سجل عضوية جديدة

أهلاً بكـ في شبكة فلسطين للحوار... شاركنا وبادر بالتسجيل ...

النتائج 1 إلى 23 من 23
  1. #1
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    06 2011
    المشاركات
    1,998

    التدرج في تطبيق الشريعة الاسلامية ....بحث !!!!

    التدرج في تطبيق الشريعة الاسلامية

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله الذي أعطى كل شيء خلقه، ثم هدى، والصلاة والسلام على عبده ونبيه المصطفى، الذي بلغ الرسالة ، وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، فوضع الناس على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ورضي الله عن آله الطيبين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم وسار على هديهم إلى يوم الدين.
    أما بعد : فإن الله عز وجل بعث رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق على فترة من الرسل، زاغت فيها الآراء، وتشعبت فيها الأهواء، وضل فيها أكثر الناس عن الحق، فكان ردهم إليه واجباً، وإرشادهم إليه لازماً، لكيلا يكون لأحد على الله حجة بعد هذا.

    أقدم هذا البحث بعنوان التدرج في تطبيق الشريعة الاسلامية ، حيث اناقش المحاور التالية مستدلا بالأدلة من الكتاب والسنة ، وباقوال أهل العلم .

    -مقدمة
    - تعريف التدرج: التدرج في اللغة والتدرج في التشريع
    - المقصود بالتدرج في التطبيق
    - مسوغات التدرج في التطبيق

    أولاً : منهج القرآن الكريم في التدرج
    ثانياً: منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في التدرج
    ثالثاً : عمل الخلفاء في التدرج في التطبيق
    رابعاً : المعقول

    1 – التدرج سنة في الكون
    2 – فعل الممكن
    3 – التطبيق الجزئي سبيل للتطبيق الكلي
    4 – مراعاة الواقع
    5 – التدرج في الأنظمة الوضعية
    6 – مقابلة البناء بالهدم
    خامساً : السياسة الشرعية في التدرج
    سادساً : تغير الفتوى بحسب الأحوال

    وفقكم الله وهدانا واياكم لما يحب ويرضى وثبتنا واياكم على دين الله تعالى
    أبوبلال
    الأربعاء 14 ذو القعدة 1429هـ
    الموافق: 12/11/2008م

  2. #2
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    06 2011
    المشاركات
    1,998

    رد : التدرج في تطبيق الشريعة الاسلامية ....بحث !!!!


    مقدمة .... الغاية والوسيلة:
    إن تطبيق الشريعة الإسلامية اليوم هو الهدف الأساسي للمسلمين، وهو الغاية المبتغاة لكل مؤمن، وإليه يعمل الدعاة والعلماء والمصلحون وبعض الحكام، وكل مخلص لدينه وأمته، وهو أمل المسلمين بعد إلغاء الخلافة الإسلامية منذ ثلاثة أرباع القرن، وغياب التشريع الإسلامي كلياً أو جزئياً في معظم البلاد الإسلامية، ولذلك تظهر الدعوات والصيحات، وتعقد الندوات والمؤتمرات للعودة إلى تطبيق الشريعة عملياً في الحياة.
    هذا هو الهدف،
    أما الوسيلة لذلك فتأخذ مسارات متعددة، ولعل من أهمها وسيلة التدرج في التطبيق، وهو أمر شرعي مطلوب كوسيلة ومنهج، كما كان مقرراً ومنهجاً في التدرج في التشريع، وأنه أمر منطقي وفطري وواقعي تفرضه الظروف الراهنة، كما سنرى.

    يقول الدكتور عجيل النشمي: "فالتدرج وسيلة لا غاية" ثم يقول: "إن التدرج مجرد أسلوب ووسيلة، فهو وسيلة بحد ذاته، وليس هدفاً أو غاية يسعى لها، فيستخدم هذا الأسلوب حيث لا يمكن الوصول إلى الغاية إلا به".

    ويجب تجنب السرعة والتهور والقفز المباشر دفعة واحدة، خشية العواقب السيئة التي يغلب وقوعها، نتيجة للمعوقات الكثيرة التي تعترض تطبيق الشريعة.

    • المقصود بالتدرج

    1- المعنى اللغوي:

    قال ابن فارس: الدال والراء والجيم أصل واحد يدل على مضي الشيء، والمضي في الشيء، ومن ذلك قولهم: درج الشيء، إذا مضى لسبيله، ورجع فلان أدراجه، إذا رجع في الطريق الذي جاء منه. ودرج الصبي، إذا مشى مشيته

    والتدرج: أخذ الشيء قليلاً قليلاً.

    قال الراغب: "سنستدرجهم" معناه نأخذهم درجة فدرجة، وذلك إدناؤهم من الشيء شيئاً فشيئاً، كالمراقي والمنازل في ارتقائها ونزولها. ومقصودنا بالتدرج هنا الأخذ بالأحكام شيئاً فشيئاً. والبدء بالأيسر ثم ما يليه حتى يسهل على الناس اتباع هذا الدين العظيم.

    التدرج في التشريع:-

    ظهر الإسلام بين العرب وقد تأصلت في نفوسهم غرائز لا يسهل اقتلاعها طفرة، وإلا لأدى ذلك إلى الحرج، من أجل ذلك نزل القرآن منجماً، قال -تعالى- (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً) . وجاءت أحكامه التكليفية تباعاً بعد حدوث أسباب تقضيها، كي يكون ذلك أوقع في النفس وأقرب إلى الانقياد، وتتهيأ النفوس بالحكم السابق لتلقي الحكم اللائق فيسهل عليه الأمر وكثيراً ما سلك التشريع التدرج في حكم الشيء الواحد، والانتقال به من حالة إلى حالة أخرى، إلى أن يصل إلى الحكم النهائي، فم يكن التدرج مقتصراً على التشريعات الكلية.


    والتدرج في التشريع: هو نزول الأحكام الشرعية على المسلمين شيئاً فشيئاً طوال فترة البعثة النبوية حتى انتهى بتمام الشريعة وكمال الإسلام.

    المقصود بالتدرج في التطبيق:

    يقصد من التدرج في التطبيق أمران:

    الأول : بيان الأحكام الشرعية للناس شيئاً فشيئاً، لتتم معرفتهم، واستيعابهم لها، وإدراكهم لحقيقتها، والتدرج فيها من الأيسر إلى ما يليه، ومن السهل إلى الأشد، ومن القريب لأذهانهم إلى ما بعد عنهم، حتى ينخرطوا في دين الله وشرعه، ويقتنعوا به، ويلتزموا بأحكامه فكراً وسلوكاً، وهذا واجب العلماء والدعاة خاصة، وواجب كل مسلم عامة.

    الثاني : وضع الأحكام الشرعية في أنظمة وقوانين للانتقال بالامة والمجتمع والدولة من الأنظمة والقوانين الوضعية والمطبقة عملياً إلى الأنظمة والقوانين المستمدة من الشريعة السمحة، ليسود دين الله وشرعه في التعامل وسائر شؤون الحياة، وهذا يعني عدم تطبيق الشريعة فجأة أو دفعة واحدة، أو استعجال الأمر، بل يوجب وضع الخطوات المدروسة في سبيل ذلك لتأمين النجاح أولاً، والاستمرار ثانياً.

    وهذا واجب المختصين في الشريعة، والمختصين في التنظيم وإعداد المشروعات، وواجب الحكام وأولي الأمر.

    وهذا يقتضي وجوب التعاون بينهم، مع السعي الحثيث والجاد لتطبيقه وتنفيذه، ومع حسن النية في ذلك، وإخلاص القصد لله تعالى، والتوجه إليه بطلب العون والتوفيق والسداد.

    فالتدرج في التطبيق هو تطبيق جزئي لبعض الأحكام الشرعية التي تهيأت الظروف المناسبة لها، ثم السعي لتهيئة المجال لتطبيق الجزء الثاني من الأحكام، وهكذا حتى يتم تطبيق الشريعة كاملة في الحياة والمجتمع، على أن يتم أثناء ذلك بيان المبادئ الأساسية في سائر الأحكام، وخاصة المحرمات التي يوجه الناس إلى تركها والامتناع عنها ريثما يتم معالجتها وتطبيق الأحكام الشرعية فيها، فإذا انتهت مراحل التدرج تحقق فعلاً تطبيق الشريعة بعون الله وتوفيقه.

    إن العمل على تطبيق الشريعة الإسلامية منوط بالدولة والحكام رسمياً، وهو من المهام الجسام، والوظائف المقدسة، وإن التدرج في التطبيق من أهم الوسائل التي تستخدمها لتحقيق تلك الغاية الشريفة.

    وإن مسوغات الدولة في التدرج لتطبيق الشريعة الإسلامية كثيرة وعديدة، وخصصنا هذا المبحث لعرضها.

  3. #3
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    06 2011
    المشاركات
    1,998

    رد : التدرج في تطبيق الشريعة الاسلامية ....بحث !!!!

    أولاً : منهج القرآن الكريم في التدرج:

    الآيات الكريمة التي تدل على مشروعية التدرج في التشريع منها، قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم، واسمعوا وأطيعوا) التغابن/16،

    وقوله تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) البقرة/185،

    وقوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) الحج/78،

    وقوله تعالى: (الذين يتبعون النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) الأعراف/157.

    وهذه الآيات الكريمة :
    تدل على التدرج في التشريع الأول،
    وتدل ثانياً على التدرج في العودة إلى التطبيق في كل وقت.

    ونؤكد على ذلك بذكر بعض الآيات الأخرى:

    1 – قال الله تعالى: (ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) النحل/125.

    قال القرطبي: "هذه الآية نزلت بمكة في وقت الأمر بمهادنة قريش، وأمره أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف ولين، دون مخاشنة وتعنيف، وهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة، فهي محكمة من جهة العصاة من الموحدين، ومنسوخة بالقتال في حق الكافرين، وقد قيل: إن من أمكنت معه هذه الأحوال من الكفار، ورجي إيمانه بها دون قتال فهي فيه محكمة"،

    وقال القاسمي: "بالمقالة المحكمة الصحيحة، وهو الدليل الموضح للحق الذي لا شبهة فيه، والعبر اللطيفة، والطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين وحسن الخطاب من غير عنف فإن ذلك أبلغ في تسكين لهبهم" .

    وإن الله تعالى حكيم يضع الأشياء في محلها، وأمر بالحكمة في آيات كثيرة،
    وإن التدرج في التطبيق من لوازم الحكمة التي عرفها ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى فقال: "فعل ما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، وعلى الشكل الذي ينبغي".

    ولا ينكر أحد أن التدرج في التطبيق من الحكمة التي يجب على الحكام مراعاتها، والعمل بموجبها.

    2 – قال الله تعالى: (قل هذه سبيلي، أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، وسبحان الله، وما أنا من المشركين) يوسف/108.

    قال القرطبي: "أي قل يا محمد: هذه طريقتي وسنتي ومنهاجي..، ودعوتي..، وديني، أي الذي أنا عليه، وأدعو إليه، يؤدي إلى الجنة، "على بصيرة" أي على يقين وحق".

    وإن العمل على تطبيق الشريعة ينبغي أن يكون على بصيرة من الأمر، ودراية في أحواله.

    3 – قال تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم، وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض، كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً) النور/55.

    قال أبو العالية: "مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين بعد ما أوحي إليه خائفاً هو وأصحابه، يدعون إلى الله سراً وجهراً، ثم أمر بالهجرة إلى المدينة...، وقال قوم: هذا وعد لجميع الأمة في ملك الأرض كلها تحت كلمة الإسلام..، واستخلافهم هو أن يملكهم البلاد، ويجعلهم أهلها...، "وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم" وهو الإسلام".

    وهذا الاستخلاف والتمكين، والتبديل للأمن لا يتم إلا بالتدرج في التطبيق شيئاً فشيئاً، وهو ما حصل قديماً مع المسلمين أكثر من مرة، ويحصل مع غيرهم أيضاً.

  4. #4
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    06 2011
    المشاركات
    1,998

    رد : التدرج في تطبيق الشريعة الاسلامية ....بحث !!!!

    ثانياً: منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في التدرج:

    من تتبع منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في التدرج التشريعي من الناحية القولية في أحاديث كثيرة ،
    ومن الناحية الفعلية العملية في ممارسة الدعوة أولاً فأولاً، وخطوة فخطوة، وأنه بنى المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية لبنة لبنة، وحجراً حجراً حتى اكتمل البناء، ثم أرسل البعوث والرسل لدعوة الشعوب والحكام خارج الجزيرة العربية.

    ووردت أحاديث كثيرة تدل على سماحة الإسلام، والتيسير فيه، والسهولة المحمودة في أحكامه،
    نذكر طرفاً منها:

    1 – قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن دين الله يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه"
    رواه البخاري (1/23) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

    فأحكام الدين يسيرة، وتطبيقها يسير، والمنهج للعمل بها يسير، وإن التشدد فيه يؤدي إلى عكس النتائج،
    قال النووي رحمه الله: "إلا غلبه: أي الدين، وعجز ذلك المشاد عن مقاومة الدين لكثرة طرقه" رياض الصالحين بشرح نزهة المتقين 1/168

    2 – عن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما خيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً" هذا الحديث رواه البخاري (3/1306) ومسلم (15/109) وأحمد (6/85, 113).

    فالتخيير بين أمرين من الأحكام والتكاليف والأعمال يقتضي اختيار الأسهل على الناس والمكلفين للأخذ بيدهم إلى الاستجابة وحسن التطبيق والالتزام.

    3 – قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن هذا الدين متين، فأوغلوا به برفق" هذا الحديث رواه الإمام أحمد (3/199)،

    وهذا أمر للأفراد أن يسيروا بالدين برفق ويسر، وبدون تكلف وتشدد ومغالاة تؤدي بهم إلى الانقطاع وترك العمل، ويكون ذلك بالنسبة للدولة والحكام وأولي الأمر بالأولى أن يأخذوا الناس باللين والتدرج.

    قال الغزالي: "أراد بهذا الحديث أن لا يكلف نفسه في أعماله الدينية ما يخالف العادة، بل يكون بتلطف وتدريج، فلا ينتقل دفعة واحدة إلى الطرف الأقصى من التبدل، فإن الطبع نفور ولا يمكن نقله عن أخلاقه الرديئة إلا شيئاً فشيئاً حتى تنفصم تلك الصفات المذمومة الراسخة فيه، ومن لم يراع التدرج، وتوغل دفعة واحدة ترقى إلى حالة تشق عليه فتنعكس أموره، فيصير ما كان محبوباً عنده ممقوتاً، وما كان مكروهاً عنده مشرباً هنيئاً لا ينفر منه، وهذا لا يعرف إلا بالتجربة والذوق" فيض القدير 2/544.

    4 – روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه" هذا الحديث رواه البخاري (6/2658) ومسلم (15/109).
    فالأمر بأداء الأوامر والأعمال يكون حسب الاستطاعة مع بذلك الوسع في ذلك، وقال بعض أهل العلم: يؤخذ منه أن النهي أشد من الأمر، لأن النهي لم يرخص في ارتكاب شيء منه، والأمر قيد بحسب الاستطاعة،
    وروي هذا عن الإمام أحمد رحمه الله، وقالت طائفة: لأن الامتثال للأمر لا يحصل إلا بعمل، والعمل يتوقف وجوده على شروط وأسباب، وبعضها قد لا يستطاع، ولذلك قيده بالاستطاعة، كما قيد الأمر بالتقوى بالاستطاعة، قال الله عز وجل: (فاتقوا الله ما استطعتم) التغابن/16، وتأكد ذلك بما رواه ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "استقيموا ولن تحصوا" هذا الحديث رواه أحمد (5/277،282) وابن ماجه (1/101) والحاكم (1/130)، يعني لن تقدروا على الاستقامة كلها ، جامع العلوم والحكم 1/257, 268, 270 .

    5 – عن عائشة رضي الله عنها الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين، باباً شرقياً وباباً غربياً، فبلغت به أساس إبراهيم" هذا الحديث رواه البخاري (فتح الباري 1/324 نشر دار المعرفة) ومسلم (9/88، 90) وأحمد (6/106،176،179).

    وهذا من أصرح الأدلة على التدرج في التطبيق،لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك هذا الأمر، الذي يراه الأفضل دفعاً للمفسدة التي قد تقع من المسلمين لقرب عهدهم بالإسلام، وتأثرهم بما ألفوه في بناء البيت، فيكون التغيير منفراً لهم، ومفسدة في دينهم، فدرء المفسدة مقدم على تحقيق المصلحة.

    ومن تتبع الأحاديث الشريفة وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأكد من مشروعية التدرج في التطبيق، ويدرك مسوغاته كاملة

  5. #5
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    06 2011
    المشاركات
    1,998

    رد : التدرج في تطبيق الشريعة الاسلامية ....بحث !!!!

    ثالثاً : عمل الخلفاء في التدرج في التطبيق:

    حرص الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم على تطبيق الشريعة كاملة، كما عمل سائر الخلفاء على الالتزام بشرع الله، ولكن الظروف والأحوال لم تكن على وتيرة واحدة، ولم تقتصر على الحالة التي كانت في العهد النبوي، فاقتضت الحكمة والفهم العميق للدين على تطبيق الأحكام بصورة تتفق مع العصر والأحداث،
    ونقتصر على ذكر مثالين من الخلفاء يدل عملهما على أخذ التدرج في التطبيق بعين الاعتبار.

    – منهج عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

    إن تطبيق الأحكام الشرعية يتوقف على وجود أسبابها، وتوفر شروطها، وانتفاء موانعها، وحدثت في عصر عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقائع غريبة دفعته إلى الاجتهاد في تطبيق بعض الأحكام فيها،

    ونذكر ثلاثة منها:-

    أ – منع عمر رضي الله عنه تقسيم الأراضي المفتوحة على المجاهدين الفاتحين الذين طالبوا بتقسيمها حسب ظواهر النصوص في القرآن والسنة في تقسيم الغنائم، وخشي انشغال المجاهدين بزراعة الأرض والعمل بها عن مثابرة الجهاد، وأدرك أن هذه الأراضي تتعلق بها حقوق المسلمين عامة حاضرهم وآتيهم في المستقبل، فإذا تملكها الفاتحون حرمت الأجيال الآتية منها، مع ثبوت حقهم أيضاً فيهم بالنص الذي احتج به عمر في قوله تعالى: (والذين جاءوا من بعدهم) الحشر/10، فقرر ترك الأرض في يد أهلها، وفرض عليهم ضريبة الخراج، وهذا أصلح لإحيائها، وأعم وأدوم لنفعها وانتفاع سائر المسلمين بها، وفتح عمر t باباً جديداً لتطبيق أحكام الفيء والغنيمة والخراج، وخالفه بعض الصحابة، ثم وافقوه على ذلك، وأجمعوا على رأيه
    ( المدخل الفقهي العام، الزرقاء 1/161).

    ب – منع عمر رضي الله عنه المؤلفة قلوبهم من سهم الزكاة، لأنه وجد أن الغاية قد فقدت في زمنه بدفع الزكاة لهم، لأن دين الله تعالى ظهر، والأمر قد استقر، ولم يجد في عصره من يستحق التأليف في نظره، ولم يبق دور للمؤلفة قلوبهم الذين كانوا يأخذون هذا السهم عندما كان الإسلام ضعيفاً وأراد أن يؤلفهم، فلما قويت دولة الإسلام زال السبب إلى إعطائهم، ولم يبق للإسلام حاجة في تأييدهم، بل صاروا على العكس في حاجة إلى الاعتزاز به، وبذلك فقد تغيرت الحاجة والمصلحة، وفقد السبب، فتغير الحكم لفقدان سببه أو توفر شرطه( المدخل الفقهي العام 1/159).

    ج – وقف عمر رضي الله عنه تنفيذ حد السرقة في عام المجاعة، المسمى عام الرمادة، واكتفى بتعزيز السارق، كما منع تطبيق الحد على العبيد الذين سرقوا بسبب الجوع نتيجة لبخل سيدهم وتجويعهم، واعتبر ذلك شبهة تدرأ الحد، لقوله صلى الله عليه وسلم "ادرؤوا الحدود بالشبهات"
    (هذا الحديث رواه الترمذي مرفوعاً وموقوفاً (4/688) وابن ماجه (2/850) والحاكم (4/284) والبيهقي (8/238) وانظر: التلخيص الحبير لابن حجر 4/56، نيل الأوطار للشوكاني 7/110.)،
    ويؤيد ذلك ما ثبت في السنة أن صاحب بستان جاء بسارق سرق شيئاً من سنابل القمح من بستانه، وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع يده، وبعد التحقيق عرف النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي دفعه للسرقة إنما هو الجوع، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صاحب البستان، وقال موبخاً له: "ما علمته إذ كان جاهلاً، ولا أطعمته إذ كان جائعاً، أردد عليه كساءه"
    ( هذا الحديث رواه أبو داود (3/265 ترقيم محمد عوامة) والترمذي (8/240) وابن ماجه (2/771). )،
    فكان عمررضي الله عنه يجتهد في تطبيق شروط العقوبة، وانتفاء موانعها (المدخل الفقهي العام 1/160).

    وهكذا يظهر أن الإمام يبحث عن أسباب الأحكام فإن وجدت رتب الحكم عليها وإلا منع تطبيق الحكم، وكذلك يبحث في الشروط فإن تورت نفذ الحكم، وإلا امتنع التطبيق، ويبحث عن موانع الحكم فإن وجد المانع انتفى الحكم، وهذا مطلوب من كل حاكم وخليفة وإمام للمسلمين فيجتهد في التدرج في تطبيق الأحكام بحسب ما يراه من مصلحة الأمة، لأنه موظف لحفظ الدين والدنيا، وتصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة.

    2 – منهج عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى:

    ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة سنة 99هـ، وقد وقع قبله كثير من الأخطاء والانحراف والظلامات، والابتعاد عن شرع الله وأحكامه، فأراد عمر رحمه الله تعالى أن يصلح الأمور، ويعيد تطبيق الأحكام الشرعية كاملة، واتخذ مبدأ التدرج في تطبيق الأحكام الشرعية منهجاً له، ولذلك يصلح منهجه في ذلك أن يكون مثالاً ومثلاً مباشراً لعصرنا الحاضر.

    وسار عمر بن عبد العزيز رحمه الله على هذا المنهج عملياً في الإسلاح، وصرح به فقال: "لو أقمت فيكم خمسين عاماً ما استكملت فيكم العدل، إني لأريد الأمر وأخاف أن لا تحمله قلوبكم، فأخرج معه طمعاً من الدنيا، فإن أنكرت قلوبكم هذا سكنت إلى هذا" ( تاريخ الخلفاء، للسيوطي ص 218).

    فيرى عمر بن عبد العزيز أنه يحتاج إلى مدة طويلة لإعادة الأمور إلى مجاريها، وإقامة العدل الذي يطلبه الشرع، وأنه يسعى لذلك شيئاً فشيئاً حتى ولو تسامح مع الناس في المباحات، وتوسع معهم فيها حتى يستدرجهم إلى التزام الأوامر والطاعات، وترك المناهي والمحرمات، ويقول: "ما طاوعني الناس على ما أردت من الحق، حتى بسطت لهم من الدنيا شيئاً" (حلية الأولياء 5/290.

    ويؤكد عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى على منهجه في حواره مع ابنه عبد الملك وكان شاباً تقياً ورعاً متحمساً، ويرغب من والده أن يسرع في الإصلاح، ويقيم الحق والعدل دفعة واحدة مهما كانت النتائج والعواقب، فيقول لأبيه: "يا أبت، مالك لا تنفذ الأمور؟ والله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق" فيجاوبه والده بحكمة، ويرشده إلى المنهج الإلهي في التغيير والإصلاح، فيقول له: "لا تعجل يا بني، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة، وأنا أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة فيدعونه جملة، ويكون من ذلك فتنة" (العقد الفريد 1/14، في فقه الأولويات ص93، عن الموافقات للشاطبي 2/93. )،
    فالخليفة الراشد يريد أن يعالج الأمور بحكمة وتدرج على هدي القرآن الكريم في تحريم الخمر، وذلك جرعة جرعة، ليمضي بهم إلى الغاية المنشودة خطوة خطوة
    ( في فقه الأولويات ص93. ).

    ويعود الحماس مرة ثانية إلى الولد البار المتقد إيماناً، ويعاود سؤال أبيه، فيقول: "يا أمير المؤمنين، ما أنت قائل لربك غداً إذا سألك، قال: رأيت بدعة فلم تمتها، وسنة فلم تحيها؟" فيسر الوالد الخليفة بابنه ويدعو له بخير، ويذكره بالمنهج القديم في الإصلاح، وهو التدرج في التطبيق، والعمل بتؤدة شيئاً فشيئاً دون كلل ولا ملل، فيقول له: "رحمك الله، وجزاك من ولد خيراً، والله لأرجو أن تكون من الأعوان على الخير يا بني، إن قومك قد شدوا وهذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتى أريد مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا على فتقاً تكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا أهون علي من أن يراق في سببي محجمة من دم" ثم قرر المبدأ والمنهج الذي يسير عليه فقال: "أو ما ترضي أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة، ويحيي فيه سنة، حتى يحكم الله بيننا وبين قومنا بالحق، وهو خير الحاكمين" ( عن حلية الأولياء 5/282، وصفة الصفوة لابن الجوزي 2/128.).

    وفي مقابلة ثانية، وحوار آخر بين عبد الملك وأبيه، يعلن الخليفة الراشد منهجه في الإصلاح، ويرشد ابنه إلى منهج القرآن في التدرج، والحكمة في تطبيق الأحكام على الوقائع، فيقول له: "يا بني، إن نفسي مطيتي، إن لم أرفق بها لم تبلغني، إني إن أتعبت نفسي وأعواني لم يكن ذلك إلا قليلاً حتى أسقط ويسقطوا، وإني أحتسب في نومتي من الأجر مثل الذي أحتسب في يقظتي، وإن الله جل ثناؤه لو أراد أن ينزل القرآن جملة واحدة لأنزله، ولكنه أنزل الآية والآيتين حتى استكمل في قلوبهم، ثم قال: يا بني، ما أنا فيه أمر هو أهم إلي من أهل بيتك، هم أهل العدة والعدد، وقبلهم ما قبلهم، فلو جمعت ذلك في يوم واحد خشيت انتشاره علي، ولكني أنصف الرجل والرجلين، فيبلغ ذلك من وراءه فيكون أنجح له، فإن يرد الله إتمام هذا الأمر أتمه، وإن تكن الأخرى فحسب عبد أن يعلم أنه يحب أن ينصف جميع رعيته" ( سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص106. ).

    فالخليفة الراشد يعلم الهدف والغاية، ويحب الوصول إليها، ولكنه يحذر من الطفرة في العمل، والفجأة في التغيير، ويستفيد من التجارب، ويلتزم التدرج في التغيير، لتطبيق الحق والعدل، مرحلة فمرحلة حتى يتم الله الأمر، ولذلك اعتبر خامس الخلفاء الراشدين، وأصبح مثلاً سامياً لكل من يريد الإصلاح بعد الفساد، وتطبيق الشريعة بعد التنكر لها، أو التنكب عنها، أو الإعراض عن الالتزام بها.

    وهذا المنهج في التدرج لإعادة تطبيق الشريعة هو ما سار عليه كثير من الخلفاء والسلاطين والولاة في الدولة الإسلامية، سواء كان ذلك من خلفاء بني العباس كالمنصور، والرشيد، والمقتدر بالله، أم من خلفاء الدولة الأموية في الأندلس، أو غيرهم كالسلطان نور الدين الزنكي، وصلاح الدين الأيوبي وهو ما يراه بعض الحكام المسلمين في عصرنا الحاضر الذين يتجهون صوب الشريعة لتطبيقها وإعادتها إلى الحياة في بلاد المسلمين.

  6. #6
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    06 2011
    المشاركات
    1,998

    رد : التدرج في تطبيق الشريعة الاسلامية ....بحث !!!!


    رابعاً : المعقول :

    إن منهج التدرج في التطبيق منهج منطقي وعقلي، وتقضيه الحكمة، ويدعو إليه المفكرون والمصلحون والحكماء ويتفق مع الطباع السليمة،
    ويظهر ذلك في النقاط التالية:

    1 – التدرج سنة في الكون:

    إن التدرج في الحياة عامة سنة من سنن الله عز وجل في هذا الكون، وأن الله تعالى أقام الأسباب ورتب عليها المسببات والأحكام، وأن بعضها يتدرج إثر بعض، ويعتمد وجود بعضها على وجود الآخر، وأن المقدمات تسبق النتائج، لتكون الأمور منطقية وعقلية، ليتدرب الناس على هذا المنهج الإلهي في الكون، ويقتفون خطاه في الحياة، فالمسبب لابد له من سبب، والنتيجة لا تتحقق بدون مقدماتها، وإذا عدم السبب عدم المسبب، وإذا فقدت المقدمة انعدمت النتيجة.

    فالإنسان يزرع ليحصد، ويتزوج لينجب ويستمر النسل، والمطر ينزل ليخرج النبات، والرياح تجري لتلقح الأشجار، ويتشكل السحاب ليخرج الودق من خلاله ويهطل على الأرض، وهذا يؤكد وجوب التدرج والتتابع في الأعمال لتحقيق الوصول إلى الغايات.

    2 – فعل الممكن :

    إن المسلم عامة، والحاكم خاصة لا يكلف شرعاً إلا بما يمكنه، وهذا الإمكان متتابع، ويتم مع الزمن، وليس له قدرة خارقة، ليكون عمله "كن فيكون" بل يجتهد ويسعى للوصول إلى هدفه بحسب إمكانه.

    يقول ابن تيمية رحمة الله تعالى: "فالواجب على المسلم أن يجتهد وسعه، فمن ولي ولاية يقصد بها طاعة الله وإقامة ما يمكنه من دينه ومصالح المسلمين، وأقام فيها ما يمكنه من ترك المحرمات، لم يؤاخذ بما يعجز عنه، فإن تولية الأبرار خير للأمة من تولية الفجار".


    3 – التطبيق الجزئي سبيل للتطبيق الكلي:

    إن التدرج في التطبيق يعني إقامة الشرع جزءاً فجزءاً، فإذا حانت الفرصة واستكملت عناصر جانب من الشرع فيجب تطبيقه والعمل به، ولا يجوز تأجيله وتأخيره لاستكمال جميع الجوانب التي لا ترتبط به ارتباطاً مباشراً.

    يقول الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله تعالى عن العقوبات الشرعية مثلاً: "فإذا لوحظ أن تطبيق عقوبة الحدود الأربعة أصبح متعذراً في زمان أو مكان، فمن الممكن تطبيق عقوبة أخرى، ولا يوجب هذا ترك الشريعة أجمع"
    ( المدخل الفقهي العام 1/51، وقد توفي المؤلف رحمه الله أثناء كتابة هذا البحث يوم السبت في 20/3/1420هـ ).

    ويقول عن مشكلة الربا والفائدة في المعاملات التجارية وأعمال المصارف: "إن هذه المشكلة يمكن حلها في مبادئ الشريعة بطرق عديدة، إما بالاستناد إلى قاعدة الضرورات أو الحاجات والتدابير الاستثنائية الموقوتة إلى أن يقام في المجتمع الإسلامي نظام اقتصادي متجانس يغني الناس عن الالتجاء إلى نظام الفائدة" ( المدخل الفقهي العام 1/51 ).

    وهذا يؤيد الدعوة إلى الالتزام المرحلي بالأحكام، ليتم التطبيق الكلي والكامل،
    ويقول الأستاذ توفيق علي وهبة: "وليس معنى دعوتنا إلى تطبيق الإسلام كاملاً هو الانتظار لحين تغيير كل القوانين والنظم مرة واحدة، ولكن نبدأ في العودة إلى التشريع الإسلامي، وتطبيق ما يتم إنجازه من قوانين أولاً بأول، إلى أن يتم تطبيق الشريعة الإسلامية تطبيقاً كاملاً
    ( الإسلام شريعة الحياة، ص10 ).

    4 – مراعاة الواقع:

    إن واقع المسلمين اليوم يختلط فيه الحلال مع الحرام، وتتعدد فيه القوانين والأنظمة المختلطة من الشريعة الإسلامية، ومن غيرها، وإن المجتمع اليوم لا يمكن تسميته مجتمعاً إسلامياً، وبالتالي فلا يمكن تطبيق الأحكام الشرعية عليه دفعة واحدة، ولابد من التدرج والروية.

    يقول الدكتور عجيل النشمي: "وإذا كان من المستحيل أن يطبق هذا النظام على مجتمع لا يدين بالإسلام، فإنه من العسير تحقيق أحكام هذا القانون في مجتمع إسلامي تكدرت فيه بعض المشارب الأسرية والاجتماعية، وبعدت عنه في بعض النواحي، فلابد من إزالة هذا الكدر، وتقريب هذا البعد حتى يزاول التشريع الإسلامي مهمته" .

    وإن كثيراً من المسلمين: أفراداً وجماعات يتفاوتون في معرفة الشرع والتمسك بأحكامه، وكثير منهم لا يعرف من الإسلام إلا اسمه، وبعضهم يقتصر على العبادات، وبعضهم يلتزم بمجرد الأخلاق، وأغلبهم لا يطبق أحكام الشرع، فكانت الحكمة والمنطق والعقل يفرض وضع الجداول الزمنية لتطبيق الشريعة، للأخذ بيد هؤلاء نحو التطبيق خطوة خطوة.

  7. #7
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    06 2011
    المشاركات
    1,998

    رد : التدرج في تطبيق الشريعة الاسلامية ....بحث !!!!

    5 – التدرج في الأنظمة الوضعية :

    إن التدرج في التشريع والتطبيق هو المنهج المتبع في معظم الأنظمة والقوانين والمذاهب السياسية في تاريخ الدول، وإن من يخرج على هذا المبدأ يصاب بالإحباط ويلحقه الفشل ويستمر بالحديد والنار إلى حين، كما حصل في المنظومة الشيوعية والاشتراكية.

    يقول الدكتور عبد الحميد متولي: "إذا نظرنا في تاريخ تلك الأنظمة والمذاهب تبين لنا أن الكثير منها تأخذ بسنة التدرج، وأن مراعاة هذه السنة في مقدمة عوامل ما كتب لها من نجاح، وأن عدم مراعاة البعض لتلك السنة يعد في مقدمة عوامل ما كتب على بعض الأنظمة من اخفاق أو انهيار، وعلى بعض المذاهب من اندثار أو عدم انتشار" ثم يقول: "فإذا كانت الطفرة أمراً مستطاعاً بل ومستحسناً أحياناً أو واجباً في ميدان الصناعة أو التعليم كما حدث في اليابان...، إلا أن الطفرة في ميدان المذاهب أو الأنظمة الاجتماعية أو السياسية تعد طريقاً وعراً لا تؤمن عواقبه، وتكثر شروره ومتاعبه، بل كثيراً ما تكون معول هدم يهز من تلك المذاهب والأنظمة أركانها ويقوض بنيانها"
    ( الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي للدستور ، المتولي ص180).

    6 – مقابلة البناء بالهدم:

    رأينا سابقاً التدرج في التشريع الإسلامي حتى اكتمل، واستمر في التطبيق عدة قرون، ثم بدأ معول الهدم، وتم هدم الأحكام الشرعية بالتدرج شيئاً فشيئاً، وهذا ما نبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم وحذر منه، فعن فيروز الديلمي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لينقض الإسلام عروة عروة، كما ينقض الحبل قوة قوة"
    (هذا الحديث رواه الإمام أحمد (4/232))،
    وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لينقضن الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة" ( هذا الحديث رواه الإمام أحمد (5/251)، وإذا كان الهدم يتم بالتدرج، وهو أسهل، فالبناء يحتاج إلى التدرج بالأولى.

    فقد تمّ إلغاء الأحكام الشرعية تدريجياً، ونقضت أحكامها شيئاً فشيئاً منذ العهد العثماني، وتسربت القوانين الإجنبية إلى البلاد الإسلامية قانوناً فقانوناً، بدءاً من قانون العقوبات الذي ألغى تطبيق الحدود الشرعية والقصاص، ثم القانون التجاري، وقانون الشركات، ثم القانون المدني وغيره، ولابد من استخدام نفس المبدأ، والمعاملة بالمثل، لتعود الأحكام الشرعية إلى التطبيق والحياة خطوة خطوة، ويتم بناء الإسلام عروة عروة، وهذا ما يوجبه المنطق والعقل.


    خامساً : السياسة الشرعية في التدرج:

    إن وظيفة الإمام أو الحاكم المسلم هو حفظ الدين وسياسة الدنيا، وذلك بحفظ الدين بأقصى الوسع على المؤمنين، ودفع شبهات الزائغين، وأن يبني أموره على وجه الرأي والصواب، مما يسمى السياسة الشرعية
    ( قواعد في السياسة الشرعية، للدكتور محمد عبد الرزاق الطبطبائي ص18,20 عن غياث الأمم للجويني ص148,194 ).

    وعرف الغزالي رحمه الله تعالى السياسة فقال: "أعني بالسياسة: استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي في الدنيا والآخرة" ( شيخ الإسلام ابن تيمية، للدكتور فؤاد عبد المنعم ص55، عن فاتحة العلوم للغزالي ص5)،
    فالسياسة الشرعية هي تحقيق المصلحة فيما لم يرد فيه دليل جزئي، ونقل ابن القيم رحمه الله تعالى تعريفها عن ابن عقيل، فقال: "السياسة ما كان فعلاً يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول، ولا نزل به وحي" ثم يقول: "والسياسة العادلة جزء من أجزاء الشريعة وباب من أبوابها، وتسميتها سياسة أمر اصطلاحي، وإلا فإذا كانت عدلاً فهي من الشرع" (الطرق الحكمية، ابن القيم ص19، ونقل ابن القيم مثل ذلك في : أعلام الموقعين 4/372).

    ويقول ابن تيمية رحمه الله تعالى في قوله عز وجل: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) النساء/58، قال: "وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل، فهذا جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة" ( السياسة الشرعية لابن تيمية ص8)، وحدد السياسة الشرعية بأنها "جماع الولاية الصالحة والسياسة العادلة مما يصلح الراعي والرعية" ( السياسة الشرعية لابن تيمية ).

    وقال الشيخ عبد الوهاب خلاف رحمه الله تعالى: "علم السياسة الشرعية علم يبحث فيه عما تدبر به شؤون الدولة الإسلامية من القوانين والنظم التي تتفق وأصول الإسلام، وإن لم يقم على كل تدبير دليل خاص" ( السياسة الشرعية، خلاف ص4 ).

    ويظهر من ذلك أن مناط السياسة الشرعية واسع وكبير، لأن تصرفات الإمام على الرعية منوطة بالمصلحة، وكل حكم تقتضيه حاجة الأمة فهو سياسة شرعية معتبرة ما دام متفقاً مع روح الشريعة ولا يناقض دليلاً منها، وتكون السياسة في الأحكام التي تختلف باختلاف العصور، وتتغير بتغير الأحوال، وتتبدل بتبدل المصالح، ولذلك يختار الإمام الأصلح والأنسب، وما يراه محققاً للمصلحة، ودافعاً للمفسدة ( شيخ الإسلام ابن تيمية ص77-78، 90، المدخل الفقهي العام، الزرقا 1/234، شريعة الإسلام، القرضاوي ص25, 27).

    ونقل ابن عابدين رحمه الله تعالى تعريف الغزالي للسياسة ثم قال: "وظاهر كلامهم أن السياسة فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي" ( شريعة الإسلام، القرضاوي ص27، عن حاشية ابن عابدين 3/203، 204 ).

    وتقضي السياسة الشرعية إذن أن يقوم أولو الأمر في الأمة بإنشاء الأحكام للناس بحسب ما تقتضيه دواعي الحاجة والمصلحة، وما يحقق نفعاً ومصلحة توافق روح الشريعة، وهي التي سماها ابن القيم رحمه الله تعالى بالقوانين السياسية(المدخل الفهي العام، الزرقا 1/233).

    وفي قمة الأعمال التي توجبها السياسة الشرعية أن يسعى الحاكم المسلم إلى التدرج في تطبيق الأحكام الشرعية، ويعمل على إنقاذها والعمل بها شيئاً فشيئاً مراعياً أحوال الناس وظروفهم، وطبائع النفس وعاداتها، وأخذاً بالحسبان الاعتبارات الداخلية والخارجية والدولية.

    وهذا ما ينصح به الحكماء، ويدعو إليه علماء الشريعة في وقتنا الحاضر في جميع المجالات، وفي الندوات والمؤتمرات والاجتماعات.

    يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي: "إن الإمام والحاكم الملتزم بالإسلام، ومن معه من أولي الأمر وأهل الاجتهاد في الأمة المسلمة يجدون أمامهم مجالاً فسيحاً في باب السياسة الشرعية، أي سياسة الأمة بأحكام الشرع، بحيث تستطيع الدولة المسلمة تحقيق كل مصلحة خالصة أو راجحة، ودرء كل مفسدة خالصة أو غالبة، وهي في ظل الشريعة السمحة لا تخرج عنها، ولا تحتاج إلى غيرها " (شريعة الإسلام، القرضاوي ص24).

    ثم يقول : "ومن أوسع أبواب السياسة الشرعية سنّ ما تحتاج إليه الأمة من تشريعات تنفيذية أو تنظيمية تستكمل بها الهيكل التشيعي" ( شريعة الإسلام، القرضاوي ).

    ثم يصرح بمبدأ التدرج في تطبيق الأحكام الشرعية اليوم، فيقول: "هذه السنة الإلهية في رعاية التدرج ينبغي أن تتبع في سياسة الناس عندما يراد تطبيق نظام الإسلام في الحياة بعد عصر الغزو الثقافي والتشريعي والاجتماعي للحياة الإسلامي .."، إلى أن يقول: "فإذا أردنا أن نقيم "مجتمعاً إسلامياً حقيقياً" فلا نتوهم أن ذلك يتحقق بجرة قلم، أو بقرار يصدر من ملك أو رئيس، أو مجلس قيادة أو برلمان، إنما يتحقق ذلك بطريق التدرج، أعني: بالإعداد والتهيئة الفكرية والنفسية والأخلاقية، والاجتماعية، وإيجاد البدائل الشرعية للأوضاع المحرمة التي قامت عليها مؤسسات عدة لأزمنة طويلة" (في فقه الأولويات، القرضاوي ص92 )، وهذا هو الواقع عملياً في معظم البلاد الإسلامية.

    وجوب طاعة الإمام في سياسته الشرعية:

    في هذا الإطار يجب على الناس أن يطيعوا الإمام الحاكم، وأن ينفذوا الأحكام الشرعية التي يراها على ضوء السياسة الشرعية، ويتحتم على الناس – حتى العلماء – متابعة الإمام إذا اجتهد في مسألة مظنونة، لذلك قال الجويني رحمه الله: "تحرم مخالفة الإمام في الأمر الذي دعا إليه، وإن كان أصله مظنوناً" ثم قال: "إذا رأى الوالي المنصوب رأياً في هذا الفن (أي من الأمور المجتهد فيها، ويعمل بها بمقتضى السياسة الشرعية) كان متبعاً، ولم يجد الرعايا دون اتباعه محيداً ولا متسعاً" ( قواعد في السياسة الشرعية، الطبطبائي ص29، عن غياث الأمم ص166, 193 ).

    وفي هذا المجال يجب أن يتم التعاون بين العلماء والحكام، وأن الحاكم يجب أن يأخذ برأي العلماء إذا لم يكن مختصاً بالأحكام الشرعية، أو لم يبلغ درجة الاجتهاد، لذلك يقول الجويني رحمه الله تعالى: "إذا كان سلطان الزمان لم يبلغ مبلغ الاجتهاد فالمتبوعون العلماء، والسلطان نجدتهم وشوكتهم وقوتهم...، وإن السلطان مع العالم كملك في زمان النبي، مأمور بالانتهاء إلى ما ينهيه النبي، فإن لم يكن في العصر نبي، فالعلماء ورثة الأنبياء، والقائمون بإنهائها مقام الأنبياء" (قواعد في السياسة الشرعية ص5،29، عن غياث الأمم للجويني ص246 ).

    التمهيد للحكم المستغرب:

    ومن السياسة الشرعية في تطبيق الأحكام والتدرج فيها وجوب تهيئة الأجواء، وهون موضوع مهم ومستقل، ووجوب التمهيد للحكم المستغرب، وهو ما نبه إليه ابن القيم رحمه الله تعالى، فقال: "إذا كان الحكم مستغرباً جداً مما لم تألفه النفوس، وإنما ألفت خلافه، فينبغي للمفتي أن يوطئ قبله ما يكون مؤذناً به، كالدليل عليه، والمقدمة بين يديه" (أعلام الموقعين، لابن القيم 4/163)، ويذكر مثالاً في منهج القرآن قبيل نسخ القبلة، ويتوسع في الاستدلال والتعليل له، ثم يقول بعد ذلك: "والمقصود أن المفتي جديد أن يذكر بين يدي الحكم الغريب الذي لم يؤلف مقدمات تؤنس به، وتدل عليه وتكون توطئة بين يديه" ( أعلام الموقعين، لابن القيم ).

    وهذا ما أشرنا إليه سابقاً أن الإسلام أصبح غريباً بين أهله، وقد ألف الناس في معظم البلاد الإسلامية القوانين والأنظمة المطبقة عليهم في حياتهم ومعاشهم، وأصبح كثير من الأحكام الشرعية غريباً عليهم، بل لا يأنسون له، وقد يزيد الأمر بالتنكر له، والتشكك في صلاحيته، فتفرض السياسة الشرعية توعيتهم أولاً، والتدرج معهم ثانياً.

  8. #8
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    06 2011
    المشاركات
    1,998

    رد : التدرج في تطبيق الشريعة الاسلامية ....بحث !!!!


    نماذج من السلف الصالح من تدرّجهم رضي الله عنهم وفتاواهم في ذلك:

    1- روى ابن الجوزي أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز دخلعلى أبيه أمير المؤمنين الخليفة الراشد الخامس وقت قيلولته يستعجله بردّ المظالمإلى أهلها، فقال له عمر : يا بني، إن نفسي مطيتي، إن لم أرفق بها لم تبلغني، إني لوأتعبت نفسي وأعواني لم يكن ذلك إلا قليلا حتى أسقط ويسقطوا، وإني لأحتسب في نومتيالأجر مثل ما أحتسب الذي في يقظتي، إن الله لو أراد أن ينزل القرآن جملة لأنزله،لكنه أنزل الآية والآيتين حتى استكنّ الإيمان في قلوبهم . (سيرة عمر بن عبد العزيزص127) .

    2- وروي أن ابنه عبد الملك قال له : يا أبت لم لا تنفذ الأمور ؟فوالله لا أبالي في الحق لو غلت بي وبك القدور ! فقال له عمر رضي الله عنه : "لاتعجل يا بني، فإن الله ذمّ الخمر في القرآن مرّتين وحرمها في الثالثة، وأنا أخاف أنأحمل الناس على الحق جملة فيدفعوه وتكون فتنة" .(العقد الفريد 1/30 ، الموافقات 2/94) .

    وفي هذين الأثرين تقوية لاستدلال المبيحين للتدرّج بالتدرج في تشريع الأحكام كما هو في دليلهم الأول، إذ يظهر أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه استدل على التدرّج في التطبيق بالتدرج في التشريع .

    3- سئل الإمام مالك رحمه الله تعالى عن الرقيق العجم، يُشترون في شهر رمضان وهم لا يعرفون الإسلام ويرغبون فيه، لكن لا يفقهون ما يُراد منهم، فهل يُجبرون على الصيام أم يُطعمون ؟ فقال : أرى أن يُطعموا ولا يمنعوا الطعام ويرفقبهم حتى يتعلموا الإسلام، ويعرفوا واجباته وأحكامه . (البيان والتحصيل 1/291)

    4- وفي معنى ما أفتى به الإمام مالك رحمه ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث جاء في فتاواه :

    ”فالعالم في البيان والبلاغ كذلك، قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكّن، كما أخر الله سبحانه إنزال آيات وبيان أحكام إلى وقت تمكّن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا إلى بياﻧﻬا...
    فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما كان بيانه لما جاء به الرسول شيئًا فشيئًا بمنزلة بيان الرسول لما بعث به شيئًا فشيئًا
    . ومعلوم أن الرسول لايبلّغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، ولم تأت الشريعة جملة، كما يقال: إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع. فكذلك المجدد لدينه والمحيي لسنته لا يبّلغ إلا ما أمكن علمهوالعمل به، كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلّقن جميع شرائعه ويؤمركلها. وكذلك التائب من الذنوب والمتعلم والمسترشد، لا يمكن في أول الأمر أن يؤمربجميع الدين ويذكر له جميع العلم فإنه لا يطيق ذلك. وإذا لم يطقه لم يكن واجبًاعليه في هذه الحال، وإذا لم يكن واجبًا لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعهابتداءً، بل يعفو عن الأمر والنهي بما
    لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان، كماعفا الرسول عما عفا عنه إلى وقت بيانه. ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وتركالأمر بالواجبات، لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل، وقد فرضنا انتفاءهذا الشرط.
    فتدبر هذا الأصل فإنه نافع. ومن هنا يتبين سقوط كثير من هذه الأشياء،وإن كانت واجبة أو محرمة في الأصل، لعدم إمكان البلاغ الذي تقوم به حجة الله فيالوجوب أو التحريم، فإن العجز مسقط للأمر والنهي وإن كان واجبًا في الأصل، واللهأعلم.“ (الفتاوى 20/59- 61) .

    كلام شيخ الإسلام هنا؛ فتوى في إباحة التدرّج في تطبيق الشريعة الإسلامية شيئا فشيئا حتى يتكامل التطبيق، فكلام المبيحين للتدرج إنما هو في الحال الذي لا يتمكّن فيه الداعية إلى تحكيم الشريعة من تطبيقهاعلى وجه الكمال، فيلجأ إلى التدرّج في ذلك، أملا في الوصول إلى الوضع التامّ، وهوعين فتواه

    5- قال ابن القيم رحمه الله:
    ”وتأخير الحدّ لعارض أمر و ردت بهالشريعة، كما يؤخر - أي الحد - عن الحامل والمرضع، وعن وقت الحر والبرد والمرض. فهذا تأخير لمصلحة المحدود، فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى“ (إعلام الموقّعين 3/18) .

    يشير ابن القيم رحمه الله إلى مسألة تأخير تطبيق الحدّ - كما كان مع الغامدية في تأخير حدّ الزنا عليها -، وهذا التأخير الوارد في الحديث إنما هو لمصلحة المحدود أو من يتعلق به، فكيف إذا تعلقت المصلحة بالإسلام والدعوة الإسلامية؟ لا شك أنه أولى كما ذكر هذا الفقيه الفذّ رحمه الله

  9. #9
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    06 2011
    المشاركات
    1,998

    رد : التدرج في تطبيق الشريعة الاسلامية ....بحث !!!!

    وأيضاً ما ذكره العز بن عبدالسلام:"والشريعة كلها مصالح إمَّا تدرأ مفاسد، أو تجلب مصالح"،
    وتتسم أحكام الشريعة باليسر ورفع الحرج والتخفيف ومن أهم علامات اليسر في الشريعة التدرج في التشريع والتمهيد له والقفز على هذا التدرج والتمهيد يُعَدُّ مخالفة صارخة لصحيح الدين،
    ناهيك عن مخالفة ذلك بطبيعة الحال لسنن الكون والحياة

  10. #10
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    06 2011
    المشاركات
    1,998

    رد : التدرج في تطبيق الشريعة الاسلامية ....بحث !!!!


    سادساً : تغير الفتوى بحسب الأحوال:

    ومما يسوغ التدرج في تطبيق الشريعة في عصرنا الحاضر ما قرره الفقهاء وعلماء الأصول من وجوب تغيير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والعوائد والأعراف، وأن الظروف الراهنة بالمسلمين توجب الأخذ بالتدرج في التطبيق، وتفرض التريث وعدم الطفرة أو التطبيق فجأة أو دفعة واحدة.

    وهذا ما بينه ابن القيم رحمه الله تعالى تحت عنوان "تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والعوائد والأعراف، وقال: "ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل، وهذا المفتي الجاهل أضر على أديان الناس وأبدانهم" وذكر أمثلة كثيرة من هدي الرسول e ، وعن الصحابة رضي الله عنهم (أعلام الموقعين، لابن القيم 3/14).

    وسبقه إلى ذلك العلامة القرافي المالكي في كتابه الفريد "الإحكام في تمييز الفتاوي عن الأحكام" وبين أن استمرار الأحكام التي مدركه العرف والعادة مع تغير تلك العوائد "خلاف الإجماع وضلالة في الدين" ثم قال: "بل كل ما هو من الشريعة يتبع العوائد يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة، وليس هذا تجديداً للاجتهاد من المقلد حتى يشترط فيه أهلية الاجتهاد، بل هذه قاعدة اجتهد فيها العلماء وأجمعوا عليها" (الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، القرافي ص231 طبع مكتبة التراث – حلب ).

    ثم يقول القرافي أيضاً في تغير العرف وبناء الأحكام على العرف الجديد دون القديم "فمهما تجدد من العرف اعتبره، ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك...، فالجمود على المنقولات أبداً ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين، والخلف الماضين" ( الفروق، للقرافي 1/176-177).

    وأكد ذلك العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى، فقال في رسالته: "نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف" : "إن كثيراً من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو لفساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولاً للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد، لذا نرى مشايخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد (إمام المذهب) في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه، لعلمهم بأنه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به أخذاً من قواعد مذهبهم" ( مجموعة رسائل ابن عابدين 2/125، مطبعة محمد هاشم المكتبي 1325هـ).

    وهذا ما قرره العلماء في عصرنا الحاضر، بناء على القاعدة الفهقية "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان".

    قال الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله تعالى : "من أسباب تبدل الأحكام الاجتهادية اختلاف الاوضاع والأحوال والوسائل الزمنية عما كانت عليه في السابق حينما قررت تلك الأحكام إما لتبدل الوسائل الحيوية...، وإما لفساد طائ على أخلاق الناس العامة" ( المدخل الفقهي، 1/101 ).

    وقال الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي: "أجاز فقهاء الشريعة تغير الفتوى بتغير الأزمان والأمكنة والأعراف والأحوال، مستدلين في ذلك بهدي الصحابة وعمل الخلفاء الراشدين الذين أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نهتدي بسنتهم ونعض عليها بالنواجذ " ( في فقه الأولويات، للقرضاوي ص90 ).

    ثم عرض هذا الموضوع بتوسع أكثر مع الأمثلة من السنة وهدي الصحابة، وعمل التابعين ومن بعدهم ( عوامل السعة والمرونة في الشريعة، للقرضاوي ص74 وما بعدها ).

    وإننا نرى أن العرف السائد في بلاد العالم اليوم، ومنها البلاد الإسلامية، أن الإسناد الناري القوانين، وإصدار الأنظمة والتشريعات إنما تتم بالتدرج، وهذا يوجب على الحكام المسلمين العمل على تطبيق الشريعة بالتدرج والروية والحكمة.
    يقول ابن تيمية رحمة الله تعالى: "فالواجب على المسلم أن يجتهد وسعه، فمن ولي ولاية يقصد بها طاعة الله وإقامة ما يمكنه من دينه ومصالح المسلمين، وأقام فيها ما يمكنه من ترك المحرمات، لم يؤاخذ بما يعجز عنه، فإن تولية الأبرار خير للأمة من تولية الفجار".


    جواز التدرج في تطبيق الشريعة الاسلامية....بحث متكامل ووافي
    بالأدلة من الكتاب والسنة الثابتة وفعل الخلفاء واقوال أهل العلم قديما وحديثا ..وتعريف مصطلح التدرج في تطبيق الشريعة

    أبوبلال
    الأربعاء 14 ذو القعدة 1429هـ
    الموافق: 12/11/2008م

  11. #11
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    06 2011
    المشاركات
    1,998

    رد : التدرج في تطبيق الشريعة الاسلامية ....بحث !!!!

    حكم التدرج في تطبيق الشريعة

    الشيخ حامد العلي
    التدرج في تطبيق الشريعة ، قـد يندرج تحت واحـدة من هذه القواعد الكبار :
    أحدهما : سقوط التكليف بالعجـز.
    والثانية : ( فأتوا منه ما استطعتم ).
    والثالثة : ارتكاب أخف الضررين.
    والرابعة : تقديم الأرجح عند التعارض بين المصالح والمفاسـد.
    وإذا علم أنَّ تطبيق الشريعة في نظام الدولة ـ وليس على نفس الإنسان ومن تحت يده فحسب ـ قـد يعنـي ـ في بعض البلاد ـ تغيير واقع كبيـر مخالف للشريعة ، كثيـر التفاصيل ، في حياة معقَّدة ، تطرأ فيها آلاف المسائل الجديدة ، التي تحتاج إلى علماء ، وقضاة ، على دراية بما يقضـون فيه ، فلا يقول أنـَّه يمكن فعل ذلك بغيـر تدريج مطلـقاً إلاَّ جاهـل لـم يتصوَّر المشروع أصـلا ، وهـو لا يعرف ماذا يعني هذا العنـوان الكبيـر ، وإنما أخذ عنوانـاً وطار فيه مطار الغوغـاء ، والدهماء !
    فإذا انضـمِّ إلى أنَّ المشروع في مثل هذه البيئـة ، كونها بيئــةً ذات تحفــُّز دائم لحـرب عدوّ متربّص ، وحصار خانـق منغِّـص ، مع قلـّة الإمكانات ، وضعف القدرات ، فإنَّ من يظن تحريـم التدرّج مطلقـا ، فهو من أجهـل الناس ، ولا يقول هذا ـ أصـلاً ـ إلاَّ من لم يمارس الفتوى ، ولا القضاء ، ولا يعرف أعباءهما في الناس ، وإنما قصـر نظره على مسائل محددة ، وتعصّـب عليها .
    وإذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( لاسيما في هذه الأزمنة المتأخرة التي غلب فيها خلط الأعمال الصالحة بالسيئة في جميع الأصناف ، لنرجّح عند التزاحم ، والتمانع خير الخيرين ، وندفع عند الاجتماع شـر الشرِّين ، ونقدم عند التلازم ـ تلازم الحسنات والسيئات ما ترجح منها ـ فإنّ غالب رؤوس المتأخرين ، وغالب الأمة من الملوك ، والأمراء ، والمتكلمين ، والعلماء ، والعباد ، وأهل الأموال يقع ـ غالبا ـ فيهم ذلك ) الاستقامة (2/168)
    إذا كان هذا في ذلك الزمان فكيف بنا نحن اليـوم ؟! وقد انتشر الفساد ، وعم البلاد ، وصارت القوانين الوضعية ، ربما تسري على كلِّ شيء صغيـرٍ وكبيـرٍ ، في حياة الناس.
    وكيف ليت شعري يُقـال يحــرم التدرّج مطلقــا ، وأنـّه لايحـل لمن أوتي مقاليد السلطة إلاّ يجعـل الناس يستيقظون بين عشية ، وضحاها ، ليجدوا حياتهم كلّهــا صارت إلى الشريعة محتكمة ، وبالهدى في جميع مناحي الحيـاة ملتزمـة ؟!!
    ولهذا فلابد أن يتناقض قائل هذا القول العجيـب في حالـه ، وهو لايشعـر ، ومن الطريف أنّ شخصاً جادلني مرة في هذه المسألة ، فقلت له متى جئت من السفـر ؟ قال البارحة ، قلت بجواز دولتك ، قال نعم ، قلت بأية قوانين دوليـّة سمحوا لك بالدخول ؟ ولماذا أبرزت الجواز وعليه شعار الدولة الحاكمة بغير الشريعة ، طالبا ـ ضمنيـّا ـ العمل بتلك القوانين التي تقنن التنقل بين الدول ، للسماح لك بعبور الحدود ، فبهـت ! وقلت له : أنت تسمع من مجاهيل يكتبون في ( إنترنت ) ، وقّعـوا عقـداً ليسمح لهم بهذه الكتابة في موقـع ، يخضع لقوانيـن وضعية ، مع شركات تخضع لقوانين دول كافرة ، وقد يكونون ـ مع ذلك ـ مقيمين فيها بعد توقيعهم على لجوء سياسي تحتكم قوانينه لتلك الدول ، بما فيها من إقرار بجريانها على أنفسهم ، وأهليهم ، وكلُّ ذلك يعذرون أنفسهم فيه ، ويتأوّلـون ، ثم لايريدون أن يعذروا إخوانهـم في أيِّ تأويل تأوّلــوه ، أليس هذا من التشاحّ النفسي الذين يحصل بين الجماعات بسبب نجاح بعضها على حساب الآخر ليس إلاّ ؟!
    وقلت له من يـظنُّ أنه لو قام حاكم يريد العمل بالشريعة ، في ظـلّ بلاء الناس بكلِّ هذه القوانين الوضعيّة ، والواقع المخالف للشـرع ، لايحتاج إلى التدرج حتى يغيـِّر هذا كلَّه ، ولو كان هذا التدرج في الإعلان أيضـا ، حتى إنـّه قـد يضطرّ إلى القول بخلاف ما يضمره لمن يخشى غائلته ، القول بخلاف ذلك من أجـل نجاح التغيير إلى الشرع ، حتـّى يمُضـي من شريعة الله ، ما يمكنه من غيـر أن يفسد عليه ما أراد ، وله أن يفعل ذلك ، وليس هذا من التنازل المذموم .
    وليس هذا بأشدّ مما ذكـره ابن حجر في الإصابة في ترجمة الصحابي الجليل عبدالله بن حذافة السهمي لما أسرته الروم : ( فقال ـ أي زعيم الروم ـ قبل رأسي وأنا أخلـّي عنك ، فقال : وعن جميع أسارى المسلمين ، قال نعم ، فقبل رأسه ، فخلّى بينهم ، فقدم بهم على عمر ، فقام عمر فقبل رأسه ، وأخرج بن عساكر لهذه القصة شاهداً من حديث بن عباس موصولاً ، وآخر من فوائد هشام بن عثمان من مرسل الزهري‏ ) ‏.
    فهذا الصحابي الجليل ـ إنْ صحت الرواية ـ تأوَّل في تقبيل رأس الطاغوت الأكبر في ذلك الزمـان ، مما ظاهره ـ والصحابة من ذلك براء ـ توقير الطاغوت ، وتعظيمـه ، لما رأى من أنه يجوز تحمّل هذه المفسدة ، في سبيل تحصيل مصلحة راجحة عظيمة.
    من يظـنُّ ذلك ، فسبب أنه لم يعان هذا الأعباء العظيمة ، أعني أعباء أمة بعيدة عن دينها ، وشريعة ربها ، ولا يتصور تفاصيلها ، وإنما يجلس مع أمثاله يلقون بالأحكام بغير علم.
    وقلت له لقد كان لطالبان سفيـرٌ في باكستان ، والسفير لايقبل رسميا إلاّ وفق قوانين الدولة ، بل كان لها سفير في بعض دول الخليج أيضا ، وكانت تتدرج في تغيير بعض ما يخالف الشـرع ، وتتلطـّف فيها ، حتى تنجح في تغييره ، حــذراً من أن تحصـل مفسدة راجحة ، فالواجب أن نعذر الذين نعرف عنهـم ، أنهم يحملون مشروعا إسلاميا ، ويتضح ذلك على أحوالهم ، ويبدو جليـَّا من فكرهم ، ومحاضنهم التي يربـُّون فيها أنصارهم ، يجب أن نعذرهـم إن تأوّلوا في التدرج في تحويل المشروع الإسلامي إلى واقع حياتي ، لاسيما مع كثرة أعباءهم ، ومع كثرة الشرور في الناس ، فكيف إذا انضمّ إلى ذلك كونهم محاربين ، ومحاصرين؟! ومن يسـوّي بين هؤلاء الإسلاميين ، وبين العلمانيّين الذين يتبنـُّون الفكر العلماني في أحزابهم ، ويربّون عليه كوادرهم ، ويقيمون عليهم مشروعهم سـرَّا وعلانية ، من يسوّي بينهم ، فهـو متنكّب الهدى ، حاكم بالجور ، مثيـرٌ للفتن في بلاد الإسلام .
    وقلت : لم يكن العلماء قـطّ يسوّون بين حملة الفكر الإسلامي الذين يتأولون في المشاركات السياسية ، السعـي للتغير عبرهـا ، وبين الأحزاب العلمانية ، فيكفـِّرون الجميع ، ويستحلـُّون دماءهم ، ويدعون إلى قتالهم !! فهذا الفكر الغالي ، والشاذ جديد على الساحة الإسلامية ، لاندري مـَن رؤوسه ، ولايعرفون بعلم ، ولا سابقة فيه ، ولهذا لايهتدون لتناقضاتهم فيما يدّعون ، فإذا قيل لبعضهم تكفرون هذه الجماعة الإسلامية لأنها تأولت في التدرّج في الشريعة ، أو في المشاركة السياسية ، قالوا لانكفـرّهم ، ثم يعاملونهم معاملة الكفـّار ، ويسمونهـم طواغيت ! ثـمَّ يلقـون بكلامهم هذا إلى الصغار ، والجهـّال ، المتعطشين للجهاد ، ويصورون لهم إخوانهم في الحركات الأخرى كأنهم شياطين في جثمان إنس ، ويدخل بينهم شياطين حقيقية تؤجج هذه النار ، حتى تُذبـح الحركات الإسلامية ـ وبعضها جهادية كما في العراق ـ بسيوف ظاهرها إسلامية ، وحقيقتها جهل بالإسلام ، وظلم للأنام ، تحركها من حيث لاتشعر دوائر الإجرام.
    والله المستعان ، وإنا لله وإنا إليه راجعون ، ونسأل الله أن يكفَّ عاديتهم على الأمـة بلطفه .
    ولنعد الآن إلى إيضاح مسألة التدرج في تطبيق الشريعـة :
    أما اندراج التدرج في الشريعة فيما ذكرت من قواعد الفقه ، فكما يلي :
    أما سقوط التكليف بالعجز ، فهذا واضح ، فقد يعجز الحاكـم أن يغيـّر بعض الجوانب ، لعدم وجود آلات التغييـر ، فيسقط عنه ، وإذا كان محاصراً ـ مثلا ـ ولا يمكن جلب القضاة الشرعيين بما يكفـي ، فإنه يتدرَّج ، فيبدأ بما يقدر عليه ، ويؤجِّـل ما يعجـز عنه إلى القـدرة ،
    وأما فعل ما يقدر عليه العبد من الوجوب ، فكذلك قد يفعل بعض الواجب ، ويتدرج حتى يُكمـل ما وجـب عليه فعله إذا قـدر ، فهذا ما كُلـف به شرعا أصـلا ، وهذا كلـُّه لا إشكال فيه ، ولا يخلو عبـد من الحاجة إليه أصلا ، وهو من تيسير الشريعة السمحة التي جاءت بـ ( ما جعل عليكم في الدين من حرج ) .
    وأما إرتكاب أخـفّ الضررين ، فقـد تقـرّر فـي الشريعة ، أنـَّه يجــوز فعل الضرر الأقـل ، إذا كان الأكبـر لايندفـع إلاَّ بذلك ، فلو كان الحاكم يعلم أنَّه لـو منـع التدرج ، لأدَّى ذلك إلى مفسدة أعظم ، هي سقوط المشروع برمِّتـه ، وفشـله ، فله أن يتـدرَّج دفعا لأعظم الضررين .
    ‏ويُستدل على قاعدة إرتكاب أخف الضررين ، بما في صحيح البخاري : ( جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد ، فزجره الناس فنهاهم النبي ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فلمـَّا قضى بوله ، ‏ ‏أمر النبيّ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏بذنوب من ماء ‏ ‏فأهريق عليه) . قال ابن حجر رحمه الله : (بل أمرهم بالكف عنه للمصلحة الراجحة ، وهو دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما . وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما).
    فهذا النبيُّ صلى الله عليه وسلم أجّـل تغيير منكر هو من أعظم المنكر ، وهو البول في مسجده الشريف عليه الصلاة والسلام ، وفي حضرته عليه الصلاة والسلام ، لما في عدم التأجيل من مفسدة أعظـم.
    ولا ريب أنّ إصلاح العوائد المخالفة للشرع ، بالتدريج شيئاً فشيئاً ، مع مفسدة بقاء المظالم بأيدي أصحابها حينـاً من الوقت ، خير من ترك الإصلاح كلّه ، أو الوقوع في فتنة يعقبها فساد كلّ شيء.
    وأما العمل بالأرجح عند تعارض المصالح مع المفاسد ، فقد يكون التعجل في التطبيق مفسدته راجحة على مصلحة التدرج ، فيجب سلوك الأرجح.
    كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( وقولي عند عدم المعارض الراجح فإنه قــد لا يترك الحرام البيـِّن ، أوالمشتبه ، إلاَّ عند ترك ما هو حسنة موقعها في الشريعة ، أعظم من تلك السيئة ،مثل من يترك الائتمام بالإمام الفاسق فيترك الجمعة ، والجماعة والحج ، والغزو ـ يعني وحينئذ فلا يترك هذا الحرام بل يفعل ـ وكذلك قد لا يؤدّي الواجب البيـّن ، أو المشتبه ، إلاَّ بفعل سيئة أعظم إثمـا منتركه ، مثل من لا يمكنه أداء الواجبات من الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكرلذوي السلطان ، إلاَّ بقتال فيـه من الفساد أعظم من فساد ظلمه ) ويعني أنه لايفعل هذا الواجب بل يتـرك في هذه الحالة.
    فإذا نظر الحاكـم إلى مآلات الأمور ، وثمارها ، وتبين له أنَّ المصلحة في التدرج أرجح من مفسدة التأجيل ، جاز له فعل ما ترجحت مصلحته

  12. #12
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    06 2011
    المشاركات
    1,998

    رد : التدرج في تطبيق الشريعة الاسلامية ....بحث !!!!

    لقد آمنا أيماناً لا جدال فيه ولا شك معه ، واعتقدنا عقيدة أثبت من الرواسي ، وأعمق من خفايا الضمائر ، بان ليس هناك إلا فكرة واحدة ، هي التي تنقذ الدنيا المعذبة ، وترشد الإنسانية الحائرة ، وتهدي إلى سواء السبيل ، وهي التي تستحق أن نضحي في سبيل إعلائها ،والتبشير بها وحمل الناس عليها ، سواء بالأرواح والأموال، وكل رخيص وغال، هذه الفكرة هي((الإسلام الحنيف)) الذي لا عوج فيه ولا خلل لمن اتبعه : (( شهد الله أنه لا اله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا اله إلا هو العزيز الحكيم ))((إن الدين عند الله الإسلام )).((اليوم أكملت لكم دينكم أتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا )). ففكرتنا بهذا إسلامية بحتة ، على الإسلام ترتكز ، ومنه تستمد ، وله تجاهد ، وفي سبيل إعلاء كلمته تعمل ، لا تعدل بالإسلام نظاما ، ولا ترضى سواه إماماً ولا تطيع لغيره حكاماً....حسن البنا

  13. #13

    رد : التدرج في تطبيق الشريعة الاسلامية ....بحث !!!!

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    الحمدلله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبيه الكريم وبعد.
    أخي الفاضل: لا يوجد وجه دلاله دقيق فيما تستدل به على قول التدرج , ان ما استدللت به انما هي نصوص تتحدث عن رفع الضيق والحرج وعن يسر الاسلام, وهذا أمر معلوم في ديننا..
    وعليه!! لان الدين يسر فاننا نطالب باقامته كاملا في حياة المسلمين..فالدين صالح لكل زمان ومكان.
    ولدي اعتراض على موضوع الاخ الفاضل .
    التدرج يعني تعطيل جملة من أحكام الله التي شرعها لعباده فترة من الزمن وهل هذا يجوز؟,
    والتدرج يعني تطبيق قانون وضعي بدلا منه خلال هذه الفترة, وهذا يعني ان القانون الرباني غير صالح لان يحكم العباد في بعض الاحيان "وهذا باطل",وأن القانون الوضعي صالح لذالك!! لان الاصلح مقدم دائما!!
    يقول ابن عثيمين رحمه الله:
    "ومن هؤلاء من يضعون للناس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية لتكون منهاجًا يسير الناس عليه، فإنهم لم يضعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق، إذ من المعلوم بالضرورة العقلية والجبلة الفطرية أن الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه إلا وهو يعتقد فضل ما عدل إليه ونقص ما عدل عنه". [شرح الأصول الثلاثة لابن عثيمين (ص158)]
    وقال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالته "التسعينيّة": «والإيجاب والتحريم ليس إلاّ لله ولرسوله فمن عاقب على فعل أو ترك، بغير أمر الله ورسوله وشرّع ذلك ديناً فقد جعل لله ندا ولرسوله نظيراً؛"
    :يقول ابن جبرين رحمه الله «أنّ الشرع إلى الله تعالى، فهو الذي شرع الشرائع وهو الذي سن الأحكام وهو الذي ألزم عباده بالعمل بهذه الشريعة... ومن المعلوم أن شريعة الله تعالى كاملة لا تحتاج إلى تكميلٍ ولا إلى تغيير، قال تعالى {اليوم أكملت لكم دينكم} وقال تعالى {ما فرّطنا في الكتاب من شيء}..."انتهى

    كذتلك فان القرءان عندما تتدرج مع العرب بداية الاسلام,فان ذالك لان العرب كانوا على الكفر ولديهم كثير من العادات التي نشأوا عليها فكان التدرج مناسبا, ونحن لا نقاس عليهم لاننا نولد على الاسلام والحمدلله فلماذا التدرج مع المجتمع المسلم الذي نشأ على التوحيد.
    والأمر الاهم: فان النص من حين نزوله يجب السمع والطاعة بلا تردد وهذا الذي كان عليه السلف.
    فحرام محمد حرام الى يوم الدين .. وما أمر به محمد فأمته مأمورة به الى يوم الدين .. فلا مجال لتعطيل الأحكام وان وجد ضوابط وشروط توقيف حكم معين وكان الامر قابل للاجتهاد كان ذالك ..أما أن يعطل الحكم ويتم صياغة قانون بشري بدلة فهذا أمر مرقوض شرعا وخطير جدا.
    .ثم أسأل هل ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام بعد نزول أيات التحريم .. تدرج مع الداخلين في الاسلام.أي مثلا هلى بعد تحريم الخمر كليا تدرج في تحريمها مع اللذين أسلموا بعد ذالك.فالجواب لا.
    لانه منذ أن نزل النص كان يجب تطبيقة بالسمع والانقياد.لانه لا اجتهاد في مقابل النص.
    فنحن عباد الله, في أرض الله. تحت سماء الله , نأكل من رزق الله لا يصلح لنا الا شرع الله.في كل نواحي الحياة
    ثم ان الفانون الوضعي عندما طبق على البشر طبق جملة واحدة وفرضوه على الامة بلا تدرج . فشريعتنا اولى بذالك اذ أنه لا مقارنة ولله الحمد فشريعتنا تدعو للفضيلة والسعادة وكفى ان في اقامتها طاعة لله ورسوله.
    نسأل الله الهدايةوالسلامة لنا ولكل مسلم.

  14. #14
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    06 2011
    المشاركات
    1,998

    رد : التدرج في تطبيق الشريعة الاسلامية ....بحث !!!!

    عليك الرجوع لمفهوم التدرج هذا أولا

    لكن سؤالي .... ولماذا الأمة الأسلامية لا تطبق الشريعة الآن جملة واحدة ؟؟؟

  15. #15
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    06 2011
    المشاركات
    1,998

    رد : التدرج في تطبيق الشريعة الاسلامية ....بحث !!!!

    المقصود بالتدرج في التطبيق:

    يقصد من التدرج في التطبيق أمران:

    الأول : بيان الأحكام الشرعية للناس شيئاً فشيئاً، لتتم معرفتهم، واستيعابهم لها، وإدراكهم لحقيقتها، والتدرج فيها من الأيسر إلى ما يليه، ومن السهل إلى الأشد، ومن القريب لأذهانهم إلى ما بعد عنهم، حتى ينخرطوا في دين الله وشرعه، ويقتنعوا به، ويلتزموا بأحكامه فكراً وسلوكاً، وهذا واجب العلماء والدعاة خاصة، وواجب كل مسلم عامة.

    الثاني : وضع الأحكام الشرعية في أنظمة وقوانين للانتقال بالامة والمجتمع والدولة من الأنظمة والقوانين الوضعية والمطبقة عملياً إلى الأنظمة والقوانين المستمدة من الشريعة السمحة، ليسود دين الله وشرعه في التعامل وسائر شؤون الحياة، وهذا يعني عدم تطبيق الشريعة فجأة أو دفعة واحدة، أو استعجال الأمر، بل يوجب وضع الخطوات المدروسة في سبيل ذلك لتأمين النجاح أولاً، والاستمرار ثانياً.

    وهذا واجب المختصين في الشريعة، والمختصين في التنظيم وإعداد المشروعات، وواجب الحكام وأولي الأمر.

    وهذا يقتضي وجوب التعاون بينهم، مع السعي الحثيث والجاد لتطبيقه وتنفيذه، ومع حسن النية في ذلك، وإخلاص القصد لله تعالى، والتوجه إليه بطلب العون والتوفيق والسداد.

    فالتدرج في التطبيق هو تطبيق جزئي لبعض الأحكام الشرعية التي تهيأت الظروف المناسبة لها، ثم السعي لتهيئة المجال لتطبيق الجزء الثاني من الأحكام، وهكذا حتى يتم تطبيق الشريعة كاملة في الحياة والمجتمع، على أن يتم أثناء ذلك بيان المبادئ الأساسية في سائر الأحكام، وخاصة المحرمات التي يوجه الناس إلى تركها والامتناع عنها ريثما يتم معالجتها وتطبيق الأحكام الشرعية فيها، فإذا انتهت مراحل التدرج تحقق فعلاً تطبيق الشريعة بعون الله وتوفيقه.

    إن العمل على تطبيق الشريعة الإسلامية منوط بالدولة والحكام رسمياً، وهو من المهام الجسام، والوظائف المقدسة، وإن التدرج في التطبيق من أهم الوسائل التي تستخدمها لتحقيق تلك الغاية الشريفة.

  16. #16
    مراقب الصورة الرمزية أبوعبدالرحمن
    تاريخ التسجيل
    04 2005
    الدولة
    قلوب المحبين
    العمر
    28
    المشاركات
    4,458

    رد : التدرج في تطبيق الشريعة الاسلامية ....بحث !!!!

    وما رأيك دكتورنا الفاضل في ما يطلق عليه الشاليهات الموجودة على شاطئ غزة :

    هل يعتبر تقديم الشيشة ( الأرجيلة ) للسيدات من باب التدرج في التطبيق أم مسايرة المنكر

    غير أن عليها دعاية لبنك ربوي وهو بنك فلسطين فهل يجوز مثل هذا

    إذا كان هذا المكان من الأماكن الحكومية والتي يجب أن يكون فيها الأمر مضبوط ووفق الشريعة الإسلامية

    فلماذا يتم ليس فقط التدرج وإنما المخالفة الواضحة لنصوص الشريعة الإسلامية

    يجب أن يقال الحق شئنا أم أبينا

    سيحق الله الحق
    توقيع أبوعبدالرحمن
    طالما عشت حياة لا أحب أن يسبقني فيها أحد ،
    والآن أتمنى أن يأتي ذلك اليوم الذي أرى فيه اسم يسبق اسمي فينسب لي ويكون
    قرة عين


  17. #17
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    06 2011
    المشاركات
    1,998

    رد : التدرج في تطبيق الشريعة الاسلامية ....بحث !!!!

    الدعوة للتصحيح مطلوبة خاصة اذا ثبت المخالفة الشرعية
    ولكن بضوابطها ، وما طرح بعيد عن موضوع المشاركة

    لكن السؤال كيف تريد تطبيق الشريعة الأسلامية في منطقة او بقعة صغيرة كقطاع غزة ، ما هي الطريقة والوسائل والخطوات المتبعة ؟؟؟؟

    وفقك الله في الأجابة ومن ثم ننتقل الى التطبيق

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبوعبدالرحمن مشاهدة المشاركة
    وما رأيك دكتورنا الفاضل في ما يطلق عليه الشاليهات الموجودة على شاطئ غزة :

    هل يعتبر تقديم الشيشة ( الأرجيلة ) للسيدات من باب التدرج في التطبيق أم مسايرة المنكر

    غير أن عليها دعاية لبنك ربوي وهو بنك فلسطين فهل يجوز مثل هذا

    إذا كان هذا المكان من الأماكن الحكومية والتي يجب أن يكون فيها الأمر مضبوط ووفق الشريعة الإسلامية

    فلماذا يتم ليس فقط التدرج وإنما المخالفة الواضحة لنصوص الشريعة الإسلامية

    يجب أن يقال الحق شئنا أم أبينا

    سيحق الله الحق

  18. #18

    رد : التدرج في تطبيق الشريعة الاسلامية ....بحث !!!!

    السلام عليكم .
    الحمدلله رب العالمين, والصلاة والسلام على نبيه الكريم.وبعد..
    الأخ الفاضل د.أبو بلال ان المسلم متى تبين له الحق وجب عليه الاتباع, ولو أني أرى أن دعوة التدرج حق لاتبعتها.
    فمن المعلوم الذي لا يختلف عليه اثنان ان الدين يكون دائما متبوع وملزم للعباد أي المسلمين, ولا يكون الدين تابع أبدا. فالدين آمر وليس بمأمور .فقولنا بالتدرج يصور للناس أن الشريعة ثقيلة وصعبة لذالك نتدرج بها "وهذا باطل" .

    وليس من الشرع ولا المعقول أن نجزئ الدين والشريعة بما يتناسب مع الناس ..
    فلا اجتهاد مع النص.. ولا قاعدة فقهية مع النص .. ولا عقل مع النص ..
    لان كثيرا من الناس يتبع الهوى كما صرح القرءان بدالك"وأكثرهم للحق كارهون"
    يقول ابن القيم رحمه الله : إن الله سبحانه قد أتم الدين بنبيه وأكمله به , ولم يحوجه ولا أمته بعده إلي عقل ولا نقل سواه , ولا رأي ولا منام ولا كشوف , وأنكر علي من لم يكتف بالوحي عن غيره , فقال : ﴿ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَي عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَي لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾"ا.هـ
    فتحكيم الشريعة هو الإسلام ولا يعني هذا تطبيق الحدود فقط , بل تطبيق الإسلام كله أي المنهج الذي جاء به محمد – صلي الله عليه وسلم - كاملا ، وفي جميع مجالات الحياة وجوانبها ، فلا إله إلا الله منهج حياة تشمل جميع جوانبها 00يقول تعالى﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾
    فمنهج الله لا يشمل الحياة فقط بل يشمل الموت أيضا ، فهو منهج ترتبط فيه الدنيا بالآخرة والحياة بالموت والظاهر والباطن ومصالح الدنيا والآخرة في حكم كلي واحد لا تنفصل أحكامه بعضها عن البعض الآخر فهو إسلام لله في الأرض والسماء والدنيا والآخرة والحياة والموت وهو العروة الوثقي لا انفصام لها , ولذا من أصول الاعتقاد التي لا بد أن يعرفها ويؤمن بها كل مسلم , أن دين الله شامل كامل صالح في جميع الأوقات في جميع مشكلات الحياة ونوازلها في أي مكان وزمان فهو عام شامل في الزمان والمكان والإنس والجن 0
    قال الله تعالى :﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا ﴾
    فمنذ نزول آية ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ﴾ المائدةَ (90) - صارت حراماً وستبقي كذلك إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يجوز أبداً لأحد أن يستبيحها أو أن يعود ليحرّمها تدريجياً كما يدّعي القائلون بالتدرج ، لأن زمن الوحي قد انتهي ، ولا يجوز للحاكم أن يُسقط الحد عن شاربها ، إلاّ إذا كان هناك رخصة شرعية كالاضطرار .
    فالقول بجواز التدرج معناه جواز الحكم بغير ما أنزل الله "مرحلياً"، أي أنه لن يحكم بما أنزل الله في بعض المسائل، فيدخل تحت آية ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ﴾ أو آية ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾ أو آية ﴿فأولئك هم الكافرون﴾
    إذا نظرنا إلي سيرة الحبيب المصطفي عليه وآله الصلاة والسلام، وجدنا أنه لم يَقْبل أن يعفي ثقيف من بعض الأحكام (ومنها الصلاة)، ولم يقبل تأجيل هدم صنمهم اللات شهراً، بل رفض بشكل حاسم، وأصرّ علي أن يجتنبوا ما حرّم الله كاملاً (لا بالتدرج)0والقصة رواها ابن هشام في سيرته.
    فلا يعقل أن تتوفر القدرة علي عدم تطبيق شرع الله ، ولا تتوفر القدرة علي تطبيق شرع الله .
    فقوله تعالى : ﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ الحشر(7) و"ما" من ألفاظ العموم، فتشمل جميع الأوامر وجميع النواهي، فيجب التقيد بكل ما أمر الله به وما نهي عنه ، أما من حيث المكلفون، فهو موجه لجميع المؤمنين ، فالعموم كائن في الخطاب وفي المكلفين0
    وقوله تعالى:﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ الأحزاب(36) فبعد أن أكمل الله لنا الدين لم يبق لنا أن نتخير بين ما كلفنا به، فنحن مكلفون بجميع الأوامر والنواهي 0
    والقائلون بالتدرج بعد إكمال الدين؛ يريدون أن يتخيروا، إذ لا معني للتدرج إلا التخير بين فعل أو ترك ما أمرنا به أو نهينا عنه، وهذا لا يصح.
    يقول ابن القيم "لا يجوز العمل فى دين الله بالتشهي والهوى"
    وأخيرا: فلا تعارض بين التطبيق وبين توعية الناس والعباد.
    انظر الى ما رواه ابن القيم في "زاد المعاد":
    (فقال كنانة بن عبد يإليل: هل أنت مقاضينا حتي نرجع إلي قومنا ؟ قال: نعم ، إن أنتم أقررتم بالإسلام أقاضيكم، وإلا فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم، قال: أفرأيت الزنا فإنا قوم نغترب ولا بد لنا منه؟ قال: هو عليكم حرام، فإن الله يقول: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً﴾، قالوا: أفرأيت الربا فإنه أموالنا كلها؟ قال: لكم رؤوس أموالكم، إن الله تعالى يقول:﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ﴾ قالوا: أفرأيت الخمر، فإنه عصير أرضنا لا بد لنا منها؟ قال: إن الله قد حرمها، وقرأ:﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ﴾ ، فارتفع القوم فخلا بعضهم ببعض، فقالوا: ويحكم إنا نخاف إن خالفناه يوماً كيوم مكة، انطلقوا نكاتبه علي ما سألناه. فأتوا رسول الله صلي الله عليه وسلم فقالوا: نعم لك ما سألت، أرأيت الربّة ماذا نصنع بها؟ قال: اهدموها، قالوا: هيهات، لو تعلم الربة أنك تريد هدمها لقتلت أهلها... فقال عمر بن الخطاب: ويحك يا ابن عبد يإليل ما أجهلك! إنما الربة حجر، فقالوا: إنا لم نأتك يا ابن الخطاب، وقال لرسول الله صلي الله عليه وسلم : تولّ أنت هدمها، فأما نحن فإنا لا نهدمها أبداً، قال: سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها، فكاتبوه)0فالحديث واضح جدا على ما أقول .
    نسأل الله الهداية والسداد.

  19. #19
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    06 2011
    المشاركات
    1,998

    رد : التدرج في تطبيق الشريعة الاسلامية ....بحث !!!!

    رحمك الله ورحمنا الله جميعا ايها المسلمون

    القضية ليست كما قمت بتشخيصها ، الأمر فيما نقدر عليه بالأستطاعة في التطبيق، والقاعدة كما هو معلوم أن التكليف على قدر الأستطاعة

    وكما نعلم أن المسلم اذا استطاع التطبيق بالكلية فهذا هو الذي نتطلع له ، لكن اذا لم نستطع فما هو المطلوب؟؟؟؟

    هل نترك الكل ام نتدرج في تطبيق ما نستطيعه من احكام الشرع والدين ؟؟؟؟

    لكن حتى هذه اللحظة يبدو ان تعريف التدرج غير واضح عندك

    لكن سؤالي لك : ماذا يفعل أب مسؤول عن أولاده وبيته وأسرته اذا وجد ولد عاق لا يصلي ؟؟؟
    وهذا في باب الدعوة الى الله تعالى

    وسؤال آخر ...رجاء الأجابة عليه

    لو وصل المسلمون الى الحكم الأسلامي ، وأعلان دولة الأسلام ، كم هي المدة المطلوبة لتطبيق الشريعة على عموم المسلمين ؟؟؟؟ وما هي أو الأحكام التي يجب تطبيقها ؟؟؟

    بالتوفيق في الأجابة

  20. #20
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    06 2011
    المشاركات
    1,998

    رد : التدرج في تطبيق الشريعة الاسلامية ....بحث !!!!

    منهج عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى:

    ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة سنة 99هـ، وقد وقع قبله كثير من الأخطاء والانحراف والظلامات، والابتعاد عن شرع الله وأحكامه، فأراد عمر رحمه الله تعالى أن يصلح الأمور، ويعيد تطبيق الأحكام الشرعية كاملة، واتخذ مبدأ التدرج في تطبيق الأحكام الشرعية منهجاً له، ولذلك يصلح منهجه في ذلك أن يكون مثالاً ومثلاً مباشراً لعصرنا الحاضر.

    وسار عمر بن عبد العزيز رحمه الله على هذا المنهج عملياً في الإسلاح، وصرح به فقال: "لو أقمت فيكم خمسين عاماً ما استكملت فيكم العدل، إني لأريد الأمر وأخاف أن لا تحمله قلوبكم، فأخرج معه طمعاً من الدنيا، فإن أنكرت قلوبكم هذا سكنت إلى هذا" ( تاريخ الخلفاء، للسيوطي ص 218).

    فيرى عمر بن عبد العزيز أنه يحتاج إلى مدة طويلة لإعادة الأمور إلى مجاريها، وإقامة العدل الذي يطلبه الشرع، وأنه يسعى لذلك شيئاً فشيئاً حتى ولو تسامح مع الناس في المباحات، وتوسع معهم فيها حتى يستدرجهم إلى التزام الأوامر والطاعات، وترك المناهي والمحرمات، ويقول: "ما طاوعني الناس على ما أردت من الحق، حتى بسطت لهم من الدنيا شيئاً" (حلية الأولياء 5/290.

  21. #21
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    06 2011
    المشاركات
    1,998

    رد : التدرج في تطبيق الشريعة الاسلامية ....بحث !!!!

    ما ذكره العز بن عبدالسلام:"والشريعة كلها مصالح إمَّا تدرأ مفاسد، أو تجلب مصالح"،
    وتتسم أحكام الشريعة باليسر ورفع الحرج والتخفيف ومن أهم علامات اليسر في الشريعة التدرج في التشريع والتمهيد له والقفز على هذا التدرج والتمهيد يُعَدُّ مخالفة صارخة لصحيح الدين،
    ناهيك عن مخالفة ذلك بطبيعة الحال لسنن الكون والحياة

  22. #22
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    06 2011
    المشاركات
    1,998

    رد : التدرج في تطبيق الشريعة الاسلامية ....بحث !!!!

    التدرج في تطبيق الشريعة ، قـد يندرج تحت واحـدة من هذه القواعد الكبار :
    أحدهما : سقوط التكليف بالعجـز.
    والثانية : ( فأتوا منه ما استطعتم ).
    والثالثة : ارتكاب أخف الضررين.
    والرابعة : تقديم الأرجح عند التعارض بين المصالح والمفاسـد.

  23. #23
    عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    06 2011
    المشاركات
    1,998

    رد : التدرج في تطبيق الشريعة الاسلامية ....بحث !!!!

    يقول الدكتور عجيل النشمي: "فالتدرج وسيلة لا غاية" ثم يقول: "إن التدرج مجرد أسلوب ووسيلة، فهو وسيلة بحد ذاته، وليس هدفاً أو غاية يسعى لها، فيستخدم هذا الأسلوب حيث لا يمكن الوصول إلى الغاية إلا به".

    ويجب تجنب السرعة والتهور والقفز المباشر دفعة واحدة، خشية العواقب السيئة التي يغلب وقوعها، نتيجة للمعوقات الكثيرة التي تعترض تطبيق الشريعة.

 

 

تعليقات الفيسبوك



ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •