سجل عضوية جديدة

أهلاً بكـ في شبكة فلسطين للحوار... شاركنا وبادر بالتسجيل ...

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 31 إلى 55 من 55
  1. #31
    عـضـو
    تاريخ التسجيل
    12 2009
    المشاركات
    115

    رد : الابتسامة الشجاعة...رواية طويلة

    أختى الغالية أم معاذ
    لسه شوية
    جزاك الله أختى على المتابعة والقراءة والرد
    وفي انتظارك أختى الغالية
    حياك الله

  2. #32
    عـضـو
    تاريخ التسجيل
    12 2009
    المشاركات
    115

    رد : الابتسامة الشجاعة...رواية طويلة

    الأخ الكريم ابن الأكرمين
    والله بدأت أشعر ان الرواية طويلة بالفعل
    جزاك الله خيرا للمتابعة والتواجد
    سأحاول التباطأ في تنزيل الأجزاء لكي يتسنى المتابعة والقراءة

  3. #33
    عـضـو
    تاريخ التسجيل
    12 2009
    المشاركات
    115

    رد : الابتسامة الشجاعة...رواية طويلة

    كل عام وأنتم بخير
    وعيد سعيد ان شاء الله

  4. #34
    عـضـو
    تاريخ التسجيل
    12 2009
    المشاركات
    115

    رد : الابتسامة الشجاعة...رواية طويلة


    أستاذ حمدي طريح الفراش في الرعاية الفائقة بعد أن أصابته ذبحة
    هرولت الى المستشفى، وهناك التقيت ابتسام وخطيبها، ومجموعة كبيرة من اللجنة ومنعنا من زيارته فحالة الرجل الطيب لا تسمح بالزيارة
    وهناك كانت زوجته وأولاده، فسلمت عليهم، وعرفت من ابتسام ما حدث
    لقد خرج أستاذ حمدي في قافلة سريعة وكل أمله أن يصل الى غزة
    ابتسمت ابتسامة متهكمة مريرة وأنا أتذكر شاحنات النقل وهي تفرغ حمولتها من الأسلاك الشائكة استعدادا لغلق الحدود من جديد، واستمعت لابتسام وهي تقول : ولكنهم أجبروه هو والقافلة على العودة ولم يسمحوا له بدخول سيناء
    حاول أن يخفي ألمه ومرضه عنا وبقي صامدا حتى وصلنا القاهرة، وفجأة ودون مقدمات سقط بيننا من القهر والصدمة، فنقلناه الى المستشفى على الفور
    كان الليل الذى أطبق بظلامه فوق قلبي هذه الأيام يزداد ظلاما وكآبة تخنق روحي
    كنت أفرغ الأفلام التي صورتها على المعبر في الأوراق وكان على اعادة صياغتها في مقالات بأسلوبي
    وكلما بدأت في كتابة المقال أشرد بعيدا وأعجز عن كتابة كلمة
    لا أدري ماذا دهاني لكن الفكرة المسيطرة على عقلي كانت غريبة بحق
    فلا أجد في رأسي سوى 1/صفر
    كانت دائرة الظلام بداخلي تتسع وتزداد عمقا يوما بعد يوم
    فياسر لم يعد بعد وبدأت الظنون تساورني’ هل تم اعتقاله, أم حدث له مكروه؟
    لكن أستاذ فؤاد فاجأني بقوله أن مقالات ياسر لم تتوقف يوما وله تحقيقات جديدة من قلب غزة
    غمرتني الدهشة, اذا فياسر يرسل مقالاته بانتظام!! ولكن أين هو؟؟
    وأجاب زكي عن سؤالي بمجرد أن سألته
    لقد أرسل بطلب اجازة بالفاكس ليحضر زفاف أخته
    عدت من عند زكي شاردة, لا شك أنهم استدعوه في البلد بالجوال, ذلك الجوال الذي لم يعطيني حتى الآن رقمه
    فقدت حماسي تماما للكتابة, أو حتى لصياغة الأحداث التي صورتها عند المعبر
    وخاصة بعد الشجار الذي انخرطت فيه مع أيمن بسبب رفضي لبيع الأرض
    كان شجارا عنيفا, رميته فيه بكل التهم ونكأت جراحه بعنف
    وانقطعت العلاقات بيننا تماما ورأيت دموع أمي الغالية تهطل على خديها مما زادني حزنا وألما وكآبة
    وعادت غزة تظلم من جديد, وأدركت أن مقالاتي صارت بلا قيمة حقيقية بعد أن انتهت دقائق الحلم
    فقد فازت مصر ببطولة أفريقيا, ورفعت الكأس عاليا
    وأستاذ حمدي بين الحياة والموت, ولا كهرباء في غزة ولا وقود
    مصر بطل أفريقيا
    مصر بطل أفريقيا
    مصر بطل أفريقيا
    ظلت تلك العبارة تدور في رأسي وكأنما أبحث عن شيء يلقي ببعض الفرح أو الفخر في قلبي
    ولكن العبارة كانت تعمل في رأسي كالإسطوانة التي نسمعها في فوانيس الأطفال في رمضان, ودائما ما يكون ازعاجها أشد من فرحنا بها
    وعلمت أن أستاذ حمدي من الشخصيات الممنوعة من دخول سيناء
    ياااه
    هل أنا غبية لهذه الدرجة!!
    لقد كنت هناك بالفعل, كنت على بعد خطوات منها ولم أدخلها
    الرجل يكاد يقتل نفسه على أعتاب غزة, فقط ليدخلها, وأنا واتتني الفرصة وكانت أسهل من أن يتوقعها أى انسان, ولم أفعل!!
    جبنت, نعم هذه هي الحقيقة, كنت خائفة
    زاد حزني وهمي بعد ضياع تلك الفرصة الرائعة التي لن تتاح لي في المدى القريب وربما أيضا البعيد
    أخيرا عاد ياسر
    دخل علينا المكتب يحمل حقيبة سفره الصغيرة وحقيبته الجلدية, وفي يده مجموعة من الجرائد التي تصدرها المؤسسة وعلى وجهه ابتسامة كبيرة
    رحب به الجميع, ووقفت أنا في مكاني لا أدري ماذا أقول له
    اقترب من مكتبي وهمهم بكلمات مهذبة : مرحبا آنسة أميرة, كيف حالك؟
    لم أرد فقد كنت مشغولة بقراءة عيناه وملامح وجهه رغم أنه غض طرفه سريعا بتهذيب
    لا أدرى لم شعرت بأن ابتسامته تختصني أنا من دون الجميع, أو ربما أتوهم!!
    قال أستاذ فؤاد : حمدا لله على سلامتك, لقد افتقدناك كثيرا
    رد بابتسامة دافئة : وأنا أيضا افتقدتكم كثيرا, والحمد لله أنني استطعت أن أنهي واجباتي وأعود
    في الحقيقة.. كنت بحاجة لأن أعود
    مرة ثانية بدت عبارته غريبة في أذني
    جلس خلف مكتبه وبدأ يتصفح الجرائد باهتمام
    اقتربت من مكتبه وبمجرد أن جلست على الكرسي أمامه حتى وجدت ابتسامته تتسع رغم أنه لم يحول عيناه عما يقرأ أو ينظر لي
    ورغما عني شعرت أنه يبتسم لي
    سألته مباشرة : أين كنت كل هذه المدة؟
    قال وهو يقلب صفحات الجريدة : تعلمين أين كنت
    قلت : ولكنك تأخرت كثيرا
    قال : كان على واجبات والتزامات يجب أن أقوم بها
    قلت بفهم : نعم, عرفت, مبارك عرس أختك
    قال باسما : بارك الله فيك, أخيرا أكرمنا الله بها, إن زواج الفتيات بات صعبا للغاية هذه الأيام في ظل الظروف الإقتصادية التي نمر بها
    قلت مباشرة : لم لم تتصل بي
    قال بهدوء : لم يكن هناك ما يستدعي ذلك
    ثم أردف : هل وصلتك السيارة؟
    قلت : آه. نعم’ شكرا لك ما كان عليك أن ترهق نفسك
    ثم قلت بتردد : ياسر, أريد رقم جوالك
    لم يرد كان منهمكا في تقليب صفحات الجريدة باهتمام وكأنما يبحث عن شيء ما
    قلت بإلحاح : ياسر, هل سمعتني؟
    قال : لحظة واحدة من فضلك وسأوافيك حالا
    صمت في انتظار أن ينتهي, ولكنه رفع عيناه الى بعد قليل وقال متسائلا : أين مقالاتك التى كتبتها عن المعبر
    صدمتني عبارته, فآخر ما توقعته أن يسأل هذا السؤال
    ابتلعت ريقي وقلت : لم انهها بعد
    اختفت ابتسامته فجأة وحلت محلها دهشة كبيرة ممزوجة بشيء من غضب : ماذا!!! لم تنهها!!
    بدأ الضيق والغضب يتضح في صوته وأسلوبه : أيمكن أن أعرف لم لم تنشريها؟
    قلت وأنا أشيح بوجهي بعيدا : ليست جاهزة بعد
    نعم, الغضب الآن أوضح في صوته, وبه الكثير من التهكم : ولم ليست جاهزة بعد يا آنسة؟ ألم يكفيك كل هذا الوقت؟ ربما تحتاجين الى مدة أطول, ما رأيك بمهلة حتى نهاية العام, أو حتى العام الذي يليه, ما المشكلة أن ننتظر أعواما أخرى فلا شيء يستحق العجلة
    استفزني أسلوبه بشدة فقلت بحدة : منذ متى وكلامك يتخلله التهكم والسخرية؟
    قال بغضب : لا تتهربي من الرد على سؤالي, لم لم تنشري مقالاتك؟
    اشتعل الغضب في رأسي وانتفضت من الكرسي وأنا أقول بانفعال : لست مضطرة للإجابة عن أى سؤال, وربما على أن أقول أنه ليس من شأنك
    هب قائما وهو يهتف بغضب : بل هو شأني, لقد كنت في انتظار أن أقرأ عما حدث هناك
    هتفت بدوري وقد بلغ منى الغضب مبلغه : وإن كنت مهتما الى هذه الدرجة بما حدث على الحدود فلم لم تبقى هناك وتكتبه بنفسك؟ فأنت النجم الأول في هذه الجريدة
    يمكنك أن تقرأ الأخبار التي أرسلها عبد العزيز من هناك
    التف كل من في المكتب حولنا وهم ذهول مما يحدث وسمعت عبارات التساؤل والتهدئة تتطاير من هنا لهناك له ولي
    ولكننا لم نلتفت لها في غمار العراك المشتعل بيننا
    قال بغضب شديد : أواعية أنت لما تقولين!! أهذا هو كل ما تستطيعين قوله لتغطي كسلك واستهتارك بالأمر؟؟
    صرخت في وجهه : أنا لا أسمح لك بإهانتي فأنت لا..
    أخرسني فجأة بصرخة عنيفة غاضبة : أعطيني ما سجلتيه هناك
    نظرت اليه بذهول ولم أتحرك, فأكمل غاضبا : هيا أعطني المعلومات التي جمعتيها من هناك
    لا أدري كيف انعقد لساني أمام غضبته الشديدة, ولا أدري كيف عدت الى مكتبي بصمت وأخرجت الأوراق التي أفرغت فيها ما سجلته بالكاميرا
    ولكن بمجرد أن أمسكت الأوراق بين يدي ووقعت عيناي على الكلمات التي تراصت على الأسطر ومعها عادت ذكرياتي الى هناك حتى تفجر غضبي مضاعفا, والتفت اليه قائلة : أهذا ما تريد قراءته؟ مع الأسف, لا يساوي ثمن الورق الذي كتب عليه, لم يعد له أية قيمة, فقد عاد كل شيء أسوأ مما كان
    لقد أغلقوا الحدود وكثفوا عليها الحراسة
    والقوافل والمساعدات معلقة بلا أى أمل
    وبعد أن فازت مصر في الكرة ما الذي تريدني أن أقوله لمن يقرأ – ان كان هناك من يقرأ – باب فتح فأغلق!!
    هتف بعنف : لا يمكن أن تكوني صحفية محترفة وتقولي هذا الكلام
    إن كان هذا هو تفكيرك, فلم عملت بالصحافة؟ ولم سعيت للعمل في هذه الجريدة؟ لم لا تتركين مكانك لصحفي حقيقي يدرك واجباته ويؤمن بقلمه ويعرف قيمة كل كلمة يكتبها
    صمت قليلا مذهولة من كلماته النارية, ثم هتفت بعنف : ألم تفهم بعد أن كل ما حدث كان حلما وانتهى؟ وأن الجميع استيقظ من النوم
    غزة أظلمت من جديد, أظلمت تماما, وعداد الموتى عاد للعمل داخل المستشفيات وغرف الرعاية الفائقة
    وأستاذ حمدي ملقى طريح الفراش وبين لحظة وأخرى قد يصلني خبر يفجعني فيه
    كما أنه ممنوع من دخول جزء من بلده التي يحمل جنسيتها
    اعتصر الألم والقهر قلبي, وأنهلت على الورق تمزيقا بكلتا يدي وأنا أصرخ : لا فائدة من أى شيء لا أحد يقرأ
    ظهرت المفاجأة قاسية في وجهه والذهول في ملامحه وهو يهتف : يكفي, يكفي, قلت لك توقفي
    ألقيت بالقصاصات الممزقة في سلة المهملات, وأخذت حقائبي بعصبية وغادرت المكان وأنا لا أتبين ما حولي من أصوات ووجوه, ولا أذكر حتى كيف وصلت الى البيت وأنا أسيرة تلك الحالة الرهيبة من الغضب العارم والغيظ والكآبة والإحباط واليأس
    لكن كل ما أذكره هو أنني قضيت الليل ما بين بكاء وغفوات ملئ بالكوابيس وأرق قاتل يجتر معه تلك الأحداث والكلمات الأليمة
    في اليوم التالي لم أستطع الذهاب للعمل بعد تلك الليلة الفظيعة
    أو ربما أهرب من مواجهته, لا أدري؟
    وبقيت حبيسة حجرتي لا أرد على الهاتف ولا المحمول, ولا أدري عن العالم أى شيء
    حتى عادت أمي من عملها بعد العصر, وحاولت معي من جديد لتعرف ما بي, وأجبتها بنفس الإجابة التي قلتها لها في الصباح متوعكة قليلا
    قالت : شيرين لم تكف عن الإتصال بك, وأستاذ فؤاد أيضا, هل حدث شيء في الجريدة أمس؟
    قلت : مشكلات العمل لا تنتهي, اطمئني يا أمي, سأرتاح اليوم وأعود للعمل غدا إن شاء الله
    قالت باسمة بحنان : نعم, فلترتاحي اليوم بعد المجهود الذي بذلتيه في الفترة السابقة
    همت بالخروج, ولكنها عادت تلتفت الى قائلة : بالمناسبة, التحقيق الذي كتبتيه هذه المرة أعجبني للغاية, يمتلئ بالحياة, كما أن الوصف رائع وكأنني هناك أرى وأسمع ما يحدث
    كنت أستمع لها وأنا شاردة, وتدريجيا انتبهت لكلماتها وقلت : هه!! ماذا تقولين؟
    عن أى تحقيق تتحدثين؟
    مدت يدها الى بالجريدة وهي تقول : عن التحقيق المنشور لك اليوم
    اختطفت الجريدة وفتحتها بسرعة لتصفعني كلمات ياسر, وأسلوبه يصرخ من كل كلمة داخل التحقيق
    لكن هذه المرة التحقيق يحمل اسمي أنا, وأنا أكاد أجن
    ما الذي يريده هذا الرجل!! وكيف يفعل هذا!!
    قرأت جزءا من التحقيق إنها بالفعل كل المعلومات الموجودة في الأوراق التي مزقتها أمام عينيه, واللقاءات مع نفس الشخصيات التي حادثتها هناك
    مستحيل!! كيف استطاع أن يفعل هذا وبهذه السرعة؟
    كانت الجريدة بين أصابعي وأنا شاردة تماما عاجزة عن استيعاب ما يحدث
    هتفت أمي : أميرة!! ما بك؟
    أفقت من ذهولي أخيرا وقلت لها : أين هاتفي المحمول؟
    ناولته لي من جوار فراشي وفي عينيها ألف سؤال
    فتحت الهاتف المغلق واتصلت بأستاذ فؤاد وسألته عما حدث
    فأخبرني بكل ما استنتجته ودار في خيالي عندما رأيت التحقيق
    وأخذت أستمع اليه بذهول وهو يحكي كيف أخرج ياسر الأوراق من السلة وأخذ يرتبها ويعيد الممزق منها الى جوار بعضه البعض, ويلصقه بدأب عظيم
    واستغرق في هذا العمل وقتا أطول بكثير من الوقت الذي قضاه في اعادة صياغة التحقيق, وظل في الجريدة يعمل الى ما بعد الفجر, حتى استطاع أن ينشره اليوم
    أنهيت المكالمة وأنا لا أكاد أصدق
    لن يكف أبدا عن اثارة ذهولي ودهشتي
    كيف يفعل هذا دون علمي, دون حتى أن يسألني
    واشتعل الغضب حارقا في نفسي
    ..........
    فهمت أمي كل شيء من خلال المكالمة التي سمعتها ورغم أنها لم تعلق بكلمة لكن الاستياء الشديد كان واضحا للغاية في عينيها، وكيف لا والأمر حقا يدعو الى الصدمة والدهشة
    الصدمة من تصرفي والدهشة مما فعله ياسر
    في اليوم التالي كنت مضطرة للذهاب رغم عدم رغبتي لمواجهته
    الأمر كله غريب، موقف لم أتعرض له من قبل
    عندما دخلت الى المكتب في الصباح وأنا أقدم رجلا وأؤخر الأخرى وعندما رأتني شيرين قالت بلهفة : أميرة!! اتصلت بك كثيرا أمس وهاتفك مغلق
    قلت بهدوء : شكرا لك يا عزيزتي، أخبرتني أمي باتصالك
    جلست خلف مكتبي ونظرت أمامي، لم يكن ياسر موجود بالمكان
    كنت مندهشة وأجاب كمال بأسلوبه السمج على سؤال لم أسأله : لا تتطلعي كثيرا الى المكتب الخالى من صاحبه، فهو الآن في قاعة الاجتماعات يشاهد التلفاز
    نظرت اليه نظرة قاسية فعاد لعمله بصمت
    لم أستغرق طويلا في التفكير، خاصة عندما أومأ لي الأستاذ فؤاد مشجعا أن أذهب اليه وأحاول إصلاح الأمر
    دخلت قاعة الاجتماعات واقتربت منه بطء، كان يتابع القنوات الإخبارية
    نظرت الى ما كتب أسفل الصورة وتعجبت، لم يكن خبرا محليا ولا حتى عربيا كما كنت أعتقد بل كان خبرا عن استقلال كوسوفا والاحتفال برفع العلم في عاصمة الإقليم (برستينا)
    أنصت باهتمام للمراسل : كوسوفا هي سادس ولاية تعلن استقلاها عن صربيا منذ عام 1991 بعد سلوفينيا وكرواتيا ومقدونيا والبوسنة ومنتجرو، ورغم الجهود الروسية والصربية لعرقلة قيام الدولة في البلقان، الا أن الاعترافات الدولية بكوسوفا تتابعت بدءا بالولايات المتحدة، ثم باريس ولندن وألمانيا، ثم توالت الاعترافات تباعا ....
    بعدها بدأ المراسل في استطلاع آراء أهل الاقليم في تلك الخطوة، ومدى تأييدهم لإعلان الدولة في هذا التوقيت، وتوقعاتهم بشأن مستقبل الدولة الوليدة وردود أفعال العالم تجاهها
    وفي خلفية الصورة احتفالاتهم وأفراحهم
    تنهدت وأنا أجلس في أحد الكراسي ٍالموازية له وقلت دون أن ألتفت اليه : كنت أظنك تتابع خبرا محليا أو عربيا
    عندما طال صمته ظننت أنه قد اتخذ مني موقفا ومقاطعة تامة،لكنه قال بعد صمت طويل بصوت عميق : انه خبر اسلامي
    تذكرت لحظتها أن كوسوفا 93% من سكانها مسلمون
    سألته والصور تتداعى في رأسي : اذا فهذا هو سبب اهتمامك الكبير بهذا الخبر!!
    لم أعرف بالضبط هل تلك الزفرة الحارة التى خرجت من صدره ضجرا من كلماتي أم تأثرا بما يراه على الشاشة التى لم تتركها عيناه لحظة،ولكنه قال بجدية تمتلئ بالأسى : ليس هذا فحسب، بل هي رغبة قوية لرؤية اكتمالا لمشهد دموي حفر آثاره العميقة في الذاكرة بالألم
    أنصت اليه باهتمام وعقلى تتداعى اليه ذكريات وصور عن مذابح الصرب وجرائمهم البشعة في البلقان
    وكأنما صوته يخرج من عقلي وهو يقول : إن الحرية لها ثمن غالي لابد من دفعه
    كوسوفا لم تنل الاستقلال إلا عندما تخضبت أرضها بالدماء
    ثم أردف بلهجة حزينة هزت قلبي : إنها دماء مسلمة
    "معركة كوسوفو التاريخية بدأت قبل ستة قرون ولم تنته ، آن الأوان لاسترداد الصرب لأرض كوسوفو ، نحن مستعدون أن نضحي بثلاثمائة ألف مقاتل صربي لاستئصال الإسلام من سراييفو إلى مكة؟"*
    لازال أبي يردد تلك الكلمات حتى موته ورغم اختفائها من ذاكرتي بمرور السنوات لكنها تعود لتطفو فوق أفكار العقل مع أى مؤثر ولو بسيط
    قلت بتأثر : بلى لازلت أذكر، كانت مذابح (سربرينتسا) رهيبة ومفزعة
    قال بهدوء : (سربرينتسا) في البوسنة لا كوسوفا
    أسكتتني غصة مؤلمة في حلقي ومرارة في قلبي وصورة أبي ماثلة أمام عيني وهو يحكي لنا عن تلك الأيام الرهيبة المؤلمة
    ثم قلت بخفوت : نعم، لقد اختلط على الأمر
    ابتلعت الغصة بسرعة ومعها دموعي التي بدأت أشعر باقترابها وقلت باستفسار : ولكن كيف لأمريكا أن تسمح بإقامة دولة مسلمة في أوروبا!!
    قال بلهجة ساخرة : عندما تدخل أمريكا لعبة فمن المؤكد أنها لن تخرج منها قبل اصطياد عشرة عصافير على الأقل
    فهي تعاقب روسيا خصمها القديم على موقفها من الدرع الصاروخي
    كما أن استقرار الوضع في البلقان يعني سحب قوات الناتو لإعادة نشرها في أماكن أكثر اشتعالا كالعراق وأفغانستان
    قلت بتعجب : ولكن دولة اسلامية!!
    قال : بل دولة علمانية بدستور علماني, وربما بتدخلات أوروبية أمريكية عند اللزوم
    وبرغم التهديدات الصربية وضغوط روسيا لإفشال تلك الخطوة وانذارها باستخدام الفيتو
    يبقى ما حدث شيء رائع بكل المقاييس وخطوة هامة وأمل جديد لشعب عاني من الاحتلال والابادة العرقية لإلتقاط أنفاسه وتذوق بعض الحرية
    قلت بشرود : وربما أملا لشعوب أخرى لتحقق ما حققته كوسوفا
    التفت الى الشاشة أتابع مراسم رفع العلم في اعادة للصور والمشاهد المصاحبة للخبر
    تذكرت فجأة أستاذ حمدي واشتعلت مشاعر غريبة في قلبي
    اندفع سؤال من عقلي وخرج الى لساني مباشرة بصدق : ترى هل سيحدث يوما ما أن نشهد مراسم رفع العلم في القدس وعلى سائر فلسطين بإعلان استقلالها؟؟
    عقد حاجبيه والتفت الى ببطء وتجمد كل شيء فيه
    ارتجف قلبي بقوة من ذلك الصدق الهائل والقدرة الخاصة على التعبير
    كانت لحظة نادرة أستطيع فيها قراءة عيناه بسهولة, كانت عيناه تشبهان نهرا شديد الصفاء أستطيع أن أرى أعماقه بوضوح
    فلقد أدركت أن هذا السؤال بالذات هو الذي كان يدور في رأسه في نفس هذه اللحظة
    ولم تخفى علىّ دمعة التأثر التى سكنت عمق عيناه,
    الا أن جمود ملامحه بات هو المسيطر على عضلات وجهه
    نهض من مكانه متجها الى باب القاعة بصمت, فقلت أستحثه : لم لم تجب على سؤالي؟
    توقف لحظة وقال دون أن يلتفت الى : ليس المهم أن نرى ذلك, بل أن نبذل جل طاقاتنا ليحدث في القريب
    غادر دون أن يزيد كلمة, ولكنه ترك في قلبي ألما عميقا وندم كبير أن تكلمت
    فلقد كنت أشعر أنه رماني بسهم نافذ يعني به ما فعلته, أقصد ما لم أفعله في الحقيقة
    .................................................. ....
    كنت موقنة أنه لا يزال غاضبا مما حدث, وأنا أيضا كنت أتحرق وأتألم لذلك الأسلوب الجاف المتحفظ الذي يعاملني به
    ورغم أنه شديد التهذيب معي منذ أن عرفته وفي كل المواقف , الا أنه مستاء للغاية, كل تصرفاته تقول هذا
    استغرق الأمر مني أياما كثيرة حتى أستطيع فقط أن أستجمع شجاعتي وأتجه الى مكتبه في محاولة لكسر الحاجز النفسي الصعب الذي علا بيننا منذ آخر مواجهة, وكان أستاذ فؤاد يشجعنى دائما للتحدث اليه, وفي كل الأحوال كانت لدى رغبة لإنهاء ذلك الموقف على أى وجه
    جلست أمامه وكالعادة لم يلتفت لي
    لكن الجديد أنه ترك فأرة الكمبيوتر من يده وبفي ساكنا مما أوحى لي أنه مستعد لأن يسمع ما سأقوله
    قلت بعد تردد : كنت, كنت أريد أن أشكرك على ما فعلته
    قال بصوت هادئ يحمل رنة سخرية مريرة : وبعد!!
    صمت قليلا أحاول ابتلاع سخريته, ثم قلت بصدق : منذ أن أغلقت الحدود ثانية وأنا أشعر بألم كبير وندم لأنني لم أعبر الحدود وأذهب الى هناك
    قال بأسف : صدقيني, ما كان الأمر ليحدث فارقا كبيرا, لقد كنت هناك وأعرف
    قلت بصراحة : كل شيء كان يطبق على روحي, لم أستطع أن أحرك القلم أو أخط حرفا, وكأنني أصبت بالشلل
    قال بأسى : لم أكن أنتظر هذا منك!!
    قلت بضيق : لقد تركتني هناك وذهبت
    قال بهدوء : ظننت أنك قد فهمتيني عندما طلبت منك أن تبقي هناك وتسجلي كل ما تشاهدينه
    ولكن يبدو أنني لم أستطع أن أشرح لك هدفي بوضوح, لقد أردتك أنت بالذات أن تنقلي الصورة بكافة أبعادها من هناك
    قلت بانفعال : وما الذي يمكن أن أضيفة!! عبد العزيز هناك ينقل الأخبار أولا بأول
    التفت الى بحدة وقال : ولكني أثق بقلمك أنت, تلك القضية لا يكتب عنها الا من يستشعر نحوها بانتماء حقيقي
    من سكنت قلبه كعقيدة ووطن, من على استعداد أن يدفع روحه ثمنا لها عن طيب خاطر
    أخرستني كلماته لبعض الوقت, فقد أشبعتني عباراته ألما
    قلت بخفوت : تمنيت أن أذهب معك الى هناك
    قال : تعلمين أنني لم أكن أستطيع ذلك, كما أنه كان على انجاز الكثير من المهام والواجبات
    قلت بصدق : تمنيت أن أسير معك الى هناك
    قال بلهجة جادة : تريديني أن أسير معك في شوارع غزة!!
    سأقولها لك بكل صراحة, فقط أرجو ألا تغضبك صراحتى, إن ما لا أرضاه لأختي لا أرضاه لك
    صمت تماما أفكر في تلك العبارة التى قالها, ورغم أن تلك العبارة كانت من المفترض أن تثير في نفسي عاصفة من الغضب, لكنني وجدت نفسي سعيدة وهو يشبهني بأخته
    اذا فهو يحمل لي تقديرا خاصا على أى وجه, حتى لو أخويا
    أعلم أنني قد أكون مخطئة بنسبة كبيرة ولكني كنت متمسكة بذلك الشعور الرائع ولا أريد أن أفكر في معان أخرى لكلماته أو أفلسف الأمر
    بل أخذت الكلمات بحروفها
    ورغم ذلك قلت بعناد ومكابرة : ولكنه عمل, محض عمل
    رد بهدوء : وعلى المعبر أيضا عمل
    لقد أراد لنا زكي أن نكون متنافسين, وأردت أنا أن نتعاون
    أنا هناك وأنت هنا, وكنت أظن أنك ترغبين في ذلك أيضا
    لقد كنت أخطط لعمل تحقيق مشترك كبير عليه اسمينا معا يشرح الصورة بكافة أبعادها
    لكن زكي قوض هذا الحلم
    كنت أرسل اليه المقالات وأنا معتقد أنه ينشرها في نفس الصفحة التي تكتبين فيها
    لم يخبرني أنك توقفت عن الكتابة حتى لا يفاجأ بأى رد فعل من جهتي وهو يعلم أنني لن أقرأ الجريدة الا عند عودتي
    لا زلت لا أفهم, كيف استطعت الا تنشري المقالات!!
    قلت بأسى : لم أعد أثق بأن هناك من يقرأ
    قال : لا تشغلي بالك بالآخرين, أنت صحفية ليس عليك سوى الكتابة, لا التفكير فيمن يقرأ ومن لا يقرأ
    قلت ساخرة : لقد طغت الكرة على كل شيء, أتدري كم عدد الصحف الرياضية الموجودة على الساحة الآن؟! ان أخبار الكرة هي الشيء الوحيد الذي يقرأ هذه الأيام
    رد بنفس السخرية : هل تتمنين أن تعملي في الصحافة الرياضية!!!
    ربما كنت محقة فهي أربح كثيرا
    وربما التقيت بلاعب كرة مليونير أو مدرب شهير يطلبك للزواج
    لم أتحمل ما قاله, فبصورة ما شعرت أنه يشبهني بنجلاء
    لم أستطع أن أرد عليه, فعدت الى مكتبي بصمت
    لقد خذلته, اعتمد على وخذلته, لم أفهم هدفه من كل هذا, لم أقدر ما يفعله حق تقديره
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــ
    *سلوبودان ميلوسوفتش في نوفمبر 1989



    .................................................. .......... ..........................

    قد يعتقد البعض أنني سعيدة بالتحقيق الذي كتبه ووضع عليه اسمي
    لكن الحقيقة خلاف ذلك, فهذا التحقيق على وجه الخصوص هو الشاهد على فشلي, لقد أصابني باحباط لا مثيل له وبدأ الشعور بالفشل يستقر في أعماقي
    لقد كشفني ياسر أمام نفسي, فأنا صحفية فاشلة لا أجيد التحكم بمشاعري, ولا أجيد استغلال المواقف ولا البحث عن الأخبار ولا استقصاء الحقائق رغم أن ياسر يسر لي كل شيء ليخرج التحقيق في أكمل صورة
    ولكنني لم أستغل الفرصة بل عجزت حتى عن التحكم في انفعالاتي
    مما بنى بيني وبينه حاجز أشد وأعلى فأنا الآن التي لا تستطيع الاقتراب منه ولا النظر في وجهه حتى لا أتذكر فشلي
    وبقيت أتألم لمدة طويلة, فلا تمر ليلة الا وتشرب الوسادة من دموعي, فما أقسى الشعور بالفشل
    وسافر أيمن ضد رغبة الجميع، وصمت ولم أتكلم حتى لا أزيد من ألم أمي
    فقط لو يعلم ذلك الغبي كم الألم الذي تركه في قلوبنا لما أقدم على تلك الخطوة الحمقاء
    واستبدل الحوار بيني وبين أمي بالصمت كما لو كنا نخشى أن نتحدث فيجرنا الحديث الى منطقة الألم والفشل المسماة بأيمن
    لم أكن أريد أن أتحدث عنه أبدا..
    يكفيني ما يحدث لي كل ليلة عندما تجتمع علىّ ذكريات حياة طويلة تشاركناها معا بضحك ودموع وفرح وألم وتعاطف ومودة
    كان على أن أفعل أى شيء للتخفيف من الشعور باليأس والإحباط والألم الذي سيطر على, مما جعلني أكثف من زياراتي للنادي وركوب الخيل لأشعر بنفسي وبأنه لا زال هناك شيء يحقق لي لذة النجاح والتميز
    ولكني فوجئت يوما وأنا في مدرج الخيل أن هناك غيري يركب أصيل
    كانت صدمة أشعرتني بضيق كبير, رغم أنني اتصلت بالسائس قبل حضوري كالعادة, ولكني وجدت ذلك الشاب يركبه بدلا مني
    عندما رآني السائس أتى الى وأخذ يعتذر كثيرا فقد أخبر د. وسام ألا يركبه, ولكنه أصر ودخل بنفسه الى الاصطبل وأخذه
    قلت منهية الموقف : لا تعتذر, لم يحدث شيء
    سألني : هل أعد لك حصانا آخر
    قلت : لا داعي, لن أركب اليوم
    غادرت مدرج الخيل والضيق يملأني وألقيت بجسدي على كرسي بجوار احدى طاولات الحديقة المظللة والملل والضيق يكاد يفتك بي, حتى وجدت فجأة من يقف أمامي مباشرة ويقول بأسلوب مهذب : أرجو المعذرة يا آنسة
    نظرت اليه بدهشة, هو نفس الشاب الذي كان يركب أصيل
    قلت باقتضاب : نعم؟
    قال : أود أن أعتذر منك, فلم أكن أدري أن من عاداتك ركوب أصيل بالذات
    صمت ولم أرد وأخذت أتفحصه
    تلك الوسامة المفرطة, والابتسامة الساحرة والعيون الجريئة واللباقة المتناهية والقوام الرياضي الممشوق والأناقة الشديدة, صورة تصلح...
    قطع أفكاري وهو يقول بجرأة : أتسمحين لي بالجلوس قليلا؟
    جلس بالفعل عندما لم يتلقى ردا مني
    ولا أدري لحظتها لم انعقد لساني أمام جرأته ولم أرد, واستمر هو بالكلام : أخبرني السائس أن أصيل هو حصانك المفضل, من اللطيف حقا أن يكون للمرء حصان خاص لا يركب غيره, عندها يعتاد الحصان عليه ويتفهم عاداته وأسلوبه ويعرف ما يحب وما لا يحب و..
    كان يتحدث بلباقة شديدة وثقة عالية بالنفس بها بعض الغرور
    وكان يتفحصني بعينين جريئتين وأنا لا زلت صامتة لا أرد
    قال فجأة : عفوا, لقد أخذنا الحوار بعيدا ونسيت أن أتشرف بمعرفة اسمك, دعيني أخمن ما اسم الفارسة؟ أظنه لويزا
    ضحك بخفة, ثم صمت عندما لم يجد أى رد فعل لدي
    قال : حسنا, لست ماهرا في القاء النكات بمثل مهارتي في ركوب الخيل
    لذلك تسرني دعوتك لمشاركتي ركوب الخيل, وسأركب أنا حصانا آخر
    أذهلتني جرأته ونزعت نظارتي بحدة, فهتف قائلا : واو, أتعلمين أن لديك أجمل عينان رأيتهما في حياتي!! من الظلم أن تخفيهما خلف نظارة قاتمة كتلك
    من جديد بقيت صامتة متجمدة تماما ولم أرد, لكن حاجبي الأيمن ارتفع
    قال باسما : ما رأيك؟ هلا شاركتني تلك الهواية التي أعشقها؟
    قلت فجأة : هل تريد ذلك حقا؟
    قال بثقة : سيسعدني ذلك بكل تأكيد
    قلت : اذا افعل ما يسعدك
    نهض سعيدا وهو يقول : سأخبر السائس ليجهز لنا الخيل
    بمجرد أن اختفى من أمامي حتى انتفضت من مكاني بتأفف وعصبية شديدة وحملت حقيبتي وغادرت النادي كله
    لا أدري من أى قصة من قصص المراهقين الرخيصة خرج ذلك الأراجوز ليفرض نفسه على, لم يجرؤ أحد على فعل ذلك من قبل
    منذ أن شببت عن طور المراهقة وشباب النادي لا يحاولون مجرد محاولة الاقتراب مني, فالجميع هنا يعرفني ويعرف أسرتي ويعرف رأيي عمليا في علاقات النادي
    نعم لي صداقات من الجنسين, ولكني أختار أصدقائي بعناية كبرى وبعد تفكير ودراسة وكلهم شخصيات غاية في التهذيب والاحترام فكرت كثيرا أن أقلب عليه الطاولة وأسمعه ما لم يسمعه في حياته، لكن شيء ما جعلني أسكت، وكأني كنت أنتظر أن يقع بالكلام ويعترف بسذاجة هكذا بعلاقته بيحيى
    فلقد سمعت السائس يناديه بدكتور وسام
    كلمة دكتور خرقت طبلة أذني
    يبدو أن يحيى لم يعرف بعد أنني كففت منذ سفره عن قراءة قصص المراهقين الرخيصة ليرسل لي ذلك النموذج الغريب!!!
    لعلني اسيء الظن بيحيى والأمر كله مجرد مصادفة؟
    وهل مصادفة أن يركب حصاني المفضل قبل دخولي الى النادي بدقائق!!
    ترى هل شكت له أمي من الحالة النفسية التى أمر بها هذه الأيام فأرسل لي تلك الدمية السمجة لتسليني!!
    أو ربما لتلهيني عن التفكير بياسر
    أقسم بالله يا يحيى لو ثبت لي أنك خلف هذه الدمية السخيفة لتواجه بعاصفة عنيفة من عواصفي القديمة
    لا شك أنني مجنونة تماما، فحتى الآن لم أرد له سترته الجلدية السوداء، ولا أدري لماذا؟
    هو أيضا لم يطلبها أظن أن خجله وحياؤه منعاه من ذلك
    في أحيان كثيرة أخرجها من خزانة الملابس وأعلقها على بابها وأتحدث اليها كما لو كنت أتحدث الى صاحبها
    قد يكون التحدث الى الأشياء مفيدا في بعض الأحيان فقد وضعت يدي على مشكلتي بدقة
    فمشكلتي هي أنني أشعر بالانكسار أمامه, ولن أستطيع مواجهته أو التحدث اليه أو حتى العودة الى سابق عهدي معه الا لو شعرت أنني أكافئه , وعدت قوية كما كنت
    فهو لا يهدأ ولا يكل تحقيقاته تتوالى بغزارة ويزداد تألقا ونجاحا يوما بعد يوم, أما أنا فقد شغلت نفسي في التفكير في كيفية استعادة مكانتي السابقة والعودة الى تألقي بموضوع تحقيق جديد يهز الجريدة ويرفع من نسبة مبيعاتها
    رغم أنني لا زلت أحرر عمودي, لكنني لم أكن مقتنعة بما أكتبه
    فقد كنت ضائقة ملولة يائسة, ولا أدرى كيف الخلاص من تلك الحالة المدمرة؟
    ..............................................
    كان يوم ينتظره الجميع ويعدون له العدة, بعد كل الحملات والدعاية والمناقشات التي دارت حوله على الانترنت وفي صحف المعارضة
    انه يوم الاضراب المصرى, وفي اليوم السابق له اجتمع زكي بكل الصحفيين وجعل غدا يوما مفتوحا ينتشر فيه الجميع في المحافظات لتغطية أحداث ذلك اليوم الهام
    كانت قاعة الاجتماعات مزدحمة, البعض امتلأت بهم المقاعد والبعض وقف في الخلفية ومنهم ياسر وباستقراء بسيط لعقليته فهمت الى أين سيذهب, وكان على استباقه واستباق الجميع لأحصل على ذلك المكان الهام
    قلت بسرعة قبل أن يسبقني أحد عندما سألنا زكي عن الأماكن التي يمكن أن نذهب اليها : أنا سأذهب الى المحلة
    صمت زكي وظهر عدم الاقتناع واضحا على ملامح وجهه, ثم قال : المحلة مكان غير مناسب لك, لا أظن أن الأمر سيكون سهلا
    قلت بإصرار : أعلم, ولكني سأنجز تحقيقا جيدا ان شاء الله
    هز رأسه موافقا باستسلام, رغم أن كل تعبيراته تقول أنه غير مقتنع
    ألقيت بطرف عيني الى ياسر الذي كان واقفا في الركن عاقدا ساعديه وصامتا تماما ولم يشارك بأية كلمة, لدرجة أن زكي لاحظ ذلك فسأله : وأنت يا ياسر! علام انتويت؟
    قال بهدوء : سأفكر ثم أبلغك
    صمت زكي على مضض
    وانتهى الاجتماع, وشعرت بنشوة انتصار, كنت أعلم أن ياسر ينوى الذهاب الى المحلة, ولكني سبقته هذه المرة
    وكما توقعت, بمجرد أن عدنا الى المكتب قال لي مباشرة : أميرة
    قلت ببساطة مدعية اللامبالاة : نعم, أهناك شيء؟
    قال بحزم : أريدك أن تتخلي عن فكرة الذهاب للمحلة
    قلت بتحدى : اطمئن, أستطيع الاهتمام بشئوني جيدا
    تجهم وجهه وقال بضيق : ألا تعلمين أنهم يصدرون بيانات شديدة اللهجة وتحذيرات مخيفة
    الأمر هناك سيكون مختلفا عن أية محافظة أخرى
    كما أن العمال ينتظرون هذا اليوم ويعدون له العدة
    قلت بعناد : فرصة عظيمة لصناعة موضوع جيد
    هتف بغضب : أتظني أنها لعبة!! الوضع سيكون في غاية الخطورة وعليكي ألا تذهبي الى هناك
    قلت بتحدى : لا يملك أن يقول لي ذلك سوى المدير المسئول
    التمعت عيناه ببريق الغضب وقال منذرا : اذا فأنت مصرة على عدم الأخذ بالنصيحة؟
    غافلتني ابتسامة سعادة وخرجت من داخلي لترتسم على وجهي : أشكر لك نصيحتك, ولكني كما قلت لك أستطيع تدبر أموري بنفسي
    زفر بغيظ وغادر المكتب, أستطيع أن أستنتج بسهولة الى أين سيذهب الآن بعد أن فشل في اقناعي
    أخذت أترقب عودته من عند زكي بتوتر حتى موعد الانصراف, ولم يعد
    وأخذتني الأفكار, ترى هل رفض زكي لذلك غادر ياسر الجريدة؟
    في الصباح كنت أنطلق بسيارتي الى المحلة, وكان واضحا بشكل كبير أن الاضراب قد بدأ بالفعل, وأن المراهنين على قدرة الشعب على القيام بالاضراب والصمود من أجله سيكسبون
    فها هي البشائر هلت, بدت الشوارع هادئة بشكل ملحوظ, ولا زحام
    رن هاتفي المحمول, كان زكي الذي قال بعجلة : أميرة, هناك أمر هام جد, لقد اعتذر أحمد لظروف قهرية, وعليك الذهاب مكانه الى وسط البلد
    قلت بحسم : ابحث عن غيري, فأنا الآن في الطريق الى المحلة
    هتف قائلا : كلا, لن تذهبي الى المحلة
    قلت بعد أن تأكد لي ما فهمته : اذا, فقد أرسلت ياسر الى هناك؟
    اتفقت معه على تلك التمثيلية برغم أنك وافقت أمس
    قال بحدة : الأمر ليس مؤامرة عليك, لقد تحدث الى وأقنعني بوجهة نظره
    المحلة ستكون مكانا خطرا للغاية اليوم والعيون كلها مترصدة لما سيحدث من مواجهات, والتدابير الأمنية ستكون أضعاف أى مكان آخر
    قلت بغضب : لا يهم, سأذهب رغم كل هذا, ولن تستطيع منعي
    قال : وأنا كمديرك غير موافق, وستتحملين عواقب مخالفتك..
    قاطعته بانفعال : لقد وافقت أمس أمام الجميع, أتذكر؟؟
    لن يستطيع أحد اثنائي عن هدفي
    أنا ذاهبة الى المحلة ولا تتصل بي مجددا لأنني لن أرد عليك

    ..................................................

    صار الأمر واضح لكل عين
    الإضراب بدأ بالفعل، الشوارع الرئيسية في العاصمة بدت خالية وهادئة
    وصلت الى المحلة وأخذت أتجول فيها، في الميادين الرئيسة كانت الاستعدادات الأمنية متواجدة بشكل مكثف وغير عادي
    صفوف من الجنود بزيهم الأسود وخلفهم السيارات المصفحة الضخمة
    تذكرت رحلتي مع اللجنة وما دار فيها
    أخذت أسترجع كلمات ياسر، كان محقا في كل كلمة، فالمشهد مخيف بالفعل
    نفضت الخوف وأخذت أصور المكان, كانت أغلب المحلات والدكاكين مغلقة والأعداد قليلة في الشوارع
    مررت على بعض المدارس الثانوية وسألت البواب عن نسبة حضور الطلبة والمدرسين اليوم
    بالفعل كان الحضور قليل بشكل ملحوظ, ثم أجريت حوار مع بعض الناس في الشارع
    على خلاف ما توقع المتشائمون, كان هناك وعى جيد بفكرة الإضراب ورغبة حقيقية في انفاذه
    ولكن على نحو آخر كان هناك قلق وخوف مما يمكن أن يحدث جعل الكثيرين يتركون أشغالهم ويلزمون بيوتهم رغم عدم ايمانهم بالإضراب وجدواه
    مر نصف النهار بلا مشاكل، وأتاني اتصال على هاتفي المحمول من رقم غير مسجل لدي
    رددت : من؟
    جاءني صوت ياسر : أين أنت الآن؟
    هتفت بدهشة عارمة : ياسر!! أأنت حقا!!
    قال بضيق : هل على أن أبحث عنك في المحلة كلها؟
    قلت وأنا تحت تأثير الدهشة : كيف حصلت على رقم هاتفي؟
    سمعت صوته حقيقيا من خلفي : لم تثيرين المشكلات دائما؟
    التفت بحدة لأجده واقفا على بعد عدة أمتار مني
    عندما أراه أعجز حقا عن التحكم في ابتسامتي التى تتفجر تلقائيا من داخلي
    رأيته متجهما فتقدمت نحوه وأنا أقول بفرح حقيقي : هل أستطيع أن أقول أن هذا هو أول تعاون مشترك بيننا؟
    صمت طويلا ولا حظت أن التجهم اختفى من ملامح وجهه, بل إن هناك ابتسامة تريد أن تشق طريقها بين قسماته لكنه يكبحها
    قال بهدوء : لم تعاندين كل من حولك؟
    قلت باسمة محاولة الهروب من حصاره : أتعلم؟ الجو هادئ تماما هنا خلاف كل التوقعات لدرجة أنني بدأت أندم على اختيارى لهذا المكان, أتمنى مكانا أكثر اثارة
    تنهد مستسلما, ثم تلفت حوله متأملا متفحصا المكان : لا تتعجلي, لم تحن بعد ساعة الصفر
    عند خروج العمال سنرى ما سيحدث
    قلت بمرح : أين كنت؟
    قال : كنت عند المصنع
    تعجبت من قدرته على ابتلاع غضبه وتبديل مزاجه بسرعة
    قلت : وما الأحوال هناك الآن؟
    قال : هناك مفاوضات مطولة مع العمال والكل ينتظر نتيجتها التى ستحدد كيف سيصبح المكان بعد ساعات؟
    قلت بزهق : اذا علينا البقاء قرب المصنع
    قال : لقد بدأ الناس يتجهون الى هناك بالفعل
    نظر الى وقال متعجبا : ما هذا الذي ترتدينه؟
    نظرت الى ملابسي وقلت بدهشة : ما بها؟ انها ملابسي العادية
    قال متهكما : أتأتين الى مكان كهذا في يوم كهذا بملابسك العادية؟
    لم أفهم ماذا يعني, لكنه سألني : أين سيارتك؟
    قلت مشيرة الى الشارع الجانبي : هناك
    قال بسخرية مرحة : أحضرتيها معك الى هنا!! أهنئك على جرأتك
    ألا تثير هذه المناظر أية مخاوف لديك على السيارة؟
    قلت وأنا أدور بعيني في المكان : حقا, ان التواجد الأمني غير مسبوق, لا أفهم هل يستعدون لخوض حرب ما؟
    قال ساخرا : لا ينقص المكان سوى ثلاثة ميركافا واثنين أباتشي وصلحوا
    ضحكت من تعليقاته الطريفة
    كانت المرة الأولى التى أشعر فيها بتباسطه معي في الكلام, رغم أن حدوده كما هي لا يتخطاها أبدا
    وصلنا الى السيارة وقال هو : علينا ابعاد السيارة من هنا, أعطني المفاتيح
    قلت بدهشة : لا أعتقد أن الأمر خطير
    قال : الاحتياط واجب
    هتفت وأنا أعطيه المفاتيح : ولكن, كيف سنتنقل دون سيارة؟
    قال باسما : لا مشكلة, سنعيش عيشة أهل البلد لبعض الوقت
    حتى ينجح عملك هنا, عليك أن تكوني مواطنة محلاوية اليوم
    عندها ستنجحين في وصف حياتهم ومعاناتهم وسعادتهم وآلامهم وآمالهم بدقة
    أسرني تواضعه وسماحته وبساطته
    عندما عدنا الى المصنع كانت الأعداد المتجمعة بالمكان كبيرة جدا, ويقابلها أعدادا أكبر وأكبر من جنود الأمن
    انتشرنا أنا وياسر نجري حوارات مع الأهالي
    الكل مترقب بوجل وتوتر ولهفة ما سيفعله العمال عند خروجهم من الوردية
    فالعمال بأعدادهم الهائلة يمثلون الغالبية العظمى من أهل البلد والإضراب الموازى أشعل آمال الناس بأن شيء ما يمكن أن يتغير
    صلينا العصر في مسجد قريب وهناك أدركت ما كان يعنيه ياسر بأن أكون مواطنة محلاوية
    فلقد صليت بين مجموعة من نساء البلدة مرتدية رداء الصلاة الموقوف للمسجد, ثم جلست بينهن بعد الصلاة نتبادل الحديث بود
    نساء خرجن من بيوتهن ليساندن رجالهن ويطالبن بحقوق أولادهن
    وشرحن لي الأوضاع المتردية للعمال ومطالبهم
    بعدها عدت الى المصنع مع ياسر, ثم بدأ خروج العمال
    وانهمكت في تصوير خروج العمال من المصنع وياسر يراقب ما حوله باهتمام بالغ
    قلت بدهشة وعيني على الكاميرا : ما الذي يحدث هنا
    رد ساخرا : تقصدين ما الذي لا يحدث هنا
    بالفعل هو محق, فهذا ما لم نكن نتوقعه أبدا, بل لم يكن يتوقعه أحد, فقد كان خروج العمال هادئا تماما وعاديا ككل يوم وهم ينفضون كل في طريق متجهين الى بيوتهم, مما جعل ياسر يقول : أستطيع الآن أن أقول أن المفاوضات نجحت, لقد خرج العمال من كفة الميزان
    يبدو أننا لسنا الوحيدين المعترضين على ما يحدث
    لقد بدأ البعض يتذمر ويعترض, وبدأت بعض الهتافات تعلو على الجانبين بتردد وعلى استحياء
    سمعت صوت ياسر بجانبي يقول بتوتر : علينا أن نبتعد من هنا
    قلت بتركيز : انتظر قليلا حتى أنتهي من التصوير
    كان ياسر محقا في قلقه, لقد بدأ الجنود يتحرشون بالأهالي بطريقة مستفزة, بل وحاولوا اسكاتهم بالإرهاب والقوة
    الغريب أن الأهالي لم يسكتوا, بل ان تصرفات الجنود كانت تزيدهم اصرارا لتعلو الهتافات وتتطور بسرعة
    ثم بدأ الجنود يتطاولون على الناس بالسباب والضرب ليشتعل الغضب بينهم, واشتبك بعض الشباب مع الجنود بالفعل
    وكأنما تلك المشادات الفردية هي الفتيل الذي نزع ليتفجر الجنون في المكان
    فقد بدأ الجنود الضرب في الناس بالعصي دون تمييز وبوحشية
    لكن هذه المرة لم يتلقى الناس الضربات ويسكتوا, بل كان الرد عنيفا والاشتباكات مخيفة
    وتجمدت تماما في مكاني كالتمثال والكاميرا في يدي تصور ما يحدث
    لم أستطع التحرك الا عندما صرخ في ياسر : إجرى
    جريت خلفه برعب بعد أن تحول الميدان الى ساحة حرب, وبدأت أسمع أصوات فرقعات عالية من خلفي
    حاولت أن ألتفت لأرى ما يحدث فاصطدمت برجل يجري من الاتجاه الآخر فسقطت الكاميرا على الأرض
    ارتبكت بشدة, فآخر ما يمكن أن أتحمله أن أفقد الكاميرا
    توقفت وانحنيت بسرعة لألتقطها ولمحت ياسر يجري بعيدا بين الناس التى تجري في كل اتجاه بفوضى وعشوائية
    وكان على حفظ توازني بصعوبة ممن يتخبطون بي
    علت صوت الفرقعات حتى كادت تصم أذناي فوليت هاربة من المكان
    لكن فجأة انفتح الجحيم في وجهي وأظلمت الدنيا
    ...............................................
    يتبع.............................................. .....

  5. #35
    عـضـو
    تاريخ التسجيل
    12 2009
    المشاركات
    115

    رد : الابتسامة الشجاعة...رواية طويلة

    شعرت بحريق هائل في صدري واختناق, وأخذت أسعل بشدة ودموعي العزيزة انفتحت فجأة كصنبور الماء
    لم أستطع الوقوف طويلا وأنا أحاول التقاط أنفاسي, وسقطت على ركبتي عاجزة عن الرؤية من حريق عيناي
    وأدركت بعقلي أنني سقطت ضحية الغازات المسيلة للدموع التي انتشرت في المكان
    وسمعت صوت ياسر يناديني ولكني لم أستطع الرد أو الوقوف أو أى شيء
    كل ما كنت أستطيع فعله هو السعال ومحاولة التقاط أنفاسي
    وشعرت بأصابع قوية تنغرز في كتفي بألم شديد وتقتلعني من الأرض وتدفعني بعيدا عن الدخان الأسود
    أخيرا خرجت من ذلك الظلام الخانق, وبدأت أشعر بالهواء يرد الى أنفاسي رغم الحريق الهائل الذي في وجهي وكأنما شبت فيه النار
    كان ياسر يجري وهو يجرني خلفه من معصمي وأنا أتبع خطواته دون أن أتبين أى شيء حولي
    لا أدري كم بقينا نجري, لكنه توقف فجأة وهتف بي وهو يلهث : اجلسي
    أطعته دون تفكير, دون حتى أن أرى على أى شيء أجلس, وسمعته يقول : هل أنت بخير؟
    أومأت برأسي دون أن أرد فقد كان صدري يؤلمني بشدة وحلقي يحرقني
    قال بلهجة آمرة : ابصقي أى شيء في جوفك, ابصقي تلك المواد الكيماوية
    فعلت ما قاله لي, وبدأت أهدأ تدريجيا وأشعر بالهواء البارد يخفف من ألمي
    قال بحزم : افتحي عينيك
    حاولت ولم أستطع ومددت يدي الى عيني تلقائيا, لكنه هتف بي : لا تضعي يدك على وجهك
    أنزلت يدي على الفور, وعاد من جديد لإلقاء التعليمات : لا تقلقي, تحلي بالهدوء فتلك الغازات لن تؤذيك, فقط اتبعي ما سأقوله لك حتى تتخلصي من الألم بسرعة
    أومأت برأسي فسألني : أترتدين عدسات؟
    هززت رأسي نفيا فقال : جيد, والآن افتحي عينيك قدر ما تستطيعين وكفيك أيضا وعرضي وجهك للهواء وتنفسي ببطء وعمق
    كنت أطيعه باستسلام تام وأنفذ تعليماته بدقة
    وبالفعل بدأ الألم يهدأ وتنفسي يعود لطبيعته
    اقترب مني وقال : والآن, اسمعيني, سأقوم برش سائل في عينيك
    قلت وأنا أنتفض : لا
    قال : اطمئني, لن يؤلمك, انه ملطف ومخفف لآثار تلك الغازات
    أخرج من جيبه بخاخا صغيرا ورش بضعة رخات في عيني أشعرتني بالراحة
    ثم رش في فمي وأنا أتمضمض وأبصق تلك السوائل على الأرض
    سألني : هل تشعرين بتحسن؟
    قلت : نعم. الحمد لله
    نظرت اليه فوجدت الاهتمام والقلق على وجهه والبخاخ لا زال في يده, وسألته بفضول : ما هذا السائل؟
    قال : إنه محلول الجفاف
    ابقي عيناك مفتوحتان وكفيك كذلك في الهواء
    أومأت له موافقة وأنا أقول بابتسامة : أنت ماهر للغاية
    قال : خبرات تراكمية
    دارت عيناي في المكان, وأخذت أتأمل الشارع الذي دخلنا فيه, كان خاليا مغلق المحلات والدكاكين, وأنا أجلس على الرصيف
    تنهدت قائلة : يا إلهي!! وكأن المحلة تفجرت بالجنون !!
    وقف بعيدا, وقال وهو يراقب المكان من حوله بدقة : كل هذا كان متوقع، لكن الغريب أن يتأخر حتى هذه الساعة من النهار
    يهدأ الوضع حينما نظن أن الانفجار قادم, ويتفجر حينما نظن أنه وقت الهدوء
    قلت بعجب : ولكن لم تطور الى هذه الدرجة!! لقد خرج العمال في هدوء ولم يثيروا أى شغب, الكاميرا تشهد بذلك, حتى الشباب الصغير الذين تجمعوا حول المصنع, لم يكن لهم أى دور سوى بعض الهتافات التي لا تغني ولا تسمن من جوع
    قال بغيظ : كما لو كانوا ينتظرون أى خطأ أو اشارة ليضربوا
    بل واستفزوهم بالسباب الفاضح والضرب
    قلت باسمة : والجماهير لم تقصر وكان الطوب والأحجار ردا بليغا
    قال : لقد كان البشر على آتون يغلي وهم من فتحوا الغطاء ليتفجر الغضب في وجوههم
    قلت متسائلة : أظن أن الناس فوجئوا بأن العمال لن يشاركوا في الإضراب, وهذا ما أثار غيظهم الشديد, أتعلم, أنا نفسي اغتظت
    كيف ينخلع العمال من القضية بهذه الصورة!!
    التفت الى وقال متسائلا : عن أي قضية تتحدثين!!
    العمال قضيتهم معروفة ومطالبهم محددة من البداية
    قلت : وماذا عن الناس الذين ساعدوهم وتضامنوا مع قضيتهم!!
    قال : الإضراب لم يكن في المحلة فقط بل في سائر البلد
    والعمال عندما قاموا بالإعلان عن وقفاتهم الاحتجاجية والمظاهرات والاعتصامات كل هذا من أجل مطالبهم البسيطة لا مطالب الاضراب والأحزاب
    ولأن تزامن الاثنين معا كان له ضغط رهيب داخليا وخارجيا
    أرسلت الحكومة من يتفاوض مع العمال لتهدئتهم حتى لا تتحول المحلة الى كتلة نار, فالمحلة كلها عمال
    ويبدو أنهم قبلوا بالإتفاق برغبتهم أو تحت التهديد لا أعلم
    قلت : هكذا ببساطة!! يلقون بكل شيء خلف ظهورهم, يبيعون كل من وقف معهم!!
    قال باسما : لا تأخذي الأمور بظاهرها, العمال لا هم لهم سوى تحسين أحوالهم المعيشية والاستقرار والأمن لهم ولأولادهم
    من الظلم تحميلهم الأمر وحدهم, فهم لم يكفوا عن التظاهر والاعتراض والصراخ في 2006 و2007
    هم يختلفون عن الشباب الداعين للإضراب, فهم يدركون أن هذا طريق لا نهاية ظاهرة له حاليا, والأمر على ما يبدو ستليه جولات أخرى في السنوات القادمة
    لذلك فلا داعي للتعجل بخطوة قد تشعل البلد جحيما من تحتهم وهم الخاسر الأكبر فيها
    قلت بضيق : لست مقتنعة، هذه المرة لست مقتنعة أبدا بما تقول
    قال باسما : أخبريني ما هو المطلوب بالضبط أن يحققه الإضراب؟
    هممت أن أتكلم، لكنني سكت
    قال باسما : ما هو الا تعبير عن رفض الأوضاع الخطأ وإيصال رسالة الى العالم بأن هناك وضع غير مرضي عنه لابد وأن يتغير
    قلت : بلى، صحيح
    قال لو نظرت حولك لوجدت أن كل هذا تحقق اليوم على هذه البقعة الصغيرة التى نقف عليها
    لا أدرى كيف الحال في بقية المحافظات، لكني أتكلم عما رأيته
    إن ما حدث هنا اليوم لهو جيد بكل المقاييس، أكثر من هذا سيكون زيادة لها تبعاتها الغير محسوبة
    قلت بفهم : كما حدث الآن!!

    كان ينظر الى طرفي الشارع باهتمام وانعقد حاجباه بقلق وهو يقول : وكما سيحدث بعد قليل
    مد يده نحوي قائلا : أعطني الكاميرا
    أعطيته إياها وأنا أنظر اليه بترقب
    أخذها وانطلق يجري الى أول الشارع وهو يصور
    انتفضت رعبا فقد كان هناك مجموعة كبيرة قادمة من أول الشارع مثيرة صخبا مخيفا، كانوا يحملون شابا مصابا اصابات عنيفة في وجهه ورأسه ويبدو أنه فاقد الوعي
    لا أدري حقا أهو ميت أم مصاب
    أخذ ياسر يجري بينهم وهو يصور ثم تلتهم مجموعة أخرى تجري قادمة من الميدان الى داخل الشارع
    كان واضحا للغاية أن الميدان تحول الى ساحة ضرب, وهؤلاء هاربون ليختبئوا مثلنا في الشوارع الجانبية
    كان ياسر يسألهم عما حدث ويسجل الكلمات القليلة التي يلقون بها
    فجأة وجدت ياسر يجري نحوي وهو يهتف : هيا بسرعة
    نظرت الى أول الشارع فوجدته قد سد بسيارة سوداء ضخمة والجنود يزحفون منها كالنمل
    أيقنت أن التصعيد الغير محسوب والذي كان ياسر يتحدث عنه منذ قليل قد حدث بالفعل
    لقد اشتعلت المحلة جحيما
    .................................................. .........

    انطلقنا نجرى الى الجهة الأخرى من الشارع, ثم عبر ياسر الى حارة أخرى وظل يجرى في الحوارى الجانبية حتى شعر أننا أصبحنا في أمان
    وقفنا نرتاح قليلا وأخذنا نلهث بشدة من كثرة الجرى
    قلت بعد أن هدأت قليلا : والآن, كيف سنصل الى السيارة؟
    قال : فلتحمدى الله أنها بعيدة وإلا لما وجدت فيها قطعة واحدة سليمة
    قلت : اذا الى أين الآن؟
    قال : علينا أن نسير بحذر
    بالفعل بدأ ياسر التنقل من شارع الى حارة بحذر بالغ, كان يستكشف الطريق التى نتوجه اليها قبل أن ننعطف فيها وأنا أتبع خطواته بترقب وقلق
    كان ياسر يستعد للإنعطاف في احدى الحارات عندما تراجع فجأة للخلف وهو يضع سبابته على فمه محذرا أن أصدر أى صوت
    صمت بترقب وخوف وهمس هو لي : تلك الحارة تمتلئ بالسترات الجلدية السوداء تنتظر صيدا يسحبونه الى سفينة الفضاء السوداء الكبيرة التى خلفهم
    برغم دقة موقفنا والجنون في المكان لكن ياسر استطاع انتزاع ابتسامتي
    قال بهمس وهو يتراجع : فلنغير وجهتنا
    قلت باثارة : انتظر, ألا يمكن أن نصور ما يحدث دون أن يروننا؟
    نظر الى بدهشة قائلا : توقيت مناسب للغاية لتفجر الفضول الصحفي
    قلت باسمة : أليس هذا هو أسلوب الصحفي المحترف يا أستاذ!!
    ابتسم بعد أن أدرك أنني أكرر كلماته, ثم قال : ولكن, هل تستطيعين تحمل نتائج تجوالك في المحلة مع شخص له هويتي لو قبضوا علينا؟
    قلت ضاحكة : اذا أصبحت الصحافة مهنة الرعب!!
    المهم أن تنجو الكاميرا من بين أيديهم
    تنهد باستسلام ثم شغل الكاميرا ووجه عدستها الى الحارة من زاوية الرصيف بحذر بالغ, وأنا خلفه أسمعه يهمس لي : حسنا, أنت وما تريدين ولكن عليك أن تتذكري أنه كان اقتراحك
    بقي ياسر يصور بهدوء
    كانوا يلتقطون أى شاب مار بالصدفة في الشارع ويوسعونه ضربا وركلا ويقتادونه الى السيارة السوداء الكبيرة التي في آخر الحارة
    بقى ياسر يصور لمدة حتى قال أخيرا : هل اكتفيت الآن؟ علينا التحرك قبل أن تحدث مفاجأة غير متوقعة
    قلت : بلى هذا جيد
    كان حظنا حسنا للغاية فلم يشعروا بنا ونحن نتراجع بهدوء
    أو أن ياسر محترف للغاية, نعم هو كذلك فهو يستطيع تجنب بؤر الخطر بشكل مدهش
    مررنا من أحد الشوارع بهدوء لكن صخب أتانا من داخل المدرسة التى في الشارع جعلنا نتوقف قليلا أمامها
    قلت بدهشة : ترى أهناك من يختبئون هنا من المعارك الضارية التي في الخارج؟ أيمكن أن نحصل منهم على بعض الحكايات والأخبار؟
    قال بحذر : علينا أن نكون حذرين ولا نثق تماما في كل من نقابلهم
    كان الموقف مثير بحق وأصوت الصخب عالية تأتي من المدرسة ومع حركات مريبة, فتح ياسر الكاميرا من جديد وبدأ يصور, أو على وجه الدقة يستعد في انتظار ما يصوره
    ولم يطل الانتظار فقد فوجئنا بمن ينزل من السلم الرئيسي المواجه لبوابة المدرسة التى نقف عندها وسرعان ما تبينا الحقيقة المؤلمة
    فقد كانا اثنان يحملان كمبيوتر وبعض الأجهزة الخاصة بالمدرسة
    انهما لصين
    وجدت يدي تلتف رغما عنى ودون وعي حول ذراع ياسر برعب وأنا أهمس له : إنهم لصوص
    قال ساخرا : ترى هل فتحت أبواب السجون اليوم تحديدا بالصدقة؟
    أم أنهم إفراج بضمان محل السرقة؟


    قلت بفزع : ياسر يجب أن نبلغ الشرطة
    قال ساخرا وعينه على من ينزلون السلم : الشرطة مشغولة بأمور أخرى
    أتعلمين ما هو أفضل ما نقوم به الآن؟
    قلت : ماذا؟
    هتف : اجرى
    انطلقنا نجرى معا ولكن مع الأسف بعد أن انتبها الينا وأخذا يطاردننا
    يبدو أن الحظ الحسن لم يستمر طويلا فقد انعطفنا في حارة مسدودة بسيارة سوداء ضخمة, تراجعنا بسرعة الى الشارع وأكملناه ركضا الى نهايته دون أن ننظر خلفنا
    ثم انحرفنا في شارع آخر, الحمد لله كان خاليا
    هتف ياسر : ادخلي في هذا البيت
    اندفعت أنفذ دون تفكير وأغلق ياسر الباب ووقف خلفه
    قلت وأنا ألهث : هل خلت الدنيا؟ أليس هناك من يطاردونه سوانا, سأرفع شكوى الى النقابة
    قال هازئا : هأ, سيضعونها تحت الحراسة
    نظر الى قائلا : أتعلمين,ما أكثر ما أتعجب له
    عندما كنت صغيرا كنت ألعب لعبة عسكر وحرامية مع اخوتي وأصدقائي, يوما أكون من العسكر ويوما من الحرامية
    وقتها لم تكن هناك أية فئات أخرى, الزمن يغير الكثير من الأشياء
    نظرت اليه لحظة ثم انفجرت في الضحك
    كنت أتساءل في نفسي متعجبة : لو أنني مع أى انسان آخر غيره الآن هل كنت سأتحمل تلك الظروف الصعبة وأتقبل الأمر بتلك الروح المرحة الهادئة؟
    ترى هل ابتسامة ياسر الآن سخرية حقيقية أم محاولة للتغلب على القلق وانتصار على الخوف؟
    في كل الأحوال فوجود ياسر يشعرني باطمئنان غريب
    قال : لكم أتمنى الآن الوصول الى المستشفى العام
    قلت ضاحكة : فهمتك يا محترف, هناك ستجد أعداد المصابين وأهلهم
    قال ساخرا : بدأت تتعلمين
    عجبا, حتى يحيى لا يستطيع المزاح الساخر معي بهذه الطريقة, ولكن عند ياسر وتتحول سخريته الى بردا وسلاما على قلبي, بل وأتقبل منه أية كلمة
    خرجنا من البيت بعد أن اطمأن ياسر الى هدوء المكان وسرنا في الشارع الى نهايته, وجدنا أنفسنا في ميدان آخر كبير فيه تجمعات كبيرة من الشباب تهتف بعالي الصوت وعلى الجانب الآخر اشتباكات عنيفة بين الجنود والأهالي
    أخذ ياسر يجري في الميدان والكاميرا في يده تصور كل المهازل التى تحدث في المكان
    وأنا خلفه تماما كطفل خائف يخشى الابتعاد عن أمه في الزحام
    وبمهارة شديدة كان ياسر يتفادى أماكن قنابل الغاز ويبتعد عنها وكذلك يبتعد عن أماكن الضرب باحتراف
    كنت أشعر بالخوف وأصوات الفرقعات وطلقات الرصاص المطاطي تتطاير هنا وهناك وتلقي الرعب في قلبي, حتى صرخ في ياسر : ابتعدي
    وبتلقائية حب الحياة وكراهية التعرض للأذى جريت بعيدا, ثم التفت لأجد ياسر مطارد من اثنين يرتديان زيا مدنيا, كل أوصافهما هي وجوه سمراء كالحة وشوارب ضخمة تغطي الفم وعيون لا تحوي سوى الشر
    دق قلبي بعنف شديد عندما لحقه أحدهما, تسمرت أقدامي وعيناي على ياسر, لم أكن أشعر بأى مما حولي رغم وجودي وسط المعمعة والفوضى الهائلة تعم المكان
    لم أنتبه لأى شيء سوى ذلك المشهد المخيف, ورأيت ياسر يشتبك مع الذي لحقه ويتشاجران
    وبدأت أشعر بالإعجاب الشديد فقد كان المشهد الظاهر أن الغلبة لياسر رغم تفوق الآخر في المقاييس الجسمية والطولية
    لكن الرعب عاودني من جديد عندما لحقهما الثاني الذي كان يطارد ياسر الذي كاد أن يحاط به
    فجأة التفت نحوى وصرخ : جلال
    أدركت ماذا يريد على الفور عندما رفع الكاميرا بيده الى أعلى, وجريت نحوه بكل قوتي وهو يرمي الى بالكاميرا من هذه المسافة قبل أن تطالها يد أحد سواى
    لقد سيطرت على فكرة واحدة إن سقوط الكاميرا على الأرض يعني نهايتي ونهاية ياسر



    عجيب أمر الانسان
    لديه طاقات هائلة لا يدري عنها شيء, ولا تظهر الا في الشدائد الجسام
    ففي نفس اللحظة التي اعتقدت فيها باستحالة اللحاق بالكاميرا وانقاذها, انطلقت من داخلي طاقة رهيبة سحقت كل خوف ويأس ودفعت عضلاتي لبذل أقصى ما لديها من قوة
    انطلقت أجري باتجاه الكاميرا الطائرة وفردت ذراعيّ لتسقط بين كفي بصورة لم أكن لأصدقها أبدا
    ورغم سقوطي على الأرض بشكل آلمني للغاية, الا أن سعادتي بانقاذ الكاميرا فاقت أى ألم
    أخذتها بين أحضاني بلهفة وضربات قلبي تتسارع بشكل جنوني كما لو كانت طفلي الذي أنقذته من الموت
    لكنني أفقت سريعا على الوضع المحيط بي لأجد أنني أصبحت مطاردة
    انها تلك الصغيرة المخيفة التي يخشاها الجميع
    (طول الكف وتهزم مئة وألف)
    أنت يا صغيرتي!! الكل يريد تحطيمك, فأنت الفاضحة لكل جريمة الكاشفة للعيوب والنقائص والتعديات والمخالفات
    كان الاثنان يتوجهان نحوي وخلفهما ياسر يحاول إعاقتهما باستماتة
    فجريت بكل قوتي, وهذه المرة كنت أعرف الى أين أذهب
    لقد أدركت أن نجاتي تكمن في الذوبان بين جموع الناس
    فالحشود المجتمعة والتى تحولت الى فوضى عارمة تدفع وتكسر أى شيء في طريقها وتتحدى وتعترض كل من له سلطة, ستفتح لي ذراعيها لمجرد أنني مطاردة من السلطة
    وهذا ما حدث بالضبط, فقد ابتلعتني كومة من البشر الغاضبين الذين غرسوا في الأرض أقدامهم بعناد ورفضوا التزحزح أمام الهراوات والقنابل المسيلة للدموع
    كانوا كالقذائف الحجرية يطلقون الأحجار بلا حساب وأمامهم تراجع الجنود في خوف
    العجيب أن الأحجار كانت تستطيع أن تفرق بين من تصيبه ومن لا تصيبه, بل وتعرف هدفها وخط مسارها جيدا كما لو كانت أحجارا زكية
    يبدو أنني أصبحت الآن داخل مشهد إخباري تليفزيوني من فلسطين
    نجحت بالفعل في اجتياز كل هذا الجنون لأصل الى أحد الشوارع المتفرعة من الميدان
    لكنني توقفت برعب, فقد كان أسوأ بكثير من الميدان فقد اشتعلت النيران في الشارع بشكل مخيف, والأهالي يحاولون البحث عن ماء لإطفاء الحريق
    ورغم رعبي الشديد لكنني استطعت التصرف بتلقائية الصحفي كما علمني ياسر
    فوقفت أصور الحريق الكبير الذي اشتعل في عدة محلات ودكاكين متجاورة, كانت النيران قد التهمت عددا من المحلات, فجأة وجدت الناس الذين كانوا منهمكين في محاولة اطفاء الحريق يركضون بخوف, نظرت خلفي فوجدت سيارة سوداء كبيرة تسد الشارع والجنود قادمون والناس تجرى طلبا للنجاة
    اندفعت لأقرب باب بيت للجهة المقابلة للحريق وأخذت أطرق الباب المغلق بعنف
    أخيرا فتحوا لي, أعتقد أنهم قد شاهدوني من احدى النوافذ
    دخلت بسرعة وأغلقت الباب خلفي لأجد أمامي شابا يرتدي قميص رياضي وبنطلون منامة
    قلت بتوتر : عذرا لم أجد أمامي الا أن أطرق بابكم
    قال بسرعة : أنت صحفية أليس كذلك؟
    نظرت الى الكاميرا التي في يدي وقلت : بلى, صحيح, لكن الجنون في الخارج لا يفرق بين صحفي و..
    لم يدعني أكمل, بل قال بتوتر : تفضلي, تفضلي
    تبعته وهو يجرى صاعدا السلم وهو يهتف : لقد رأيناهم, كانوا أربعة, وهناك آخرين
    كنت أشتعل بالإثارة من كلماته لذلك تبعته دون تفكير
    كان بيت صغير مكون من ثلاثة أدوار تجاوزناهم ووصلنا الى السطح
    وهناك وجدت أهل البيت جميعا مجتمعين وأوعية الماء البلاستيكية يتم تداولها بينهم من أقرب شقة في الدور الثالث الى سور السطح
    كان هناك شيخ كبير يقف عند السور وحوله مجموعة من الأطفال
    ورجلان يتوليان قذف الماء من على السور ومعهما الشاب الذي فتح لي الباب
    وثلاثة نسوة يتناوبون ملء الأوعية البلاستيكية
    كان الأهالي يعملون بأقصى طاقاتهم وإمكانياتهم محاولين المساعدة في اطفاء الحريق
    كانت محاولاتهم في القاء الماء لأبعد مدى ليصل الى الجهة المقابلة للبيت محاولات غير مجدية ويتساقط الماء الى الشارع قبل أن يصل الى الحريق, ورغم فشلهم لم ييأسوا ولم يتوقفوا, وكذلك فعل جيرانهم في البيت الملاصق لهم
    استقبلتني سيدات البيت البسيطات بجلابيبهن البيتية المبللة بالماء وحجابهن الساتر البسيط
    كن يتحدثن بصوت عالي وتوتر, وكنت أشعر أنني متقبلة بينهن بترحاب كبير وأنا أستمع الى عباراتهن البسيطة : تفضلي يا أختى, الصحافة في بيتنا
    صرخت واحدة وهي تلطم خديها بفزع : صورى, صورى يا أختى ما يفعلونه ببلدنا
    كنت أنظر الى وجوههم الملئ بالغضب والنقمة والألم وقلة الحيلة, ولم أتكلم كلمة, بل اتجهت الى السور وأخذت أصور من أعلى الحريق المشتعل, وما يفعله الجنود في الشارع من مطاردات للشباب يقابلها مقاومة عنيفة منهم
    وبدأ الظلام يزحف على المحلة والشارع مشتعل بالنيران
    قلت بدهشة : كيف لم تأتي المطافي حتى الآن؟!!!
    قال الشاب : اتصلنا بهم أكثر من عشر مرات, وبالتأكيد فعل بقية الجيران
    هتفت احدى السيدات : انهم الشباب المجانين, مالنا ومال الاضراب وكل هذا الجنون ؟!!
    قلت متسائلة : لكن الاضراب كان أساسا لمساندة عمال المصنع
    قال أحد الرجلين : لقد تظاهرنا العام الماضي والذي قبله ولم يصل الأمر أبدا الى هذه الدرجة
    هتف الشاب : لقد رأيتهم
    قلت : رأيت من؟
    قال : رأيتهم وهم يشعلون النار, ليسوا من عندنا, ليسوا من المحلة, أنا متأكد
    سمعت صوت أحد الأطفال يصرخ بإثارة : أمي, لقد اشتعلت النار في المدرسة في أول الشارع
    جرى الجميع الى طرف السور ينظرون الى كتلة النار الظاهرة في أول الشارع, وتبعتهم بتلقائية وأفسحوا لي المكان لأصور المدرسة التي تحترق
    كان الليل قد ارخى سدوله على البلد في ليلة لم أشهد لها مثيلا من قبل
    سمعت طفلا بجواري يضحك : هي هي هي المدرسة احترقت
    هتفت الأم وهي تضربه على مؤخرة عنقه : اخرس يا ولد, أفرح أنت باحتراق المدرسة؟!!!
    قال باستفزاز : أحسن
    قال أحد الرجلين : إنه عقاب جماعي للبلد
    قلت بدهشة : ولكن كل هذا بسبب مظاهرات وهتافات؟!!!
    قال : منذ سنوات ولم تهدأ المظاهرات في المحلة, وكل بضعة أشهر تتجدد, فهي أكبر مدينة تحوى عمال في القطر, لذلك فهي مصدر قلق وقلاقل باستمرار
    قلت : ولكن أليس هناك حل؟
    قال : كل الحلول مؤقته, مجرد مسكنات غير مجدية
    قال الثاني : أصبحت البلد مرتعا للصوص والحرامية والمسجلين
    تذكرت لحظتها كلمة ياسر : هل فتحت أبواب السجون اليوم تحديدا بالصدقة؟
    فجأة أظلمت اللمبة التي تضيء السطح, فقال الرجل الشيخ : قطعوا الكهرباء عن المنطقة
    دخلت امرأة من باب السطح قائلة : انقطعت المياة
    قال الشاب : بالتأكيد, فبانقطاع الكهرباء توقف موتور رفع المياة
    أخيرا وصلت المطافي
    كنت أقف بين أصحاب البيت وأبنائهم أستمع الى كلامهم وحكاياتهم عن المحلة وأحداث اليوم وأحداث الماضي ومن بين كل تلك المآسي كانت تنطلق النكات الطريفة العفوية لأجد نفسي أضحك بتلقائية
    قدموا لي الشاي والحلوى بكرم وترحاب بعد أن أحضروا لي كرسيا بلاستيكيا لأجلس عليه وأنا أستمع لتعليقات الأطفال الطريفة وهم يشاكسون الكبار في يوم يعتبر هو الأكثر اثارة بالنسبة لهم
    رن هاتفي ليوقظني على حقيقة أنني هنا ولا أدري عن ياسر شيء
    رددت بسرعة ودون حتى أن أنظر لرقم المتصل, فهو بالتأكيد ياسر
    قلت بلهفة : ياسر. أين أنت الآن؟
    جاءني صوته يلهث بشدة : هل أنت بخير؟ هل أصابك شيء؟
    قلت انا بخير وبين أناس طيبين, هل تستطيع ان تاتي الى الان؟
    قال : لقد فرضوا حظر التجول في البلد
    قلت : وماذا ستفعل؟
    قال : سأتصرف, أخبريني أين انت؟
    قلت : لن أستطيع ان اصف لك جيدا فلا أعرف أسماء الشوارع
    أشار لي الشاب أنه يريد ان يكلمه, أعطيته المحمول بعد أن أخبرت ياسر أن يستمع اليه, وأخذ الشاب يصف له المكان بدقة
    بعدها قضيت فترة انتظار مرهقة وعقلي يكاد يلتهب من التفكير في ياسر وكيف سيتصرف؟ وكيف سيصل الي هنا؟
    وحظر التجوال,والخطر القائم في الشوارع واللصوص والبلطجية المنتشرين في الليل؟؟ والحرائق التى اشتعلت في المحلة؟
    كان الوقت يمر على بطيئا مقلقا
    حتى وصل أخيرا. لكنه رفض ان يصعد الى سطح البيت
    وعندما نزلت أنا اليه عرفت السبب, وأفزعني ذلك بشدة
    كان ياسر مصاب بطلق مطاطي في ساقه
    ..............................................
    يتبع...................................

  6. #36
    عـضـو
    تاريخ التسجيل
    12 2009
    المشاركات
    115

    رد : الابتسامة الشجاعة...رواية طويلة

    عندما رأيت الدماء تنبثق من ساقه مغرقة بنطاله لا أدري ماذا أصابني حقا, لقد شعرت بفزع شديد, وهتفت بتوتر : ياسر, ماذا حدث؟
    ارتسمت على وجهه ابتسامة مطمئنة : لا تقلقي, انها فقط اصابة خفيفة
    لم تستطع محاولات ياسر طمأنتي, حتى بعد أن استضافنا أهل الشقة التي في الدور الأرضي,بعد أن تجاوزت الساعة العاشرة ليلا
    الجيران متعاونون للغاية, والأبواب مفتحة بينهم, بعد أن أغلقوا باب العمارة بالمزاليج
    كان الجيران يحضرون الضمادات ويساعدون في تضميد جرح ياسر, وأنا أجلس في الكرسي المقابل له أراقب ما يحدث وساقي تهتز بعصبية وتوتر كبير, واظفري بين أسناني يكاد ينكسر, فقد كان كل تفكيري لحظتها أن ياسر يجب أن يذهب الى المستشفى بأية وسيلة, ولكن كيف؟ وحظر التجول يمنع الحركة في البلد بكل الوسائل
    هتف الشاب بما كنت أفكر فيه : يجب أن ننقلك الى المستشفى
    رد ياسر بابتسامته التى لم تختفي رغم شحوب وجهه : الإصابة ليست خطيرة, سأكون بخير بعد قليل
    دخل علينا الرجل الكبير وهو يقول بغيظ : لقد اتصلت بالاسعاف أكثر من عشر مرات ولا فائدة
    قال الشاب : أملنا الوحيد في سيارة اسعاف فهى المسموح لها بالخوض في كل هذا
    قالت السيدة وهي تمص شفتيها بتعجب : الشوارع يجول فيها البلطجية بحريتهم ويمنع الصحفيين!!
    التقطت الفكرة من كلمات الشاب : بلى, سيارة اسعاف, هي الأمل الوحيد لدينا
    الآن أعرف من يستطيع اخراجنا من هنا
    اتصلت بيحيى على الفور وطلبت منه أن يرسل لنا سيارة اسعاف لتنقذنا
    بالتأكيد كاد أن يجن من الغيظ, لكنه تفهم أننا في مأزق حقيقي
    وصلت السيارة بعد ساعتين ونصف قام فيها أهل البيت بواجب الضيافة بحفاوة بالغة, وقدموا لنا العشاء,ونحن نستمع الى حكاياتهم عن المحلة والمصنع والعمال وتاريخ المحلة النضالي
    كانت ليلة حافلة, لولا اصابة ياسر التى كانت تقلقني بعنف
    ودعنا أهل البيت بكرم بالغ وركبنا سيارة الاسعاف التى انطلقت بنا الى الميدان الكبير
    كان ياسر يرقد على المحفة وأنا أجلس على الجانب بجوار المسعف الذي أخذت أتحدث اليه بقلق بالغ وأسأله عن اصابة ياسر ومدى خطورتها ومضاعفاتها
    وياسر يحاول أن يهدئ من روعي بشجاعته في التغلب على الألم, وبتعليقاته الطريفة المرحة
    فوجئت بزجاج النافذة التى خلفي ينفجر بدوى مرعب أفزعني وجعلني أخفض رأسي بين ساقي وأنا أصرخ برعب, وكذلك فعل المسعف بجوارى, وانتفض ياسر جالسا وقال بتوتر : هل أنت بخير؟
    رفعت رأسي وأنا أنتفض رعبا متسائلة : ماذا حدث؟
    قال ياسر بتوتر : لا أدري بالضبط, أهو حجر أم ضربة عنيفة على جسم السيارة بقطعة حديد
    أخيرا غادرنا المحلة بسلام, واسترخى ياسر بصمت لكنه لم ينم, وأسندت رأسي بإرهاق الى جسم السيارة وبدأ النوم يغزو عيناى فأغمضتهما رغما عني
    لا أدري كم مر على, لكنني فجأة انتفضت بفزع وهتفت بلا وعي : الكاميرا, ياسر الكاميرا ليست معي لقد فقدتها
    اعتدل ياسر باهتمام وبدا على وجهه الانزعاج للحظة, ثم هدأ بسرعة وبدأ يبث الطمأنينة في : لا بأس, اهدئي, سنجدها إن شاء الله
    قلت بضيق : والصور التي صورناها! والفيديو..
    كيف سأرفق الصور في الموضوع الآن؟ لن أستطيع النشر أبدا دون صور, لن يصدق أحد ما حدث هنا اليوم
    قال ياسر بحزم : أميرة, استمعي الى
    بطريقته المغناطيسية وجدت نفسي أنصت اليه دون انفعال وهو يقول بصوت عميق : أنا متأكد أنك نسيتها هناك في البيت الذي كنا فيه, لذلك سنعود قريبا لنأخذها
    قلت بقلق : ولكن, ألا يمكن أن تضيع أو يقوموا بتفتيش البيت أو...
    قال بابتسامة واثقة : كوني متفائلة, لن يحدث إن شاء الله
    هززت رأسي باستسلام تام بعد أن سيطرت ثقته الشديدة على مشاعري وانتقل الى هدوءه
    وصلنا أخيرا الى المستشفى, وهناك استقبلني يحيى, ورأيت في عينيه عدم الرضا والضيق
    اصطحب ياسر الى غرفة تلقي العلاج,ورافقته أنا رغم اعتراض الاثنين
    كنت أقف في غرفة العلاج أراقب الطبيب الذي استدعاه يحيى وهو يعالج جرح ياسر, ووقف يحيى بجوارى صامتا
    أما ياسر فقد كان يمزح مع الطبيب ويلقي النكات رغم ألمه وعلى وجهه ارتسمت ابتسامة شجاعة للغاية وارت كل ملامح الألم
    لم أرى ياسر يوما مرحا وضاحكا وظريفا الى هذه الدرجة
    عندها فهمت ما يفعله, كان يحاول بكل طريقة أن يشعرني بالاطمئنان
    يحاول قدر جهده أن يبعد عني القلق والخوف
    لكنه لم ينجح
    لقد تغلب قلقي على كل شيء, كنت حزينة وضائقة للغاية, يكفيني شعوري بأنه جريح يتألم, يكفيني شعورى بأنني جزء مما حدث له, كنت عبئا اضافيا على كاهله
    كلما تذكرت ما كان يفعله أرى الصورة بوضوح تام, لقد كان يحاول حمايتي بكل وسيلة
    إحساس مزعج بالذنب يكبر في داخلي, ويرفض تصديق أنني بريئة مما أصابه
    أنهى الطبيب عمله وأخذت أستجوبه عن حالة ياسر والعلاج ومتى سيتحسن
    وعرفت منه أنه بخير الآن, فقط سيبقى هنا بضعة ساعات ثم يعود الى البيت
    جلست على المقعد بجوار النافذة وقد بدأت أهدأ بالفعل
    سألني يحيى : ألن تعودي الى البيت؟
    نظرت اليه باستنكار قائلة : سنغادر معا
    انسحب من الغرفة وبقي الصمت غالبا على المكان,ورغم أنه لم تلتقي نظراتنا أبدا الا أن ياسر قال : يجب أن تعودي الى البيت
    قلت بعصبية واضحة : ليس قبل أن أطمئن عليك
    تنهد بضيق وقال : لا تكوني عنيدة, لا شك أن والدتك قلقة عليك
    قلت باقتضاب وحالة من الضيق والعصبية مسيطرة تماما على : لن تقلق طالما أنني هنا مع يحيى
    قال بتهذيب : بالمناسبة, أرجو ألا تأخذي كلامي على محمل خطأ, ولكني أود أن أدفع فاتورة علاجي بالمستشفى
    استشطت غضبا وانتفضت من الكرسي وأنا أقول بانفعال شديد : ياسر, ما هذا الذي تقوله؟
    أهذا وقت الحديث عن الفواتير والمال!!! لا أفهم كيف تفكر؟!! أنت حقا تثير جنوني
    ألا ترى ما نحن فيه ؟
    صمت تماما عندما نظرت الى وجهه, ورأيته مكفهرا وملامحه متجمده
    قال بلهجة جادة حازمة : أفهم مدى الضغوط الفظيعة التي تعرضتي لها اليوم, لذلك سأنسى كل كلمة قلتيها الآن, وكذلك الأسلوب الهجومي العنيف في كلامك
    ابتلعت ريقي بتوتر بالغ, واحتقن وجهي وحلقي لدرجة أنني شعرت بالألم في حلقي
    وزاغت عيناى في كل مكان في الغرفة, وقلت بصوت منكسر : ياسر, أنا, أنا آسفة حقا, لم أكن أقصـ...
    نظر نحوى لحظة, لكنني لم أستطع أن أتحمل الموقف أكثر من هذا, فوليت هاربة من الغرفة وصفعت الباب خلفي وأنا أسمعه يناديني أكثر من مرة
    كنت أسرع في الممر الطويل وعيناي مغرورقتان بالدموع
    حاولت الابتعاد قدر ما أستطيع, ودخلت الى الاستراحة الخالية في ذلك الوقت من الليل,وألقيت بجسدى المنهك على أحد المقاعد, وعندما وجدت دموعي تهطل, أدركت أنني قد فقدت السيطرة على مشاعري تماما
    .................................................. ....
    كان على غسل وجهي جيدا والبقاء مدة حتى يعود للونه الطبيعي وأتخلص من آثار البكاء
    جلست على أحد المقاعد وأسندت رأسي الى الجدار,سمعت صوت أقدام آتية في الممر لم أهتم لها
    لكني سمعت صوتا يتحدث مر على أذني من قبل
    ثم تبعه صوت امرأة تقول : غرفة 203 جاهزة غدا للعملية د.وسام
    انتفضت من مكاني بفضول ووقفت خلف الباب الزجاجي أتطلع الى القادمين في الممر, ولأن الاستراحة مظلمة والممر مضيء فلم ينتبها لي
    كما توقعت تماما, كان يسير في الممر مع احدى ممرضات المستشفى
    اشتعل غيظى من يحيى, فلقد صدق ظني فيه
    فها هو الفارس السمج الذي اعترضني في النادي يعمل طبيبا في نفس المستشفى التي يعمل بها خالي
    ولكن لم يكن هذا بالوقت المناسب للعتاب أو العقاب
    فكظمت غيظي منه وعدت لياسر بعد أن رحلا ودون أن يراني الفارس السمج
    وجدت يحيى معه في الغرفة, ولم أرتاح للنظرات المتبادلة بينهما فلم تكن نظرات ودودة بالمرة
    قال يحيى متسائلا : أين كنتي؟
    قلت :كنت في الحمام
    قال :والدتك تتصل بك طوال الليل
    أخرجت المحمول من جيبي ونظرت فيه كان مظلما ثم قلت:لقد انتهى شحنه

    غادر يحيى واتجهت أنا للنافذة أتطلع للظلام الخارجي هربا من مواجهته وبقى هو صامتا لمدة حتى قال بصوت هادئ: ايييه،البعض كان يتمنى الإثارة, لعله انشرح الآن


    دارت عيني وانتبهت لكلماته فأكمل بدعابة : أرجو ألا تتمني في المرة القادمة ظهور بعض مصاصي الدماء أو هبوط سفينة فضائية


    التفت إليه وتطلعت قليلا في وجهه الهادئ السمح ثم انفجرت بالضحك وشاركني هو الضحك وتطلعت إلى وجهه الباسم قائلة : أنت تبتسم في أوقات غير مناسبة إطلاقا


    عاد يحيى بعد قليل قائلا :لقد كتبت له إذن الخروج يستطيع العودة إلى البيت الآن وهذه هي ورقة العلاج


    مددت يدي اليه فوضع الورقة في كفي فازحت كفي بعيدا قائلة ببرود : المفاتيح


    نظر الي بدهشة : ماذا؟


    قلت بحزم: مفاتيح سيارتك فسيارتي في المحلة ، ام تظن اننا سنعود على اقدامنا


    قلت بلهجة أمرة : غدا ترسل أحدا ليحضر لي سيارتي من المحلة وسأعطيك العنوان


    قال بتأفف وغيظ: حاضر ، أي اوامر اخرى


    قلت مشيرة : الى ورقة العلاج : اصرفها من الصيدلية الان وأتني بها حالا


    نظر الي بغضب ، فقلت باستفزاز : هل ستصرفها الان ؟ ام اطلب من دكتور وسام ان يفعل بنفسه!!


    خرج من الغرفة وهو في اشد حالات الغيظ ، اما ياسر فلم يعلق على الموقف كان يعرف جيدا متى يتكلم ومتى يسكت


    طوال الطريق وانا اقود السيارة بصمت حتى وصلنا الى العمارة التي يقطن بها عند الفجر وهنا قال وهو يفتح باب السيارة : شكرا لك لكل ما فعلتيه


    خرجت من السيارة بسرعة والتففت حول السيارة ووقفت امامه مترددة قلت بقلق هل انت متاكد انك ستكون بخير


    ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة الشجاعة -اراها دوما كذلك- وقال : اطمئني سأكون بخير انها اصابة بسيطة للغاية


    تنهدت قائلة : احسدك على تلك الابتسامة الشجاعة


    عقد حاجبيه وقال بدهشة : الابتسامة الشجاعة؟؟


    قلت : بلى انها تلك التي تظهر في الازمات لتواري الالم والغضب وتنتصر على الاحباطات


    ابتسم ثانية وقال : تعبير جديد على اذني


    يجب ان تصدقيني فهذا ليس هو اسوأ يوم في حياتي, بل لا يقارن بمن عاش حياة صعبة


    كان عقلي مشغول بشيء اريده منه


    فقلت برجاء : اعلم انك لن تفعل ولكني ساكون سعيدة للغاية لو اتصلت بي إن احتجت لاي شيء عندها ربما اكف عن القلق


    قال باسما : اطمأني لست وحيدا في الصحراء


    ان لي جيران طيبون والبواب ايضا يحب ان يساعدني كثيرا


    انتقائه للكلمات والتعبيرات يدل على تواضع جم لا عجب ان يحبه جيرانه والبواب ايضا


    قلت اذا هل تسمح لي أن أطمئن عليك بالهاتف


    قال : صدقيني لا داعي فانا بخير بالفعل


    فهمت الرسالة على الفور ولم الح في طلبي وزفرت بضيق وقلت باحباط: الن تذهب الى البيت لترتاح


    قال باسما : بل سأصلي الفجر اولا


    قلت : حسنا سأنتظرك حتى تعود


    قال : لا داعي هاهو المسجد امامنا وجيراني هناك سيصطحبونني الى البيت


    قلت بغيظ : لا تنسى ان تتناول دواؤك في موعده..سلام


    غادرت المكان ضائقة وعدت الى البيت اعتقدت انني بعد ان اخذ حمام دافئ واصلي سأسقط في النوم مباشرة لكن هذا لم يحدث ابدا


    ظلت عيناي تحدقان في سقف الغرفة وانا مستلقية على الفراش والصداع يعصف برأسي وجاء موعد العمل ولم انم دقيقة واحدة وقررت الذهاب للجريدة بدلا من ان اصاب بالجنون


    لم تفلح القهوة السوداء في مساعدتي على التركيز او التخفيف من الصداع ولم استطع تبادل أي حوار مع أي من الموجودين


    بصعوبة اكملت المقال وارسلته الى زكي بدون صور


    كنت اتامل هاتفي المحمول امامي على المكتب ورغبة قوية تحرقني وتدفعني للاتصال به


    اكثر من سبع مرات احاول الاتصال به وفي اخر لحظة اتراجع, اعلم انه لن يتصل بي ابدا


    لكني اصبت بذهول شديد عندما رأيته واقفا امام مكتبي بعد الظهيرة لم اعرف ماذا اقول له كان يقف امامي مبتسما وقال بود : كيف حالك الآن؟؟


    اخيرا نطق لساني : كيف..


    كيف غادرت البيت وأنت مصاب!!


    قال باسما : كان على أن آتي لأسلم المقال الذي كتبته


    هتفت بدهشة : ولكن, ألم تسمع عن الانترنت أو الفاكس؟ تلك الأشياء تقوم بهذه المهمة


    كان يكفي أن تتصل بأى منا ليساعدك


    أكملت بغيظ واضح : أوه, نسيت, فأنت تحب أن تتدبر شئونك بنفسك


    قال ولا زالت الابتسامة على وجهه : كذلك كان على أن أنجز مهمة عاجلة


    وجدته يمد الى يده بالكاميرا


    هتفت بدهشة عارمة : لا يمكن أن تكون ذهبت الى هناك ثانية!!!!


    قال مازحا : شعرت بالملل وكنت أتمنى بعض الاثارة


    لكن ياللعجب, الجو هناك هادئ تماما, فعدت بسرعة
    بالمناسبة, الجماعة الذين استضافونا أمس يرسلون لك تحياتهم


    لم أكن أدري ماذا يمكن أن أقول, لذلك فقد صمت تماما وقال هو بدعابة : كاميرا من نوع فاخر للغاية, فكرت أن أحتفظ بها رهينة عندي حتى أستعيد ممتلكاتي


    ولكني تذكرت أن بها صور يجب أن تنشر في أسرع وقت


    فهمت ماذا يقصد بعبارته, ولكني لم أستطع أن أبتسم, فالموقف كان فوق تصورى


    ان ما يفعله كثير, كثير جدا


    ذهب الى مكتبه وجلست انا على الكرسي وأمسكت لساني بصعوبة بالغة, كنت أعلم أنني لو فتحت فمي لانطلق لساني ولم يسكت


    أنهى ياسر عمله في بضع دقائق ثم نهض وسلم على الجميع, كانت مشيته تحمل عرجا واضحا ويبدو انه يتحامل على نفسه حتى لا يظهر لنا ذلك


    أخبرنا أنه قدم لزكي طلب اجازة ليرتاح ويسترد عافيته


    جمعت حاجياتي بعصبية ووقفت أمامه بسرعة وقلت : سأقلك


    قال بحزم به بعض الضيق : لا داعي, سأعود كما جئت


    قلت بنفاذ صبر : اعترض كما تريد, ورغم هذا سأفعل ما في رأسي وأقلك


    أخيرا رضخ لأول مرة لرغبتي, ولم أهدأ الا عندما أوصلته الى بيته بسيارة يحيى التى لا تزال معي من أمس ورأيته وهو يدخل الى العمارة


    وعندما عدت الى البيت أرسلت الصور الى زكي عن طريق النت ليرفقها بالمقالات


    كان الارهاق يقتلني قتلا


    ولكنى لم أنم, فقد اتصل بي أستاذ فؤاد وأتحفني بخبر أطار النوم من عيني وأشعل نيران الغضب في عروقي


    ..................................................

    أستاذ فؤاد لم يخبر ياسر نظرا لحالته الصحية
    لكنه أخبرني أنا ربما استطعت حل الموقف
    لقد منع زكي مقالة ياسر من النشر, لكنه سمح لمقالي
    أعتقد أنني لو تمكنت من عنقه الآن لكسرته بين أصابعي
    هرولت الى الجريدة وقت الانصراف
    وقمت بالتحايل حتى استطعت أن أستعيد الصور والمقالات من مكتب زكي, وغادرت الجريدة
    لكن زكي اعترضني قبل أن أصل الى البوابة بعاصفة من الغضب وهو يهتف : كيف تسحبين المقال بعد أن أشرت عليه بالموافقة؟!!
    لا أدري من أين أتى ذلك البرود الذي هبط على أعصابي فجأة
    كان من المفترض أن أشتعل غضبا بعد أن تأكدت أن مقالي ومقال ياسر لن يتم نشرهما بعد كل ما حدث لنا في المحلة
    لكن شيء ما في أعماقي كان فرحا لا أدري كيف
    ولكنني شعرت أنني أخيرا أشاركه في شيء
    أو أنني صرت مثله لي مقالات ممنوعه
    قلت لزكي ببرود : أنا لم أسألك لم منعت مقال ياسر من النشر حتى تسألني لم سحبت مقالي
    قال غاضبا : أهذه بتلك!!!
    قلت بابتسامة مستفزة : أخيرا فهمتها!
    هتف : الأمر مختلف, أسلوب ياسر لا يصلح للنشر في هذا التوقيت, خاصة في الموضوعات الساخنة الحساسة, لو قرأت المقال لفهمت ما أعني
    قلت ببرود : لا أريد أن أفهم شيء, لقد كنا هناك معا, وأنت الذي أرسلتنا الى هناك
    فإما أن تنشر المقالين معا في صفحة واحدة أو لا تنشر أيا منهما
    هم أن يعترض, لكني لم أترك له فرصة وغادرت الجريدة
    وأخذت أدور في الشوارع بالسيارة شاردة وضائقة, حتى أفقت وأنا أتوقف بالسيارة في نفس الشارع الذي يقطن به
    وتعجبت كثيرا من نفسي, ما الذي أتى بي الى هنا الآن!!!
    بقيت شاردة عاجزة عن التركيز أو التحرك,
    أفقت على رنة هاتفي المحمول, كان أستاذ فؤاد
    أجبته بشرود : مرحبا أستاذ فؤاد
    رد بود : مرحبا, لقد رحلت مبكرا قبل أن أسألك أتحبين المشاركة معنا في شراء هدية لياسر؟
    قلت بدهشة : ياسر
    قال : بلى. لقد تشاركنا جميعا في المكتب في شراء هدية له, وسأذهب لزيارته بعد قليل ومعي أحمد ومحمد
    لا أدري ما الذي أصابني, ووجدت نفسي أهتف بحماس : حسنا, سألتقيك ونذهب اليه سويا
    صمت قليلا ثم قال بهدوء : لا أظن أن هذا سيكون مناسبا, فياسـ...
    لم أدعه يكمل, بل لم أسمعه حتى, فقد أصابتني طاقة حماسية مفاجئة لا أستطيع السيطرة عليها فهتفت : سأشترى باقة من الزهور الفاخرة وألتقيكم أسفل العمارة
    حاول جاهدا الاعتراض : أميرة انتظري, هذا لن يعجب ياسر أبدا فـ..
    هتفت فجأة : سأنتظركم في الخامسة تماما
    أغلقت هاتفي رغم اعتراضه الذي لم ألقي له بالا
    كنت متحمسة للغاية, يكاد قلبي يقفز من بين ضلوعي
    لقد أتيحت لي الفرصة أخيرا لأطمئن عليه
    اشتريت الزهور وبقيت أنتظرهم على نار, حتى تخطت الساعة الخامسة بعدة ثواني
    أخذت أنظر يمينا ويسارا في انتظار أستاذ فؤاد المعروف عنه دوما الانضباط في المواعيد
    مرت خمس دقائق ثم عشر ثم خمسة عشرة دقيقة
    الى هنا لم استطع الانتظار، وقررت أن أسبقهم
    كنت أصعد السلم وأنا متيقنة أن أستاذ فؤاد سيلحق بي بين لحظة وأخرى
    وقفت أمام باب شقته مترددة, ثم استجمعت شجاعتي وضربت الجرس وأنا أتطلع بتوتر الى السلم متوقعة أن أجد أمامي أستاذ فؤاد
    فتح الباب..
    ووجدتني وجها لوجه أمام ياسر
    هممت أن أتكلم, ولكنى صمت من الصدمة, فقد هالني منظر وجهه, كان متغير اللون والارهاق والاعياء مرتسمين في ملامحه بوضوح
    لكن ما صدمني حقا أنه كان يمسح بقايا دموع من عينيه
    وقفت متجمدة لا أدرى ماذا أقول
    عندما انتبه لي ظهر أثر الصدمة العنيف على وجهه وتجمدت عضلاته تماما
    استجمعت شجاعتى في ابتسامة مترددة وأنا أقول ببطء : كيف..كيف حالك؟ هل أنت بخير
    بقي صامتا ولم يرد
    قلت وأنا أتقدم خطوة : أتأذن لي...
    تجمدت في مكاني عندما رفع ذراعه وغرز كفه في قائم الباب حتى لا أمر وهو يقول بغضب مكتوم : الى أين؟
    فوجئت بتصرفه وفهمت معناه, فقلت بسرعة : هل ستدعنى أنتظر أستاذ فؤاد وولديه على السلم؟!!
    عقد حاجبيه بتساؤل, فأكملت : لقد اتفقنا جميعا أن نزورك اليوم في الخامسة لنطمئن على صحتك, وأستاذ فؤاد وولديه سيصلون في أية لحظة
    لم يتحرك أو حتى ينزل يده, ولكنه قال بهدوء : أرجو أن تعذريني, أنا آسف حقا, ولكني لا أستطيع استقبالك في بيتي
    قلت معترضة : ولكن...
    قال بنفاذ صبر : حتى لو كان أستاذ فؤاد هنا, آسف, لن أستطيع ذلك
    أرجو أن تتفهمي موقفي ولا تدعي فرصة للغضب ليتملكك
    لم أستطع أن أتكلم أبدا, فقد كانت تلك الغصة الحارقة تسد حلقي وتعجز لساني عن الكلام
    أدرت وجهي ونزلت السلم دون حتى أن أنظر اليه, وعند آخر درجة من درجات السلم التقيت أستاذ فؤاد الذي قال وهو يلهث : آسف جدا على التأخير, إنه محمد ككل مرة
    قطع كلامه عندما رأى وجهي مقفهرا, فقال بفهم : حاولت أن أخبرك أن هذا لن يعجبه, فهو...
    قاطعته حتى لا يكمل وأنا أمد يدي اليه بالزهور : أستاذ فؤاد, أرجوك أعطه هذه
    أخذ الزهور وهو يقول بأسى : سأفعل
    أكملت : أرجوك استدعي له الطبيب يبدو أنه مريض
    قال باهتمام : حسنا, سأفعل ان شاء الله
    عدت الى البيت, وأغلقت الباب على نفسي حتى لا تسمع أمي صوت صراخي ونحيبي الذي حاولت كتمانه في الوسادة
    لا يمكن أن يكون فهم تصرفي على هذا النحو, فهذا ما لا يمكن أن أقصده أبدا
    لماذا أشعر أننا كلما تقاربنا يحدث شيء يبعدني عنه؟!!
    انها زيارة عادية كزياراتي لأستاذ فؤاد وأستاذ حمدي
    لم لا يفهمني على حقيقتي؟ لماذا أكون في عينيه دائما على هذه الصورة؟!!
    صورة المستهترة التى تجرى خلفه وتحاول بكل جهدها اصطياده
    أخذت أعض الوسادة وأقرع رأسي في خشب السرير وقلبي يكاد يتفطر ألما, وجسدي ينتفض من الهم والغم والبكاء العنيف حتى سقط في النوم من كثرة التعب والارهاق وأنا على حالتي تلك
    ..............................
    عاد ياسر من اجازته بعد أن استرد عافيته, ومنذ دخوله المكتب لم نتبادل كلمة واحدة سوى السلام فقط وكأن بيننا شحنة كهربائية متنافرة
    ولكنه عاد من عند زكي غاضبا بشدة واتجه مباشرة الى مكتبي وقال بجدية : لم سحبت مقالك؟
    قلت بلامبالاة دون أن أنظر اليه : يمكنك أن تسأل زكي
    هتف بطريقة فاجأتني : إن ما فعلتيه خطأ كبير
    كان عليك أن تنشري المقال, مقال واحد ينشر الحقيقة خير من ألا تنشر على الاطلاق
    منع مقال لي ليس بجديد, بل كنت أتوقعه, وكنت أعتمد عليك في نشر ما حدث, لو بقيت على هذا الخط فستفشلين كصحفية
    قلت ببرود : شكرا على النصيحة, لقد انتهى الأمر ولم يعد هناك داعي لكلماتك
    زفر بضيق شديد : خطأ, أنت تسيئين التصرف
    ذلك الأسلوب الذي تتبعينه لا يصلح للصحافة, يجب أن تتعلمي أن تنحي مشاعرك جانبا وتتصرفي باحترافية
    يجب أن يكون هدفك الوحيد هو نشر الحقيقة دون أية اعتبارات أخرى
    قلت بلامبالاة : سأحاول أن أتذكر ذلك يا أستاذ يا محترف
    زفر بضيق هائل وعاد الى مكتبه بعصبية
    غاضب للغاية...
    أعلم هذا, كما أعلم أنني أخطأت بسحبي للمقال, لكن كان يجب أن أفعل هذا
    فنوعية زكي الجبان يجب أن تؤدب
    لقد ندم كثيرا على عدم نشره لمقال ياسر وكذلك خسارة مقالي بعد أن نشرت بعض صحف المعارضة ما خشي هو أن ينشره
    وهذا هو ما خرجت به بعد رحلة المحلة الشاقة المرعبة
    موضوع قوى لي لم ينشر, وانهيار حلم أن يجمعني أنا وهو تحقيق كبير
    بل صرت أنا وهو متباعدين للغاية
    لم يعد أى منا يقدم على التحدث مع الآخر
    أخيرا اتفقنا على شيء وهو أن يبتعد كل منا عن طريق الآخر
    أصبح بداخلي خواء شديد وعدم حماس لأى شيء
    حتى التنافس معه والرغبة في أن أقدم ما هو أفضل فقدتها تماما
    حتى اللجنة فقدت حماسي لها بعد أن توقف نشاطها عند المظاهرات في شوارع القاهرة والندوات فقط والمطاردات من الشرطة ولم أعد أتصل بابتسام ولا أستاذ حمدي, بل أصبحت أتجنب مكالمات ابتسام وأتهرب منها
    أما هو...
    يا للعجب, لديه ثبات كبير في المستوى لا يتأثر بأى شيء مما حوله, كل هدفه أن يقدم الحقيقة كما هي دون تجميل حتى لو لم ينشر له شيء
    .............................
    لم يكف ياسر عن مطاردتي يوما منذ القطيعة التى حلت بنا
    بلى, هو الآن يطاردني, ولو لم نتبادل كلمة واحدة
    يطاردني بقلمه, كل مقالاته اليومية أرى نفسي في كل حرف فيها
    كانت أشبه برسائل متتالية لإيقاظي
    كانت كل مقالاته تتحدث عن الإخلاص في العمل وإيقاظ الهمة وعدم الاستسلام لليأس وتغليب الهدف الأسمى على المشاعر الشخصية
    ما هذا الرجل؟!!!
    يطردني من بيته ولا يكف عن مطاردتي؟!!!
    والآن لا يغادر أحلامي
    أسعى للخلاص منه بلا جدوى, أحاول أن أطرد كلماته من عقلي ولا أستطيع, أحاول أن أبعده من حيز تفكيرى فلا أقدر
    عباراته وكلماته وتعبيراته ولفتاته حفرت في عقلي
    عجيب أمر الانسان نرى الأشياء من حولنا كل يوم ولا نفكر أبدا في مدى ارتباطنا بها الا عندما نقرر الابتعاد عنها
    وعندما نحاول استنقاذ أنفسنا من دائرتها التى أطبقت علينا نجد أننا توغلنا كثيرا ولا يمكننا العودة أو الخلاص
    وجهه في كل شيء حولي
    أراه حتى في نظرات أمي اللائمة والحزينة من انهيار مستواي الى هذه الدرجة
    لكن ياسر في النهاية نجح
    نجح بالفعل في إيقاظ رغبتي في المنافسة والحماس للعمل من جديد
    كانت كلماته كعقار يحقنه في خلايا مخي بقلمه
    وبدأت أبحث عن الجديد والأفضل, يجب أن أعود الى نجاحي وبأى ثمن, لذلك انخرطت في العمل بكل حماس
    العمل هو الشيء الوحيد الذي خفف من الضغط النفسي الذي أعيشه كل يوم
    وعدت أخرج في جولات وأبحث عن الموضوعات الجديدة, وأبعدت نفسي عن دائرة ياسر المغناطيسية
    وبدأ اسمي يعود من جديد وبقوة على صفحة التحقيقات, ورغم ذلك لم أكن راضية أبدا عما أكتبه
    وانتبهت الى أن ياسر أيضا غير راض عما أكتبه, فلو أعجبه تحقيقي لكان أول المهنئين لي, أو على الأقل لرأيت ذلك على عموده اليومي
    لكنني تلقيت مفاجأة حقيقية عندما زارتني ابتسام في الجريدة
    أخذت تلح على للعودة الى اللجنة والمشاركة في اجتماعاتها
    وأخبرتني أن الأستاذ حمدي ود. عبد الفتاح لا يكفان عن السؤال عني
    ثم قالت جملة لم أفهمها مباشرة : إن كل من في اللجنة ومن خارج اللجنة أيضا يرغبون في عودتك
    رددت بتلقائية دون أن ألقي بالا لما قالته : حسنا. سأعود قريبا, فقط لدي بعض الأعمال الهامة سأنهيها وأتفرغ للجنة
    قالت باسمة : كل منا لديه مشاغله ومشكلاته, ولكنك تستطيعين تقديم الكثير
    بل ان هناك من يرى أن حماسك وعقلق سيفيد اللجنة كثيرا
    ألقت الى بنظرة ماكرة وغمزت بعينها وأومأت بإشارة الى ما خلف ظهرها
    أخيرا فهمت ما تعنيه, ولكني لم أصدق فاتسعت عيناي دهشة وأومأت اليها بمعنى (أهو؟)
    هزت رأسها موافقة مما جعلني أغرق في دهشتي وحيرتي, فهذا ما لم أكن أتوقعه أبدا, أن يكون ياسر على علاقة بأعضاء اللجنة والأغرب أن يتحدث عني معهم
    أجابت ابتسام على حيرتي بصوت خفيض حتى لا يسمعنا وعينى ترمقه من فوق كتفها
    قالت بابتسامتها المتلألئة : سأسر اليك بشيء, إنه صديق لعمر
    لقد أخبرني عمر أنه طلب منه أن أتحدث اليك وأحاول اقناعك للعودة الى اللجنة
    قلت بذهول : هو فعل ذلك؟!!
    قالت بابتسامة ماكرة : لقد أظهر اهتماما كبيرا بهذا الأمر, هكذا أخبرني عمر
    شردت بعيدا ..
    لازال ياسر يطاردني بكل وسيلة, ويتخذ معي دائما الأساليب غير المباشرة
    ما الذي يريده هذا الرجل بالضبط؟!!
    لم لا يتحدث الى مباشرة؟!! هل يعتقد بحرمة ذلك!!
    أم أن هناك سببا آخر لا أفهمه؟
    لكنني بقيت صامته لأيام ولم أتحدث اليه أبدا
    حتى تلقيت اتصالا من أمي أفزعني بشدة
    ................................................
    يتبع.............................

  7. #37
    عـضـو
    تاريخ التسجيل
    12 2009
    المشاركات
    115

    رد : الابتسامة الشجاعة...رواية طويلة

    كانت أمي منفعلة للغاية وهي تقول لي أن هناك من اتصل بها ليخبرها أن أيمن في مستشفى في ليبيا
    هرولت مغادرة بفزع دون أن أستطيع أن أتكلم مع أحد
    سافرت أنا وأمي ومعنا يحيى الى ليبيا, وسهلت لنا السلطات الليبية اجراءات عودتنا, واستطعنا العودة بأيمن الى القاهرة ليكمل علاجه في احدى المستشفيات الخاصة ومنه الى البيت بعد أن استرد صحته
    لم يستطع أيمن أن يخبرنا بما جرى فقد التزم تمام الصمت, ولم نلح عليه بالسؤال, فقد كان كل ما يهمنا صحته, وعرفنا ما جرى له بصورة مجملة وموجزة من الاخبار, وهو أن القارب الذي كان يقله هو ومجموعة كبيرة من الشباب غرق قرب سواحل ليبيا قبل حتى أن يغادر الى ربع المسافة
    .............................
    كنت أجلس خلف مكتبي شاردة أفكر في أيمن وأنا لا أدري هل أشعر بالحنق منه أم بالشفقة عليه
    أخيرا وبعد مدة طويلة أجد ياسر يجلس أمام مكتبي
    قال بهدوء : كيف حال أخاك؟
    نظرت اليه برهة وأنا أفكر, كان هذا هو أول تفاعل بيننا منذ مدة طويلة
    قلت : هو الآن بخير, شكرا لسؤالك
    قال : أى تجربة سيئة علينا أن نبحث عن جوانبها الايجابية ونستفيد منها
    قلت : بلى, سمعت هذا منك قبلا
    قال : عليك أن تتبعي الخط الذي سار فيه وتبحثي عن أسباب المشكلة
    قلت بتهكم مرير : لو أن أيمن تحدث مع كل العالم فلن يتحدث معي أنا
    تنهدت بألم وأنا أسأله : أخبرني أيها الزميل, لو كنت مكانه فهل كنت ستتحدث عن فشلك واحباطك أمام أهلك؟
    قال بهدوء : أنت محقة, الأمر صعب بالفعل
    قلت بألم : بل لا يمكنك تخيل مدى صعوبته, أنا بالذات عندما أتحدث معه..
    صمت, لم أكن أدري ما الذي يمكن أن أقوله
    لكنه استطاع أن يلتقط الفكرة بذكاء, فقال بفهم : فهمت, أسلوبك معه لا يساعده على البوح
    قلت : الأمر ليس على هذه الصورة, ولكن...
    رغما عني, كل هذا رغما عني, فأيمن على وجه الخصوص لا أستطيع أن أمسك أعصابي أمامه, لا أستطيع أن أتقبل منه أى خطأ, لا أستطيع أن أتقبل فشله واستسلامه, لا أستطيع أن أتقبل أعذاره
    رغما عنى وأنا أمامه تتفجر براكين الغضب والحنق بداخلي وأجد نفسي أقول كلاما لا يجب أن يقال
    أعلم أننى أغضبه وأحزنه ولكنى لا أستطيع أن أتوقف
    قال بفهم : بلى, الأمر يكون صعبا للغاية عندما يتعلق بمن نحبهم
    صمت عندما أدركت أن كلماتي فهمت بشكل صحيح, ثم قال هو : اذا فيجب أن تخاطبيه بطريقة مختلفة
    سألته : كيف؟
    قال : أنا متأكد أنه يقرأ مقالاتك, عليك أن تخاطبيه بقلمك
    اللسان قد يتسرع ويخطئ كثيرا, لكن القلم يفكر أولا ويراجع ويعيد ويكرر وقد يمزق كل ما كتبه
    أخذت أفكر في كلماته وأنا شاردة
    فأكمل هو : ما رأيك أن تقومي بعمل تحقيق حول رحلته؟
    قلت بيأس : لقد قتل هذا الموضوع بحثا فما الجديد الذي يمكن أن أقدمه؟
    قال باسما : الجديد هو أن الموضوع هذه المرة سيكون له قلب, فمن يكتب هو من اكتوى بناره , جربي وسترين النتيجة
    قلت باحباط : أيمن يقاطعني تماما, لا أتوقع أن يساعدني في هذا, أو حتى يحكي لي عما حدث له
    قال باسما : إن كان هو لا يستطيع أن يحكي, فهناك غيره يتمنى أن يسمعه أحد
    شغلي حاستك الصحفية وستصلي بالتأكيد
    تركني ياسر بعد أن أشعل في داخلي جذوة من فضول تكبر وتكبر كل لحظة حتى تحولت الى نيران مشتعلة تدفعني الى الجرى خلف ذلك التحقيق
    انطلقت بحماس هائل أجمع المعلومات من محاضر الشرطة, وسافرت الى قرى وبلدان الشباب الذين شاركوه في الرحلة المشئومة
    وبالفعل كان ياسر محقا فهناك من يرغب في أن يصل صوته ولا يعرف كيف؟
    فكل الشباب الذين زرتهم جمعت منهم الحكاية قطعة قطعة, ورأيت كيف يعيشون وسبب تمسكهم بفكرة الهجرة وماذا فعل أهلهم ليدبروا لهم المال اللازم للسفر
    واتبعت نفس الطريق الذي اتبعوه خطوة بخطوة وعرفت كيف تسللوا الى ليبيا ورأيت الحجرة الرديئة التى كانت تضمهم لأيام قبل تجهيز القارب, وصورت القارب, أعنى قارب آخر مشابه له
    وبعد أسابيع قليلة خرج التحقيق متكاملا الى النور
    وصدق ياسر في كل كلمة قالها
    هذه المرة كان التحقيق مدويا, وأحدث ضجة في الجريدة, وتلقيت عليه التهاني وأتتني رسائل الكترونية كثيرة جدا تعلق على التحقيق
    ولكني لم أشعر بشيء من كل هذا فالانسان الوحيد الذي أردته أن يقرأ ما كتبته مغلق عليه بابه وغارق الى أذنيه مع الكمبيوتر هاربا من العالم كله
    دخلت على أمي غرفتي وهي منشرحة للغاية وهنأتني بحرارة, وسألتها هل قرأتيه كله؟
    قالت بابتسامة حزينة : وكأنني أرى أيمن في كل حرف في المقال, استشعرت في كل كلمة الصدق الشديد ووصلت الى قلبي مباشرة
    ولكن..
    لقد كنت أقرأ الجريدة في صالة الاستقبال وتركتها هناك, وعندما عدت اليها لم أجدها, كنت أريد قراءة المقال ثانية, وبحثت عنها طويلا
    أتعلمين أين وجدتها؟ في غرفة أيمن
    انتفضت من السرير وأنا أهتف غير مصدقة : حقا!!! لا أكاد أصدق؟!!!
    لقد صدق من أتفاءل بوجهه في كل كلمة قالها
    لقد قرأ كل ما كنت أريد أن أقوله له
    الآن أؤمن بكل كلمة يقولها زميلي
    أن الصحفي عندما يضع قلبه على سن قلمه يستطيع أن يفعل الأعاجيب
    في اليوم التالي دخلت مباشرة من باب الجريدة الى مكتبه, وقلت له كلمة واحدة : ياسر, شكرا لك
    التفت الى بابتسامة كبيرة وقال : اذا لقد قرأ المقال
    قلت بحماس : بلى, رغم أنه لم يتحدث معي, لكنني اكتشفت أنه قرأه
    قال : اذا فهذا الوضع لن يستمر طويلا, سيعود قريبا, فقط يحتاج الى مزيد من الصبر والتفهم والاحتواء
    قلت بتردد : لا أدرى ,لكن تلك التجربة جعلتني قريبة جدا من أيمن ومن تفكيره, لقد عانى كثيرا, كثيرا جدا
    قال باسما : اذا فهذا هو أول الطريق لعودة التقارب بينكما من جديد
    قلت بأسى : أو يكون طريق لتباعد أكثر
    قال : كوني متفائلة, كما أن هناك قوة فعالة دائما ما نغفل عنها
    انها الدعاء
    نظرت اليه قائلة : إن أمي تدعو له باستمرار
    قال باسما : بعض الاشياء لا يصلح لها دعاء فرد واحد بل تحتاج الى الكثير من الالحاح والعزيمة, وتحتاج للصبر
    قلت باسمة : لم أكذب حينما قلت أنني أتفاءل بوجهك كثيرا, أصدق الآن أن نظرتك لا تخطئ
    (أميرة)
    التفت خلفي, لم أكن أصدق أنها تأتي الى بعد كل ما حدث وتقدم على التحدث الى
    قلت ساخرة : مرحبا بالعروس الأسطورية
    قالت بانكسار : أود أن أتحدث اليك قليلا من فضلك
    كنت مضطرة أن أذهب معها رغم كراهيتي لذلك
    جلسنا خلف مكتبي, وبدأت هي : أنا سعيدة حقا أنك تحققين كل يوم نجاح جديد, مقالاتك بالفعل رائعة
    كنت أعلم أنها تريد أن تقول شيء ولكنها مترددة, فقلت أتعجلها لأنهي ذلك الموقف السخيف : وبعد؟
    ابتلعت ريقها بتوتر : لقد.. لقد قرأت تحقيقك الأخير وعرفت ما حدث لأيمن, وحزنت كثيرا لأجله
    قلت وأنا أهز ساقي ضجرا : سأبلغه مدى حزنك وأسفك, أهناك شيء آخر؟
    قالت : بلى, كنت أود أن تساعديني, ... أريد أن أعود اليه
    قلت بدهشة حقيقية : ماذا؟!!! وزوجك؟!!
    قالت بتوتر : لقد انفصلت عنه, ألم يصلك الخبر؟
    قلت : لا أهتم كثيرا بالأخبار الفنية خاصة لو لم تكن تعنيني
    وماذا عن الأفلام والكليبات؟!! هل تخليت عن كل هذا ببساطة؟ أم أن المنتج السينمائي الشهير اتضح أنه تاجر شاطر وصفقاته دائما مربحة, يحصل على البضاعة بأقل الأسعار ويتخلص منها بأقل الخسائر؟
    قالت بانكسار والدمع في عينيها : بحق الصداقة القديمة لا تقسي على, لقد دفعت الثمن غاليا, بل أغلى مما تتصوري
    قلت بجفاف : وما هو المطلوب مني الآن؟
    قالت : أتمنى أن تكلمي أيمن ربما..
    هتفت بدهشة : ربما ماذا؟؟!! آه, فهمت, لجوئك الى الآن يعنى أن محاولاتك مع أيمن فشلت تماما, ولا يريد الرد على اتصالاتك ولا يريد أن يستمع اليك,
    اذا فأنا آخر ورقة لديك؟
    قالت ببكاء : أنا لازلت أحبه, أحتاج اليه أكثر من أى وقت مضى
    قلت ببرود : أنا حقا أشفق عليك, لقد تخلى عنك الجميع وتساقطت أحلامك دون حتى أن تستطيعي الإمساك بها
    ولكن لا شيء بيدي لأفعله, فأنا أحترم كثيرا قرارات أخي واختياراته, كما أحب أن أخبرك بشيء مهم من أخلاقه وطباعه
    قلت بقسوة : أخي لا يأكل أبدا من فتات غيره
    انهمرت دموعها أمامي بغزارة ورحلت كسيرة بصمت دون أن تستطيع النظر الى
    لم أستطع أن أشعر بالتعاطف معها أبدا
    وعندما غادرت المكتب هتفت بغيظ : يا الهي, يا الهي, أهناك بشر كهؤلاء؟!!
    ماذا حدث للدنيا؟!! أين المطالبون بحقوق المرأة؟!! كيف يغفلون عن تلك النماذج المريضة
    سمعت صوت ياسر الهادئ يملأ المكان : حرية الإنسان تبدأ عندما يكف عن الطمع فيما في أيدي غيره
    لقد أصاب ياسر, أصاب تماما, لخص كل ما أردت أن أصرخ به
    أدركت أخيرا أن الكف عن التفكير في ياسر ومحاولة الاقتراب منه هو بالفعل الذي يقربني اليه
    وكلما استغرقت في العمل تماما وانشغل تفكيري كلية به
    أجد ياسر متواجد باستمرار وبحضور كبير
    .................................................. .....

    لا أستطيع أن أنكر أن لياسر الدور الأكبر في المستوى الهائل الذي وصلت اليه وذلك الشعور الجميل بالرضا عن عملي
    ليس هذا فحسب, لقد بدأت بالفعل في تكسير الحواجز التي بيني وبين أيمن, فقد اتبعت معه نفس الأسلوب الذي علمني اياه ياسر, أن أتفاعل معه بشكل غير مباشر
    بدأت أبحث عن كل ما يحبه وأفعله دون كلام
    أضع له الزهور التي يحبها في غرفته وهو نائم, وأشترى له الحلوى التي يحبها وأضعها في مكان يصل اليه
    لم أشعر منه بأى تغيير أو ردة فعل, لكنني لم أتوقف وأخذت أكثر من الدعاء له في كل صلاة
    أما ياسر..
    حرصت بشدة على أن أحافظ على علاقة الزمالة والتواصل العقلي بيني وبينه, لقد تحددت تلك العلاقة بعدد ساعات العمل التي نقضيها في المكتب, والحديث فقط حول العمل ومشكلاته, ولا شيء خارج هذا الإطار
    حرصت ألا يفسد ذلك أى تصرف أو كلمة أو شيء وان كان بريء
    وعندما أفكر أن أتصل به, ألغي الفكرة تماما من عقلي, فأنا أكثر من يعرف خطوة مثل هذه يمكن أن تهدم العلاقة بيننا تماما, وتجعله يعود الى الصدود والاعراض التام عن التحدث معي
    ولكن هذه المرة كنت مضطرة
    لقد دفعتني الظروف دفعا للإتصال به, فلم يكن هناك غيره لينقذني, رغم يقيني أن اتصالي به قد يسيء الى صورتي في عينيه
    أعلم أن ما فعلته لن يعجبه, وأنني في نظره مخطئة على طول الخط
    لكن الورطة الكبيرة التي وقعت فيها والخوف الشديد الذي تملكني جعلني أتصل بالإنسان الوحيد الذي أوقن تماما في عقلي أنه سينقذني
    ........................................

  8. #38
    عـضـو
    تاريخ التسجيل
    12 2009
    المشاركات
    115

    رد : الابتسامة الشجاعة...رواية طويلة

    بدأت القصة عندما كلفني زكي بتحقيق عن احدى المستشفيات الخاصة الشهيرة, والتي دارت حولها شبهات عديدة نظرا لأنها تمارس بعض عمليات نقل الأعضاء
    وكان على تقصي الحقائق حول تلك المستشفى
    وبدأت تحرياتي الدءوبة خطوة خطوة داخل المستشفى وخارجها
    وقادتني التحريات لمعلومة بالغة الخطورة وهي أن المريض الغني يدفع للمتبرع مبلغ يصل الى مئات الآلاف, لكن لأمر مجهول لا يأخذ المتبرع الفقير سوى بضعة آلاف فقط
    أين يذهب ذلك الفرق الهائل في الرقم, هذا ما أخذت على عاتقي كشفه
    تتبعت أسماء المتبرعين بأعضائهم فردا فردا, فوجدت أنهم جميعا من قرية واحدة في محافظة من أكثر المحافظات ازدحاما وفقرا
    وعند أهالي القرية كان طرف الخيط الذي كر وراءه كل الحقيقة
    اكتشفت أن المتبرعين ليسوا بمتبرعين, بل هي مجرد أسماء لأشخاص لم يتبرعوا بأى شيء في سجلات المستشفى
    بل ان بعضهم مريض بمرض مزمن لا يصلح معه أى عملية, وأحدهم مريض بفيروس سي
    ما الذي يحدث؟!! وكيف يحدث؟!!
    مفتاح اللغز كله في أقاويل وشائعات يتداولها أهالي القرية
    انه مخزن قديم على طريق مهجور يملكه اسم شهير, هو أحد شركاء الطبيب صاحب المستشفى الشهير
    ذلك المخزن هو بؤرة خوف ورعب لأهالي القرية ولا يتحدث عنه أحد الا همسا
    ما سبب كل هذا الخوف؟
    الكثيرين يقسمون أنه مسكون بالجن والعفاريت وحكي لي كل من ساقته الأقدار للمرور بالقرب منه ليلا عن أصوات غريبة ليلا وأضواء مرعبة
    والبعض يقول أنه وكر لعصابة تقطع الطريق
    أعلم أنني مجنونة لكن الإثارة أكبر من أن تقاوم, فذهبت الى هناك
    وكنت أشجع نفسي بأنها فقط نصف ساعة وأعود, فنحن الآن بعد العصر ولا زال الوقت مبكرا على الظلام
    نصف ساعة فقط وأعود الى القاهرة قبل الظلام
    تركت السيارة بعيدا عن المخزن كما علمني ياسر حتى لا تلفت الانتباه, واتجهت نحو المخزن سيرا
    عندما وقعت عيني عليه شعرت بالرعب, انه مخيف بالفعل
    مبنى قديم له بوابات حديدية ضخمة وسور نصفه منهار
    كان يبدو بالفعل كبيت الأشباح
    ورغم كل هذا لم أستطع أن أمنع نفسي من الاقتراب, وأنا أتلفت حولي بتوتر في كل اتجاه
    ياللغرابة.. لم يكن هناك سواى في المنطقة
    كان المبنى المخيف يقف وحيدا في منطقة خالية من أى شيء, حتى الأرض الزراعية حوله اختفت وتحولت الى البوار
    كان المبنى يشرف على طريق قديم مهمل لم يعد يستخدم بعد انشاء طريق آخر جديد بديل له, وكان الأسفلت مهترئ يمتلئ بالحفر وعلى الجانب الآخر يمتد مصرف قديم على طول الطريق غار ماؤه وأسن ما تبقى منه في القاع وغطته الطحالب والقاذورات
    عبرت السور المهدم وأنا أتوقع أن أسمع من يهتف بي من أنت وما الذي أتى بك الى هنا؟!!
    أخذت أرص في عقلي مجموعة من الأكاذيب المتقنة التي لا تثير الشبهات مثل : أنا تائهة, سيارتي خرجت عن الطريق الرئيسي وتعطلت على الطريق
    أو كنت متجهة الى القاهرة وضاع مني الطريق بعد أن وصف لي بعض الأهالي وصفا خاطئا
    هل يمكن أن ترشدوني الى الطريق الرئيسي؟
    ياللغرابة, لا آدمي هنا
    يبدو أن هناك ثقة زائدة في أنه من المستحيل أن يصل انسان الى هنا بعد أن تم حراسة المكان بمجموعة من الشائعات والحكايات المخيفة
    دخلت الى المبنى المهجور وأنا أتلفت حولي في كل اتجاه والخوف يأكل قلبي, ولكني لم أستطع التراجع أبدا
    هناك شعور جارف يدفعني لفعل ذلك ولا أستطيع مقاومته
    أوقن أنني سأجد دليل ما يؤكد ظني
    درت في المخزن دورة سريعة وأنا أريد أن أطير خارجه حتى لا أفاجأ بنفسي أصبحت كقاسم أخو على بابا
    لم أجد شيء غير عادي, فهو مخزن قديم قذر ليس به ما يريب
    تسارعت خطواتي نحو باب الخروج, لكني توقفت فجأة, فعن يميني هناك غرفة مغلقة لها باب حديدي مصمت ومغلقة بقفل كبير
    ترى هل هنا سر شويبس؟!!
    اتجهت اليه بسرعة وأخذت أتفحصه وأتفحص الجدران, أيضا لم يكن هناك ما يريب
    تأملت سقف المخزن العالي , كان هناك فتحات في السطح,
    أخذت أبحث عن سلم يوصلني للسطح, فقد تأكدت أن الغرفة المغلقة بالتأكيد لها فتحات في السقف على الأقل للتهوية
    وعندما وجدت سلم حديدى ضيق للغاية يصل الى السطح لم أتردد لحظة في ارتقاؤه
    فوق السطح مباني صغيرة لا تعلو أكثر من متر لها نوافذ من اتجاهاتها الأربعة وعلى الجانب خزان كبير للماء لا أفهم حقا سبب وجوده هنا, والمخزن قديم ومهجور
    أخذت أدور على المباني الصغيرة أبحث عن أقرب واحدة تطل على الغرفة المغلقة
    عندما وجدتها, انحنيت بسرعة أتطلع الى الغرفة المغلقة من خلال النوافذ الصغيرة
    أصابتني صدمة هائلة, كنت أتوقع هذا وأكثر ورغم ذلك صدمت بقوة, كانت كل القرائن والاستنتاجات تقودني الى ذلك, بل إنني كنت أبحث عنه بالذات, لكن وجوده كحقيقة فعلية أفزعني بعنف
    لا يمكن أن يحدث هذا في مصر؟!!
    غرفة عمليات مجهزة في هذا المكان المهجور القذر ليس لها سوى استنتاج واحد فقط
    انه نفس الاستنتاج الذي أتيت الى هنا لأجله بعد أن عرفت أن المتبرعين ليسوا بمتبرعين إنما فقط أسماء في السجلات
    أما المتبرعين الحقيقيين فلا أحد يعلم عنهم شيء ولا ذكر لهم في أي مكان
    أضاءت عقلي فكرة ربما تفلح, بالتأكيد لست غبية لأضحي بنفسي وأبقى هنا لمدة أطول حتى يقع المحظور, فلو أمسكوا بي لدخلت الغرفة المغلقة من بابها
    لكن التضحية بالكاميرا لن تكون بهذه الخطورة
    غيرت شريحة الكاميرا, وكذلك وضعت فيها حجارة بطارية جديدة, وحمدت الله أن من مميزات الكاميرا أنها تستطيع التصوير حتى 20 ساعة متواصلة
    وضعت الكاميرا الصغيرة على احدى النوافذ وثبتها جيدا بشريط لاصق بعد أن وجهت العدسة الى منضدة العمليات
    وغطيتها ببعض الخرق البالية ووضعت حولها بعض الزلط والأحجار, وضغطت مفتاح التشغيل
    وتركتها ونزلت السلم بسرعة وخرجت من المخزن أجري على الطريق بالاتجاه الذي تركت فيه سيارتي
    لكنني توقفت في الطريق عندما سمعت صوت سيارة قادمة على الطريق
    لم أعرف الى أين يمكن أن أذهب, فالطريق عاري تماما من أى شيء أختبئ فيه
    اتجهت الى المصرف وانزلقت على جانبه المنحدر أسفل عن الطريق حتى وصلت الى قاعه وسكنت تماما ورائحة الماء الآسن تزكم أنفي وتكاد تزهق روحي
    لم أكن بعيدة عن المخزن, وسمعت صخب وأصوات كثيرة وحركة وأصوات أبواب سيارات تفتح وتغلق, وفهمت أن السيارات توقفت أمام المخزن
    تسللت ببطء متجنبة أن أحدث صوتا سائرة على أرض المصرف الغائر بجوار الماء الآسن بالاتجاه الذي تركت فيه سيارتي
    بدأت أشعر ببعض الأمان عندما ابتعدت عن المكان الذي به المخزن دون أن يشعر بي أحد
    سرت لمدة طويلة والآن على أن أصعد المنحدر الى الطريق لأعرف الى أين وصلت وأين سيارتي؟
    صعدت المنحدر بحذر شديد ورفعت رأسي قليلا أرقب الطريق وفرحت عندما رأيت سيارتي ليست بعيدة
    صعدت لأصل اليها, لكننى صدمت وألقيت بنفسي ثانية الى أسفل المنحدر, فلقد فوجئت برجل غريب بالقرب منها, وأخذت أحمد الله أن ظهره كان ناحيتي ولم يراني
    وجوده هنا لا يعني سوى أن العصابة وجدت السيارة وعرفت أن هناك غريب في المنطقة لذلك فهي تنتظره عند السيارة لكن يا ترى هل أدركوا أن الغريب وصل الى المخزن؟
    هذا هو السؤال الذي منعنى من أن أعود للسيارة بشكل طبيعي وأدعي أنني تهت عن الطريق
    بدأت الدنيا تظلم بعد أن دخل وقت المغرب وبدأ الرعب يغزو قلبي
    أمسكت هاتفي المحمول لأستنجد بأقرب انسان الى
    لكن مع الأسف, أخذ هاتفه يرن يرن ولا مجيب ثم ينقلب الى مشغول
    عاودت الإتصال مرات ومرات وفي كل مرة غير متاح
    وفهمت ما فعله, بمجرد أن رأى رقمي على الشاشة أغلق هاتفه
    أهذا هو ما كنت أنتظره منك يا يحيى؟!! والآن؟!!
    وأنا في هذا الموقف الصعب؟!!
    ياسر في عقلي, لم يغادر تفكيري قط, تمنيت لو كان معي الآن, ولكني لم أكن لأجرؤ على الاتصال به, لم أكن لأتحمل لومه المستمر لي : ما الذي فعلتيه بنفسك؟ ما كان يجب أن تضعي نفسك في هذا الموقف
    هذا هو ما سأسمعه منه بالتأكيد, بالاضافة الى تجهم وجهه واستنكاره الصامت ونظرة عدم الرضا
    لن تعجبه تصرفاتي أبدا
    كما أن البنت المحترمة لا تستعين بأحد سوى أهلها
    والآن ماذا على أن أفعل؟ وكيف سأتصرف؟ وبمن أستنجد؟
    إنه شقيقي بالطبع, وهل لي سواه؟!!
    ولكن ياللغرابة, أكثر من 20 اتصال وهو لا يرد
    ربما كان نائما, ولكنه ينام حتى العصر ويستيقظ الآن ليبقى طوال الليل أمام الكمبيوتر!
    ربما ضبط وضعه على الصامت؟ أو يضع سماعات الكمبيوتر على أذنيه
    والآن كيف أتصرف؟
    عدت للإتصال بيحيى من جديد, ولازال هاتفه غير متاح
    فكرت أن يحيى لا يفعل هذا الا لو كان مع صديقته علياء
    بلى, هو بالتأكيد معها الآن
    يوما عندما احتجته اضطررت أن أجري اتصالات كثيرة لأصل اليه ولم أجده الا عندما حصلت على رقم هاتف علياء واتصلت بها
    لقد أغضبه ذلك كثيرا, ولكني الآن مضطرة
    اتصلت برقمها الذي احتفظت به من وقتها ولم أستعمله, وعندما ردت أخبرتها أنني أريد يحيى لظرف طارئ لا يحتمل التأجيل
    كان صوتها يحمل معه الكثير من الموسيقى والصخب ففهمت أنهما في حفل
    قالت بتهذيب : حسنا سأناديه, أرجوك ابق معي حتى أجده
    انتظرت على نار الخوف, كان كل شيء مظلم حولي لولا نور القمر الخافت في السماء
    أخيرا عاد صوتها, ولكنه عاد ومعه الكثير من الاحباط واليأس والغيظ والرعب وهي تقول : عفوا, لا أستطيع أن أجده الآن, أعدك أن أخبره أن يتصل بك بمجرد أن أراه
    انتهت المكالمة وأنا في حالة يرثى لها
    وأخذت أفكر ماذا أفعل في تلك الورطة المخيفة؟
    هل أعود على قدمي والطريق موحش ومظلم ويمتلئ برجال كالوحوش؟!!
    بما أن رجال الأسرة مشغولون فلا أمل لدي سوى الاتصال بأمي, قد تستطيع أن تتصرف وتحرك أيمن’ أو قد تستطيع الوصول الى يحيى
    رن هاتفها عدة مرات ولم ترد, قدرت أنها ربما تصلي, أو أن المحمول بعيد عنها
    أخيرا ردت بعد مدة بصوت قلق : أميرة أين أنت, لم تأخرتي
    قلت بقلق : أمي, اسمعيني جيدا, أريدك أن ترسلي لي أيمن أو يحيى, أنا الآن في....
    خرس لساني بعد أن تملكتني صدمة قاتلة, لقد انتهى شحن الهاتف وانقطعت المكالمة, ولم أخبر أمي بعد أين أنا وكيف ترسل لي النجدة؟!!
    عجزت قدماى عن حملي فجلست على الأرض
    كدت أموت كمدا, لقد أضعت شحن الهاتف جريا خلف أخي وخالي
    ظننت أنني لست بحاجة للإتصال بأمي, بل على الإتصال مباشرة بمن في يده مساعدتي أو يستطيع التصرف السريع
    والآن أظلمت الدنيا تماما وأنا وحيدة في هذا المكان الموحش وهناك من يتربص بي
    .................................................
    يتبع...................................


  9. #39
    عـضـو
    تاريخ التسجيل
    12 2009
    المشاركات
    115

    رد : الابتسامة الشجاعة...رواية طويلة

    بدأت أشعر بالدموع الساخنة تهاجم جفوني, كنت أدعو دعاء المضطر في الكربات
    ومع الدعاء كان على بذل أقصى جهد عقلي لأخرج من هذا المكان بأقل قدر من الخسائر, قاومت دموعي وأنا أحاول استدعاء الشجاعة بتلاوة أدعية الكربات والأزمات المأثورة عن الرسول صلى الله عليه وسلم
    وبدأ عقلي يتخلص من سجن الخوف, وأدركت أنه لا أحد عرف مكاني حتى الآن, اذا فعلى مواصلة السير بنفس الطريقة عكس الاتجاه الذي قدمت فيه بالسيارة وأستدعي كل مشاهد الذاكرة التي مرت على في طريق القدوم, عندها سأصل ان شاء الله الى الطريق الرئيسي
    عبرت المنطقة التي فيها سيارتي والرجل الغريب متسللة بهدوء فوق أرض المصرف, وحمدت الله كثيرا, عندما تذكرت أن الظلام كما هو مخيف الا أن له فائدة عظيمة بأن يخفيني عن الأعين المتربصة
    سرت طويلا حتى وصلت الى نهاية المصرف, وكان ونيسي في تلك الرحلة المخيفة ضوء القمر الشاحب, وأنا أحاول بكل قوتي ادخال الشجاعة عنوة الى عقلي وقلبي لتبعد أفكاري السوداء من وجود حشرات ضارة وثعابين في هذا المصرف
    أخيرا وصلت الى نهاية المصرف وصعدت المنحدر بسرعة الى الطريق, وجريت بكل قوتي عكس الطريق الذي أتيت فيه بالسيارة, كانت هناك سيارات قليلة على الطريق, ولم يكن من الممكن المجازفة بأن أوقف احداها وأنا لا أعلم من فيها ولا ماذا ينتظرني
    كانت المنطقة زراعية على جانبي الطريق, قليلة الخدمات فلا هواتف ولا محلات ولا دكاكين
    أخيرا وجدت مجموعة من الرجال يجلسون على جانب الطريق وقفت وسألتهم عن أقرب نقطة شرطة, فأجاب أحدهم بأنها على بعد ثلاثة كيلومترات
    كدت أن أستأنف السير لولا أن عرض على أحدهم المساعدة, فشكرته بسرعة : شكرا لك, لقد سرقت سيارتي وأريد عمل محضر في نقطة الشرطة
    لم أنتظر لحظة وانطلقت في اتجاه النقطة حتى وصلت أخيرا
    حمدت الله الذي رعاني حتى وصلت الى منطقة الأمان
    دخلت الى مكتب ضابط برتبة رائد وحكيت له القصة باختصار وما أتى بي الى هنا وكل شكوكي وشكوك أهالي القرية, وما رأيته في المخزن
    ولكن لا أدري حقا كيف أغفلت موضوع الكاميرا التي تركتها فوق سطح المخزن؟ وهل نسيت فعلا أم أنني أغفلتها عمدا؟ لا أذكر حقيقة, كل ما أذكره أنني كنت مرتبكة للغاية وقلقة
    استمع الضابط الى جيدا في هدوء ثم سألني : اذا فالأمر كله مجرد شكوك ولم تري شيء بعينيك
    هتفت بانفعال : لقد رأيت بعيني حجرة العمليات, أهناك سبب مقنع لوجود حجرة للعمليات مجهزة في ذلك المكان الغريب الا لو أن في الأمر مصيبة؟؟ حتى لو لم تكن هناك مصيبة ولا جريمة, ولكنها حجرة عمليات لا أحد يعلم عنها شيء
    أم أن نقابة الأطباء ستسمح بانشاء حجرات للعمليات السريعة في كل قرية خدمة للمواطنين!!!
    يبدو أن سخريتي استفزته فقال بضيق : ألا يمكن أن يكون مخزن عادي يحوي أدوات طبية مخزنة واختلط عليك الأمر؟ أو ربما من أخبرك يريد تضليلك؟ أو..
    تعجبت للغاية من رد فعله البارد وكلماته المستفزة, وبدأ القلق يغزو عقلي, لكنني أفقت على سؤاله المفاجئ لي : أين الكاميرا؟
    قلت مدعية الدهشة والبراءة :الكاميرا!!
    فقد وجدت نفسي لا أرغب في اخباره أين الكاميرا الآن, يبدو أنني في الفترة الأخيرة قد تحولت مشاعري بصورة كبيرة تجاه أجهزة الأمن والشرطة
    قلت مدعية البراءة : للأسف لم يأتي المصور معي, لقد رفض المدير اعطاؤه اذن للخروج معي, قال لي أن أجمع المعلومات واذا ما توصلت لشيء فسوف.. لن أشغل رأسك بتفاصيل عملنا
    همهم قائلا : ولكن بالتأكيد معك هاتف بكاميرا, وربما صورت بعض الصور
    ازداد ارتيابي به أضعافا مضاعفة, فهتفت بتمثيل : أوه, ذكرتني, أتصدق ما حدث لي, لقد انقطع شحن هاتفي
    قال بتأفف : اذا فلا دليل لديك على ما تقولينه, أنصحك بالانصراف يا آنسة
    ابتلعت ريقي بتوتر, وقلت له : على الأقل أريد تقديم بلاغ للشرطة لتبحث لي عن سيارتي
    قال بتأفف وهو يخرج ورقة وقلم من درج مكتبه : تفضلي, اكتبي بيانات سيارتك وسنجري التحريات اللازمة
    تركني ونهض من خلف مكتبه وقال للجندي الواقف على الباب : اياك أن تتحرك من هنا حتى أعود
    هبط قلبي فى أقدامي, فبصورة ما شعرت أن الأمر الذي أصدره (بألا تتحرك) المقصود به أنا وليس الجندي
    وبقيت أفكر في الورطة الجديدة التي علقت بها
    شعرت أنني مسجونة في القسم وأن على حراسة
    والآن كيف سأتصرف؟
    أخذت أدعو الله في سري أن ينجيني,وأخذت أتأمل الهاتف المحمول للرائد وقد تركه على مكتبه
    يا للإغراء فقط لو أنفرد به لبضع دقائق
    لا بأس من محاولة
    التفت الى الجندي وأخرجت من جيبي مبلغا من المال وقلت له : من فضلك, هلا أتيت لي بكوب ماء
    قال بآلية : غير مسموح لي بمغادرة المكان
    قلت أستعطفه وأنا أعطيه المال : من فضلك, أكاد أموت عطشا, لن أخبر الضابط بأى شيء, أنت لم تغادر المكان
    نظر الى قليلا ثم ذهب ليحضر لي الماء بعد أن وضع المال في جيبه
    خطفت الهاتف وضغطت مفاتيحه بسرعة على رقم منقذي والذي أحفظه في عقلي عن ظهر قلب
    وأدركت أنني أيقظته من نومه عندما جاءني صوته ناعسا: السلام عليكم
    لم أضع ثانية واحدة وقلت بصوت خفيض : ياسر, أنا في ورطة كبيرة, أحتاج للمساعدة, لم أكن أ..
    قاطعني صوته الجاد المنتبه يغمره القلق : أين أنت الآن؟
    قلت بارتباك شديد وعيني على الباب : أنا آسفة, لم أجد سواك لأطلب منه العون
    قاطعني بحزم : أميرة, أخبريني أين أنت بسرعة
    أخبرته بمكان نقطة الشرطة بدقة ثم قلت : ولكني أشعر بأنني سجينة هنا, هذا الضابط لا أستطيع أن أثق به, وكأنه يدبر لشيء ما
    أخرجت رأسي من باب الحجرة وأخذت أنظر يمينا ويسارا أراقب الممر حتى لا أفاجأ بعودة الجندي, وسمعته يقول : سأكون عندك في أسرع وقت, حاولي الخروج من عندك بأية وسيلة, لا تبقي هناك وحيدة ولا تعطيه أية بيانات عنك أغلقت الهاتف فجأة عندما وجدت الجندي قادم, ووضعت الهاتف في جيبي مضطرة, أعطاني كوب الماء وشكرته ممتنة, وأخذت أفكر في حيلة جديدة للفرار من هذا المكان, قلت له : أ لديكم هنا حمام؟
    قال : بلى
    قلت : أحتاج للذهاب الى الحمام
    قال : ولكن ..
    قلت بسرعة : لا أعتقد أن الضابط يمكن أن يمانع في ذهابي الى الحمام؟ كما أننا في مكان بعيد عن العمران, والساعة الآن تقترب من منتصف الليل
    كاد أن يصطحبني الى الحمام, لكن مبلغا آخر من المال جعله يلزم مكانه, وبدلا من أن أتجه حيث أشار لي, اتخذت الجهة الأخرى, وسرت بأكبر ثقة في نفسي وعبرت بوابة القسم وأنا ألقي السلام على الجندي الواقف عند البوابة, ثم انعطفت يمين القسم, ولكنني ارتددت برعب عندما وجدت الضابط هناك,كان يقف مع رجل ألقى منظره في قلبي الريبة
    ترى, هل شاهدت الكثير من الأفلام البوليسية في الفترة الأخيرة, أم أن هذا الرجل منهم بالفعل؟!!
    فما الذي يضطر ضابط الشرطة الى مغادرة مكتبه في تلك الساعة ليقف مع رجل في مكان شبه مظلم خلف القسم, أما كان عليه استدعاؤه الى مكتبه؟!!
    في موقفي هذا على افتراض أسوأ الظنون الى أن يثبت العكس, وتذكرت كلمات ياسر : لا تثقي أبدا بأى انسان
    تراجعت بهدوء الى الناحية الأخرى, وأخذت أجد في السير حتى ابتعدت عن نقطة الشرطة, عندها فقط انطلقت أجري بأقصى قوة لدي حتى أنهكني التعب وتقطعت أنفاسي
    لم أشعر بالأمن وأنا على الطريق الرئيسي, فما أسهل أن تجدني أية سيارة للشرطة اذا ما فكر الضابط في تتبعي
    اتجهت الى داخل الأرض الزراعية عموديا على الطريق وسرت في الظلام على الأرض الطينية بين المزروعات
    ورأيت أشباح سوداء طويلة للغاية وعرفتها على الفور,واتجهت اليها وكأنما ألوذ بها, كانت بضع نخلات متجاورات, جلست في كنفها أنتظر ياسر في الظلام والخوف يأكل قلبي ,وحاولت قدر جهدي أن أشغل عقلي بأي شيء بعيدا عن المخاوف والوساوس من لصوص وقطاع الطرق وحيوانات برية كالسلعوة والثعالب
    هذا غير الحشرات الكبيرة وهوام الليل
    أدركت لحظتها كم هي عظيمة نعمة القرار في بيت يستر ليلنا
    انتفضت بفزع هائل عندما سمعت صوت موسيقى, أخذت أبحث عن مصدره وأنا أرتجف
    الآن فقط تذكرت أن هاتف الضابط لازال معي
    يا لحظي العثر, انها جريمة سرقة, ولا شك أنه الضابط يتصل وهو يعلم أنني أخذت الهاتف
    أخرجته من جيبي وجعلته على الصامت لكي لا يفضح صوته مكاني ولم أرد
    يبدو أنه لا شيء سيء على الاطلاق, فهناك الكثير من الايجابيات حتى في أسوأ المواقف
    لقد امتلكت وسيلة تربطني بياسر, وبمجرد أن توقف الاتصال اتصلت بياسر على الفور, لم تكتمل الرنة حتى أتاني صوته يغمرني باطمئنان غريب : أنا قريب منك للغاية, كيف الحال عندك؟
    ابتسمت رغما عني, فقد أدركت أن ياسر عندما ينطق كلمة فهو يعلم بذكاء بالغ كيف يضعها في مكانها المناسب
    لقد وقعت كلماته على قلبي بردا وسلاما فقلت : حسنا لقد فعلت كل ما قلته لي ونجوت من نقطة الشرطة, وأنا الآن أختبئ في أحد الحقول التي على الطريق
    جاءني صوته فرحا : هذا أروع خبر سمعته اليوم لقد وفرت على مشكلة كبيرة, اذ ليس على الآن اقتحام نقطة الشرطة والصراع لإخراجك من هناك
    قلت بابتسامة كبيرة : أو كنت ستقتحم النقطة لأجلي
    قال مازحا : لم يكن هناك حل آخر أمامي, ولكن عندها سيكون عليك تحمل العواقب الرهيبة عندما يزج باسمك في قضية ارهاب دولية
    فأنت أكثر من يعلم كيف ينظر الأمن لأمثالنا
    قلت ضاحكة : هل صارت الصحافة مخيفة الى هذه الدرجة!!
    قال بهدوء : أتمنى ألا تندمي يوما على اختيارك لي لمساعدتك
    قلت وأنا مستمتعة تماما بالحوار معه فقد جعلني أنسى خوفي : لا ليس الى هذه الدرجة, أعلم أنك صحفي مشاكس للغاية ولكن لا أعتقد أنك خطر
    قال مازحا : بل ربما وصل الأمر الى محاكمة عسكرية أو خلية صغيرة معدة ومضبوطة على مقاسنا
    أضحكني مزاحه كثيرا حتى دمعت عيناي وهو يكمل : تعلمين أنني لست قليلا في هذه البلاد
    مجرد تواجد اسمي في هاتفك المحمول قد يجعلهم يشتبهون بك ويضعونك تحت المراقبة
    تركته يتكلم وأنا أشعر بسعادة غامرة وأقدر تماما ما يفعله لأجلي
    لقد لمس ياسر مدى خوفي, وما كان مزاحة الا لإشعاري بالأمن والطمأنينة, ونجح في ذلك بالفعل
    قال عندما طال صمتي : أميرة, سأنهي المكالمة الآن
    هتفت بدهشة : ماذا!!
    قال بهدوء : لا أريد أن أفاجأ بأن شحن جوالك قد انتهى, وعندها سأظل أبحث عنك طوال الليل بلا جدوى
    يمكنك أن تغلقي الهاتف الآن, وفي أية لحظة تشعرين بالخطر, فقط رنة واحدة وأكون معك
    قلت وأنا أشعر بالدموع تملأ عيني : حسنا, سأفعل كل ما تقوله لي
    قال : في رعاية الله
    أغلقت الهاتف, ونزلت الدموع الساخنة من عيني وأنا أمسك الهاتف بين يدي وكأنني أمسك بقلبي
    لازال ياسر مصر أن يثبت لي في كل لحظة أن هناك رجال في هذا الكون من النبلاء
    تركت الهاتف يرن مرات ومرات وأنا أضعه على الصامت, لا شك أنه سيجن ان لم يصل الى, وقد يرسل سيارة الشرطة للبحث عني
    أخيرا جاءني الاتصال الذي كنت أنتظره, رددت بسرعة : ياسر
    قال مباشرة : لقد تركت خلفي نقطة الشرطة, وأنا الآن على الطريق, حاولي أن تحددي مكانك بدقة
    قمت من مكاني بسرعة واتجهت الى الطريق الرئيسي, وعندما وصلت الى الأسفلت قلت له : أنا على الطريق الآن
    قال : جيد, ابحثي عن علامة مميزة على الطريق
    أخذت أجد في السير وأنا أتلفت في كل اتجاه أبحث عن أية علامة مميزة على الطريق, كانت الأرض الزراعية ممتدة على الجانبين, وصلت أخيرا الى لافتة كبيرة عليها اعلان, وصفت له الاعلان وأخذت انظر يمينا ويسارا حتى وجدت مسجد على الجهة الأخرى من الطريق, كان مظلما لكن مئذنته واضحة على ضوء السيارات العابرة وضوء أعمدة الطريق
    تملكني فجأة شعور هائل بالقلق لم أعرف ما مصدره الا عندما التفت خلفي ووجدت رجلا يتبعني بأمتار قليلة
    قلت بتوتر : ياسر, يبدو أن أحدهم يتبعني
    هتف بتوتر : لا تدعيه يمسك بك, كدت أصل
    أطلقت ساقاى عدوا وأنا أمسك بالهاتف وياسر معي على الخط وعقلي مع من يطاردني والذي كان يقترب بسرعة, وأنا أحاول الفرار بأقصى جهدي, لكنه كان أسرع مني
    وعبرت الطريق الى الجهة المقابلة التي فيها المسجد بتلقائية كما لو كنت ألجأ لربي لأحتمي ببيته, فليس لي سواه الآن, وأنا أصرخ بقلبي : يا رب يا رب
    وبمجرد أن عبرت الطريق حتى مرقت سيارة بيني وبين مطاردي عطلته قليلا’ ثم عاد يطاردني
    نزلت من الطريق الأسفلتي الى الأرض الطينية وأنا أسمع من خلفي صوت صرير عجلات سيارة تحتك بشدة بالأسفلت وفرملة قوية
    لم ألتفت خلفي أبدا, لكني شعرت بمن يمسك ذراعي بعنف ويجبرني بقوة على التوقف, لقد أمسك بي الرجل
    وجمدني الرعب في مكاني
    ..................................
    ................................
    أخذت أنظر الى ذلك الوجه الأسود الذي زاده الظلام سوادا وشرا وكأنما أتى من وكر الشياطين
    لقد انتهى أمري
    لكن في لحظة أتت النجدة من السماء
    لقد انشقت السماء عن شبح طويل قفز فوق مطاردي تماما فأسقطه أرضا, واختل توازني بعد أن كاد أن يجذبني معه الى الأرض, ولكنني استعدت توازني بسرعة وابتعدت في الوقت المناسب
    وقفت أتفرج على الأشباح السوداء التي التحمت في معركة يدوية على الأضواء الخافتة للطريق
    وتعجبت من نفسي, فمن لحظات كدت أموت رعبا
    لكن الآن انمحى أى شعور بالخوف وغمرني اطمئنان عجيب
    لا عجب, فقد وصل ياسر أخيرا
    كان ياسر يتمتع بلياقة بدنية عالية, وتغلب على خصمه بسرعة
    كان من الصعب حقا أن أكتم اعجابي هذه المرة
    ورغم هذا فلم أجد أية فرصة لإبداء اعجابي, فقد هتف بي وهو يلهث : هيا
    صعد الى الأسفلت قفزا, وتبعته مسرعة
    لكنه توقف فجأة وتوقفت بدوري عندما فوجئت بمجموعة من الرجال أمامنا مباشرة, ودق قلبي بعنف, لقد حوصرنا
    وأدركت بعقلي أنهم يعملون لدى أصحاب المخزن والمستشفى
    وجدت نفسي أرتعد خوفا وأتوارى خلف كتف ياسر الذي لم يتحرك أبدا من مكانه
    كانوا أربعة يقطعون الطريق بيننا وبين سيارة ياسر, وأخذوا يتقدمون منا بثقة
    همس لي وهو يراقبهم وهم يقتربون : اسمعيني جيدا, سأحاول تعطيلهم قدر ما أستطيع وأنت انطلقي الى اليمين على الأرض الطينية في الظلام, والتفي من خلفهم بسرعة وعودي الى الطريق وستجدي السيارة التي أتيت بها بابها مفتوح والمفاتيح بها
    انطلقي بها بأقصى سرعة ولا تنظري خلفك أبدا
    نظرت اليه بدهشة وأنا أهمس معترضة : وأنت!!
    همس بحزم قاسي : أطيعيني ولا تزيدي في الكلام
    فكري في شيء واحد فقط, إن نجاتك تعتمد على سرعة وصولك للسيارة
    أصبح الأربعة على مقربة منا, وتبينت ما في يد أحدهم, كان مسلحا برشاش
    انتابتني رعدة هائلة في جسدي وتشبثت أصابعي بكم ياسر بلا وعي
    همس قائلا : الآن
    انطلقت أجري فجأة ولم أنظر خلفي أبدا كما أمرني
    لم أكن أحتاج للإلتفات لأعرف أن ياسر يخوض معركة رهيبة ضد أربعة رجال أشداء وأحدهم مسلح, فقد كانت الأصوات التي تصل الى أذني تكفي لأفهم
    وصلت الى السيارة بفضل من الله, ثم بتنفيذي لكلام ياسر بالحرف دون تفكير
    الا في نقطة واحدة فقط
    ألا أنظر خلفي, ولكن لم يكن باستطاعتي أن أفعل هذا وأنا مدركة لمدى الخطر الرهيب الذي يواجهه وحده وبسببي
    التففت عائدة بالسيارة , ورأيتهم وهم يتكتلون عليه
    المراقب لهذا الموقف يدرك تماما أن معركة ياسر خاسرة, وأنه هالك لا محالة
    لكن هدف ياسر لم يكن الفوز عليهم, ولا حتى النجاة منهم
    بل تعطيلهم لأطول وقت حتى لا يصلوا الى
    وهذا بالضبط ما حدث
    لا أدري كيف انتابتني الشجاعة لأفعل هذا, ولكنني فعلته
    وجدت نفسي أندفع بالسيارة تجاههم بسرعتها القصوى
    فجأة برز أحدهم أمام السيارة, وكان ذلك مرعبا للغاية
    حاولت جهدي أن أتفاداه, وانحرفت بالسيارة, ورغم كل هذا صدمته بالفعل
    فجأة صمت أذناي أصوات طلقات رصاص متوالية أفزعتني بعنف وأجبرتني أن أهبط الى قاع السيارة
    وشعرت بجسد السيارة يهتز مع صوت الطلقات, وأدركت أن السيارة أصيبت وحاولت النجاة من الباب الثاني,وفتحته بالفعل ووليت هاربة, ولكن الى أين أذهب؟!!
    التفت بخوف أبحث عن ياسر لأحتمي به, وفوجئت بمنظر لن أنساه في حياتي
    كان ياسر ممسكا بالرجل المسلح, والصراع بينهما على أشده, وياسر يحاول انتزاع الرشاش منه, والمشهد يوحي أن الغلبة للأشرار, اثنان منهم يهمان بتطويق ياسر من الخلف
    لكن يبدو أن لوجودي نفع كبير, فقد تركا ياسر وانطلقا يطارداني, وفهمت لحظتها أن المطلوب هو القضاء على أى شخص يحاول كشف حقيقة المخزن وما يدور فيه
    انطلقت أجري على الطريق الأسفلتي نجاة بحياتي, لكنني لم أبتعد كثيرا, فقد سمعت ياسر يصرخ : توقفوا
    تلاه صوت رصاص كثيف أرعبني وجعلني أتوقف وأخفض رأسي
    التفت أخيرا لأجد الوضع تبدل بصورة عكسية, فياسر الآن هو الذي يمسك بالسلاح, والرجل الذي صدمته بالسيارة ملقى في الأرض لا يستطيع الوقوف, وصاحب الرشاش تحت أقدام ياسر, والاثنان الآخران توقفا تحت تهديد السلاح
    جريت نحو ياسر بعد أن تبدلت مشاعري في لمح البصر ووقفت خلفه أحتمي به, وغمرتني سعادة هائلة وفخر كبير بذلك الفارس المنقذ
    وفي لحظة شعرت وكأن ياسر ألقى بي داخل قصة قديمة من عالم ألف ليلة,وكأنني تحولت فجأة الى صبية غضة المشاعر لينة الفؤاد تتحول مع كل حكاية جديدة الى ست الحسن أو الأميرة المسحورة أو.. أو...
    يا الهي, هل يمكن أن يغرق الانسان في الحلم الى أن يتحول فجأة الى حقيقة
    هكذا تفجرت المشاعر الجياشة في قلبي وبلغت الاثارة مني مبلغها وأنا أراقب ما يحدث, وحاول أحد الأشرار أن يشهر مسدسه, لكنه لم يجد فرصة ليطلقه, فقد عاجله ياسر برصاصة واحدة وبدقة مذهلة أطاحت بسلاحه وأجبرته على الاستسلام, وأنا مذهولة تماما من دقة تصويبه ومن أن مدفع رشاش أراه دائما في السينما يبذر الرصاصات بذرا يمكن أن يطلق رصاصة واحدة بهذه الدقة
    تأملت ياسر مليا
    وقفته المتحفزة, طريقة إمساكه بالسلاح, ذلك التعبير المخيف الذي ارتسم على وجهه, ولم أصدق نفسي وأنا أشعر أنني في حمى ليث, ليث حقيقي
    لم يكن هناك ثمة أثر لزميلي الهادئ المهذب البشوش خفيض الصوت
    كان شخصا مختلفا تماما, أشعل في قلبي الذهول والعجب, وربما الخوف والرهبة أيضا
    هتف بصوت مخيف : من أراد منكما أن يقتل قبل الآخر فليتبعنا
    تراجع ياسر نحو الأرض الزراعية والظلام, وأنا على أثره خطوة بخطوة, وتوغلنا في الأرض الزراعية بعيدا عن الطريق الأسفلتي محتمين بالظلام
    اعتدل فجأة وقال : هيا
    انطلق يجري بسرعة وأنا خلفه تماما
    لكنني توقفت بعد فترة وقد أنهكني التعب وقلت وأنا ألتقط أنفاسي بصعوبة : لا أستطيع أن أكمل
    ارتميت على الأرض من التعب
    قلت بعد دقائق وأنا أنظر حولي : ألديك مصباح كهربي يكسر حدة هذا الظلام؟
    قال : بلى, في هاتفي المحمول
    فجأة سمعته يقول بضيق : لا حول ولا قوة الا بالله
    قلت بدهشة : ماذا حدث؟
    قال : لقد سقط الهاتف من جيبي أثناء الشجار
    زفرت بضيق هائل وقلت بأسف : يا لها من ليلة, ياسر, أنا آسفة حقا
    قال مباشرة : أعطيني هاتفك
    أطعته دون تفكير وأعطيته الهاتف دون أن أنظر فيه
    سألني وهو يفتحه : هاتف من هذا؟
    قلت بسرعة : انه هاتف الـ..
    قطعت الكلمة بعد أن كدت أقع بلساني وأعترف له بأن الهاتف هو لضابط النقطة
    لقد ورطت ياسر معي في مشكلة لا حل لها,و بسبب هذا الهاتف قد يجر اسمه في قضية لا يعرف عنها شيء
    استسلمت لقدري وقدره وأقنعت نفسي أن الله لن يتخلى عنا
    سألته : بمن تتصل؟
    قال مباشرة : أتصل بصديق لي ليحضر سيارة لنا تلتقطنا من على الطريق
    وضع الهاتف على أذنه, لكنه قال بتأفف كبير : أستغفر الله العظيم, نفذ الرصيد من البطاقة
    جحظت عيناى من المفاجأة, الى هنا وعجزت تماما عن التحمل
    أعلم أن الموقف دقيق وخطير للغاية, ولكنني فجأة ودون مقدمات, انفجرت في نوبة من الضحك الهستيري
    لا أدري كيف ولم, ولكنني ضحكت كما لم أضحك أبدا في حياتي
    التفت ياسر الى بدهشة, ثم قال بسخرية مغتاظة : جميل جدا
    ما أجمل أن يكون الانسان ذو روح عالية حتى في أحلك الظروف
    كنت مقدرة تماما لضيق ياسر وقلقه, بل كنت مستاءة من نفسي
    لكنني لم أستطع التوقف عن الضحك
    ويبدو أن الضحك قد منحني شجاعة ما, أو أنه بلد مشاعري تماما فألقيتها اليه وقلت بصوت متقطع من بين ضحكاتي : ذلك الأبله البخيل, لم يشحن البطاقة بالرصيد
    لقد كان يبدو لي كطاووس منتفخ خلف مكتبه
    التفت ياسر الى باهتمام وتساؤل وقال وكأنما قد فهم شيئا : ترى, من هو صاحب الهاتف؟
    أكدت له حدسه وأنا أضحك بهستريا : إنه هاتف ضابط النقطة
    قال بلهجة متهكمة مغتاظة : رائع, رائع جدا, أحسنت الاختيار
    هاتف ضابط النقطة معك والكلاب تطاردنا , اذا لا أمل لنا في اللجوء الى الشرطة, فقد نجد عندها محضرا محررا باسمك بسرقة هاتف محمول لضابط شرطة
    أهنئك على وصولك لهذا المستوى, لم أتوقع أبدا ذلك التقدم المذهل في الأداء
    كانت كلمات ياسر المغتاظة تؤجج ضحكي الهستيري حتى آلمتني عضلات بطني وانهمرت دموعي بغزارة, وقال هو : الحمد لله, من ينظر الى نصف الكوب الممتلئ يرى أننا خرجنا من تلك الكارثة بمصباح صغير ينير لنا الطريق
    والآن, هل تسمح الآنسة وتتفضل لنكمل الطريق, أم ستقضين باقي الليل ضحكا؟!!
    لم أستطع أن أرد عليه, فلا أزال منهمكة في الضحك
    قال بتأفف : جميل أن تكوني مستمتعة بما يحدث الى هذه الدرجة
    بدأ ضحكي يهدأ, وأعطاني ياسر بعض المناديل الورقية لأجفف بها دموعي وأنفي, ثم قمت لأستأنف الطريق معه
    أضاء ياسر المصباح لتصفعني مفاجأة هزتني وعبرت عنها بشهقة فزع : ياسر!! أنت مصاب!!
    كان جبينه مجروح جرحا كبيرا وخيط من الدماء يسيل على جانب وجهه
    ورغما عني وبحركة لا ارادية امتدت المناديل التي في يدي لتمسح جرحه
    لم يكن يتوقع ياسر أن يصدر مني ذلك التصرف, فانتفض بعنف كما لو أن سلكا كهربائيا صعقه, وهتف بعنف : من فضلك
    وابتعد وأدار ظهره لي, ووقفت أرتجف من ردة فعله العنيفة وغضبته الهادرة التي أشعرتني أنني ارتكبت جرما شنيعا في حقه
    لم أكن أدري كيف أتصرف, ولا ماذا أقول,وكان احساسي بالذنب يتضاعف حتى كدت أنفجر في البكاء
    لكن ياسر انتزعني من بين مشاعري المرتبكة المتضاربة وقال بعد أن أخذ نفسا عميقا : علينا أن نسير الآن
    تبعته بصمت تام وسرنا لمدة طويلة للغاية بعيدا عن الطريق العام, فمن المؤكد أن هناك من يبحث عنا على الطريق
    كان الظلام حالكا لا يخفف منه سوى ضوء الهاتف المحمول والقمر الشاحب
    واستطعت أن أتجاوز مشاعري السلبية بسرعة وهدأت نفسي واستقرت تماما
    في هذه الليلة الغريبة تأكد لي شعور انتابني من فترة, ولكنني أحاول بكل جهدي انكاره وعدم تصديقه
    لكن ذلك الشعور يتأكد بقوة ويتضح جليا كلما تواجد ياسر معي
    فكلما التقينا معا يتضح لي أنني بلهاء حقيقية, وساذجة تماما
    شعور بغيض بالفعل, لكنه ثبت لي فعليا صحته هذه الليلة, عندما تذكرت فجأة ذلك الاكتشاف المذهل, فقلت له بسذاجة مطلقة : ياسر, ما رأيك أن تستبدل شريحة ذلك الهاتف بشريحة هاتفي؟
    توقف عن السير فجأة والتفت لي متسائلا : وهل معك هاتف محمول؟
    قلت ببراءة : بلى في حقيبتي
    ظل صامتا لفترة, ثم بدأ يضحك : لا أصدق, حقا يا لها من ليلة مذهلة!!
    كانت ضحكاته تقطر غيظا وهو يقول : ولم لم تخبريني أن هاتفك معك!!
    ابتلعت ريقي بتوتر بعد أن أدركت كم أنا بلهاء, ثم قلت بأسف : أنا آسفة حقا, لقد انتهى شحن الهـ...
    عاجلني منهيا الموضوع : حسنا, أعطني الهاتف
    قام بتبديل الشريحة وهو يقول : أدعو الله ألا ينتهي الشحن قبل أن أجري تلك المكالمة, فقد استهلكنا المصباح لمدة طويلة
    ولكن مع الأسف حدث ما كان يخشاه ولم يعمل الجوال ثانية
    قال بغيظ : الآن, عدنا الى المربع الأول وعلينا أن نستكمل طريقنا في الظلام
    ابتلعت لساني وفي حلقي غصة محرقة : فقد كان الندم يقتلني, وما حدث لياسر بسببي الليلة كارثة
    شج رأسه وانكسرت نظارته وضاع هاتفه وتحطمت سيارة صديقه
    حقا يا لها من ليلة
    .....................................
    ...............................
    يتبع


  10. #40
    عـضـو
    تاريخ التسجيل
    12 2009
    المشاركات
    115

    رد : الابتسامة الشجاعة...رواية طويلة

    عجبا, ان ما كان يمنعني من الاتصال به من البداية هو أنني لم أكن أرغب في سماع كلمات اللوم والعتاب منه
    لكن ياسر فاق كل توقعاتي, فلم يوجه لي أية كلمة عتاب أو لوم بعد كل ما حدث له
    أخرجني ياسر من حالة الشعور بالذنب والاحباط والضيق التى غمرتني عندما سألني فجأة : أين الكاميرا الخاصة بك؟
    شهقت فجأة عندما تذكرت الكاميرا, فقال بتساؤل : ما الذي يمكن أن أستنتجه من تلك الشهقة!!
    غمرتني اثارة كبيرة وأنا أقول : أتعلم, لقد تركت الكاميرا هناك, في المخزن, ولو صدقت توقعاتي فسأحصل على موضوع لا مثيل له
    قال بصوت مترقب : أين تركتي الكاميرا!!
    قلت بانفعال : لقد صعدت على سطح المخزن وثبتها هناك على احدى النوافذ وأخفيتها جيدا
    كل ما أتمناه أن تسجل فيلما يستحق المخاطرة
    حكيت له الحكاية كلها بالتفاصيل, وعندما انتهيت قال بصوت يحمل الكثير من الدهشة : اذا فقد تركت الكاميرا وحدها هناك!! لا أفهم, كيف تسمحين لها بالبقاء وحدها كل هذه المدة وفي مكان خطر كهذا!!
    تلك الكاميرا الشقية تسير وحدها في كل مكان, ولا تراعي الوقت ولا الظروف ولا ما يحيط بها من أخطار
    قلت بدهشة : ماذا!!
    صمت قليلا ثم قال : لو كانت خاصتي لكنت عاقبتها عقابا شديدا
    ما كنت لأسمح لها أبدا بالتجوال هكذا في أماكن خطرة دون ضابط ولا رابط, وقضاء الليل بعيدة عني
    ان جرأتك تستحق التوقف والتفكير كثيرا
    صمت تماما متأملة في كلماته, لقد فهمت بوضوح ما يعنيه, فقلت محاولة الدفاع عن نفسي : لقد اختارت مهنة صعبة للغاية, اختارت أن تكشف الحقيقة وتقاوم الشر
    كان بإمكانها اختيار طريقا آخر أسهل وأقل في المخاطر, كان بإمكانها أن تصور مناظر طبيعية أو تنخرط في المجال
    الرياضي وتتتبع الرياضات المختلفة
    أو تصبح محررة فنية لا تكف عن ارتياد المسارح والسينمات وتصوير أخبار الفنانين
    قال بصوت يبدو فيه الإحباط واضحا : أيا يكن فهناك حدود عليها ألا تتخطاها, ويجب أن تتعلم ألا تنسى طبيعتها
    هتفت بتحفز : طبيعتها!!
    قال بعتاب هادئ : بلى, طبيعتها ككاميرا تصور المشاهد وترصد الأحداث, لا مخبر سري
    ابتسمت من تعبيراته المنتقاة, لقد وصلت رسالته لي بكل معانيها, بل ولم أجد غضاضة في تقبل انتقاده واعتراضه على جرأتي وتصرفاتي
    لا أفهم كيف يستطيع أن يسحبني الى المربع الذي يقف عليه بعقله ورصانته, بل ويصب في رأسي كل أفكاره وآراؤه التي أقبلها والتي لا أقبلها دون أن أجد في نفسي أية رغبة في الاعتراض أو النفور من لومه وانتقاداته
    ان ياسر يمتلك ذكاء حواري راقي للغاية
    سألته : أتعلم, هناك أمر يحيرني للغاية
    كيف تتم الجريمة بذلك الشكل الجهري الفاضح إنهم يتصرفون كما لو كانوا وحدهم في العالم
    انني حتى لم أتعب في البحث واستقصاء الحقيقة حتى ظهرت لي الجريمة بشكل مكتمل
    أهل القرية كلهم يعرفون الحقيقة لكنهم خائفون من البوح بها
    كيف يترك المخزن هكذا دون حراسة, كيف يرتع المجرمون هكذا ويمارسون القتل دون احتراز لشيء وبأمان كامل؟!! وأين الشرطة من كل هذا!!
    قال بهدوء : هل هذه الأسئلة هي التي ستطرحينها في تحقيقك؟
    تنهدت بألم : الأمر مخيف بالفعل, كيف يمكنك العيش وأنت لا تشعر بنسبة من الأمان لنفسك ولممتلكاتك ولمن تحبهم
    قال : الأمان هو شيء نسبي يختلف من انسان لإنسان ومن مكان لمكان
    أعرف بعض الناس يسكن الأمن والسكينة قلوبهم حتى لو كانت الدنيا خرابا من حولهم, إنه يتعلق بمدى قربهم من الله وقوة الايمان لديهم
    قلت بتساؤل : لا أعتقد أن هؤلاء المجرمون يعتمدون على مدى صلتهم بالله وتعلقهم به
    قال : فهمت كلماتي بعكس ما أعنيها, فلم أكن أقصدهم
    في العادة يمارس المجرم جريمته عندما يتأكد أن لا أحد من البشر يجرؤ على افساد خطته, لذلك فهو يخطط جيدا ويؤمن تماما مكان الجريمة وما حولها
    هتفت بدهشة : اذا فشعوري نحو هذا الضابط صحيحا
    قال بهدوء : صحيح بنسبة كبيرة, عليهم أن يؤمنوا ظهورهم من الفضوليين أمثالك
    قلت بيأس : اذا فقد كدت أن أصبح جثة مقطعة في عرض مجاني للتوفير!!
    قال بصوت ضاحك : لم يكن العرض على جثة واحدة, بل كان العرض هو أمسك بالجثة واحصل على الثانية مجانا
    استطاع ياسر أن ينتزع ضحكاتي رغم القلق الشديد والضيق الذي كان يعتريني
    عند أول جسر صغير يمر فوق ترعة ألقى ياسر بالهاتف المحمول والسلاح في الماء
    سألته بدهشة : أليس التخلي عن السلاح الآن خطر!! نحن لا نعرف ما سنقابله من أخطار
    قال ساخرا : أيا يكن ما سنقابله, سيكون أرحم بكثير من ضابط شرطة يلقي القبض على وفي يدي سلاح آلي
    قلت ضاحكة : اطمئن, سأشهد لصالحك
    قال ساخرا : هذا لو لم يتم اتهامك بأنك عضو في تنظيمي الخاص لتهديد الأمن القومي
    تنهد وهو يكمل : أتمنى ألا تلعني اليوم الذي أوقعك القدر فيه بشخص له هويتي
    قلت بامتنان كبير : على أن أقضي بقية عمرى شكرا لله أن جعل شخص مثلك يلبي نداء استغاثاتي وينقذني من أصعب موقف واجهته في حياتي
    ...............
    سرنا لساعات طويلة في ظلام المزارع دون أن نفكر لحظة في الخروج الى الطريق العام المضيء
    فهو بالنسبة لنا كمصيدة الناموس الذي يبحث عن أي مصدر للضوء, وبمجرد اقترابه منه يفاجأ بصعقة قاتلة
    وكلما تعبت كان ياسر يتركني أجلس قليلا لأرتاح ويقف هو بعيدا
    ومرة أخرى بدأت أفكر في هذا الرجل الذي أمامي, والمختلف تماما عن أى رجل آخر صادفته في حياتي أو حتى سمعت عنه
    فهو لا يكتفي فقط بالوقوف بعيدا واعطاء ظهره لي
    بل ويتجنب الخوض معي في أية أحاديث شخصية أو حتى ثرثرة تافهة لا معنى لها لمجرد التسلية
    كل جمله القليلة محددة وواضحة ولا يمكن تفسيرها الا بمعناها
    لا معاني مستترة ولا نوايا خبيثة الطوية , مما جعلني أشعر بأمان تام وأنا في حضرة رجل يعلو خلقه على خلق النبلاء
    مر الوقت على ولم أشعر به, فقد كانت معنوياتي في أفضل حالاتها
    أخيرا وصلنا بعد أذان الفجر بنصف ساعة الى زاوية صغيرة مفتوحة للصلاة وصلينا الفجر فيها
    أستطيع أن أقسم أن هذا هو أجمل صباح أشرق على منذ مولدي
    تلك السماء الصافية ورائحة الخضرة والندى يكسوها
    حتى ضباب الصباح يلقي في قلبي شاعرية ورجفة لذيذة
    كل شيء حولي يمنحني شعورا بالسعادة يزداد كل دقيقة
    وباختفاء الضباب مع إشراقة شمس الصباح الجميلة, كانت كل الألوان تزهو وتتضح وتتلألأ
    لون الأشجار الزاهي وبساط الزرع الممتد الى مرمى البصر
    حتى البيوت الأسمنتية التي ارتفعت بين الحقول اكتسبت لونا رائعا أضفاه شعوري الرائع بكل شيء
    يبدو أن روحي تفتحت لكل شيء في الحياة فانتابني جوع هائل, وكأنني أريد التهام الدنيا بكل ما فيها
    قلت لرفيقي الصامت أغلب الوقت : ياسر, أنا جائعة
    قال بجدية وهو يحث السير وأنا خلفه أتتبع خطواته : اصبري قليلا, هناك قرية قريبة حتما سنجد فيها بعض المحلات والدكاكين المفتوحة في تلك الساعة المبكرة من الصباح
    لم نلبث طويلا حتى وصلنا الى قرية صغيرة ولكم كان حظنا حسنا أن وجدنا مطعما للفول والفلافل يبدأ بالعمل
    رغم ضيق المحل ومستواه المتواضع لكنني كنت سعيدة للغاية بتلك الطاولة الصغيرة في أحد الأركان والمحل خالي تماما الا من العمال في تلك الساعة المبكرة من الصباح
    وانشغل ياسر في قراءة جريدة استعارها من أحد العاملين في المطعم, ونظرت أنا الى طبق الفول المحلى بالزيت الحار والطحينة وطبق الفلافل برائحته المميزة واندفعت آكل بنهم غير عادي, ثمنظرت الى ياسر الذي لم يرفع عيناه عن الجريدة ولم يمد يده الى الطعام بعد
    كنت أشعر أنني قريبة منه للغاية, ففي العادة يكون اللقاء على الغداء أو العشاء رسميا
    لكن الافطار به الكثير من الخصوصية, فهو لا يكون الا للأهل والأصدقاء المقربين فقط
    كان الافطار يمثل لي معنى خاص للغاية, فهو وقت تجمع الأسرة عندما كان أبي بيننا, كنا نخرج كلنا تقريبا في وقت واحد في الصباح, وتختلف مواعيد عودتنا الى البيت, لذلك كان تجمع الأسرة على الافطار هو العادة التي أحرص على إبقائها أنا وأمي قدر المستطاع
    حتى لو لم يحضره أيمن
    لهذا كانت سعادتي غامرة أن ياسر يشاركني شيء مميز وخاص كهذا, حتى لو أهملني تماما واستغرق في قراءة الجريدة
    حتى لو لف الكرسي بزاوية الى الجانب لكي لا يواجهني مباشرة
    وحتى لو لم نتبادل أى حوار من أى نوع
    قلت له بحماس : هل أعد لك شطيرة؟
    قال دون أن ينظر لي : أكون لك شاكرا
    لم ينسى ياسر أن يسأل صاحب المحل عن أقرب موقف لسيارات الأجرة يقلنا الى القاهرة, ولم يتركني ياسر الا عند باب البيت ورحل على الفور قبل أن أقول له أى كلمة شكر أو امتنان
    عندما دخلت الى البيت وجدت لجنة الاستقبالات في انتظاري.. يحيى وأيمن وأمي والقلق رابعهم
    ....................................
    ................................
    بمجرد دخولي انتفض يحيى من مكانه وقال بعصبية : ها هي قد وصلت
    تعمدت السير بخطوات بطيئة مستفزة وعلى وجهي رسمت ابتسامة باردة
    قال بغضب : هلا تفضلت الأميرة وأخبرتنا أين قضت ليلتها؟
    قلت ببطء ونظراتي تتجول في عيونهم : كنت مع ياسر
    لكم وددت أن أسجل وقع الصدمة على وجوههم بالكاميرا في تلك اللحظة
    قال يحيى : هكذا!! تقولينها بكل بساطة!!
    قلت وأنا أهز سلسلة المفاتيح بين أصابعي بلا مبالاة : حسنا, كنت مع ياسر طوال الليل
    انتفض أيمن من جلسته قائلا بعصبية : لقد عادت, اذا لم يعد هناك داعي لوجودي
    التفت اليه وكلماته تؤلم قلبي وتحز في نفسي وقلت بأسف : صدقت, صدقت حقا, عفوا سيدي إن كنت أزعجتك وشغلتك عن أعمالك الهامة, لا تزعج نفسك بشأني بعد الآن, أستطيع الاعتماد على نفسي وعلى الغرباء
    زفر بضيق وتركنا الى صومعته دون كلام
    أما يحيى فقد هتف بغضب : هلا أوضحت ما الذي يحدث هنا بالضبط؟
    قلت ببرود : يمكنك أن تتفحص سجل مكالمات هاتفك ربما تفهم شيئا
    قال بعصبية : أجيبي عن سؤالي مباشرة , ماذا تعني أنك كنت مع ياسر طوال الليل؟
    ارتفع حاجبي الأيمن وقلت ببرود : لا يحق لأحد استجوابي هنا سوى أمي
    هتف : ما تلك اللهجة الغريبة التي تتحدثين بها؟
    تقضين الليل بصحبة غريب وتتبجحين في الكلام
    قلت ساخرة : هذا الغريب هو زميل لي وكنا في رحلة عمل
    هتف باستنكار غاضب : عمل!! أى عمل هذا الذي يجعل فتاة محترمة تقضي الليل بصحبة شاب غريب عنها
    صمت تماما متأملة في كلماته, لأول مرة يظهر لي وجه آخر ليحيى, وجه صادم بحق, ما كنت أنتظر منه هو على وجه الخصوص هذا الكلام
    قلت ببرود : ان لم تكن لديك بعض الثقة بي وبأخلاقي, فمؤكد أنك أكثر من يعلم أن ياسر فوق مستوى الشبهات
    ألم يكن رأيك فيه أنه متزمت ومنغلق ومتشدد!
    أتعلم ما يدهشني حقا, أن الشاب ذو العقلية المنغلقة لم أسمع منه كلمة واحدة من كلامك هذا
    والآن أسمعه من خالي, المتفتح المثقف ربيب أكبر الجامعات الأوروبية
    التفت الى أمي وقال غاضبا : أيعجبك ما يحدث هنا؟ لم أنت صامتة ؟
    لم لا تسألينها أين كانت حتى الآن؟
    كنت أرى في عيني أمي نظرة مؤلمة لم أستطع أن أتحملها فهتفت باندفاع : السؤال الحق هو أين كان أخي العزيز وأنا أتصل به أكثر من 30 مرة
    وأخاك الطبيب المحترم, لم أغلق هاتفه بمجرد أن رأى رقمي على شاشته؟
    هتف مدافعا عن نفسه : هذا لم يحدث, وكفي عن اختلاق تبريرات تغطي بها على تصرفاتك الخاطئة
    قلت بسخرية مريرة : ألتمس لك العذر, لو كنت مكانك لفعلت مثلك وأغلقت هاتفي لأتخلص من ازعاج ابنة أختي التي تتدخل في أوقات غير مناسبة اطلاقا, خاصة لو كانت معي فتاة جميلة كيسرا
    هتف بغضب : كذب, الهاتف لم يكن مغلقا, ولم أتلق منك أية مكالمات أو رنات, حتى لم ألتقي يسرا أمس
    رن جرس الباب وأنا أنظر في عيني يحيى
    أعادني يحيى الى الماضي عندما كان يخطئ ويحاصره والدي فيختلق الأكاذيب للهروب من الموقف
    لكنه لم يكن ماهرا في حبك أكاذيبه
    وكنت دائما ما أغطي على كذبه وأدافع عنه أمام أبي
    فتحت الشغالة الباب ليدخل فجأة الفارس السمج الذي تفاجأ تماما لوجودي فقال بارتباك : مرحبا آنسة أميرة
    أدركت أنه كان رفيق يحيى في رحلة البحث عن ابنة أخته المفقودة ولمعت عيناي بالاثارة وأنا أعاجله بقولي : مرحبا د. وسام, صباح سعيد أن رأيتك هنا اليوم
    شجعه أسلوبي المرح أن يقول : حمدا لله على سلامتك يا آنسة أميرة, كنا قلقين عليك للغاية
    قلت بأسف تمثيلي : أنا في غاية الأسف أن أزعجتكم وأزعجت العزيزة يسرا وأفسدت الحفل بالأمس
    قال بتهذيب : هي أيضا قلقت عليك كثيرا, الحفل يعوض, لا شيء أهم من سلامتك
    التفت الى يحيى وألقيت اليه بنظراتي السامة, ووجدت عرق الارتباك يتصبب من وجهه, وبلا كلمة خرج مسرعا من البيت, وتحير د.وسام من الموقف, وتساءل : أهناك ما يسوء
    قلت ببساطة : يمكنك أن تسأل صديقك الدكتور
    قلت له قبل أن يرحل : د. وسام, شكرا لجهدك وللوقت الذي أضعته
    قال بابتسامة كبيرة : يسعدني دائما أن أكون في خدمتك
    قلت : دماثة خلقك تجعلني أطمع في أن أطلب منك خدمة أخرى
    قال بتهذيب : بل إن ذلك ليسعدني للغاية
    قلت مباشرة : لقد كنت أقوم بعمل تحقيق صحفي في الريف أنا وأحد الزملاء, وخرج علينا مجموعة من قاطعي الطريق وأصابوا السيارة بضرر بالغ
    قال باهتمام حقيقي : يا الهي, الحمد لله أن خرجت سالمة, إنها حقا مهنة المتاعب
    قلت : الحمد لله , مرت على خير
    فقط أطلب منك أن ترسل من يسحب السيارة الى القاهرة في أسرع وقت, أخشى أن يسرقها أحد في ذلك المكان النائي
    قال باسما : اطمئني, سأفعل
    رحل د.وسام بعد أن أعطيته أوصاف سيارة صديق ياسر, وانسحبت أمي بهدوء الى غرفتها دون أن تنظر إلي
    كان غضبها الصامت هو أشد عقاب يمكن أن توقعه بي, لم يكن باستطاعتي تحمل ألمها ولا غضبها فتبعتها مسرعة ودخلت الى غرفتها, ولكنها أشاحت بوجهها عني وأدركت مدى غضبها وألمها مما يحدث
    فقلت بسرعة : أمي, عودتني دائما أن تستمعي الى قبل أن تصدري عقابك
    قالت بضيق : ما كنت أعتقد أبدا أن الحرية التي منحناها لك يمكن أن تستغل بتلك الطريقة
    قلت : أستطيع بسهولة اختلاق أكثر من 20 كذبة مقنعة تهدئ من روعكم وتخرجني من تحت وطأة غضبك
    ولكنني لن أفعل, أتدرين لم؟ لأنه ليس هناك ما أخجل منه أو أضطر لإخفائه
    قالت بعد تفكير : حسنا, وما هي القصة؟؟
    قلت والأسى يعتصر كلماتي : القصة هي أنني كنت في رحلة عمل وكان من الممكن أن أكون في البيت قبل العاشرة مساءا فقط لو أن يحيى أو أيمن فتح هاتفه واستمع الى
    قالت : وما دخل ياسر بالأمر؟
    قلت بألم : لقد خذلني الجميع الا هو, كان الوحيد الذي استجاب لاستغاثاتي عندما تأزمت الأمور وانتهى شحن جوالي من كثرة المكالمات التي أجريتها لأيمن ويحيى
    وبعد أن فقدت أى أمل في أن ينقذني أحد وجدت نفسي أتصل به
    لم أكن أريد ذلك, صدقيني, برغم يقيني التام أنه لن يتأخر عن مساعدتي, وهذا بالفعل ما حدث
    لقد كنت في خطر حقيقي, لأول مرة أشعر بكل هذا الخوف
    قالت بضيق شديد : منذ أن ظهر ذلك المدعو ياسر في حياتك وأنت فقدت تماما السيطرة على عقلك وتصرفاتك
    هتفت بانفعال : صدقيني يا أمي, أنا لا أتعمد ذلك, ولكن القدر يجمعنا دائما على غير موعد أو اتفاق
    ربما في البداية سعيت بجد لأكسب صداقته, لكنه يرفض ذلك الأسلوب
    إن له مبادئ وقيم لا يتجاوزها ولا يتحايل عليها أبدا
    يتمسك بمبادئه حتى لو قضى في سبيلها
    وهذا هو ما جعلني أحبه
    التفتت الى بحدة وعقدت الصدمة لسانها
    هتفت بألم : بلى يا أمي هذه هي الحقيقة , لا يمكنني الكذب أو إخفاء مشاعري
    أحبه رغم تحفظه معي, ورغم أنني لا أدري حقا إن كان يبادلني مشاعري أم لا
    كانت صامتة تماما وأثر الصدمة على وجهها, كانت تحاول أن تبحث عن كلمات مناسبة ترد بها على مشاعري المنسكبة أمامها
    قلت محاولة التخفيف من وقع الصدمة عليها : صدقيني يا أمي, لن أجد أفضل منه زوجا لي, إنه نبيل للغاية, رجل حقيقي
    كل ما أتمناه هو أن يبادلني نفس مشاعري ويقبل بي زوجة له
    قالت بعد تفكير عميق : حتى لو كنت تحبينه كما تقولين, الحب وحده لا يمكن أن يعالج كل المشكلات ويتخطى الحواجز
    ان بينكما حواجز وأسوار وبوابات مغلقة تزداد صعوبة يوما بعد يوم
    طغى على الانفعال وأنا أهتف : كلا يا أمي, أرفض كل هذا, أرفض أى حواجز بيني وبينه, لا يمكن أن أبتعد عنه لأى سبب
    أنت لا تدركين كيف أشعر عندما يغيب يوما عن العمل, لم يعد بإمكاني تخيل أن يمضي يوم لا أراه فيه ولا أتحدث اليه
    إنه حب عميق يا أمي نما بعد تفكير طويل واقتناع تام بشخصيته الرائعة وخلقه العالي
    فقط لو كنت متأكدة أنه يحبني كما أحبه..
    هتفت بغضب : كفي عن الغرق في عالم الأحلام وعيشي على الأرض
    أنت صحفية, وتدركين تماما أن عمله في الجريدة لن يستمر طويلا
    إن ما يفرق بينكما أكبر بكثير مما تستطيعانه
    صرخت بألم وقد بلغ الانفعال منى مبلغه : كلا, هذا مستحيل, لا يمكنني مجرد التفكير في هذا الاحتمال
    فكرة ابتعاده عني لا يمكن أن يتقبلها عقلي ولا قلبي
    تركتني وغادرت الغرفة غاضبة, وأخذت أحاول أن ألملم مشاعري المبعثرة و استعادة قدرتي على ترتيب أفكاري
    لم تقتنع أمي أبدا بمشاعري, وأدركت لحظتها أنني بدأت معركة جديدة
    قد تكون أكبر معركة في حياتي
    ...............................
    ....................................
    يتبع

  11. #41
    عـضـو
    تاريخ التسجيل
    12 2009
    المشاركات
    115

    رد : الابتسامة الشجاعة...رواية طويلة

    استيقظت من نومي على مكالمة من ياسر ليلقي الى بمفاجأة جديدة من مفاجآته العديدة
    طلب مني أن ألتقيه على الفور, فذهبت اليه على عجل, وفوجئت أنه اختار مكان اللقاء بجوار مكتب النائب العام
    ثم ألقى الى بالمفاجأة الثانية وطلب منى أن أتقدم ببلاغ للنائب العام بكل المعلومات التى جمعتها عن المستشفى الخاص وعلاقته بالمخزن
    وعندما وجدني مندهشة من تصرفاته أخرج لي المفاجأة الثالثة, انها الكاميرا..
    هتفت بذهول : هل ذهبت الى هناك ثانية؟!!
    أجاب بطريقته العملية التى لا تدع لي أية فرصة للتفكير والاستيعاب : لا وقت الآن لمناقشة أى شيء, يجب أن تتقدمي بالبلاغ الآن
    هتفت معترضة : ولكن لأى شيء والام سأسـ..؟
    قاطعني مباشرة : ستقدمين اليه الفيلم الذي صورته الكاميرا
    صرخت بحماس : هل التقطت الكاميرا شيء
    قال : أكثر مما توقعت
    هتفت باعتراض : ولكن..
    التفت الى وقال بلهجة آمرة وبصوت تخلل خلاياي واشتعل في قلبي : اسمعيني جيدا, الأمر خطير بالفعل, أنت الآن معروفة لديهم, ومن السهل الوصول اليك
    الشيء الوحيد الذي يمكن أن يضعك في منطقة الأمان هو كشف القضية كلها وفي أسرع وقت
    هذه المرة يجب أن تنشري الموضوع
    أفهمت؟
    يجب أن تنشريه مهما حدث, أرجوك لا تخذليني هذه المرة
    دخلت الى مكتب النائب العام كالمنومة مغناطيسيا
    كنت تحت تأثير شخصية ياسر وكلماته القوية
    ألقيت بعقلي جانبا ونفذت كل ما قاله لي بالحرف, حتى أننى عجزت عن الاعتراض عندما رفض الدخول معي
    خرجت من مكتب النائب العام وكما توقعت لم أجد ياسر
    لقد رحل..
    بل اختفى تماما, لم يأتي الى الجريدة مما جعل الغيظ يشتعل في قلبي
    ولم أعرف الى أين ذهب الا بعد يومين
    عندما تابعت على شاشة التلفاز تلك المغامرة الخطرة التى يخوضها قاربان صغيران يتجهان نحو شواطئ غزة
    سفينتي غزة الحرة, وحرية
    كان من الغريب حقا اطلاق لفظ سفينة على حجمهما الصغير
    كانت مغامرة جريئة لها ألف معنى, فهم لم يأتوا كل هذا الطريق فقط ليقدموا ما معهم من معونات
    فحجم السفينتين صغير, لا يحملان سوى النذر اليسير
    انما الهدف أقوى وأعمق, لقد قطعوا تلك المسافة الطويلة من شواطئ اليونان الى شاطئ غزة مباشرة ليحطموا أسطورة الحصار
    بل هو طعنة في قلب الأسطورة الاسرائيلية المرعبة, وتهديد للنفوذ الصهيوني على الرأى العام العالمي باعتبارها دولة تفعل ما تريد
    عجبا. هل هذا هو عصر كل يفعل ما يريد!!!
    مدير المستشفى هو أيضا يفعل ما يريد,
    تلك الرحلة المذهلة هزت مشاعر العالم والعيون كلها متعلقة بالتلفاز تراقب المغامرون على متن السفينتين والأخطار التى يتعرضوا لها
    كانت التهديدات الاسرائيلية مستمرة طوال الرحلة بضرب السفينتين
    ومن قبل الرحلة تلقى كل المشاركين اتصالات تهديد هم وأهلهم الهدف منها تخويفهم وإثنائهم عن تلك الرحلة
    لكن لأول مرة يظهر للعالم أن هناك من لا يخشى الجبروت الاسرائيلي
    كانت صورة رائعة للشجاعة والتحدى أمام التهديدات الاسرائيلية الصريحة
    مجموعة من البشر من مختلف الجنسيات, أغلبهم لا تربطهم علاقة بأهل غزة, لكنهم من منظمات انسانية وحقوقية
    كنا نراقب ما يحدث على السفينتين وكيف تعرض كل من عليها لدوار البحر والإعياء
    ثم انقطع الاتصال بالسفينتين
    كان هناك تشويش على جميع أجهزة الاتصالات من انترنت وهواتف محمولة وأجهزة ملاحة
    لكن القنوات الفضائية أخذت تكرر الأفلام التي التقطت للسفينتين بصورة مستمرة في جميع نشرات الأخبار في انتظار أية أخبار جديدة تصلهم من السفينتين
    لوقت طويل تخيلت نفسي معهم على سطح السفينة, وتمثلت خوفهم وتوحدت مشاعري معهم
    كيف يكون الانسان منقطعا عن العالم فوقه السماء وتحته البحر فوق قطعة من المعدن, ولا شيء حوله ولا هاتف معه ولا يدري من أين يأتيه الخطر
    وقد يفاجئ بصاروخ ضل طريقه يسقط فوق رأسه, أو طوربيد تائه أمامه
    في رحلة كتلك, كل شيء محتمل الحدوث, والخطر هو أقرب للتصور من الأمن
    لقد تم التشويش على أجهزة الملاحة والانترنت وقطع الاتصالات عن القمر الصناعي
    والفاعل معروف بالفعل
    تلك الرحلة الانسانية الرائعة التي هزت العالم لا تخلو من جانب مرعب شديد الفزع, فعند اقتراب القاربين من شواطئ غزة, التفت الزوارق الحربية الاسرائيلية حولهما
    كانت محاولات لإرهاب كل من على السفينتين وتهديد صريح بعدم الاقتراب ورسالة واضحة أن عودوا من حيث أتيتم
    وراقبت بقلب مرتجف تلك اللحظات العصيبة لرجال ونساء لا أعرفهم ولم أرهم من قبل
    لكن من الصعب للغاية على أى قلب حي أن يتخيل موتهم بتلك الطريقة البشعة وعلى بعد خطوات من تحقق أملهم
    ففي لحظة قد يهز العالم نبأ غرق السفينتين بطوربيد اسرائيلي
    لكن اسرائيل لم تفعل, هكذا دأبهم, الاستخفاء والاغتيالات بعيدا عن أنظار العالم, لكن المواجهة لا

    كان التهديد مخيف بالفعل, ولا أمل لهم في المرور, الحل الوحيد هو الالتفاف والعودة من حيث أتوا, لكن هؤلاء البشر الذين قطعوا كل تلك المسافة ليصلوا الى شواطئ غزة لم يستكينوا لخوف, ولم يتراجعوا, بل أثبتوا أنهم نوعية بشرية جديدة لا تعترف بمفاوضات ولا تخضع لتهديد
    أصيبت احدى السفينتين اصابة طفيفة
    وصار التهديد أقوى وأقرب
    ومن جديد شطح خيالي خلف أملي البعيد
    أعلم أنه هناك الآن, ربما لا يزال يقف على البوابة, أو ربما دخل بشكل عادي.. أو غير عادي
    لكنه هناك الآن.. أنا متأكدة
    أكاد أراه بين جموع المرابطين على الشاطئ في انتظار وصول السفينتين
    ربما يكون في احدى قوارب الصيد الفلسطينية التى امتلأت بأعداد كبيرة وخرجت في البحر لتستقبل السفينتين استقبال حافل بالأعلام الفلسطينية وأعلام الدول التي قدم منها هؤلاء المغامرون
    أراه في وجوه الفرح العارم والسعادة الغامرة بنجاة السفينتين من كارثة محققة بعد أن تركتهم الزوارق الحربية يمرون أخيرا لتلتحم السفينتان بمئتي قارب من قوارب الصيد الصغيرة محملة بالفرح العارم والترحاب الكبير
    والتفت قوارب الصيد الصغيرة حول السفينتين كما لو كانت تحتضنهما
    نجح أخيرا كسر الحصار, وأصبحت تلك البقعة الصغيرة محط أنظار العالم
    وعلى شاطئ غزة تفجر الفرح عارما وارتفعت الرايات والأعلام, وعلت الزغاريد والتكبيرات والتهليلات والأناشيد
    خرجت غزة كلها تستقبل أحرار العالم الذين انتصروا على الخوف والتهديد بأعلام دولهم التي أتوا منها ممتزجة بأعلام فلسطين
    تأملت في شاشة التلفاز الوجوه الفرحة المحتشدة للترحيب بالمغامرين المتضامنين وفي داخلي يقين بأنني سأرى ياسر هناك
    لكنني لم أره
    في تلك اللحظة وصلتني مكالمة من أستاذ حمدي يدعوني فيها لرحلة سريعة الى غزة غدا
    كان صوته يحمل مشاعر شتى, فرح, شجن, حماس..
    وافقت على الفور
    وفي اليوم التالي عندما وصلت الى مكان التجمع للمشاركين في الرحلة, وجدت حافلتين فقط, انها رحلة سريعة بالفعل
    ووجدت ابتسام وعمر ود. عبد الفتاح, الكل مستعد ومتحمس لأقصى درجة
    أدركت أن هناك من يجلس منتظرا, مترقبا فقط أن يفتح الباب ولو لدقائق فيلج في لحظة خاطفة محققا أملا طال انتظاره
    هناك من يفضل رحلة كتلك على عمله وبيته ومصالحه الشخصية, وقد يتحمل في سبيلها المشاق والخطر
    ملأني الشعور بالفخر بأنني بين هؤلاء البشر
    بالفعل لسنا أقل من من قدموا من أطراف العالم متحملين المشاق والأخطار تضامنا وتأييدا لغزة
    شعور قد يدفع الانسان حياته برضا من أجل أن يصل اليه
    سارت الرحلة محملة بالآمال الكبيرة للوصول الى غزة
    وقد نلتقي هناك المتضامنين الذين أتوا لكسر الحصار,فتكون الفرحة أفراح وعندها أستطيع أن أحصل منهم على مجموعة من الأحاديث الصحفية
    لكن الأمل قتل عند كوبري السلام
    ووئدت الفرحة في قلوب الجميع وتحولت الى قهر مؤلم
    فقد عجزنا عن دخول سيناء بأية وسيلة
    وعادت القافلة الصغيرة أدراجها محملة بحطام الأمل وأشلاء الفرح
    لكن هذه المرة لم نعد الى بيوتنا, بل عدنا الى النقابة لنتدارس الموقف ونتفق على ما سنفعله
    لقد تم منعنا من دخول جزء من بلدنا, وصددنا عنوة عن احدى محافظاتنا,وعلينا ايصال صوتنا لكل الناس في الداخل والخارج
    لا يمكن أن نقبل أبدا أن يتم كسر الحصار عن طريق البحر ومن بشر قادمين من أقاصي الأرض
    ونحن لا يفصلنا عن غزة سوى أمتار ونعجز عن كسر الحصار
    ..............................
    ..........................
    طالت غيبة ياسر, وانتابني غضب شديد, فلقد سيطرت على فكرة وحيدة وهي كيف له ألا يخبرني بأنه ذاهب الى هناك؟ بل كيف لم يهتم حتى أن يدعوني للذهاب معه الى هناك وهو يعلم جيدا أهمية تلك الرحلة بالنسبة لي؟
    وكأن من حقي أن أذهب معه, و أنه أخطأ خطأ فادحا لأنه لم يخبرني بأنه سيذهب الى هناك
    قضيت الأيام أتخيل ماذا سأقول له, وكيف سألومه على ما فعله عندما أراه
    لكن شيء من هذا لم يحدث, لقد نجح ياسر أن يحطم غضبي ويزيله تماما بأسلوبه الخاص
    لقد فوجئت تماما عندما دخل علينا المكتب وفي يده كعكة فاخرة وسبقت تهنئته الأنيقة لي غضبي
    لقد هنأني بلباقة شديدة وبفخر حقيقي على تحقيقي الصحفي عن تجارة الأعضاء الذي هز البلد من شرقها الى غربها, وكان سببا في كشف عصابة كبيرة للإتجار بالأعضاء البشرية وتقديم أفرادها للمحاكمة
    انعقد لساني أمامه وعجزت عن الرد
    ما كنت أتوقع أن يقوم ياسر بالإتفاق مع الأستاذ فؤاد لإقامة حفل لي في المكتب
    بالفعل كانت مفاجأة قوية هزتني من الداخل, وأقوى ما فيها أنها كانت خطوة جريئة من ياسر لم أتوقع أبدا أن تصدر منه
    لقد استطعت أخيرا أن أنتزع اعجاب ياسر بتحقيق قوي لي, وكان هذا بالنسبة لي هو أكبر تقدير حصلت عليه
    بعد الاحتفال, عاد كل الى عمله, وأخذت أنظر نحو ياسر بتردد محاولة استجماع شجاعتي لأتحدث اليه
    أعلم أنه سيرفض, بالتأكيد سيرفض, لكن لا مفر من أن أعرض عليه الأمر
    جلست أمام مكتبه, فاتسعت ابتسامته وعينه في الأوراق التي أمامه
    وضعت أمامه هاتف محمول حديث كان مستقرا في حقيبتي منذ اليوم الذي اشتريته فيه في انتظار أن تأتيني الشجاعة الكافية لأقدمه اليه
    نظر الى الهاتف, وعلى عكس ما كنت أتوقع لم يتجهم وجهه, بل ابتسم وقال بهدوء : ما هذا!!
    قلت بتوتر : اشتريته من فترة وكنت أود أن..
    لم أجد كلمات مناسبة أكمل بها الجملة, فقد كنت أتحرز لضيقه وغضبه, ولكنه لم يغضب, بل اتسعت ابتسامته وقال بهدوء : ألا يكفي أن تحملت التكاليف الباهظة لإصلاح السيارة رغم عدم رضاي عن هذا التصرف؟!!
    قلت بقلق : لقد تسببت في كل تلك الخسائر وعلى أن أصلح ما أفسدته
    قال : حسنا. لن أناقش ذلك رغم ضيقي به, والآن!! هاتف محمول حديث!!!
    قلت بسرعة : أرجوك أن تقبله, يكفي كل ما فعلته لأجلي, لقد كدت تفقد حياتك بسببي
    قال بلهجة هادئة : أولا لم يكن ما حدث بسببك, فدعي عنك الشعور بالذنب, لأنه لو تكرر ذلك عشرات المرات لفعلت ما فعلته تماما عن طيب خاطر
    ثانيا لن أستطيع قبول تلك الهدية الغالية, أنا آسف, فهذا لا يتفق مع مبادئي وأفكاري
    زفرت بإحباط وهززت رأسي بأسف : أعلم, أعلم أنك لن تقبلها أبدا, لكن ذلك يؤلمني حقا
    صدقني لا أستطيع أن أتحمل ذلك الشعور بالذنب
    لقد تسببت في جرحك وفقد هاتفك وكسر نظارتك, فقط أحاول أن ..
    قاطعني باسما : الأمر أبسط مما تعتقدين, حياتي لم تكن يوما رفاهية سعيدة, إن ما حدث لا يعد شيئا أمام ما نراه في حياتنا كل يوم, فلا تستسلمي للإحساس بالذنب
    قلت بضيق : اذا, فلن تقبله؟
    قال باسما : بالتأكيد كلا
    قلت بألم : لا أدري ما الذي يمكن أن أفعله لأشكر لك صنيعك لأجلي؟
    قال باسما : لا تتعجلي, ربما كنت أطمع في شيء آخر أغلى بكثير من مجرد هاتف محمول
    أصابتني جملته الأخيرة في الصميم, وكدت أترك العنان لمشاعري وأحلامي
    لكن ما ألجمني هو خوفي من أن أكون قد فهمت جملته على غير ما يعنيه
    لم أعد أستطيع أن أقرأ ما في عقله من خلال عيناه كما في السابق
    أو بمعنى آخر, أخاف أن أقرأ ما يفكر فيه وأخطئ التفسير وقد أسقط من برج أحلامي التي تعلو فوق السحاب
    وعندها لن أستطيع أبدا أن ألملم شظايا قلبي
    المشكلة أن ياسر لم يصرح بشيء, مجرد كلمات تحتمل آلاف المعاني لا أستطيع أن أضع عليها آمالا
    ومرت الأيام وأنا في حالة من الترقب والانتظار
    أحتاج لإشارة, لكلمة, لأى شيء
    لكن ما حدث كان عكس ما توقعته وتمنيته وما كنت أنتظره
    لقد تغيرت معاملته لي تماما, وبعد أن كنت أظن أننا نحرز تقدما نحو التقارب
    وجدت أننا قد عدنا الى ما خلف نقطة البداية
    أصبح ياسر يتجاهلني تماما ويبتعد بشكل ملحوظ عن أية مناقشة أو حوار يمكن أن يجمعنا
    لم يكن هذا وهما في عقلي, بل ان أستاذ فؤاد نفسه لاحظ ذلك وسألني بيني وبينه إن كان صدر مني شيء دفع ياسر الى ذلك التغير الغريب؟ لكنني أكدت له أنني لم أتصرف أى تصرف يوغر صدره ضدي
    بدأت أشعر بتخبط شديد بداخلي وفراغ هائل, وكلما مر يوم علي وهو يعاملني بجفاء قاتل, أجد نفسي أتألم بعمق ولا أجد سوى وسادتي كل ليلة أسمح لها برؤية دموعي وألمي
    وكم قضيت أوقاتا طويلة أتحدث الى سترته السوداء المعلقة على خزانتي وألومها وأسألها عن سبب تغيره الغريب وما الذي فعلته لينقلب على بهذه الطريقة
    وأهملت اللجنة تماما ولم أعد أذهب الى الاجتماعات ولا الندوات ولا ألبي الدعوات التى تصلني
    فقد انحصر نشاط اللجنة على المظاهرات والاعتراضات فقط, وهذا هو أسوأ ما في الأمر
    وتجنبت كل المكالمات الهاتفية التي تأتيني من ابتسام وأستاذ حمدي ود. عبد الفتاح وأخذت أتذرع بحجج شتى بعيدة عن الواقع للهروب منهم
    ولاحظت أمي تغيري وكآبتي وحاولت أن تعرف مني أى شيء ولم تفلح, واستعانت بيحيى صديقي الوحيد لينصحني أو حتى يعرف ما بي
    وكانت المرة الأولى التي أراه يأتي خصيصا عند مضمار الخيل دون أن أستدعيه
    لكن الغريب أن رؤيته لم تثر بداخلي تلك المشاعر الأخوية الجياشة التى تغمرني كلما رأيته
    هذه المرة سلمت عليه ببرود, وتمنيت أن ينتهي اللقاء سريعا ليعود من حيث أتى
    وشعر هو بمدى انغلاقي وابتعادي عنه فرحل دون أن يعرف ما جاء ليعرفه, لقد أدرك أخيرا كم اتسعت الفجوة التي بيني وبينه
    عجبا, ما أغرب تقلبات الانسان!!
    ذلك الصديق العزيز الذي كانت مجرد رؤيته تثير في قلبي الشوق والفرح
    لم يعد بامكاني البوح له بما في قلبي, ولا بالألم الذي يزداد داخلي يوما بعد يوم
    لقد أدار ياسر ظهره لي وأصبح واضحا أنه يتعمد الابتعاد عن المكتب لأطول فترة ممكنة
    والآن على التصرف, يجب أن أفعل شيء, يجب أن أتحدث اليه
    لكن في المكتب لا أستطيع فقد يعرض عنى أو يحرجني أمام كمال وشيرين وأستاذ فؤاد وهذا ما لن أتحمله أبدا
    لقد أصبح ياسر شخصا آخر منغلقا وضائقا بكل شيء, وفارقته الابتسامة البشوشة التي كانت تزين وجهه دائما
    كان يبدو كما لو كان يمر بمحنة أو ظرف مؤلم أو بضغوط شديدة الوطأة
    لذلك كان اصراري للتحدث اليه ومعرفة ما به يزداد يوما بعد يوم
    فقد رأيت أن من واجبي أن أطمئن عليه وأهتم لآلامه, ان لم يكن للتقدير الكبير الذي أحمله له في قلبي, فعلى الأقل بصفته زميل وصديق وانسان ساندني في مواقف كثيرة
    واعتقدت أن الفرصة أتت عندما أخبرتني ابتسام أن اللجنة اتفقت على تسيير قافلة جديدة الى غزة
    وقررت أن أقنعه بالذهاب معنا هذه المرة
    وأخيرا جرؤت على الاقتراب منه والجلوس أمامه, لكن الضيق الذي كسا ملامحه جعلني أتردد قليلا
    قال بأسلوب جاف : أهناك شيء؟
    تجاوزت ذلك الأسلوب الخشن الذي لم أعتده منه وقلت مباشرة : بلى, هناك قافلة ستخرج بعد غد الى غزة
    قال باقتضاب : وفقكم الله
    قلت بسرعة : يجب أن تأتي معنا
    قال بحدة : كلا
    فاجأتني مباشرته الحادة, لكنني قلت برجاء : ياسر, أرجوك, هذه المرة يجب أن تأتي معنا, عمر سيسره ذلك كثيرا, وأستاذ حمدي وأعضاء اللجنة
    قال بضيق : تعلمين أن مشاركتي في اللجنة هي من الأمور المستحيلة
    قلت بانفعال : كيف تقول هذا!!الكل هناك يعرفك وينتظرون منك تلك الخطوة, لن أقوم من مكاني حتى توافق
    قال بحدة : الموضوع منته, لن أذهب
    اشتعل غضبي وهتفت بصوت سمعه كل من في المكتب : بل ستأتي, حتى لو رغما عنك, لقد كنت هناك أكثر من مرة
    لأول مرة ينظر الى, لكن نظراته كانت مخيفة, وشعرت بعضلاتي ترتجف من التوتر, وقال بلهجة جمدت دمائي : حذرتك من قبل أن تلزمي حدودك ولا تصرخي في وجهي, واعلمي أن ذهابي أو عدمه هو شيء خاص بي ولا دخل لك ولا لأى مخلوق فيما أفعله, أفهمت؟
    لم أستطع أن أنطق, لقد جف حلقي تماما والتصق لساني في موضعه
    لكنني انتفضت من أمامه وأخذت حقيبتي وغادرت المكان بخطوات تدك الأرض غضبا دون أن ألتفت لأستاذ فؤاد الذي أخذ يناديني
    كان على الهروب بأسرع ما أستطيعه والاختفاء في مكان أستطيع فيه أن أترك دموعي تغسل غضبي وألمي واحباطي بعيدا عن أى عين
    لقد سحق ياسر فؤادي, والمشكلة أنني لا أفهم ما الذي فعلته ولا أعرف سبب تغيره نحوي
    كانت ذكرياتي معه تتداعى الى رأسي وأنا أسكب دموعي ونحيبي في وسادتي
    كنت أحاسب نفسي كل دقيقة ما الذي فعلته ليتغير نحوى بهذه الطريقة؟!!
    وكانت أمي تدق الباب على كل فترة لتطمئن, وأنا لا أستطيع أن أفتح لها وأنا على تلك الحالة المزرية
    هدأت دموعي أخيرا وغسلت وجهي جيدا وفتحت لها الباب, وأخذت تلح على بقوة لتعرف ما بي, ولكنها لم تصل معي لشيء
    وأنا أحاول قدر جهدي أن أطمئنها بأنني قوية وراشدة وسأتجاوز أى أزمة تمر بي
    لم أستطع أن أطمئن قلقها, لكنها استسلمت أخيرا لرغبتي في ادارة شئوني بنفسي ومواجهة أزماتي دون عون خارجي
    ....................................

    جاء اليوم الذي ستخرج فيه القافلة وتجمعنا عند النقابة بإصرار هائل
    لابد أن ننجح هذه المرة بعد كل تلك المحاولات الفاشلة
    لابد أن نصل الى هناك فالرحلة هذه المرة أكثر تنظيما والتنسيق مع أكثر من جمعية ونقابة وهيئة أهلية وفي أكثر من محافظة
    ستخرج حافلات من المنصورة وبورسعيد في نفس التوقيت
    الضغوط الشعبية يجب أن يستجاب لها في نهاية المطاف
    ولكن يبدو أن الضغط الشعبي مؤثر وله صدى في كل بلدان العالم الا هنا
    لقد فوجئنا بحضور كبير للأمن حول النقابة, ولم يمر وقت طويل حتى تم تطويق الحافلات بأعداد غفيرة من الجنود
    كانت صدمة كبيرة لكل من في الرحلة
    لم يتركوا لنا هذه المرة حتى مجرد المحاولة والتى سيتم وئدها كما في يقين الجميع عند كوبري السلام أو بعده بأمتار قليلة, كما يحدث دائما
    لكن هذه المرة لم تتحرك الحافلات من مكانها
    واشتعل الغضب عارما في نفوس الشباب
    واعتصموا في المكان حول الحافلات وافترش الشباب والبنات وأنا معهم الأرض
    وعلمنا عن طريق الهواتف المحمولة أن الحافلات في المنصورة وبورسعيد لم يكن حظها بأفضل منا
    فقد تم ايقافها من قبل الخروج من المحافظة ومنعها من السير
    وكما فعلنا, فعلوا
    وتحولت الرحلة الى مظاهرات واعتصامات في الشوارع
    وتم تطويق المنطقة لكيلا ينضم الناس الى أفراد القافلة المعتصمين
    وبعد قليل تم طلب الأستاذ حمدي بالاسم من قبل الأمن
    واستفقنا فجأة على مفاجأة لم نكن نتوقعها
    فقد اختفى الأستاذ حمدي من المكان, بل اختفت مجموعة من الشخصيات بعينها
    اتجهت أنا وابتسام الى عمر الجالس بين الشباب وانتحينا به جانبا
    وعندما تحدثت اليه صدق ظني, فعمر متيقن أن أستاذ حمدي وبعض الأفراد في القافلة قرروا الذهاب الى غزة فرادى في محاولة مستميتة للوصول الى هناك
    اتفقت أنا وابتسام وعمر على الانسحاب من المكان دون لفت الانتباه والالتقاء في مكان آخر بعيد عن الحصار الأمني
    وبالفعل اتجهت الى سيارتي ورحلت بها في هدوء وذهبت الى ابتسام وعمر الذين كانا ينتظراني بعيدا عن النقابة
    واصطحبتهما في رحلة طويلة نحو الأمل المنشود
    وفي سيناء استطاع عمر الذي كان يجلس في المقعد الخلفي وابتسام تجلس بجواري أن يرشدني الى طرق أخرى في الصحراء خلاف الطرق الرئيسية التقليدية المملوءة بنقاط التفتيش والأمن
    وعندما سألته بدهشة كيف استطاع أن يعرف تلك الطرق الغريبة؟ أجابني بآخر ما كنت أتوقعه, فقد رافق ياسر يوما في رحلة كتلك واستطاعا معا الوصول الى رفح عبر طرق ملتوية وملتفة تضرب في عمق الصحراء
    ياسر! ياسر! ياسر!!!
    صمت تماما غارقة في أفكاري, كلما ظننت أنه أبعد ما يكون عني, أفاجأ بأنه قريب للغاية
    وها أنا أسير على خطاه وفي نفس الطريق الذي قطعه من قبل
    ولكن...
    لقد اجتمعت أنا وهو في رحلة كهذه وقطعنا الطريق الرئيسي لمدة طويلة, وتعطلنا ساعات كثيرة عند نقاط التفتيش, وكان هو ضائقا للغاية
    فلم لم يتجه لتلك الطرق الأخرى التى يعرفها جيدا ليتقي نقاط التفتيش؟
    حاولت أن أتوصل كيف يفكر هذا الانسان
    فهو اما أنه كان يظن أن الطرق يومها فتحت وأن الرحلة متيسرة الى غزة ولن يجد معوقات على الطريق, أو أنه خشي أن تكون تلك الطرق الوعرة الملتوية خطر علينا خاصة ونحن في الليل
    بالفعل تلك الطرق تبدو خطرة في ضوء النهار
    لقد هاجمني هاجس لأكثر من مرة أننا تائهون
    أو قد يقطع علينا الطريق لصوص
    أو قد يهاجمنا حيوان شرس من قلب هذه الصحراء الممتدة
    لكن ارشادات عمر التى علمه اياها ياسر هي التى أوصلتنا الى العريش بسلام ودون أن يعطلنا شيء
    وبعد اتصال هاتفي قصير مع أستاذ حمدي عرفنا مكانه ولحقنا به قرب المعبر
    لم يضع الرجل لحظة واحدة, لقد التحم هو ومن معه من اللجنة بأهالي العريش ورفح في مظاهرة كبيرة
    كان يتحدث اليهم ويهتف في ميكروفون نقال ليصل صوته الى الجميع
    انضممنا الى الجموع الغاضبة
    واشتعل الحماس في قلوبنا ونحن نهتف بأعلى صوتنا مطالبين بفتح المعبر واطلاق سراح القوافل لتصل الى غزة, ولم أنس أن أصور كل هذا
    لكن سرعان ما التفت قوات الأمن حولنا, وتم اقتياد أعضاء اللجنة جميعا الى قسم الشرطة
    وفي الطريق كنت خائفة للغاية, وكان أكثر ما يخيفنى هو أن ينتزع أحد مني الكاميرا
    لكن ابتسام فهمت على الفور وتصرفت بسرعة وأخذت مني الكاميرا الصغيرة وأخفتها تحت ملابسها وهي تهمس لي : اطمئني عليها, لن يصل اليها أحد الا لو كان يريد أن يلبس قضية أخلاقية
    لا شك أن من يرافق ابتسام تتبدل مشاعره الى التفاؤل بسرعة, فتلك الفتاة لها روح تطغى بمرحها على كل من حولها
    وقضيت الليلة في الحجز مع ابتسام وبقية أعضاء اللجنة
    كانت تجربة جديدة تماما علي, لكنها لم تكن مخيفة الى الدرجة التي كنت أظنها
    لكم قضيت أياما طويلة خائفة من أن أواجه ذلك الموقف وأجد نفسي خلف القضبان
    كنت صغيرة عندما وجدت مجموعة من الرجال تدخل علينا البيت بعد منتصف الليل وتأخذ أبي من بيننا الى مكان لا اعرفه, لكن يحيى كان يطلق عليه المعتقل
    أظنها كانت أسوأ فترة مرت على في حياتي حتى عاد أبي بعد مدة
    ورغم أنه دخل المستشفى في غيبوبة طويلة
    الا أن الموقف كان أقل وطأة على, فعلى الأقل أعرف مكانه وأزوره وأطمئن الى أنه يحظى بالعناية اللازمة
    أدركت الآن أن فكرتي عن الحجز والمعتقل لم تكن بالسوء الذي كنت أعتقده
    فلم أكن وحيدة, كانت ابتسام وفتيات اللجنة حولي يشجعنني ونتبادل الحكايات والذكريات والضحكات, وغنت لنا ابتسام بعض الأغنيات النوبية اللطيفة, وكانت سببا في حبي للأغاني النوبية والتراث النوبي
    في اليوم التالي تركونا نغادر العريش في هدوء, لكن أستاذ حمدي لم يكن معنا, وصدمنا بعدما عرفنا أن الأزمة الصحية هاجمته من جديد وتم نقله الى المستشفى
    عدت الى القاهرة محملة بكل احباطي وألمي وقلقي على أستاذ حمدي
    وذهبت مباشرة الى الجريدة لأسلم المقال الذي كتبته وأنا على مكتبي في زمن قياسي
    لكن مع الأسف لم يكن زكي موجود ليوافق على نشره, ولم أستطع انتظاره, فقد كان على الذهاب للبيت للإستحمام وتغيير ملابسي بعد ما حدث ليلة أمس, لأتوجه مباشرة الى المستشفى لأطمئن على أستاذ حمدي
    وتركت المقال مع أستاذ فؤاد ليقدمه له
    لكم تمنيت لو أتركه لياسر حتى يقرؤه ويعطيني رأيه ولكن معاملته السيئة لي منعتني
    وعندما عدت الى البيت كانت أمي بكل قلقها في انتظاري, لكن ما أدهشني حقا هو وجود يحيى في ذلك الوقت
    كان ثائرا للغاية وأخذ يتهمني بأن أفعالي وتصرفاتي لم تعد متزنة
    لم أهتم بالرد عليه, فقد كان كل ما يشغلني هو الذهاب بسرعة الى المستشفى لأطمئن على أستاذ حمدي
    تخطيته واتجهت الى السلم لأصل الى غرفتي, لكنني توقفت فجأة عندما سمعته يهتف بغضب : انتظري هنا واستمعي الي, أم أن هذا الشخص الغريب سلبك عقلك واحترامك لأسرتك!! هل محا إرادتك وسيطر على تفكيرك الى درجة أن تتبعينه الى غزة دون التفكير في عواقب الأمور؟!! هل ألفت البيات خارج البيت!!
    يجب أن تبتعدي عن ذلك الشخص قبل أن يدمر مستقبلك, فهو...
    التفت اليه وقاطعته بتهكم : أهذا هو كل ما يقلقك!!
    اطمئن.. لقد ابتعد عني ياسر وأغلق كل باب بيني وبينه
    بل والأكثر من هذا, لقد رفض أن ينضم معنا الى قافلة المعبر.. يمكنك الآن أن تهدأ لقد نجح في ابعادي عن طريقه
    تركته وذهبت الى غرفتي وتمنيت لو تركت دموعي تهدئ من النيران المشتعلة بداخلي وتخفف من وطأة الضغوط النفسية التي أعانيها
    لكن الوقت لم يسمح لي, فقد كان على أن أتجه الى المستشفى على الفور
    ..............
    وفي المستشفى التقيت ابتسام وعمر وبعض من أفراد طريق الكفاح
    وطمأننا الطاقم الطبي الذي يشرف على علاج الأستاذ حمدي بأن حالته مستقرة, لكن يلزمه بعض الوقت في المستشفى
    اتصل بي الأستاذ فؤاد وسألني بقلق : هل اتصل بك زكي؟
    قلت بدهشة : كلا.. أحدث شيء!!
    قال بتوتر : اذا فالمقال لم يصله بعد
    هتفت بدهشة : ماذا!! ألم يؤشر على المقال بالموافقة!!
    قال بأسف : لقد غادرت الجريدة قبل أن يأتي زكي
    هتفت بتوتر : وماذا عن المقال؟ يجب أن ينشر في عدد الغد
    قال : تركته مع كمال فهو الوحيد الذي بقي في المكتب بعد انصراف الجميع
    قلت بضيق : كمال!!
    قال بأسف لقد وعدني بأنه سيسلمه الى زكي قبل أن ينصرف, ولكني اتصلت الآن بمدير مكتب زكي لأطمئن أنه بر بوعده, لكنه أخبرني أن كمال لم يأتي ولم يسلم المقال الى زكي
    هتفت بغضب : وأين ذهب الآن ذلك المهمل؟
    قال : منذ وقت طويل وأنا أحاول الاتصال بهاتفه لكنه غير متاح
    قلت وأنا أنظر في ساعتي : ربما يكون قد نسيه في درج مكتبه وغادر
    سأذهب الى الجريدة وأقلب مكتبه حتى أجده
    لم يكف أستاذ فؤاد عن الاعتذار, فقد كان مضطرا للمغادرة ليصحب ابنه الأصغر للطبيب, وكان يتحدث الى من العيادة
    استشاط غضبي عندما لم أجد المقال في درج مكتبه
    لقد كنت أعلق آمالا كبيرة على نشر ذلك المقال, فبعد كل ما حدث لنا يجب أن يعرف الناس الحقيقة
    أخذت أفكر فيما يمكن أن أفعله الآن
    وظل الاتصال بيني وبين الأستاذ فؤاد متبادلا, وكمال لا يرد على هاتف البيت ولا المحمول, وأستاذ فؤاد لا يكف عن التأسف, فهو لا يستطيع ترك عيادة الطبيب الكبير ليذهب الى كمال, وكان على استعادة مقالي بأي ثمن
    فقلت لأستاذ فؤاد : سأذهب أنا
    اعترض الأستاذ فؤاد بشدة وطلب مني أن أنتظر قليلا حتى يتصرف هو, وتعهد لي بأنه سيأتي بالمقال بسرعة
    كنت أعلم بأن أستاذ فؤاد لديه ظرف مرضي قاسي ولا يستطيع ترك ابنه, لذلك كان على وحدي عبء التصرف
    لذلك فقد قررت الذهاب الى بيت كمال واستعادة مقالي قبل أن تذهب طبعة الغد الى المطبعة
    أوقفت سيارتي عند العمارة التي يقطنها والتي حفظت عنوانها من كثرة ترديده له في مكالماته النسائية التافهة المفروض على سماعها يوميا بحكم موقع مكتبي المجاور لمكتبه
    دخلت الى مدخل العمارة وسألت البواب بصرامة عن شقته وأجبرته على اصطحابي اليها بعد أن أكد لي أنه رآه يصعد أمامه
    وفي المصعد, أتتني مكالمة من أستاذ فؤاد : لا تقلقي, لقد حلت القضية, سيكون المقال عندك بعد وقت قصير
    قلت : أرجوك لا تزعج نفسك, المهم صحة ولدك, لقد وصلت الى بيت كمال ومعي البواب الآن وسآخذ منه المقال
    هتف بضيق : كيف تتصرفين بهذه الطريقة!! عليك العودة الآن الى الجريدة وسيكون المقال عندك
    قلت بسرعة عندما وصل المصعد الى الدور الخامس : أرجوك لا تقلق على أستطيع أن أحل مشاكلى بنفسي
    أغلقت الهاتف أمام شقة كمال وأستاذ فؤاد يكاد أن يجن
    أخذ البواب يدق الباب والجرس طويلا, وأنا أغلي من القلق
    هتفت به : هل أنت متأكد أنه بالداخل؟
    قال : بلى, لقد صعد أمامي من ساعتين
    ظل يدق الباب باصرار حتى فتح أخيرا, وظهر خلفه كمال بملابس النوم يحاول أن يفتح عيناه بصعوبة
    هتفت بغضب : أين المقال؟
    قال بلا وعي : ماذا!!مقال!!
    هتفت بعصبية : مقالي الذي أعطاه لك أستاذ فؤاد اليوم
    تركنا وهو يترنح وألقى بجسده على الأريكة وأنا أصرخ به : أفق, استمع الى, أين المقال؟
    أشار بيده اشارات غير مفهومه وهو يتمتم بلا وعي وعيناه مغلقتان
    أخذت أدور بعيني في الصالة حتى وقعت عيناي على حقيبته التي يأتي بها الى الجريدة كل يوم ملقاة على احدى الأرائك
    هجمت عليها بلا تردد وأخذت أقلب فيها بعصبية شديدة حتى أفرغتها تماما من كل ما بها
    أخيرا وجدت المقال بين أوراقها, أخذته والتففت لأغادر لكنني تسمرت في مكاني عندما وجدت ياسر يقف عند مدخل الباب
    لا أدري لم اهتزت ثقتي بنفسي بعنف عندما رأيت ذلك التجهم المخيف الذي كسا وجهه
    وفهمت على الفور أن أستاذ فؤاد استعان به ليأتي لى بالمقال, وكما هي عادته لم يتردد في الموافقة
    ورغم يقيني التام أنني لم أرتكب خطأ, لكن نظراته الغاضبة المخيفة حطمت ذلك اليقين وجعلت قلبي يرتجف
    وبصمت تام التف ياسر مغادرا المكان, وأدركت أن على التحدث اليه لأنفي أية فكرة خاطئة مرت برأسه ولو عابرة
    نزلت السلالم خلفه جريا وأنا أناديه, لكنه لم يتوقف, حتى لحقت به أخيرا وأمسكت ذراعه لأوقفه وقلت وأنا ألهث : يجب أن تسمعني, لقد أتيت الى هنا لأستعيد مقالي, وها هو
    نفض ذراعه بعنف ليبعد يدي, والتفت الى وضاقت عيناه وقال بقسوة شديدة : الخطأ ليس خطؤك
    بل خطئي أنا أن وضعت ثقتي في فتاة ترتاد بيوت العزّاب بسهولة امتطاؤها لظهور الخيل
    ولكن اعلمي أنني لن أكون أبدا حصان
    تجمدت تماما وشعرت بشراييني تكاد أن تتفجر في أنحاء جسدي من هول صدمتي
    واستطعت بصعوبة شديدة أن أنطق : أنا!! أهذا الكلام تقوله لي أنا!!
    أشاح بوجهه عني ونزل السلم جريا دون أن ينطق بكلمة أخرى
    ولم أجد سوى درابزين السلم أستند عليه حتى لا أسقط من قسوة ما أشعر به
    .....................................
    ,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,

    لا أدري كيف عدت الى البيت, ولا كيف قضيت ليلتي
    هناك مواقف تمر على الانسان يعجز عن وصفها أو وصف مشاعره
    فأى كلام يمكن أن يصف ما أشعر به الآن؟

    في اليوم التالي لم يأتي ياسر الى المكتب, وحاول أستاذ فؤاد أن يعرف منى ما الذي حدث بالأمس, ولكنى لم أنطق بكلمة
    لكن صدمة جديدة صفعتني بقوة وحطمت ما بقي لي من أعصاب
    فالمقال الذي تشوهت صورتي في عيني ياسر بسببه لن ينشر
    رفض زكي نشره بسبب أسلوبه الصريح المباشر اللاذع
    لم يعد بإمكاني التحمل, فغادرت الجريدة وذهبت مباشرة الى النادي, وفي مضمار الخيل فوجئت بالفارس السمج يركب حصاني وعندما رآني ابتسم واقترب منى وهو يلقي التحية
    لكنه صدم عندما صرخت في وجهه بعنف : انزل عن حصاني
    لم يصدق نفسه عندما وجدني مصرة أن يترك حصاني
    ونزل بالفعل وحاول الاعتذار بتهذيب لكنني لم أمنحه أية فرصة
    وانطلقت بالحصان في المضمار بلا تروي
    كنت أفرغ ضيقي وغضبي وجنوني في الحصان, وضربته أكثر من مرة, رغم أننى في العادة لا أفعل هذا
    وانتهى اليوم الكئيب بكارثة, فقد سقطت عن ظهر الحصان بسبب تهوري وعدم تحكمي في انفعالاتي
    وبقيت فترة طويلة غائبة عن الجريدة وزارني كل زملائي عدا ياسر, ولم أهتم بالسؤال عنه , ولا عن أخباره
    وحاول أستاذ فؤاد أن يفتح معي الحديث ويعيد استجوابي عما حدث بيني وبين ياسر, لم أعطه أية أجوبة, وغادر دون أن يرتاح
    أستاذ فؤاد بمشاعره الطيبة يحاول أن يصلح ما فسد بيننا, يحمل نفسه الذنب لما حدث
    لكن الأمر أكبر من ذلك بكثير
    لقد جرحني ياسر جرحا عميقا لا براء منه
    وكان لا بد لأمي أن تتكلم أخيرا بعد أن وجدت أن الصبر والصمت لن يفيدا أمام حالتي المستعصية وكآبتي التى توشك على التحول الى مرض
    ورغم أنني لم أخبرها بأى شيء مما حدث, الا أن حديثها كله كان منصبا على ياسر
    كنت صامتة تماما أستمع اليها وهي تقول : لم أرك يوما ضعيفة ومشتتة كما أنت الآن, لا أدري كيف أصف ذلك الكائن الذي حل فجأة بحياتك وأحالها الى ما هو أمامي الآن
    حتى لو سألتك عما حدث فلن تخبريني
    والآن لا أملك لك سوى النصيحة والدعاء
    لا تدعي أحدا ينفذ الى رأسك ويسيطر على عقلك وتفكيرك
    مهما بلغت مشاعرك تجاهه فلا تسمحي له أن يهز ثقتك بنفسك ويحطم ارادتك مهما حدث
    شعرت بالدموع تملأ عيناي, عجبا, وكأنما تعرف ما حدث دون أن أبوح لها بشيء
    استطاعت أمي أن تضع يدها على جرحي الغائر دون حتى أن تراه, فقلت لها والألم يعتصر روحي : أتدرين ما هي مشكلتي الحقيقية؟
    أنه نجح في ذلك بالفعل
    غادرت أمي الغرفة بصمت بعد أن أدركت أن كلماتها لم يعد لها فائدة ترجى, وأنني وصلت الى حالة متأخرة للغاية
    ...........................
    بمجرد أن وقفت على قدمى ذهبت الى النادي مباشرة, فقد عرفت من زملائي في النادي أن أصيل حزين للغاية وأصابته حالة شديدة من الكآبة, لذلك كان على زيارة صديقي الوفي والاطمئنان عليه
    أخذت أمسح على ظهره ورقبته وأداعبه وأطعمه بيدي وأنا أقول له : لا بأس عليك يا صديقي, أحزين أنت لأنني سقطت من فوق ظهرك؟
    شردت بعيدا وأنا أكمل : هناك من أسقطني قبلك من عينيه, وكانت سقطته قاتلة
    لم يعد هناك ما أحزن لأجله ولا أتألم له بعد أن انتهت القصة تلك النهاية المريعة
    لقد صدقت أمي وصدق يحيى, إن ما بيننا مسافات شاسعة وجدران عالية لا نستطيع اجتيازها
    ما أسوأ أن يأتي الحب مع تناقض الأفكار
    لن يفهمني أبدا
    ..........................
    عدت الى عملي محاولة تجاهل ذلك الانسان الذي هو أمامي كل يوم كما يتجاهلني هو ويتجنبني
    لم يهتم حتى بمرضي ولا بعافيتي خلاف الجميع, وكأنني نجس لا يجب أن يقربه
    وأستاذ فؤاد ينظر الينا بأسى مستشعرا ذنبا هو بعيد عنه لفشل تلك القصة الجميلة التى ما كان لها أن تتم
    أما كمال فهو لا يدري أى شيء, فقد كان فاقد الوعي في ذلك اليوم ولم يخبره أحد بما حدث
    حتى المقالة التى كانت معه نسي أمرها تماما
    ما كنت أعتقد يوما أن ذلك التافه يمكن أن يكون سببا في تحطيم سعادتي وأملي!!
    رغم الألم العميق المستقر في نفسي, الا أنني نجحت أن أعود لهدوئي واتزاني, وقررت الابتعاد عن أى شيء يتعلق بياسر وقاطعت كتاباته التى تستفز مشاعري من تحقيقات ومقالات وأى حرف يكتبه
    ورغم كل ذلك لم يتركني لحالي
    يا الهي.. أبعد كل ما حدث يجرؤ على التقدم الى مكتبي والجلوس أمامي!!
    أشحت بوجهي بعيدا و شغلت عيناي بالنظر بعيدا عنه
    قال بصوت يملؤه الألم : لم أكن أود حقا أن تصل الأمور الى هذه الدرجة
    أيا يكن رأيك وتفكيرك ومدى اختلافي معه..
    تنهد وصمت قليلا وكأنما لا يجد ما يقوله, وصمت تماما رافضة للرد على كلماته أو ابداء أى ردة فعل
    لكنه قال بعد قليل : أيا يكن ما حدث فقد حدث وانتهى
    أعلم أنك ترفضين كل ما أقوله, لكن واجب الزمالة, وحق النصح يحتم على أن أقول لك أنك تتعاملين مع الحياة ببراءة شديدة واندفاع يصل الى درجة التهور وهذا الأسلوب قد يوردك المهالك
    فالحياة ليست بتلك الطيبة ولا السهولة لنقتحمها ونعتركها دون أن يكون لنا درع حامي من تروي وتعقل وتبصره ووزن للأمور
    عليك أن تأخذي حذرك وتفكري في كل خطوة تقدمين عليها
    صدقيني, سيكون ذلك أكثر أمنا وحماية لك ولسمعتك
    صمت قليلا وعندما لم ألتفت اليه قال : قد يمنعك غضبك من تقبل كلامي الآن, ولكن ربما تتذكرينه يوما ما, وقد تلتقي الوجوه ثانية أو لا تلتقي, ولكني لا أحب أن أرحل وفي صدرك شيء
    رنت كلمة (أرحل) في رأسي عدة مرات, ولكني لم أستطع أن ألتفت اليه أو أرد عليه
    بالفعل كان في صدري الكثير والكثير من الغضب
    قال : لو أنني أسأت اليك يوما ما عن قصد, أو حتى عن غير قصد, فأنا أرجوك أن تقبلي اعتذاري
    وحتى ان لم تستطيعي ذلك, فأدعو الله أن يوفقك الى ما فيه الخير
    خرج ياسر من المكتب وارتجف قلبي بعمق
    معنى كلامه واضح تماما, لقد قرر ترك الجريدة ولن أراه بعد اليوم
    لم أجرؤ على سؤال أستاذ فؤاد عنه ولا حتى زكي
    فبأي صفة أسأل عنه وعن أخباره؟ وبعد ما حدث بيننا لا يمكنني التغلب على غضبي وتجاوز الاهانة الصريحة التى وجهها لي والتي لا يداويها اعتذاره ولا كلماته لي
    بقدر ما يكون الغضب ضروريا في بعض الأحيان, لكن الانسان لا يندم على شيء قدر ندمه على قرارات اتخذها في لحظات غضب
    وهذا ما حدث لي تماما
    لقد أصبت بأرق عنيف وكآبة سيطرت على, كنت أمنى نفسي بأن الأمر أشبه بالإدمان, وستمضي فترة طويلة قبل أن أعتاد عدم وجوده في حياتي
    لكنني كنت حزينة للغاية, تملأ دموعي وسادتي كل ليلة, ولا أستطيع البوح لأى انسان بآلامي
    فلا سبيل لإحياء قصة حب وئدت في مهدها وعلى أن أنسى وألتفت الى عملي
    لكنني لم أدرك حقيقة حجم ما فقدته الا بعد يومين فقط
    .....................................
    جاءتني مكالمة في الساعة الثانية عشرة وأنا على مكتبي زلزلتني
    كانت من ابتسام التي صرخت في أذني بانفعال عنيف : أميرة.. لقد قصفوا غزة بالطائرات
    صرخت بفزع حقيقي : ماذا تقولين!!
    قالت بصوت باكي : الخبر الآن حيا في قنوات الأخبار
    سألني أستاذ فؤاد بقلق : أهناك شيء؟
    هتفت بانفعال : ضربوا غزة بالطائرات
    ألقيت بالهاتف وجريت الى القاعة الكبيرة وخلفي أستاذ فؤاد, ووجدت الكثيرين قد تركوا مكاتبهم وتجمعوا حول التلفاز ليشهدوا كارثة جديدة من كوارث اسرائيل
    ففي الساعة الحادية عشر والنصف صباحا قصفت اسرائيل غزة في أماكن عديدة, مستهدفة أعضاء حركة حماس وحكومتهم
    خيم الذهول علينا جميعا ولم نستطع النطق ونحن نشاهد عشرات القتلى ودماؤهم تغرق الأرض والجرحى يصرخون بالشهادتين في مشهد مفزع يحرق القلوب, ولا أحد يستطيع في هذه اللحظات المفزعة تحديد حجم الكارثة ولا ادراك الخسائر في ظل صدمة فاقت كل تصور

    صرخ أستاذ فؤاد فجأة بفزع : ياسر, لك الله يا بني
    ترى أين أنت الآن وكيف حالك!!
    التفت اليه بدهشة عارمة ولساني يردد بلا وعي : ياسر!!! ياسر في غزة؟!!
    قال بألم وهو يتصل بهاتفه المحمول : لقد عاد لأهله بمجرد أن ترك الجريدة
    اتسعت حدقتاي وارتفعت ضربات قلبي بعنف وأنا أردد : أهله!!
    كان الخبر جديد على تماما, وأنا أتمتم بذهول وكل عرق في يرتجف : يا.. ياسر من غزة!! ياسر حسين المصري!!!
    من غزة!!
    ارتميت على أحد المقاعد ولساني يردد اسمه بلا وعي وعقلي يكاد أن ينفجر من الصدمة
    هتف استاذ فؤاد بصوت باكي : يا الهي, انه لا يرد, أخشى أن يكون قد أصابه مكروه, اللهم سلم, اللهم سلم

    لم أخفى عنى الحقيقة, لم لم يخبرني؟!!
    أهو سر مخيف الى هذه الدرجة!!
    الى هذه الدرجة لا يثق بي!!

    لقد ذبحني ياسر ورحل دون أن ينظر خلفه
    عاد الى غزة قبل يومين فقط من وقوع الكارثة
    أخذت أحدق في الشاشة بذهول فوجدتها قد ملأت بالجثث المغطاة بالدماء
    وكلما نظرت الى احدى الجثث أجد أمامي وجه ياسر
    أبعدت عيني عن الشاشة بعد أن عجزت عن التحمل
    وعدت الى البيت حطام
    ........................................
    .........................................

    حاولت بكل وسيلة أن أقنع نفسي أن ياسر مجرد انسان غريب عني لا تربطني به أية علاقة, ولا شأن لي بما يحدث له
    انسان أهانني وطعن مشاعري وحطم كرامتي
    فجأة خرج من داخلي صوت قوى لأول مرة أسمعه : لكنه محق, أى إنسان في مكانه سيظن في السوء
    لقد اندفعت بلا تروى ولا تقدير للأمور الى بيت كمال
    قد تكون نيتي حسنة, لكن النوايا الحسنة لا تكفي لتبرير تصرف أهوج كالذي فعلته
    عندما يراني ياسر في بيت كمال..
    ولكن لم غضب الى هذه الدرجة؟ هل يغار على؟ أيمكن هذا؟!!
    مهلا...
    ما الذي يجعل عقلي يجتر كل تلك الأفكار في هذا الوقت تحديدا؟
    هل يحاول فتح طرقا جديدة لإعادة الحب الذي ذهب؟
    أهي لعبة يلعبها قلبي ليفتح جرحا لم يندمل بعد؟
    لكن العقل يقول أن طريقي الى ياسر قد أغلق الى الأبد, إن لم يكن بسبب الأزمة التي مرت بنا, فالأسباب الآن أقوى, إن ما بيننا حدود مغلقة وبوابات موصدة واتهامات متبادلة وجدران عالية
    انتفضت جالسة في فراشي بعد أن تجلت في عقلي فكرة رهيبة
    انها نفس كلمات يحيى, هل كان يعلم بالحقيقة!!
    يحيى يعلم وأنا لا.. كيف!!!
    هل تحدثا معا عندما كان ياسر في المستشفى! بينما أنا أبكي في الاستراحة!!
    اتصلت بيحيى على الفور, وبمجرد أن رد صرخت فيه : يحيى, هل كنت تعلم أن ياسر من غزة ؟
    هتف بدهشة : ماذا!! أتتصلين بي في هذا الوقت لتتحدثي عن ياسر!!
    قلت بحدة : أجبني, منذ متى وأنت تعرف أن ياسر من غزة؟
    هتف بتهكم : ما هذا الجنون!! أهو سر حربي!! الأمر واضح لكل عين, وهو لم يدعي غير ذلك
    أغلقت الهاتف وأنا أسيرة الذهول
    هو لم يدعي غير ذلك بالفعل
    يا الهي أكنت عمياء كل هذه المدة!!
    أستاذ فؤاد يعلم, ويحيى, حتى كمال لم يفاجأ
    الكل يعلم أن ياسر من غزة الا أنا!!
    وأمي!!
    يا الهي, انها تعلم
    الآن فقط فهمت كلماتها عن الجدران والأسوار
    لم أكن فقط عمياء
    بل كنت أيضا صماء غبية
    ياسر لم يخفي أبدا أنه غزاوي
    تداعت الذكريات الى رأسي
    كل كلمة كان يقولها كنت أفهمها بمعنى آخر لم يقصده
    كل جملة كنت أفسر مغزاها بشكل آخر
    حديثه المستمر عن هويته التي قد توقعه في مشكلات مع الأمن
    حماسه الشديد للقضية كنت أظنه نابع عن ايمان وعقيدة
    لكنه أيضا بالاضافة لذلك قضية وطن
    لقد أخبرني ياسر بكل الطرق ولكنني لم أفهم
    بل كان يتعامل معي على أساس أننى مدركة للأمور بشكلها الصحيح
    الآن أصبحت كل تصرفاته واضحة تماما أمامي
    احجامه عن المشاركة في القوافل بسبب هويته والمشكلات التى قد يصنعها له الأمن
    على أقل تقدير سيتم ترحيله من مصر
    يا الهي.. الكل كان يتعامل معي وكأنني مدركة وواعية لما يحدث حولي
    حتى أستاذ حمدي وابتسام وعمر الذي رافقه يوما في رحلة الى غزة, وعندما رافقته هو وابتسام كان يتحدث الى وكأنني أفهم
    القيت برأسي على الوسادة وجرت دموع القهر على الجانبين
    الكل كان يتعامل معي على أنني ذكية وواعية
    أنا نفسي لم أكن أتصور أنني أحمل في عقلي كل هذا الغباء
    أخذت أبكي طويلا دون انقطاع
    لكن في النهاية كان على أن أجلس أمام التلفاز وأتابع ما يجري في غزة
    كان من الواضح أنها حرب حقيقية
    لم يمض وقت طويل على حرب لبنان حتى نفجع في غزة
    طائرات تدك من أعلى وحرائق في الأسفل, وقتلى لا يعلم عددهم الا الله
    مائتي شهيد لحركة حماس في ضربة واحدة
    وفي المساء يرتفع العدد باستهداف المدنيين والأطفال
    أخذت أبدل ما بين القنوات الفضائية الاخبارية لترتسم في ذهني صورة رهيبة لما يحدث
    هناك اتهام صريح لمصر بالسكوت, بل بالتواطؤ في تلك الحرب النجسة
    فمن يومين فقط كانت ليفني في زيارة لمصر وختمتها بمؤتمر صحفي ألقت فيه بكل غطرسة وتبجح كلمتها التي ستظل طويلا عالقة بالأذهان : عندما نقول كفى فهي كفى
    تلك الكلمة لن يتذكرها العالم لأن اسرائيلية قالتها
    بل لأنها قالتها من قلب مصر
    ترى هل هذا هو ما جعل ياسر يرحل مسرعا الى غزة؟
    هل كان يتوقع ما يحدث الآن؟
    لقد أثبت ياسر مرارا قدرته على استقراء وفهم الأحداث, بل وتوقع الأحداث مستقبلا
    أيمكن أن يكون قد غادر مصر لأنه اشتم رائحة التهديد المباشر لغزة؟
    ولكن .. كيف يرى الأمر الآن؟ هل ينظر الى مصر كما ينظر اليها العالم الآن؟ طرف متواطئ ومشارك بصورة غير مباشرة للجريمة التى تقع الآن؟!!
    أيمكن أن تكون تلك هي نظرته للأمور؟!!
    هل حقا كما يقول العالم أن ما يحدث الآن كان مبيتا ومتفق عليه؟
    أم تم استدراجنا بلعبة قذرة وايقاعنا في فخ
    ما هي الحقيقة؟
    لم أكن قادرة على فهم أى شيء ولا استنتاج أى شيء دون الاستعانة برأي صديقي المحترف
    وأين هو الآن؟!!
    كنت أتألم بعمق من تلك المأساة التي أمامي
    شعب محاصر تدكه الطائرات دكا وتستهدف النساء والأطفال
    أهذه هي الصواريخ والقنابل الذكية؟
    أصنعت حقا خصيصا من أجل أطفال العرب؟ كما كانت اسرائيل تتباهى في حرب لبنان
    كان أطفالهم يكتبون رسائل ويوقعون بأسمائهم على الصواريخ القاتلة
    رسائل مهداه الى أطفال العرب؟!!
    أهذا هو العالم الجديد أم الوحشية الجديدة!!
    وها هي هدايا جديدة من أطفال اسرائيل تسحق رؤوس أطفالنا
    في أى غابة متوحشة نحيا!!
    ومن جديد ذهب عقلي الى كلمات صديقي الصحفي المحترف
    (أنت أكثر من يعلم كيف ينظر الأمن لأمثالنا)
    التفت الى السترة السوداء المعلقة على خزانة الملابس وأخذت أتحدث اليها كما لو كنت أكلم صاحبها : يا الهي.. أتثق بذكائي الى هذه الدرجة!!
    اتظن حقا أنني أفهم كلماتك؟
    صرخت بكل غيظي وألمي وانهياري : كان عليك أن تعرف أنني لن أفهم
    كان يجب أن تدرك كم يبلغ غبائي
    لم تعاملت معي وكأنني أفهمك!!
    ألم تدرك أنني لم أفهمك أبدا؟
    أخذت أقرع رأسي في خشب خزانة الملابس وأنا أصرخ : ها أنا أعترف وأتمنى أن تسمعني, أنا غبية غبية غبية
    انهرت أرضا أنتحب وأصرخ بحسرة
    واندفعت أمي بفزع الى داخل الحجرة قادمة على صوت صراخي
    لم أستطع أن أكتم عنها ألمي ودموعي هذه المرة, فضمتني الى صدرها بقلق وربتت على ظهري وهي تستعيذ بالله, ثم سألتني : أميرة, ماذا حدث, أخبريني, طمئني قلقي ولوعتى عليك
    قلت لها وأنا أنتحب بعنف : ياسر, ياسر في غزة الآن, لم أكن أعرف, لم أفهم, لم لم يخبرني؟
    قالت بدهشة : يخبرك بماذا؟
    قلت بألم : كان عليه أن يقول لي مباشرة أنه من غزة
    قالت باستنكار : ما هذا التخريف!! كلنا نعلم أنه غزاوي
    قلت بحسرة : الكل يعلم الا أنا
    قالت بدهشة : ما هذا الذي تقولينه!! لو تكلمت بهذه الطريقة فلن يصدقك أحد
    قلت بألم : أنا نفسي لا أصدق, لقد رحل الى هناك وأنا لا أفهم
    ودعني ورحل معتقدا أنني أعرف
    لكن الحقيقة هي أنني لم أعرفه أبدا, صدقيني يا أمي
    هو الآن بين الحرب والنار والموت دون حتى أن يعرف أنني قبلت اعتذاره, دون أن أعتذر اليه
    لماذا تسير الأمور هكذا!!
    لماذا ينكسر كل شيء في لحظة جهل!!
    لقد كان ياسر واضحا وصادقا في كل شيء, كيف لم أسأله عن بلده التي يسافر اليها كل اجازة!! بم كان عقلي مشغول!! أهناك أهم من ذلك السؤال البسيط!!
    أين ولدت؟
    والآن عرفت, عرفت بعد فوات الأوان
    كيف لم أنتبه لتصرفاته وكلماته وأفسرها بمقصدها الصحيح!!
    أيمكن أن يكون الانسان صادقا وواضحا لدرجة ألا نستطيع أن نفهمه؟
    ياسر كان .. كان كضوء الشمس واضحا في كل شيء, لكننا لا نستطيع أن ننظر الي الشمس مباشرة أو نتأمل تفاصيلها
    كيف يرحل ويتركني مع غبائي وجهلي وضياعي!!
    كيف يرحل دون أن أخبره أنني أحبه؟
    أنا أحبه يا أماه.. أحبه حقا
    لا يمكنني أن أتخيل أنه هناك الآن تحت لهيب النار في آتون الحرب
    كل شيء هناك يحترق يا أماه
    غزة تذبح, تذبح ولا أحد يستطيع لها شيء

    لم تتركنى أمى الا بعد أن أعطتني كمية محترمة من الحبوب المنومة لأسيطر بها على انفجار مشاعري وأستدعي النوم قسرا الى جفوني
    وأخذت تمسح على رأسي وتقرأ لي القرآن حتى ذهبت في النوم
    في اليوم التالي استيقظت مرهقة وكل شيء في يؤلمني
    استيقظت لأجد أمامي يحيى يبتسم لي بحنان وفي عينيه نظرة شفقة وأسى
    وفهمت أن أمي استعانت به ليساعدني في أزمتى العنيفة
    قال بعطف : كيف حال أميرتي الجميلة؟
    قال بأسف عندما لم يتلقى أى رد : أعلم أنك ناقمة على, وقد أقدم التماس بعفو ملكي خاص اكراما للأيام الخوالي
    صمت قليلا عندما لم يجد أى صدى لكلماته, كان بداخلي خواء غريب وكأنه لم يعد هناك بداخلي أية أحاسيس
    ترى, أهو شعور حقيقي أم مصطنع بفعل مواد كيميائية طبية؟
    قال بحنان : ما رأيك أن أدعوك للغداء في النادي كما كنا نفعل في الماضي؟
    سأنتظرك في الأسفل حتى تغتسلي وتبدلي ثيابك, لا تتأخري
    عندما جلسنا حول طاولة قريبة من مدرج الخيل, كان وقع حوافر الخيل في أذني أعلى من صوت خالي
    وكان أول ما قاله بعد أن طلب لنا عصير طازج : أعلم أن هذه الخطوة أتت متأخرة للغاية
    كنت أنظر اليه بشرود وقد فقدت رغبتي تماما في الكلام مع أى انسان
    لكنه استرسل بندم : أعلم أنك غاضبة مني لأن الحياة أخذتني بعيدا عنكم, العيادة, والمستشفى, والحب الجديد
    لقد أخطأت بالفعل عندما تجاهلت مشاعرك ولم أساندك في أول تجربة حقيقية لك في الحياة
    ربما.. ربما لأننى كنت واثقا بأنك أقوى بكثير من أية أزمة, حتى لو كانت أزمة عاطفية
    ولازلت أثق بقدرتك على اجتياز المواقف الصعبة
    يا الهي, اننى أكرهه بالفعل
    تكرهه!!
    رن السؤال في عقلي لكنه لم يخرج الى شفتي
    ورد يحيى على السؤال : بالتأكيد أكرهه ذلك الذي خطف قلب الأميرة وسرق ابتسامتها التى كانت تضيء العالم
    ألا يحق لي أن أكرهه؟
    تعلمين أنك أغلى ما في هذا الكون, لا أستطيع أن أتصور كيف تنهار أميرتي الصغيرة بهذه الطريقة!!
    كنت دوما أفخر بقوتك وشجاعتك, حتى عندما مات أبوك..
    لم أسمع بقية كلامه, فقد شرد ذهني بعيدا, كنت أحاول أن أفهم ما في رأس يحيى عندما يقول أنه يكرهه, ليست مجرد كلمة بلا معنى, بل ان هذا هو ما يشعر به بالفعل
    كل تصرفاته وتعبيرات وجهه تؤكد ذلك
    ولكن.. لم؟
    لا أستطيع أن أتصور أن هناك من يكره انسان كياسر في خلقه ونبله, كما أنه لم يلتقيه سوى مرة أو مرتين, فكيف له أن يكرهه!!
    أبى يحيى الا أن يجيب على سؤال لم أسأله, لقد أجاب بطريقة عملية, عملية للغاية
    لقد هبطت علينا فجأة حبيبة خالي العزيز
    وجدتها تمد يدها الى بالسلام ورائحة عطرها الفاخر تملأ المكان
    نظرت اليها طويلا متأملة ذلك الجمال المبهر, وتلك الأناقة المفرطة, وكأنني أراها لأول مرة
    ارتبكت عندما لم أمد يدي لها بالسلام, وخلعت نظارتها الشمسية الأنيقة ليبدو من تحتها عينين ساحرتين نظرتا لي باشفاق ثم تبادلت نظرات التعاطف مع خالي
    ثم انضمت الينا اكراما لتلك المسكينة المصابة بصدمة عاطفية
    قال يحيى مبررا : يسرا أصرت أن تأتي اليوم لتراك عندما علمت أننا في النادي
    قالت بصوت ناعم : كيف حالك الآن يا عزيزتي
    لم أرد, وكأن حبل الكلام انقطع بيني وبين الناس
    وأدركت ميزة للصمت لم أكن أعرفها قبلا, وهي أن الصمت يساعد على جلاء العقل ووضوح التفكير
    كما يدفعنا الى التأمل أكثر والنظر في تصرفات وكلمات الآخرين, وهو سلوك افتقدته كثيرا في الفترة الأخيرة
    كنت أستمع بصمت لكلمات يحيى : صدقيني لو كان هناك أدنى أمل في نجاح تلك العلاقة لكنت أول من يساندك بل كنت على استعداد أن أسافر بنفسي لأحضره اليك
    لكنها علاقة فاشلة من البداية, أين أنت وأين هو؟
    والآن صار الأمر من المستحيلات بعد تلك الحرب اللعينة
    ما كان عليهم الوصول الى هذه الدرجة من الاستفزاز لتلك العقلية الوحشية السادية
    أتعلمين كيف ينظر الينا الآن؟ بل كيف يراك أنت الآن؟
    النغمة السائدة في فلسطين هي القاء المسؤلية كلها علينا, بل واتهامنا بأبشع التهم, وكأننا نحن من يحاربهم لا اسرائيل
    يسبوننا على كل مواقع الانترنت ويتهموننا بالخيانة والعمالة والتواطؤ لإبادة غزة
    أرأيت عقليات أكثر سفها وسطحية من هذا
    لم لا يلومون من يطلق الصواريخ ليل نهار حتى استفز الثعبان من جحره؟!! وما دخلنا نحن بخلافاتهم وانقساماتهم!!
    تدخلت يسرا في الحوار برقة : إن سمحتما لي, لقد أخبرني أبي وهو يعمل في الخارجية أن مصر وجهت الى حكومتهم المقالة تحذيرات عدة ونصائح كثيرة لكي يكفوا عن استفزاز اسرائيل والعبث بالصواريخ
    ودعتهم أكثر من مرة الى مصر لحل خلافاتهم وتحقيق الوحدة, ولكنهم أبوا الا الحرب
    أكمل يحيى بحماس : لا شك أنه هناك الآن يشعر بالندم والنقمة لكل يوم عاشه على هذه الأرض يأكل ويشرب من مياه النيل
    بل ويتهمنا نحن بخيانة القضية والعروبة والتآمر على غزة
    ستفهمين ذلك بوضوح عندما يتقدم بك العمر وتكتسبي مزيد من الخبرات في الحياة
    تاهت كلماته من عقلي وشردت بعيدا أفكر في ياسر, أهو حقا يفكر بتلك الطريقة!!
    هل يظن حقا بأننا متواطئين وخائنين وبائعين للقضية؟!!
    وهل يحق لي لومه ان ظن السوء بعد كل ما حدث على المعبر ورأيناه بأعيننا؟ وبعد أن ألقت ليفني بسمومها من داخل مصر
    وهل لو كنت في مكانه يمكن أن أفكر بطريقة أخرى حتى لو افترضت أقصى درجات حسن النية؟!!
    هتفت يسرا : ليس ذلك بمستبعد على عقليات كتلك, يعيشون بيننا ويأكلون من طعامنا ويلقون علينا عبء مشكلاتهم لنحلها لهم, وفي النهاية لا نجني سوى السباب والاتهامات بالخيانة
    لقد كنا نمدهم بالمعونات والغذاء باستمرار من معبر رفح
    لكنهم يصرخون ليل نهار في القنوات الفضائية بأننا نحاصرهم ونمنع عنهم كل شيء
    لا أدري لصالح من يريدون تشويه سمعة مصر!!

    المعبر مفتوح, دائما مفتوح
    هكذا تقول شاشات التليفزيون والجرائد المحلية
    اذا فلم كانت البضائع والتموينات مكدسة في العريش تنتظر الفرج حتى تعفن الغذاء في الصناديق؟!!
    ولم اضطرت سفينتي غزة الحرة وحرية الى المجازفة الخطرة بأرواح من فيها والتعرض للضرب بالطوربيدات الاسرائيلية لو أن هناك أدنى أمل أن يدخلوا عن طريق معبر رفح؟!!
    ولماذا لا يستطيع أستاذ حمدي الدخول الى سيناء!!
    لكن كلمات يسرا من مصادر رسمية موثوقة
    بالتأكيد فخالي العزيز لا يسقط الا واقفا
    لا يختار الا امرأة كاملة الأوصاف, عائلة ومال وجمال باهر ومنصب رفيع
    نفس المنطق الذي اختار على أساسه عريس لي
    لقد أخبرتني أمي أن وسام ليس فقط شريكا لخالي في المستشفى, بل هو ابن أحد الوزراء
    ورغم أننى قد أقدر نيته الحسنة في أنه يختار لي الأفضل من وجهة نظره, لكن يتبقى شبهة أن الأمر ما هو الا زواج مصلحة, مصلحة لخالي بالخصوص
    تركتهما بصمت ووقفت عند مدرج الخيل أتأمل الخيول وهي تجري وتتمايل
    ومن جديد أخذت أتساءل : لماذا يكره ياسر!!
    وأدركت شيئا لم أنتبه له قبلا, وهو أن ظهور ياسر في حياة أية عائلة بكل ما يمثله من خلق ومبادئ والتزام وصدق وفعل يطابق الكلام والتفكير, يفتح المجال بقوة للمقارنات بين ما نحن عليه فعلا, وما نطمح ونتمنى أن نكونه
    ونموذج يحيى بكل ما يمثله من ثقافة شرقية وغربية وحرية وعقل متفتح لم يعد هو الصورة الأمثل التى نتمنى أن نكون عليها
    ويحيى يدرك هذا جيدا ويكره وجود ياسر في حياتي
    لأن مجرد وجوده أمامي يفتح عيناي على عيوب لم أكن أراها من قبل في يحيى
    رن هاتفي المحمول وأضاءت شاشته باسم الأستاذ حمدي
    أعلم لم يتصل بي الآن, لا شك أن اللجنة تستعد للذهاب لرفح, فالمأساة أكبر من أى تصور, وبصفتي عضوة في اللجنة على أن أكون معهم الآن في النقابة لنتوجه الى رفح بأية وسيلة
    نظرت الى أرجل الخيل التى تتسارع في المضمار
    لقد كبلت نفسي بنفس
    ففي ظاهر الأمر سأبدو في نظر الجميع كامرأة تسعى خلف رجل, أو فتاة تريد استعادة حبها الضائع
    أى امتهان للقضية عندما تنحدر الى ذلك المستوى وتصبح منفعة شخصية وطمع في الحصول على رجل تركني وذهب
    أى امتهان للمعاني النبيلة والقيم العليا!!
    وكيف لا أبدو على تلك الصورة وأنا لم أنضم الى اللجنة الا بعد ظهور ياسر في حياتي!!
    لن يصدق أحد أننى كنت أحاول جاهدة اجتذابه الى اللجنة ونشاطاتها
    لن يصدق أحد أنني كنت بلهاء الى هذه الدرجة
    ولكن..
    كيف سقطت في تلك الخدعة؟
    ترى هل كنت تحت تأثير حيلة من الحيل النفسية مارسها علىّ عقلي الباطن؟
    هل احتال علىّ قلبي وأعماني عن رؤية حقيقة واضحة كالشمس
    هل كنت أعرف من هو ياسر وماذا يمثل ولكنى أرفض التصديق؟
    هل سيطر على حبي لياسر الى درجة أن أرفض تصديق أى شيء يبعدني عنه؟
    هل أنا مجنونة؟ أم مريضة نفسية؟
    ...................................
    اعتكفت في غرفتى زاهدة في الكلام مع أى مخلوق
    لكنني فوجئت بزيارة غير متوقعة من أيمن الى غرفتى
    كانت هذه هي المرة الأولي منذ وقت طويل التى يبادر فيها ويأتي الي
    كان يبدو عليه التردد والتوتر الشديد
    وكان كلامه غير منظم وكأنما لا يجد ما يقوله : لم أكن يوما بالأخ الصالح الذي يمكنك الاعتماد عليه, وكم من مرة خذلتك في مواقف كنت فيها أشد ما تحتاجين الى
    وكنت تحاولين أن تنصحيني وتساعديني بكل طريقة
    لا أخفي عليك, لقد أسعدني كثيرا اهتمامك بي, ومقالاتك التى كنت تكتبينها عني, لقد قرأتهم كلهم أكثر من مرة
    كانت حركات يديه وأصابعه تعبر بوضوح عن توتر بالغ
    أخرج إحدى سجائره من جيبه وأشعلها, كان يدخن بعصبية ملحوظة وهو يقول : أعلم أنه لا يحق لي قول أى شيء بعد أن خذلتكم وابتعدت بإرادتي عن حياتكم
    بل وارتكبت أخطاء فادحة كادت أن تهدم تلك الأسرة,
    أعلم أنني كنت أناني للغاية وسيء لأبعد الحدود
    والآن لا أستطيع أن أعدك أن أكون لك الأخ الذي تتمنينه
    ولكن ثقتي بك بلا حدود أن تعودي قوية كما كنتي وأن تتغلبي على أزماتك بشجاعة, فأنت أقوى منى بكثير
    وان كنت أنا أهملت من حولي وكسرت قلوبهم, وتبعت رغباتي دون مراعاة لمشاعر من حولي, لكنني متأكد أنك لن تفعلي مثلي, لأنك تدركين تماما أن هذا سيحطم قلب أمي, بل سيحطمنا جميعا
    ان شعورك بالمسئولية تجاه من حولك سيمنعك بالتأكيد من الجري خلف رغباتك الشخصية
    أعدك بأنني سأحاول ألا أكون أنانيا بعد الآن
    كان ياسر يعرفني جيدا
    يعرف خوفي وأمني, يعرف فرحي وحزني, ويعرف متى تنفجر براكين غضبي
    كنت بالنسبة اليه كالكتاب المفتوح, استطاع أن يقرأني من أول سطر
    يبدو هذا جليا الآن في كل تصرفاته معي عندما أفسرها بتفسيرها الصحيح
    كان يعرف جيدا متى يتكلم ومتى يسكت ومتى يقترب ومتى يبتعد ومتى يلقي بي في غيابات التجاهل
    بل كان يعرف ويفهم جيدا الأرض التى يقف عليها ويحيا فيها لم أشعر لحظة بأى فارق بيني وبينه, أو بينه وبين أى انسان يعيش في مصر
    بل ان اللكنة التى قد تظهر أحيانا في بعض حروفه وهو يتكلم أشبه بسكان بعض المحافظات
    كان ياسر واحد منا, يحب ما نحب ويكره ما نكره حتى الطرفات التى يقولها, هي التى نألفها جميعا
    أستطيع الآن أن أتذكر كيف تعلم أبي لغة أهل البوسنة في زمن قياسي
    كنت أسمعه دائما يقول : ان التقارب بين البشر ضرورى, ولا يكون مكتملا الا اذا أتقن أحدهما لغة الآخر وفهم كيف يفكر ويتصرف, وعاش حياته وتمثل مشاعره
    لم أفهم ياسر أبدا
    لم أفهم كيف يفكر ولا كيف يتصرف, رغم اعتقادي عكس ذلك
    ولم أفهم قضية غزة, ولم أفهم ما يحدث فيها ولا واجبنا تجاهها
    ان كان للمرء قضية يدافع عنها ويحيا لأجلها فعليه أن يفهمها جيدا من كل جوانبها
    وأنا لم أحاول أن أتعرف الى القضية وأبعادها
    لم أحاول أن أقترب أكثر وأقتحم الصورة الخارجية لألتحم بالدقائق والتفاصيل
    لم أفكر يوما أن أرى القضية بمنظار أهلها كما كان يفعل ياسر مع قضية المحلة وغيرها حتى صار لسانا يدافع عنهم ويتحدث عن مشاكلهم
    لم أعرف يوما غزة كما لم أعرف ياسر أبدا
    اكتشاف جديد في شخصيتي يضاف الى البلاهة والغباء
    وهو أنني آخذ الأمور بسطحية ولا أحاول البحث خلف الأشياء وداخل البشر
    والآن
    على إعادة بناء أسلوبي في التفكير من جديد وتصحيح طريقة نظرتي للأمور

    كنت أعتقد أن تأثير أيمن أخي الوحيد على قد انتهى
    لكن العجيب أنني أخذت بنصيحته هذه المرة
    كلامه معي ليلة أمس أعاد الأمور الى رأسي بشكلها الصحيح وهو يطلب منى أن أفكر جيدا قبل أن أتخذ أى قرار قد يحطم من حولي, فأنا لا أتبع أهوائي ولا أجري خلف رغباتي مثله, ولن أقع في مثل خطؤه
    كان وعده لي واضحا بأنه سيتخلى عن أنانيته وسيراعي مشاعر من حوله وبخاصة أنا
    السيد أيمن مصر أن يدخن سيجارته في غرفتي رغم علمه التام بمدى كراهيتي لرائحة السجائر
    عليك أن تفكري جيدا حتى لا تندمي فيما بعد
    أظن أن هذا هو أكثر القرارات التي فكرت فيها جيدا قبل أن أفعلها
    وخاصة بعد أن عرفت أن أخي العزيز الذي سيتخلى عن أنانيته ويرعى شئون أمه وأخته يعد العدة لهجرة جديدة الى أوروبا يعوض بها فشله في المرة السابقة
    لم يعد هناك أى تردد بداخلي
    القضية محسومة لدي منذ زمن بعيد
    وظن الآخرين في ونظرتهم الى لن تغير من حقيقة أن القضية هي قضية عمري
    كما كانت قضية البوسنة والهرسك هي قضية أبي التي عاش لأجلها واعتقل بسببها وقضى في سبيلها
    رؤيتي الآن أصبحت أوضح وأجلى , وما كان دور ياسر في حياتي الا أنه الحافز الذي منحنى الشجاعة والجرأة لأخوض مغامرة ستجر على المتاعب
    ولأفتح بابا أدرك تماما أن ما خلفه سيضعني في مواقف صعبة قد لا أستطيع تحملها وحدي
    كان ياسر هو الانسان الوحيد الذي استطاع كسر خوفي والأخذ بيدي نحو هذا الطريق الذي هو الآن طريق حياتي وعلى أن أقطعه وحدي
    وعند الفجر...
    كنت أنطلق بسيارتي مسرعة على طريق الاسماعيلية وقد هدأت نفسي تماما واستقرت نحو هذا الاختيار
    ومهما اعتقد الناس جميعا وظنوا أنني أجري خلف رجل لم ينطق أبدا بكلمة حب لي, ولا أدري حقيقة إن كان يحبني أم لا
    رجل لم يحدث بيني وبينه أى اتفاق أو ترتيب مسبق لأى شيء
    فيكفيني ثقتي بأن الله وحده يعلم نيتي وما أسعى اليه
    وحتى لو لم أراه مجددا
    أو لم تلتقي الوجوه كما كان يقول لي فسأسير على خطاه ولو لم يكن موجود معي

    وحتى لو كنت أخدع نفسي وأن ذهابي بالفعل هو من أجل رجل, فيكفي أن هذا الرجل هو ياسر
    ومن أجله قد أفعل أى شيء
    بل من أجل كل ما يمثله لي هذا الرجل من قيم ومبادئ وعقيدة ووطن
    وحتى لو لم أستطع أن أتجاوز الحدود والأسوار
    أو لو وصلت الى هناك ولم أجد له أى أثر على الاطلاق
    وحتى لو لم أجد سوى قبره
    فعلى أن أقطع هذا الطريق مهما حدث ويحدث وسيحدث


    تم بحمد الله الجزء الأول
    وأدعو الله أن ييسر لي ويوفقنى الى كتابة الجزء الثاني


  12. #42

    رد : الابتسامة الشجاعة...رواية طويلة

    رواية راااائعة تحمل الكثير من المعاني والقيم

    بانتظار الجزء الثاني أتمنى أن لا يطول انتظاره لأن نهاية هذا الجزء تجعلنا نتحرق شوقا للجزء الثاني

  13. #43

    رد : الابتسامة الشجاعة...رواية طويلة

    رواية جيدة حدا

    لكن هناك ملاحظة

    ألا يجب ان تتذكر أن ياسر قد ذهب لحضور حفل زفاف أخته حتى تعرف أنه من غزة

  14. #44
    عضو جديد
    تاريخ التسجيل
    01 2011
    المشاركات
    38

    رد : الابتسامة الشجاعة...رواية طويلة

    ليس لدى القدرة على القراءة الالكترونية
    وأحب القراءة من الكتب
    هل الرواية متوفرة في المكتبات ويمكننا شرائها

  15. #45
    عـضـو
    تاريخ التسجيل
    12 2009
    المشاركات
    115

    رد : الابتسامة الشجاعة...رواية طويلة

    أختى الغالية مشروع شهيدة
    جزاكي الله خيرا للقراءة والتعليق
    وادعيلي
    فلم أكتب الجزء الثاني بعد

  16. #46
    عـضـو
    تاريخ التسجيل
    12 2009
    المشاركات
    115

    رد : الابتسامة الشجاعة...رواية طويلة

    الأخ الفاضل البركان القسامي
    ملاحظة جيدة
    لكن الانسان عندما يركز كل تفكيره ومشاعره في جزئية واحدة فهو لا يستطيع أن يلاحظ الصورة مكتملة صحيحة
    لكانت أميرة دائما تنظر للأمور من وجهة نظرها وبمشاعرها دون الانتباه لأن للموقف وجهة نظر أخرى

  17. #47
    عـضـو
    تاريخ التسجيل
    12 2009
    المشاركات
    115

    رد : الابتسامة الشجاعة...رواية طويلة

    أختى فيوليت
    مع الأسف لا
    دعواتك معايا ربنا يكرم ويفتح عليا بالنشر

  18. #48

    رد : الابتسامة الشجاعة...رواية طويلة

    هل سننتظر طويلا أم ماذا ؟؟

  19. #49
    عـضـو الصورة الرمزية غيث وبلسم
    تاريخ التسجيل
    01 2011
    الدولة
    فى الفردوس الاعلى بمشيئة الله
    العمر
    20
    المشاركات
    230

    رد : الابتسامة الشجاعة...رواية طويلة

    مشكورة أختى قرأت البعض منها الظاهر انهاا جميلة ولكن لا وقت لدى الان ساكمل القراءة فى وقت لاحق "جزيت خيرا"

  20. #50
    عـضـو
    تاريخ التسجيل
    12 2009
    المشاركات
    115

    رد : الابتسامة الشجاعة...رواية طويلة

    الأخ الفاضل البركان القسامي

    والله لم أكتب الجزء الثاني بعد
    دعواتكم معايا بالعون والفتح

  21. #51
    عـضـو
    تاريخ التسجيل
    12 2009
    المشاركات
    115

    رد : الابتسامة الشجاعة...رواية طويلة

    اختى الغالية غيث وبلسم
    جزانا واياكم
    ولك مودتي وتقديرى

  22. #52
    كاتب وأديب
    تاريخ التسجيل
    04 2009
    الدولة
    دمشق/سورية
    العمر
    73
    المشاركات
    1,246

    رد : الابتسامة الشجاعة...رواية طويلة

    الأخت سامية
    هل تراك قرأت ردي وقراءتي لروايتك في (أخواتي وأخوتي)..؟
    لم أسمع منك صدى، فقلت أسألك
    تحياتي
    ع.ك

  23. #53

    رد : الابتسامة الشجاعة...رواية طويلة

    مللنا وسئمنا وكل شيء

  24. #54

    رد : الابتسامة الشجاعة...رواية طويلة

    يفترض أن من ينشر شيئا لا ينشره حتى يكتمل

    وما زلنا في إنتظار

  25. #55
    عضو تحت الإشراف
    تاريخ التسجيل
    06 2011
    المشاركات
    1

    رد : الابتسامة الشجاعة...رواية طويلة

    رواية أكثر من رائعة تجارى ما يحدث فى العصر من مشاكل سياسية وغيرها.
    أتمنى أن تنتهى من كتابة الجزء الثانى لأنى على أحر الشوق لقرائته.

 

 
صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

تعليقات الفيسبوك



ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •