عائشة التيمورية .. شاعرة اعتزَّت بحجابها
www.annajahkotla.com


الكتلة الاسلامية
1/2/2012


حين تشرق شمس بعد غروب طويل يزهر الفضاء بسواسن اشتاقت لشعاعها.. ويحلو للعصفور التحليق في سمائها بحثاً عن أشعة نسجتها على طريق النور.. هكذا يمكن النظر إلى عائشة التيمورية التي يمكن عدُّها شمساً سطعت في سماء المرأة المسلمة بعد انقطاع دام قروناً.. فقدت خلالها المرأة أهميتها ودورها في بناء لبنات المجتمع.. وبات من يعرف كيف يفك الخط عالماً.. ومن يحسن قراءة القرآن شيخ زاوية .. وأضحى الموروث من العرف أقوى في ألباب الناس من النهج الرباني.. فغدت المرأة متاعاً ووعاء ليس إلاَّ !!!!

في هذا الموج الشديد الظلمة وخلف أستار ليله الدامس ولدت شاعرتنا عائشة تيمور

من تكون ..؟

عائشة التيمورية (1840-1902) هي عائشة عصمت هانم بنت إسماعيل باشا بن محمد كاشف تيمور، شاعرة مصرية ولدت في أحد قصور "درب سعادة" وهو أحد أحياء الدرب الأحمر حين كانت تلك المنطقة مقرًا للطبقة الارستقراطية ولعائلاتها العريقة، وهي ابنة إسماعيل باشا تيمور رئيس القلم الافرنجي للديوان الخديوي في عهد الخديوي إسماعيل (يعدل منصب وزير الخارجية حاليًا) ثم أصبح رئيسًا عامًا للديوان الخديوي، كان اسم والدتها هو ماهتاب هانم وهي شركسية تنتمي للطبقة الارستقراطية، وهي أخت العالم الأديب أحمد تيمور ولكن من أم أخرى هي مهريار هانم وهي شركسية الأصل، وعمة الكاتب المسرحي محمد تيمور، والكاتب القصصي محمود تيمور .

نشأت عائشة في بيت علم وسياسة، فأبوها رجل له مكانته السياسية ورجل مثقف له شغف بمطالعة كتب الأدب،

ويبدو أنَّ عائشة تأثرت به فظهر حبها للعلم من نعومة أظفارها .. ومالت للقراءة أكثر من الحياكة والتطريز.. وتجلى اهتمامها بالقرطاس أكثر من الغسل والطبخ الأمر الذي لم يكن مألوفاً في عصر أقصى ما تتعلمه المرأة هو الأعمال المنزلية والتطريز !!!

كانت والدة عائشة تيمور من ربات الخدور اللواتي يسعين إلى تعليم بناتهن ما ينفعهن في حياتهن الزوجية فحسب .. فلم تقبل بميول ابنتها وعملت على تعنيفها حرصاً منها على تعلم ما يصلح لها .. خاصة وأن ذلك العصر كان يقيس المرأة بمقاييس العرف السائد.. لكن والدها كان له موقف معاكس من والدتها.. فما لبث أن اهتم بموهبة ابنته الأدبية وعمل على تشجيعها ..

ولما كان عصرها مقتصراً على الكتاب ومدارس الذكور التي لم تحظ بها سوى المدن الكبرى فقد جلب لها المعلمين والمعلمات لتعلم القرآن الكريم والفقه والخط والشعر وعلم العروض.. ممَّا ساهم في صقل موهبتها وظهورها بشخصية تختلف عن بنات عصرها .. واستمرت على ما شغف به قلبها يجذبها العلم بحباله المتينة أكثر ممَّا تستهويها مجالس النساء وحكايات القيل والقال .. فنفرت ممَّا اعتادت عليه بنات جيلها لتنزوي خلف أبواب مجالس الأدب التي اعتاد والدها أن يقيمها في بيته تستمع لأقوال الأدباء والشعراء دون أن يعلم بها أحد.. الأمر الذي أدى إلى حدوث صراع بين الأم والأب عبرت عنه في مقدمة ديوانها (حلية الطراز)؛ حين قالت: "فلما تهيأ العقل للترقي، وبلغ الفهم درجة التلقي تقدمت إلي ربة الحنان والعفاف، وذخيرة المعرفة والإتحاف، والدتي تغمّدها الله بالرَّحمة والغفران، بأدوات النسج والتطريز، وصارت تجد في تعليمي وتجتهد في تفهيمي وتفطيني، وأنا لا أستطيع التلقي، ولا أقبل في حرف النساء الترقي، وكنت أفر منها فرار الصيد من الشباك، والتهافت على حضور محافل الكتب بدون ارتباك، فأجد لصرير القلم في القرطاس أشهى نغمة، وأتخيّل أنَّ اللحاق بهذه الطائفة أوفى نعمة، وكنت ألتمس - من شوقي - قطع القراطيس وصغار الأقلام، وأعتكف منفردة عن الأنام، وأقلد الكتاب في التحرير لأبتهج بسماع هذا الصرير، فتأتي والدتي، وتعنفني بالتكدير والتهديد فلم أزدد إلاَّ نفوراً، وعن هذا التطريز قصورا، فبادر والدي تغمد الله بالغفران ثراه، وقال لها: "دعي هذه الطفلة للقرطاس والقلم، واحذري أن تكثري من الكسر في قلب هذه الصغيرة، وأن تثلمي بالعنف طهرها، وما دامت ابنتنا ميالة بطبعها إلى المحابر والأوراق، فلا تقفي في سبيل ميلها ورغبتها، وتعالي نتقاسم بنتينا، فخذي عفت وأعطيني عصمت، وإذا كان لي من عصمت كاتبة وشاعرة فسيكون ذلك مجلبة الرَّحمة لي بعد مماتي".

ودعينا نتوقف هنا قليلاً، فهذا كان موقف والدة عائشة .. وكم منا تريد أن تتحكم برغبة ابنتها او حتى ولدها .. تريدها طبيبه تريدها مهندسة وهي لا تجد في ذلك رغبة .. قد ترغب بأمر لو فتح لها المجال لأبدعت وأبحرت فيه .. لذا لا نريد أن نكون عقبة في وجه رغبات أبنائنا بعد ان نفوم بالطبع بواجب النصح والتوجيه وان ندلي بكل خبراتنا امامهم وهم بعد ذلك الأقدر على معرفة ما يجدون انفسهم فيه ..

فانصرفت تواسي نفسها بقراءة القرآن عاكفة على دراسته ، وتنهل من الحديث الشريف الأمر الذي أضفى على حياتها إجلالاً وإكباراً ، وأكسب قلمها مزيداً من السمو

وما إن بلغت عائشة تيمور الرابعة عشرة من عمرها حتى تزوجت من محمد توفيق زاده فعاشت معه كسيدة أرستقراطية.. يحفل منزلها بالخدم والحشم.. فلم تصرف وقتها بين دور الأزياء وصالونات الشعر كما تفعل النساء.. بل عكفت في أوقات فراغها على كتب الصرف والنحو والعروض حتى أتقنت اللغة العربية إلى جانب إتقانها للغتين الفارسية والتركية .. فكتبت باللغات الثلاث دواوين شعرها التي تركتها نموذجاً لانبلاج فجر الوعي في حياة المرأة المسلمة بعد كبوة طويلة.

وشاءت الأقدار أن تمتحن عائشة في ابنتها ( توحيدة ) التي ماتت وهي في مقتبل العمر.. ويبدو أن توحيدة كانت برعم شجرة باسقة من امها عائشة فحزنت لفراقها أيما حزن .. وأطلقت المراثي والآهات التي جاء منها :

أمــاه لا تنسي بحق بنوتي قبـري لئلا يحزن المقبـور
ورجاء عفو أو تـلاوة منزل فسواك من لي بالحنين يزور
فلعل ما أحظى برحمة خالــق هــو ربنا راحم وغفــور

وقد قالت هذه الأبيات وقلبها يعتصر ألماً وكمداً بعد وفاة ابنتها توحيده التي بلغ عمرها ثمانية عشر عاما بعد أن كانت تعدها لتكون سندا لها وكانت تعاملها على أنها أختها لا ابنتها، فلما توفيت توحيده أصيبت عائشة بإحباط وألم شديدين منعاها الكتابة بل ودفعها ذلك لحرق معظم ما كتبت من أشعار بثلاث لغات منها العربية والتركية ثم جنحت إلى الوحدة ولم يخرجها من هذه الحالة إلا بلوغ ابنها محمود فتقرب إليها وجمع لها أشعارها واستأذنها في طبعها لها في ديوان .

فانصرفت تواسي نفسها بقراءة القرآن عاكفة على دراسته ، وتنهل من الحديث الشريف الأمر الذي أضفى على حياتها إجلالاً وإكباراً ، وأكسب قلمها مزيداً من السمو.. فأطلقت لكتاباتها الشعرية والنثرية العنان تشدو في الكثير من المجالات التي عاصرتها مطالبة المجتمع بتهذيب الفتيات وتعليمهن .. وصرفت جل اهتمامها لتحقيق هذا الهدف .. فكانت كما وصفها معاصروها درة يتيمة في عصر الرِّجال.

ولعلَّ دفاعها عن الحجاب واعتزازها وتمسكها به وهي من القليلات اللائي كن يقلن الشعر، في عصرها، وعلى الرغم مما يدعيه البعض من أن الأديبات يجب أن يكن متبرجات، فقد كانت أديبتنا نموذجا للمبدعة المسلمة والمعتزة بحجابها ودينها، فكانت على سبيل المثال لا تجالس الرجال وتقرأ شعرها في حضرة النساء الشاعرات فقط ممن اشتهرن في عصرها فقالت عن حجابها:

بيد العفاف أصون عز حجابي وبعصمتي أسمو على أترابـي
ولقد نظمت الشعر شيمة معشر قبلي ذوات الخدر والأحسـاب
عوذت من فكري فنون بلاغتي بتيمية غراء وحرز حجــاب
ما ساءني خدري وعقد عصابتي وطراز ثوبي واعتزاز رحابـي

وهذه أبيات لها تعكس مدى علو روحانياتها وما تحويه من ذل يقرّبها إلى باب مولاها العزيز الرَّحيم:
إلهي سيدي أنت الجليـــــل
بباب رجائك العبد الذليـــل
ضعيف الحال منكسر فقيـر
كثير الغي ناصره قليــــــل
فأنت لذنبه رب غفــــــــور
كريم صفحه السامي الجزيل

وها هي تدعو إلى التأمّل في كثير من أشعارها فتطلب من الناس التفكر في النهايات غير المرئية وعدم الاكتفاء بالنظر في بدايات الأمور، لأنَّ لكلِّ شيء نهاية، ومهما تكمل الحياة تنقص حتى تصير إلى زوال فتقول :
إن تم أمر ما؛ فراقب يا فتى
نقصانه عما قليل ، وانظـــر

وفي قصيدة من أجمل ما كتبت تبدو حكمتها وخبرتها بحقيقة الحياة وتتمنى أن يفطن العقلاء إليها ولا ينقادوا وراء زخرفها الفاني تقول:
حوادث الدهر للإنسان مـــرآة
مصقولة كم بها للدهر عبــرات
فمن رأى حظه تهذيب زخرفــــــة
بكل زين؛ نبت عنه المسـرات
لا تلتفت لبهيج راق منظـــره

ونراها تنهى النَّاس عن النميمة قائلة:
احفظ لسانك من ذم الأنـــــام ودع
أمر الجميع لمن أمضاه في القــدم
معايب الناس لا يكبرن عن غلطي
إذا نممت بها في محفـــل الهمـــــم

ومن نتاجها ديوان باللغة العربية باسم (حلية الطراز) وآخر بالفارسية طبع بمصر وبالأستانة وبإيران، ولديها رسالة في الأدب بعنوان: "نتائج الأحوال في الأقوال والأفعال" طبعت بمصر وتونس.

لديها رواية بعنوان "اللقا بعد الشتات" وتركت رواية أخرى غير مكتملة بخط يدها.
نشرت عائشة في جريدة الآداب والمؤيد عددا من المقالات عارضت فيها آراء قاسم أمين ودعوته إلى السفور. ومن آثارها الأدبية الأخرى «مرآة التأمل في الأمور» وكتاب يضم مجموعة من القصص باسم «نتائج الأحوال في الأقوال والأفعال». وتوفيت في 2 مايو من عام 1902م.

هذه عائشة تيمور سباقة عصرها في الخروج من قيد العادات البالية وظلمة الأعراف التي لم ينزل الله عز وجل بها سلطاناً إلى نور نسج ظلاله على ثوبها المخملي.. تتوج حياتها الاجتماعية الأرستقراطية بدرر العلم والثقافة بدلاً من الألماس والذهب .. فهل لنا بالخروج أيتها المرأة المسلمة من دنيا السطحية إلى عالم الثقافة الحقيقية لنرقى وترقى أمتنا بين الأمم؟!!