلده الذي لم يكن في العراق، بل جنوب المدينة (يثرب) ، إلى بلاد معروفة وليست غريبة عليه مجتازاً بلاد شكيم ليصل إلى غابة مشهورة تسمى غابة مورة. وكان يقيم قرب تلك المنطقة الشجرية أناس من كنعان لأن الأرض المحيطة كلها ضمن بلاد قبيلة كنعان التي كانت تنتشر في جنوب غرب جزيرة العرب ومنها انطلقت هجرات الكنعانيين إلى العراق والشام . وفي هذه الأثناء ظهر له (ملاك) الرب (اي أوحي له) أن هذه الأرض ستكون لنسلك في المستقبل، وهناك بنى ابراهيم مذبحاً لله. ثم انتقل ابراهيم ونصب خيمته على الجبل الواقع شرقي بيت الله وغربي جبل كان يسمى في ذلك الحين جبل عاي. وفلسطين لم يكن فيها بيت لله قبل مجيء ابراهيم المزعوم، كما أن إبراهيم بدوي متنقل يحمل خيمته معه وليس من مزارعي بلاد الرافدين الذين عرفوا الإستقرار والحياة المدنية.
    فإذا لم يكن هناك أي بيت لله في فلسطين في ذلك الوقت، وإذا كان ابراهيم توجه لمكان آخر غير فلسطين كما يؤكده نص الإصحاح السابق من كتب اليهود أنفسهم، ونصب خيمته قرب بيت الله (إيل)، وإذا كانت مكة فيها أول بيت لله وضع للناس، ألا يعني هذا أن ابراهيم استقر قرب مكة الواقعة غرب جزيرة العرب.
    وبعد أن بنى مذبحاً للرب ودعا (صلى) للرب، ارتحل ابراهيم نحو الجنوب حسب الرواية اليهودية.
    وبعد تجوال وترحال في مناطق جنوب الجزيرة قرر ابراهيم ومن معه العودة للسكن قرب بيت الله الذي يقع ضمن الأراضي التي تسيطر عليها القبائل الكنعانية: وسار في رحلاته من الجنوب إلى بيت إيل. إلى المكان الذي كانت فيه خيمته في البدء بين بيت إيل وعاي.(التكوين: الإصحاح الثالث عشر:3)
    ولكي لا تقع مشاحنات بين رعاته ورعاة لوط ابن أخيه اتفقا على أن يرحل لوط لأرض أخرى فاختار لوط الرحيل إلى حيث بلدة سدوم، بينما نقل ابراهيم خيامه إلى مكان قريب من غابة مورة أو ممرا، والتي يقول الصليبي في الصفحة 96 من كتابه خفايا التوراة أنها قرية النمرة الحالية الواقعة إلى الشرق من القنفذة وإحداثياتها: (19:44:15 & 41:21:25)
    ويكون ابراهيم قد استقر في رحلته إلى الجنوب لبعض الوقت في الجبل الذي لايزال يسمى جبل ابراهيم ويقع إلى يمين المسافر إلى الطائف، على الطريق المعبد الذي يربط الباحة بالطائف، والمسمى محلياً بطريق بني سعد. وإحداثيات الجبل هي: (20:25:20 & 41:10:00) كما يوجد وفي نفس ذلك الجبل كهف يسمى مصلى إبراهيم، وفيه ما يسمى بالمذبح، وهو ما يعرفه كبار السن من أهل المنطقة، الذين لا يشكّون أنه مصلى ابراهيم الخليل.
    وعندما ماتت زوجته سارة اشترى مغارة المقفلة القريبة ودفنها فيها.(التكوين:الإصحاح الثالث والعشرون:2). والمقفلة هي قرية مقفلة الحالية الواقعة إلى الشرق من القنفذة، كما يقول الصليبي ، وإحداثياتها (19:11:00 & 41:32:00)
    كما أن ابراهيم نفسه عندما مات، دفن في نفس المغارة التي أصبحت مدفناً لعائلته. فإسحاق دفن فيها حسبما جاء في الإصحاح الخامس والثلاثون من سفر التكوين، كما نقل جثمان يعقوب ابن اسحاق من المكان الذي مات فيه وهو ما كان يدعى مصرايم في ذلك الوقت، ودفن في نفس المغارة. مما يؤكد أن المسافة بين مصرايم وبين مغارة المقفلة غير بعيدة.
    ولو كان يوسف عند فراعنة أرض الكنانة ومغارة ابراهيم في فلسطين الحالية، لاستحال نقل جثة رجل ميت على عربة تجرها الحيوانات في رحلة تمتد لعدة أيام وأسابيع عبر أراضي مصر الحالية ثم شبة جزيرة سيناء وصحراء النقب لتصل إلى مغارة في جبال القدس.
    وهكذا يتضح أن قراءة متأنية للقرآن الكريم ولكتاب التكوين المقدس لدى اليهود، يظهر أن ابراهيم يستحيل أن يكون في العراق ومنها ذهب إلى فلسطين، ولكنه كان قرب المدينة وخرج منها للنجاة بنفسه ومن معه من الحرق بالنار، متوجهاً "إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ.(الأنبياء:71)" وأنه عاش بالقرب منها ومات وعاش أبناؤه من بعده فيها، وحتى يعقوب الذي انتقل إلى مصارئيم، المستعمرة المصرية، للعيش مع ابنه يوسف، كان غير بعيد عن المكان الذي عاش فيه والده اسحاق وجده ابراهيم، ولذلك أوصى بأن يدفن في نفس المغارة التي دفنا فيها.
    ولا يفواتنا أن نذكر أن كتب اليهود المقدسة تذكر أن إسماعيل ابن ابراهيم قد سكن فاران: وسكن في برية فاران.وأخذت له امه زوجة من ارض مصر.( التكوين: 21:21)
    وأن موسى وبني إسرائيل كانوا فيها: فارتحل بنو اسرائيل في رحلاتهم من برية سيناء فحلت السحابة في برية فاران. (العدد:10:12)
    ومثله: وبعد ذلك ارتحل الشعب من حضيروت ونزلوا في برية فاران.(العدد:16:12)
    ومثله: فارسلهم موسى من برية فاران حسب قول الرب.كلهم رجال هم رؤساء بني اسرائيل.(العدد:3:13)
    وفاران كما يقول ياقوت الحموي في معجم البلدان هي: كلمة عبرانية معربة: وهي من أسماء مكة ذكرها في التوراة، قيل: هو اسم لجبال مكة، قال ابن ماكولا: أبو بكر نصر بن القاسم بن قُضاعة القضاعي الفاراني الإسكندراني سمعت أن ذلك نسبته إلى جبال فاران وهي جبال الحجاز. أهـ
    والآن سنعود إلى كتاب الله ونتدبر الآية التي يزعم المفسرون أنها دليل على الإسراء والمعراج، لتكون كلمة الفصل في الموضوع، فإن كانت تتحدث فعلاً عن الإسراء والمعراج فهما حق والإيمان بهما واجب، برغم كل تحليلاتنا السابقة، وإن كانت بخلاف ذلك فعلينا تنزيه كتاب الله من أساطير المفسرين.
    .................................................. ...........................
    ماذا يقول القرآن الكريم عن الإسراء
    السورة إسمها في عهد الصحابة كان سورة بني إسرائيل، ولازال هذا اسمها في تفسير سفيان الثوري وابن عباس، ولكن عندما جاء مفسروا القرون اللاحقة مثل القرطبي والطبري وابن كثير سموها سورة الإسراء، لأن قصة الإسراء كانت قد انتشرت بين الناس. وقد أورد البخاري حديثاً برقم (4874) يؤكد إسمها الأول، وهذا نصه: حدّثنا آدمُ حدثنا شُعبةُ عنْ أبي إسحاقَ قال: سمعتُ عبدَ الرحمن بن يَزيدَ سمعت ابنَ مسعود يقول في بني إسرائيلَ والكَهْفِ ومريم وطه والأنبياء: إنهنُ من العِتاق الأول، وهُن مِن تِلادِي.
    والسورة سميت ببني إسرائيل لأن الآيات الأولى منها تستعرض تاريخ بني إسرائيل بصورة إجمالية وسريعة:
    بسم الله الرحمن الرحيم. سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ. وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً. ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً. وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً. فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً. ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً. إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً. عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً. (بني إسرائيل:1-8)
    ويقول بعض المفسرين أنها سورة مكية، بينما يستثني القرطبي والشوكاني وغيرهم، الآيات: 60، 76، 80، 107 على أنها نزلت في المدينة.
    وبطبيعة الحال هناك سور نزلت بالكامل في مكة وأخرى نزلت بالكامل في المدينة، وهناك آيات من سورة نزلت في مكة وآيات أخرى من نفس السورة نزلت في المدينة، ولكن لا يوجد ضوابط محددة اتفق عليها المفسرون والمحدثون والفقهاء يركن لها لتحديد الآيات التي نزلت في مكة والآيات التي نزلت في المدينة. وليس هناك سجل مكتوب في عهد الرسول، يسجل متى وأين نزلت الآيات، وكل ما يقوله رجال الدين عن مكان نزول الآيات هو إجتهادات شخصية محضة.
    وبعيداً عن إجتهادات المفسرين، يمكن ملاحظة بعض الخصائص الملازمة للآيات المكية وأخرى ملازمة للآيات المدنية، ومن ذلك أن السور المكية تذكر الأمم السابقة وما حل بها، وتدعوا لوحدانية الله والتفكر في مخلوقاته الدالة على تلك الوحدانية، وعلى قدرته سبحانه على إعادة الخلق وإمكانية البعث.
    كما أن الآيات المكية تؤكد على الصبر على الشدائد، وتدعوا الرسول للصبر والإكثار من تسبيح الله والصلاة.
    وكل آية فيها وعيد لشخص من قريش ولو لم يذكر بالإسم فهي مكية.
    وكل الآيات التي ذكر فيها الحور العين والتي تصور ملذات الجنة بصور مماثلة لما في الدنيا كالخمر فهي مكية. إضافة لخصائص أخرى.
    أما الآيات المدنية فمن خصائصها أنها تتحدث عن بني إسرائيل وتخاطبهم، كما تخاطب من قالوا بأنهم نصارى. وكل الآيات التي تتحدث عن عيسى ابن مريم وأمه فهي مدنية.
    وكل الآيات التي تتحدث عن المنافقين، ومثلها آيات الحدود، والآيات التي فيها تشريع أو ذكر فيها الصيام والحج والجهاد.
    وهناك مواضيع ذكرت في آيات مكية، ومن ذلك الصلاة والزكاة (الإنفاق).
    والآيات الثمان الآولى من سورة بني إسرائيل تتحدث عن بني إسرائيل ولذلك فهذه الآيات مدنية، كما أن السورة تعود في آخرها للحديث عن بني إسرائيل كما بدأت، وذلك في الآيات (101-104) فتكون تلك الآيات مدنية آيضاً.
    ولكن هل الآية الآولى مدنية؟ أم أن السورة بدأت بآية واحدة نزلت في مكة ثم نزلت الآيات السبع التالية في المدينة؟
    والمتدبر لآيات القرآن الكريم يلاحظ أنه لا يوجد في كتاب الله سورة واحدة من سوره المائة والأربعة عشر تبدأ بالحديث عن موضوع في الآية الأولى ثم تنتقل في الآية رقم إثنين لموضوع آخر، على الإطلاق، إلا ما يكون من أمر الحروف الإنفرادية التي تبدأ بها بعض السور، مثل: ألم، طسم: الر...ونحوها، أو تلك السور التي تبدأ بقسم، وكل هذه البدايات لا تتحدث عن موضوع بل هي إفتتاح للسورة، ومن ذلك إفتتاح سورة الحجر والتي تبدأ بقوله تعالى: الَرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ.(الحجر:1) قبل أن تتبع بالآيات التالية: رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ. ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.(الحجر:2-3)
    فهل سورة بني إسرائيل هي السورة الوحيدة في القرآن الكريم التي تبدأ بالحديث عن موضوع هام جداً وغير إعتيادي، كالإسراء، وبشكل مقتضب جداً، ثم تنتقل الآية الثانية وما بعدها لموضوع آخر ولا تعود للحديث عن الموضوع الذي بدأته في الآية الأولى أبداً، بل إن جميع آيات القرآن الكريم والبالغ عددها (6236 آية) لا تتحدث عنه أبداً، في الوقت الذي نزلت فيه الآيات القرآنية للحديث بالتفصيل عن مواضيع أقل شأنناً من الإسراء بكثير، وفي مواضع متعددة.
    هذا لو افترضنا أن الآية الأولى منفصلة عن الآيات السبع التي تليها، كما يزعم المفسرون، وهذا ما تعارض مع كل الشواهد التي أوردناها في نقاشاتنا السابقة.
    ويتبقى إحتمال أن تكون الآية الآولى في السورة تتحدث عن نفس الموضوع الذي تتحدث عنه الآيات التي تليها مثلها في ذلك مثل بقية سور القرآن العظيم بلا استثناء. وهذا ما يعطينا الحق بمناقشة هذا الإحتمال؟
    ولو فعلنا فسنجد أن الآية تنص على أنه كان هناك إسراء لعبد من عبيد الله، وتم الإسراء من المسجد الحرام الذي لا يوجد مسجد حرام غيره والذي هو في مكة، وأن الإسراء، وهو السير في جنح ظلام الليل، قد تم إلى المسجد الأقصى الذي بورك حوله، وكان الهدف من الإسراء هو أن يري الله سبحانه ذلك العبد بعضاً من الآيات، أو المعجزات الحسية، يقول تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم. سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ.(بني إسرائيل:1)
    بينما تتحدث الآيات السبع التالية عن موسى ورسالته ثم عن بني إسرائيل وما تعرضوا له خلال تاريخهم باختصار شديد، وكأنه إجمال لكل ما ذكر بالتفصيل عنهم في العديد من سور القرآن، والذي ذكرنا جانباً منه في باب موقف بني إسرائيل من الدين. يقول تعالى: وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً. ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً. وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً. فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً. ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً. إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً. عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً.(بني إسرائيل:2-8)
    وموسى عليه الصلاة والسلام ولد في بلد يحكمها فرعون، واسمها مصر. فإذا لم تكن مصر إسماً لبلاد النيل أو جزء من تلك البلاد، في عصر الفراعنة، وإذا كان الفراعنة لم يذكروا في كتاباتهم ذلك الفرعون الذي غرق ولا بني إسرائيل الذين هربوا مع موسى من البلاد، وهذ حقيقة ثابتة، أفلا تكون مصر التي وردت في القرآن الكريم " مصراييم " كما وردت في كتب اليهود، مستعمرة لبلاد النيل، ويحكمها فرعون، أو حاكم من قبل حكام مصر الفراعنة، كما يؤكد ذلك العديد من علماء الأثار، ومنهم كمال الصليبي في كتبه التي سبق ذكرها، والتي يقول فيها بأن تلك المستعمرة تقع في جنوب عرب جزيرة العرب. ويكون يوسف قد وجد في بئر في البلاد التي سكنها ابراهيم والتي سبق وقلنا بأنها تقع إلى الشرق من القنفذة، وقد باعه من وجده في المستعمرة الفرعونية " مصر " وهناك نشأ والتحق به والده وإخوانه، وتناسلوا، ومن أحفادهم ولد موسى عليه الصلاة والسلام.
    ومن الشواهد القرآنية أن يوسف كان في جنوب غرب جزيرة العرب وليس في بلاد النيل، قصة تفسير يوسف للحلم الذي رآه الملك، ومنه قوله تعالى: قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ.(يوسف:47-49)
    فأرض مصر لا تعتمد على المطر، ولكنها تعتمد على جريان نهر النيل في زراعتها، ولذلك فلا ينتظر الناس الغيث لكي يزرعون وليس لديهم ما يعرف بالزراعة البعلية المشهورة حتى اليوم في جنوب غرب جزيرة العرب والتي تعتمد على مياه المطر، فإن أغيث الناس بالمطر زرعوا وعصروا زيوتهم، وإن احتبس المطر فلا زراعة ولا عصر.
    ومن الشواهد أيضاً أن الآرض التي عاش فيها يوسف كانت تعتمد على الرعي وليس على الزراعة، وبلاد النيل تعتمد على الزراعة وتربية الحيوانات تتم فيها إعتماداً على زراعة الأعلاف. ويوسف ألقي في بئر، أي مورد ماء يرده المسافرون، وأرض مصر تعتمد على النيل للتزود بالماء وليس هناك أبار، كموارد للمياه، يردها المسافرون، ولو كان يوسف وإخوته يعيشون في بلاد النيل لتم التخلص منه بطريقة تتوائم مع بيئة بلاد النيل وليس مع ما يتوائم وبيئة بدوية تناسب تهامة عسير أو شرق جبال عسير.
    ومن الشواهد أيضاً قوله تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ.(القصص:7)
    واليم يعني البحر، وأهل مصر إلى اليوم يسمون النيل بحراً، لأنه متسع، وكذلك يسمي العراقيون نهر دجلة والفرات بالبحر. لأنه يمكن إطلاق اليم تجاوزاً على وادي المياه المتسع، وهذا ينطبق على بعض أودية حنوب غرب جزيرة العرب والتي تنحدر باتجاه الشرق، ومنها وادي بيشة الذي يزيد إتساعه عن إتساع نهر النيل في بعض أجزائه، والذي كانت مصراييم تقع على جانبه، كما يؤكد الدكتور كمال الصليبي في كتابيه: التوراة جاءت من جزيرة العرب & خفايا التوراة. ووادي بيشة كانت المياه تجري فيه طوال العام، بل لازالت بعض المجاري الصغيرة تجري فيه اليوم، والتي تسمى محلياً (غيل، وعيول).
    وعندما هرب موسى من فرعون لقتله رجل من عدوه، لجأ إلى مدين القريبة. ولو كان قد هرب من قرب الأهرامات إلى إتجاه شبه جزيرة سيناء، فسيكون خياره، بعد إجتيازها، الذهاب إلى فلسطين حيث وفرة المياه والزراعة والحياة المستقرة المشابهة للحياة التي اعتادها في بلاد النيل، ولن يتجه إلى داخل فيافي جزيرة العرب الموحشة والمقفرة والمعدومة المياه، حيث مدين، الإسم الحديث الذي يطلق على منطقة غرب تبوك الحالية، والتي كانت مقفرة حتى على أيام موسى، ومرتعاً للسلب والنهب الذي يمارسه البدو على من يعبر تلك المناطق، ولم تكن مدين التي ذكرت في القرآن على أنها بلد قوم شعيب، لأن القرآن الكريم يؤكد أن قوم شعيب كانوا مستقرين في قرية: قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ.(الأعراف:88)
    بينما لا يوجد أي شواهد أثرية لحياة مستقرة في المنطقة التي تسمى الآن بمدين، والواقعة شمال غرب جزيرة العرب.
    ويكون موسى قد خرج من مصراييم، تلك البلدة التي يحكمها فرعون في وادي بيشة، خائفاً، ولم يكن يحمل متاعاً وزاداً لسفر طويل: فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.(القصص:21)
    وسلك درباً يوصل إلى بئر في بلاد مدين القريبة: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ.(القصص: 22)
    وقد وصلها موسى دون إبطاء، ووجد أن الرعاة يسقون دوابهم، حيث سقى لفتاتين لم تستطيعا مزاحمة الرجال، ثم استظل بظل شجرة قريبة من البئر ليستريح ويفكر في مستقبله وأين يذهب: وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ. فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ.(القصص: 23-24)
    عندما عادت إليه إحدى الفتاتين تطلب منه أن يلحق بها إلى بيتها لأن والدها وافق على استضافته، وعادة أن تستضيف المرأة رجلاً عابراً، معروفة إلى عهد قريب في جنوب غرب جزيرة العرب ولا زالت في بلاد اليمن: فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.(القصص:25)
    وقد وافق موسى للعمل لدى الشيخ الطاعن في السن لعدد من السنين مقابل أن يتزوج بإحدى بناته: قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ. قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ.(القصص:26-27)
    وبعد إنقضاء المدة غادر تلك الأرض ومعه زوجته، ولم تكن وجهته موطنه الأصلي الذي هرب منه، لأنه لا يستطيع الذهاب إلى هناك خوفاً من العقاب الذي ينتظره، فاتجه إلى مكان آخر.
    أفلا يكون موسى عندما غادر بئر مدين مع زوجه، قد ذهب لأداء الحج في مكة وزيارة بيت الله الحرام، ومن ثم خرج من هناك باتجاه موطن جده إبراهيم وخاصة مسجده، الذي اتخذه ليصلي فيه، والذي يمكن أن يكون هو مصلى ابراهيم الذي في جبل ابراهيم الذي اشرنا إليه. ولابد أن مسيره من مكة كان عبر تهامة، وهو ما سيتضح في الأسطر القادمة.
    وفي إحدى الليالي قرر مواصلة المسير في الليل، بإلهام خفي من الله سبحانه وتعالى، عندما شاهد ناراً فترك زوجته وذهب باتجاه النار: فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ.(القصص:29)
    وكانت النار أسفل الطور، أو الجبل المشجر، كما يقول صاحب لسان العرب. وهو وصف لجبال جنوب غرب جزيرة العرب، خاصة في جهتها الغربية من ناحية تهامة، أكثر منه للجبال الجرداء في شمال غرب الجزيرة حيث مدين الحالية.
    فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.(القصص:30)
    فمناداة الله جل وعلى لموسى حدثت بالقرب من شجرة على حافة أحد الأودية المنحدرة من الطور، وقد يكون ذلك الوادي تجري فيه المياه، مثل الكثير من أودية عسير، والتي تجري فيها المياه لشهور عدة في السنة حتى في هذا العصر الأقل مطراً، مما كان عليه قبل أربعة آلاف سنة.
    وهناك تلقى موسى آيات (معجزات) ربه: وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ. اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ.(القصص:31-32)
    ويكون موسى قادم من تهامة باتجاه جبال السروات (الطور) التي تقف بانحدار شديد، في طريقه لمصلى ابراهيم الواقع في الجبال التي أمامه، عندما شاهد النار. وتهامة قليلة السكان وأهلها رحل، ولذلك كانت رؤية النار شيئ ملفت للإنتباه، كما أنه إستطاع رؤيتها من بعيد، لأن الأرض ليست معقدة التضاريس. ولو كان موسى قد قدم من مكة إلى مصلى ابراهيم عبر الطرق الجبلية، لكان الطريق يمر بمجمعات المزارعين، لأن المنطقة زراعية وأهلها مستقرون ولن يلفت نظره رؤية نيرانهم الواحدة تلو الأخرى.
    ويكون الله سبحانه وتعالى قد أسرى بموسى في ليلة من الليالي عندما كان في طريقه من المسجد الحرام إلى المسجد الذي اتخذه ابراهيم في حياته مصلى له في جبل ابراهيم الحالي، وهو مسجد قصي بالنسبة لمكة، لأن الوصول إليه يحتاج لعدة أيام. وفي تلك الليلة قرر موسى السير ليلاً (يقال أَسْرَيْت وسَرَيْت إِذا سِرْت لـيلاً ) عندما رأى النار بالقرب من سفح الجبل الكثير الشجر حيث كلمه الله سبحانه وتعالى وأراه من آياته.
    وتكون سورة بني إسرائيل بدأت بالحديث عن موسى وما حدث له في ليلة من الليالي وهو في طريقه من مكة إلى موطن جده ابراهيم: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ.(بني إسرائيل:1)
    ثم تكمل الآيات التالية الحديث عن موسى وبني إسرائيل: وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً. ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً. وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً. فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً. ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً. إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً. عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً.(بني إسرائيل: 2-8)
    وختاماً نشير إلى أن الرواة اعتمدوا على الآية الأولى في سورة بني إسرائيل للحديث ليس فقط عن الإسراء ولكن أيضاً عن المعراج، برغم أن الآية لم يأت فيها ذكر للمعراج، الذي استرسل المفسرون في الحديث عنه أكثر مما تحدثوا عن الإسراء.
    وهناك موضعان في القرآن يستدل بهما، بتردد، على المعراج، لأن معناهما الحقيقي لا يدل على ذلك، وهما:
    الآية الستين من سورة بني إسرائيل: وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً.
    ووجه الإستدلال يحدثنا به القرطبي في تفسيره للآية فيقول: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، سُئِل عن قوله وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا التي أرَيْناكَ إلاَّ فتْنَةً للنَّاسِ قال: هي رؤيا عين رآها النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة أُسري به. أي أن الآية تشير إلى ما رآه الرسول في السماوات.
    والإستدلال الثاني هو في الواقع بثلاث آيات من سورة النجم، وهي قوله تعالى: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى. فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى.(النجم:8-10)
    ووجه الإستدلال يحدثنا به القرطبي أيضاً فيقول: حدثنا يحيى بن الأمويّ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سَلَمة، عن ابن عباس ثُمَّ دَنا فَتَدَلَى قال: دنا ربه فتدلىّ.
    حدثنا الربيع، قال: ثنا ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن شريك بن أبي نمر، قال: سمعت أنس بن مالك يحدّثنا عن ليلة المسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه عرج جبرائيل برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء السابعة، ثم علا به بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار ربّ العزّة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله إليه ما شاء، فأوحى الله إليه فيما أوحى خمسين صلاة على أمته كلّ يوم وليلة، وذكر الحديث. إنتهى
    ولو سلمنا بهذا التجديف على الله تبارك وتعالى فسنتصور كيف أن الله جل جلاله قد تدلى بشكل بهلواني ليقترب من محمد ويتحدث معه ( تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً). والآية الستين من سورة بني إسرائيل لا يمكن الإستدلال بها على تلك القصص الخيالية عن رحلة مزعومة لمحمد، لم يعلم بها في حياته ولم يحدّث بها.
    ويبقى الخيار بين أن نصدق أن الله ليس كمثله شيئ وأنه أعظم من أن يراه بشر أو يحادثه أو يصل إلى مكانه، وأن الوحي وصل لمحمد بنفس الطريقة التي وصل بها إلى كل الرسل قبله، وبواسطة أحد الملائكة الذي لديه القدرة على نسخ الوحي في ذاكرة الرسول على شكل نصوص بلغة الرسول، دون أن يكون هناك حاجة أن ننظر للرسول على أن لديه قدرات فوق بشرية على الإطلاق، لأن الله يؤكد أن الرسول ما هو إلا بشر عادي تماماً، لا يستطيع الرقي للسماء: أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً.(بني إسرائيل: 93)
    وهذه الآية التي تنفي أن يكون الرسول محمد صلوات الله وسلامه عليه قد عرج به للسماء نزلت بعد الآية الأولى في السورة والتي يزعم المفسرون أنها تفيد الإسراء والمعراج بمحمد، ولم يكلف أحد من المفسرين أو الفقهاء أو المحدثين نفسه عناء التوقف والتفكير في أنه لو كان الرسول قد أسري وعرج به للسماء فكيف تأتي هذه الآية لتنفي ذلك نفياً قاطعاً لا مرية فيه.
    أما الخيار الثاني فهو أن نتعامى عن كل ما سبق ونصدق ما نسجته مخيلة الرواة الذين نقل عنهم المفسرون والمحدثون وظن الناس أنه من عند الله " وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.(آل عمران:78)

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

    .................................................. ........................................

    الذي سماه البراق رجل اسمه الجارود، كما ورد في حديث البحاري رقم (3800) والذي أوله حدَّثنا هُدْبةُ بن خالدٍ حدَّثنا هَمامُ بن يحيىٰ حدَّثنا قَتادةُ عن أنسِ بن مالكٍ عن مالكِ بن صَعصعةَ
    تفسير القرطبي للآية (8) من سورة النجم

    وقد فصل الحديث حول هذا في فصل الوحي

    الصور في القرآن هو الكون، وهذا ما يستضح في الأسطر التالية
    وفي هذه الحالة كان من المفترض أن يقول المفسرون والإخباريون أن الرسول أسري به من مكة إلى إيليا وليس إلى بيت المقدس.

    شارك في حفريات حتصور ومجيدو مع ايغال يادين وفي حفريات تل عراد وتل بئر السبع مع يوحنان اهاروني، كما اجرى حفريات في تل ميخال وتل غريسا واخيرا بدأ بالحفر في تل يافا، هيرتسوغ نشر كتب حول باب المدينة في ارض “اسرائيل” وجاراتها، وحول حفريات تل السبع وحفريات تل ميخال، وكتاب اجمالي حول علم اثار المدينة.

    ويكيبيديا الموسوعة الحرة www.ar.wikipedia.org/wiki

    10 الإصحاح الحادي والعشرون - التكوين
    قال ذلك عندما خرج من معان متوجهاً إلى الحجاز في رحلته الشهيرة.

    خفايا التوراة ص 101
    وهو ما يتوافق مع الراوية القرآنية
    تقول كتب اليهود أن ابرام غير فيما بعد إلى ابراهيم
    جنوب الطائف، نفس المصدر السابق ونفس الصفحة
    غابة
    كما يقول الصليبي في خفايا التوراة ص 90
    أنظر الفصل الأول والرابع من كتاب التوراة جاءت من جزيرة العرب / كمال سليمان الصليبي
    إيل بالعبرية تعني الله

    خفايا التوراة ص 96

    وليس في القرآن الكريم أي إشارة إلى أن هذا الشيخ هو النبي شعيب كما تروي كتب الأخبار. بل إن القرآن لا يكر له إسم، ولا ينعته بالنبوة، وما هو إلا رجل مسكين.

    لسان العرب – حرف السين

    .................................................. .................................

    المصادر
    القرآن الكريم
    الموسوعة الفقهية/ وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية – دولة الكويت.
    جامع البيان في تفسير القرآن/ ابن جرير الطبري – طباعة ونشر دار المعرفة - بيروت
    الجامع لأحكام القرآن/ أبو عبدالله القرطبي/ دار الكتب العلمية – بيروت
    تفسير القرآن العظيم/ ابن كثير/ دار إحياء التراث العربي – بيروت
    التفسير المنسوب لإبن عباس/ يعقوب الفيروزأبادي – دار الفكر – بيروت.
    مجموعة فتاوى ابن تيمية/ ابن تيمية/ دار عالم الكتاب – بيروت.
    موطأ مالك / الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت
    كتاب البخاري / الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت
    كتاب مسلم / الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت
    مسند أحمد / الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت
    سنن الترمذي / الناشر: دار المعرفة – بيروت
    سنن أبو داوود / الناشر: مكتبة الريان - بيروت
    السنن الكبرى/ النسائي/ دار الكتب العلمية – بيروت.
    سيرة ابن هشام/ ابن هشام/ دار المعرفة – بيروت.
    تاريخ الطبري/ ابن جرير الطبري/ دار الكتب العلمية – بيروت.
    البداية والنهاية/ ابن كثير/ مكتبة المعارف – بيروت.
    تهذيب الكمال/ أبو الحجاج المزي/ المكتب الإسلامي – بيروت.
    سير أعلام النبلاء/ الذهبي/دار الفكر – بيروت.
    تذكرة الحفاظ/ الذهبي/ دار الصميعي – بيروت.
    صوت الناس/ الصادق النيهوم – دار الريس – بيروت.
    الحجاب/ أبو الأعلى المودودي/ الدار السعودية للنشر والتوزيع – جدة.
    رسالة الحجاب/ محمد ابن عثيمين/ دار القاسم – الرياض.
    حجاب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة/ محمد ناصر الدين الألباني/ المكتب الإسلامي.
    التوراة جاءت من جزيرة العرب/ كمال سليمان الصليبي – دار الساقي –بيروت.
    شرح حديث الإسراء والمعراج/ محمد متولي شعراوي – مكتبة التراث الإسلامي – القاهرة.
    الإسراء والمعراج/ محمد أبو شهبة – مكتنبة السنة – القاهرة.
    مقالات علمية وصور من الإنترنت.
    موسوعة أسماء الأماكن في المملكة العربية السعودية/ إصدار دارة الملك عبدالعزيز وهيئة المساحة الجيولوجية السعودية.

  27. #117

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة صقر جباليا
    بارك الله فيك والى الامام"



    ....................................

    الحمد لله
    ولله الحمد وحده

    كل الشكر والامتنان لكل من سهل لنا النشر والتقديم .

    وكل الشكر والامتنان للأخ الكريم والباحث ابن قرناس , على هذا الجهد والاجتهاد , والإبحار في بحر التراث الإسلامي الخلافي , بسفينة العقل وشراع الوحدانية ودفة الإيمان .
    وما تيسير الريح الا من رب العالمين .

    انتهى .

    3/5/007
    ..

  28. #118

    رد : سنة الأولين..تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها.

    ........................................

 

 
صفحة 4 من 4 الأولىالأولى 1234

تعليقات الفيسبوك



ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •